Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١
الزُعُ (٢٦) - قَتْ: ٥٠ / ١٢-١٥
التذكير بحال المكذبين الأولين
وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ
١٣
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّ وَثَمُودُ
أَفَعِيْنَا بِالْخَلْقِ اُلْأَوَّلَّ
١٤
وَأَصْحَبُّ الْأَبْكَةِ وَفَوْمُ تُبَّعِ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدٍ
١٥
بَلْ هُمْ فِى لَبِّسٍ مِّنْ خَلْقِ حَدِيدٍ
المفردات اللغوية:
﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ﴾ أنث الفعل ﴿كَذَّبَتْ﴾ لمعنى قوم ﴿وَأَصْحَبُ الرَّ﴾.
أصحاب بئر لم تُظْو أي لم تبن، كانوا مقيمين عليها بمواشيهم، يعبدون
الأصنام، وهم قوم باليمامة، وقيل: أصحاب الأخدود، ونبيهم المزعوم:
حنظلة بن صفوان أو غيره ﴿وَأَصْحَبُ الْأَبْكَّةِ﴾ الغيضة الكثيفة الملتفة الشجر،
ج
وهم قوم شعيب عليه السلام ﴿وَفَوْمُ تُبَّعَ﴾ الحِمْيَري ملك اليمن، أسلم ودعا
قومه إلى الإسلام، فكذّبوه ﴿كلّ﴾ من المذكورين، أي كل واحد أو قوم
منهم، أو جميعهم ﴿كَذَّبَ الرَّسُلَ﴾ إفراد الضمير لإفراد لفظه ﴿فَنَّ وَعِدِ﴾
وجب نزول العذاب على الجميع، وحل عليهم وعيدي. وفيه تسلية للرسول
وَير وتهديد لهم، أي فلا يضيق صدرك من كفر قريش بك.
﴿أَفَعِيْنَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أفعجزنا على الإبداء حتى نعجز عن الإعادة؟ لم
نعي به، فلا نعيا بالإعادة، من العيّ عن الأمر: العجز عنه ﴿بَلَّ هُمْ فِى لَبِسِ
مِنْ خَلَّقِ جَدِيدٍ﴾ بل هم في شك وحيرة من البعث، أي هم لا ينكرون قدرتنا
على الخلق الأول، بل هم في خلط وشبهة من خلق مستأنف، لما فيه من مخالفة
العادة. وتنكير كلمة ﴿خَلْقِ﴾ لتعظيم شأنه والإشعار بأنه على وجه غير
متعارف ولا معتاد.
المناسبة:
بعد بيان تكذيب مشركي قريش والعرب للنبي وَلّ، ذكّرهم الله تعالى
٦٢٢
-
لُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١٢-١٥
وهددهم بما عاقب به أمثالهم من المكذبين قبلهم في الدنيا كقوم نوح وغيرهم،
تسلية لرسول الله وقلقه. ثم ذكر تعالى دليلاً جديداً على البعث وهو خلق الأنفس
في بداية أمر الخلق.
التفسير والبيان:
وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّ وَثَمُودُ
١٣
وَأَصْحَبُّ الْأَبْكَّةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلُّ كَذَبَ الرُّسُلَ نَقَّ وَعِدِ (9) أي إن الله
سبحانه هدد كفار قريش بأن يعاقبهم بمثل ما عاقب به الأمم السابقة قبلهم،
الذين كذبوا رسلهم، فعذبهم الله إما بالطوفان كقوم نوح عليه السلام، أو
بالغرق في البحر كقوم فرعون، أو بريح صرصر عاتية كعاد قوم هود، أو
بالريح الحاصب التي تأتي بالحصباء وخسف الأرض وهم قوم لوط، أو
بالصيحة وهم ثمود وأهل مدين وأصحاب الرس وأصحاب الأيكة قوم
شعيب، أوبالخسف وهو قارون وأصحابه.
والسبب أن كلاً من هذه الأمم كذب رسوله الذي أرسله الله إليه، فوجب
عليهم ما أوعدهم الله تعالى، وحقّت عليهم كلمة العذاب على التكذيب،
فليحذر المخاطبون أن يصيبهم مثلما أصاب هؤلاء الأقوام، لاشتراكهم في
العلة، وتكذيبهم رسولهم كما كذب أولئك رسلهم.
ثم ذكر الله تعالى دليلاً على إمكان البعث من الأنفس، فقال:
أي أفعجزنا
﴿ أَفَعِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبِ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ
بالخلق المبتدأ الأول حين خلقناهم ولم يكونوا شيئاً، أو بابتداء الخلق، فكيف
نعجز عن بعثهم وإعادتهم مرة أخرى؟!
· الحق أننا لم نعجز، والإعادة أسهل من الابتداء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَثُ عَلَيْهٍ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠] وقال جل
٦٢٣
الزُ (٢٦) - ف: ٥٠ / ١٢-١٥
جلاله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ
قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَشَأَهَا أَوْلَ مَرَةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ
VA
[يس: ٧٨/٣٦-٧٩] .
وجاء في الحديث القدسي الصحيح: ((يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم،
يقول: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته)) .
وإنما هم في شك وحيرة واختلاط من خلق مبتدأ مستأنف، وهو بعث
الأموات، فهم معترفون بأن الله هو مبدئ الخلق أولاً، فلا وجه لإنكارهم
البعث. وهذا توبيخ للكفار وإقامة الحجة الواضحة عليهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا تهديد لكفار قريش وأمثالهم بأحوال الأمم السابقة، وقد تكرر ذلك في
القرآن مراراً، لتأكيد العبرة والعظة، فإن من كذب رسول الله وَلقول استحق مثل
عقاب الأمم الذين كذبوا رسلهم، فهو تذكير بأنباء من قبلهم من المكذبين،
وتخويف بما أصابهم من العذاب الأليم في الدنيا.
وفيه أيضاً تسلية للنبي وَ ﴿ حتى لا يضيق صدره بتكذيب قومه له، وكفرهم
برسالته. وفي الآيات إشارة إلى أن الرسل جميعاً جاؤوا بالتوحيد وبإثبات
البعث.
ثم وبّخ الله تعالى منكري البعث، وأجاب عن قولهم: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
بأنه هل عَجَز الله عن ابتداء الخلق حتى يعجز عن إعادته؟ وهذا دليل من
الأنفس مضاف إلى الأدلة السابقة من الآفاق على صحة البعث وإمكانه عقلاً
وعادة، فالذي لم يعجز عن الخلق الأول، كيف يعجز عن الإعادة؟!
والحقيقة أنهم في حيرة من البعث والحشر، منهم المصدِّق، ومنهم المكذِّب،
وليس تكذيب المكذبين إلا كفراً وعناداً.
٦٢٤
٠
الزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١٦-٢٢
تقرير خلق الإنسان وعلم الله بأحواله
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسْوِسُ بِهِ، نَفْسُهٍُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
١٦
إِذْ يَقَى الْمُتَلَفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ ﴿﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ
صلے
عِيدٌ
﴿ وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُورِّ
ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَعَهَا سَأَبِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ
مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَكَ فَصَرُكَ اُلْيَوْمَ حَدِيدٌ
٢٢
الإعراب:
﴿ وَنَعْلَمُ مَا نُوَسُوِسُ بِهِ، نَفْسُهُمْ﴾ ﴿ وَنَعْلَمُ﴾: في محل حال، أي نحن نعلم.
و﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي، و﴿ تُوَسُّوسُ﴾: صلته، و﴿بِهِ﴾: في
موضع نصب متعلق بصلة الموصول، وهاء ﴿بِهِ﴾ تعود على ﴿مَا﴾.
﴿إِذْ يَلَقَى﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف، منصوب بـ اذكر مقدراً.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ﴾ ﴿فَمِيدٌ﴾: إما خبر عن الأول أو عن الثاني،
فإن كان عن الأول فأخّر اتساعاً، وحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وإن
كان عن الثاني، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. أو هو خبر عن الاثنين،
ولا حذف في الكلام، في قول الفراء.
﴿مَّعَهَا سَأَبِقٌ﴾ ﴿سَآَبِقٌ﴾: إما مبتدأ، وخبره
والجملة في موضع
﴿ مَعَهَا ﴾
جر ؛ لأنها صفة لـ
﴿نَفْسِ﴾ أو مرفوع بالظرف.
البلاغة:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) استعارة تمثيلية، مثّل الله تعالى علمه
بأحوال العبد بحبل الوريد القريب من القلب، للدلالة على القرب بطريق
الاستعارة.
٦٢٥
الزُُ (٢٦) - ث: ٥٠ / ١٦-٢٢
﴿عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ﴾ حذف بالإيجاز، أصله عن اليمين قعيد، وعن
الشمال قعيد، فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه. وبين ﴿اَلْيَمِينِ﴾ ﴿الشِّمَالِ﴾
طباق.
﴿وَجَءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ استعارة تصريحية، استعار لفظ السكرة لهول
الموت وشدته.
﴿اَلْوَرِيدِ﴾، ﴿فَعِيدٌ﴾، ﴿عَنِيْدٌ﴾، ﴿تَحِيدٌ﴾، ﴿اُلْوَعِيدِ﴾، ﴿وَشَهِيدٌ﴾،
﴿حَدِيدٌ﴾ توافق فواصل وسجع غير متكلف.
المفردات اللغوية:
﴿ تُوَسْوِسُ﴾ تحدث، من الوسوسة: الصوت الخفي، ومنها وسواس الحلي
والمراد: ما يخطر بالبال أو حديث النفس ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ العرق في صفحة
العنق، ولكل إنسان وريدان، والإضافة للبيان ﴿إِذْ﴾ أي اذكر حين ﴿يَلَفَّى
الْمُتَلَقِيَانِ﴾ يأخذ ويثبت الملكان الموكلان بالإنسان ما يعمله ﴿فَعِيدٌ﴾ مقاعد،
کجلیس بمعنی مجالس.
﴿رَقِبُ﴾ ملك يرقب قوله وعمله ويكتبه ويحفظه ﴿عَنِيدٌ﴾ حاضر مهيأ
لكتابة الخير والشر، فملك اليمين يكتب الخير، وهو أمير على كاتب
السيئات، وملك الشمال يكتب الشر ﴿سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ شدته التي تذهب
بالعقل ﴿بِالْحَقِّ﴾ بحقيقة الأمر ﴿ذَلِكَ﴾ الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدٌ﴾ تهرب
وتفزع وتميل عنه، والخطاب للإنسان.
﴿ وَنُفِخَ فِ الصُوَّرِ﴾ أي نفخة البعث ﴿ذَلِكَ﴾ النفخ ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ أي يوم
إنجاز الوعيد وتحققه للكفار بالعذاب ﴿وَحَآَتْ﴾ فيه ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ إلى المحشر
﴿ سَبِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ملكان أحدهما يسوقها إلى أمر الله، والآخر يشهد على النفس
بعملها.
٦٢٦
:
الجُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١٦-٢٢
﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ في الدنيا ﴿فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ الذي ينزل بك ﴿غِطَآءَكَ﴾
الغطاء الحاجب لأمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك في ملذات الدنيا ﴿فَصَرُكَ
اُلَّْوْمَ حَدِيدٌ﴾ حادٌ نافذ تدرك به ما أنكرته في الدنيا.
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الأدلة الساطعة على إمكان البعث في الآفاق
والأنفس، شرع في تقرير خلق الإنسان الدال على شمول علم الله تعالى،
وعظيم قدرته على بدئه وإعادته. ثم أخبر عن انكشاف الحقيقة بالموت، وإتيان
ملكين بكل نفس يوم القيامة للسوق إلى المحشر والشهادة عليها، ورفع حجاب
الغفلة عن كل إنسان، وإدراكه أحوال المعاد والحشر.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسُّوِسُ بِهِ، نَفْسُهُ, وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
أي تالله لقد أوجدنا الإنسان (وهو اسم جنس) ونعلم بجميع أموره،
حتى ما يختلج في سره وقلبه وضميره من الخير والشر، ونحن أقرب إليه من
حبل وريده، فكيف يخفى علينا شيء مما في قلبه، فقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ
حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ معناه أن الله تعالى لا يحجب عنه شيء، وقال ابن كثير: يعني
ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده.
فهذا إخبار من الله تعالى بأنه خلق الإنسان، وأن علمه محيط بجميع أموره،
حتى ما يجول في خاطره، وحتى حديث النفس، وأنه لا يخفى عليه شيء من
أحواله. لكن لا عقاب على حديث النفس؛ لقوله وَ لّ في الصحيح: ((إن الله
تعالى تجاوز لأمتي عما حدّثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به)) (١).
(١) أخرجه أصحاب الكتب الستة (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه)
عن أبي هريرة، وأخرجه الطبراني عن عمران بن حصين رضي الله عنه.
٦٢٧
الجُزُ (٢٦) - فَت: ٥٠ / ١٦-٢٢
والآية لإقامة الحجج على الكفار في إنكارهم البعث.
ثم ذكر سبحانه أنه مع علمه بما في قلب ابن آدم وكّل به ملکین یکتبان
ويحفظان عليه عمله، إلزاماً للحجة، فقال:
﴿إِذْ يَقَى الْمَُّلَفِيَنِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشَّمَالِ فَعِيدٌ ﴾﴾ أي ونحن أقرب من
الإنسان من كل قريب حين يتلقى الملكان الحفيظان ما يتلفظ به وما يعمل به،
فيأخذان ذلك ويثبتانه، عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، والقعيد: من
يقعد معك. فملك اليمين يكتب الحسنات، وملك الشمال يكتب السيئات.
جاء في الحديث عن أبي أمامة: ((كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب
السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا
عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشراً، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين
لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات، لعله يسبِّح أو يستغفر))(١).
، أي ما يتكلم ابن آدم من كلمة
﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَفِيْتُ عِيدٌ (٣)
إلا ولها من يرقبها، وهو حاضر معدّ لذلك، يكتبها، لا يترك كلمة ولا
كِرَامًا كَئِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا
حركة، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ
تَفْعَلُونَ (خَدَ﴾ [الانفطار: ١٠/٨٢-١٢]. الرقيب: المتبع للأمور، والحافظ لها،
والعتيد: الحاضر الذي لا يغيبُ والمهيأ للحفظ والشهادة.
وظاهر الآية أن الملك يكتب كل شيء من الكلام، وقال ابن عباس رضي
الله عنه: إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب. يؤيد الأول الحديث الحسن
الصحيح: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما
(١) ذكره الزمخشري والقرطبي والبيضاوي، وروى ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس مثل ذلك،
فقال: صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمين على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة
قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها.
٦٢٨
الجُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١٦-٢٢
بلغت، يكتب الله عزّ وجلّ له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم
بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله تعالی علیه بها
سخطه إلى يوم القيامة))(١) فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث
بلال بن الحارث. قال الحسن البصري وقتادة: يكتبان جميع الكلام، فيثبت الله
تعالى من ذلك الحسنات والسيئات، ويمحو غير ذلك.
وقال الحسن البصري، وتلا هذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِمَالِ فَعِيدٌ﴾: یا
ابن آدم، بسطت لك صحيفة، ووكِّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك،
والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن
يسارك، فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مِتّ،
طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة،
فعند ذلك يقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ
الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَنُهُ مَنْشُورًا (٣) أَقْرَأْ كِنَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ أَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
ثم يقول: عَدَل، والله، فيك من جعَلك حسيبَ نفسك.
١٤
وبعد بيان إنكارهم للبعث والرّد عليهم بإخبارهم عن قدرته وعلمه،
أخبرهم الله تعالى عن ملاقاة صدق ذلك حين الموت وحين القيامة، وعن قرب
القيامتين: الصغرى والكبرى، فقال عن الأولى:
﴾ أي يا أيها
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ اٌلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تِيدُ ◌َ
الإنسان، جاءت شدة الموت وغمرته التي تغشي الإنسان، وتغلب على عقله
ببيان اليقين الذي يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من
الأخبار بالبعث والوعد والوعيد، والذي كنت تمتري فيه، ذلك الموت أو
ذلك الحق الذي كنت تميل عنه وتفرّ منه. والخطاب للإنسان على طريق
(١) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وله شاهد في
الصحيح.
٦٢٩
الجُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١٦-٢٢
الالتفات في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ﴾ إذا فسر بـ: ذلك الموت، والخطاب
للفاجر إذا فسر بـ: ذلك الحق.
والباء في ﴿بِالْحَقِّ﴾ للتعدية، أي أحضرت السكرة حقيقة الأمر وجلية
الحال، من تحقق وقوع الموت، أو من سعادة الميت أو ضدها، كما نطق بها
الكتاب والسّنة.
جاء في الحديث الصحيح عن عائشة عن النَّبي ◌َّ: أنه لما تغشاه الموت،
جعل يمسح العرق عن وجهه، ويقول: ((سبحان الله، إن للموت لسكرات)).
ثم قال الله تعالى مخبراً عن القيامة الكبرى:
﴿وَنُفِخَ فِ اُلُوِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾ أي ونفخ في الصور نفخة البعث،
ذلك الوقت الذي يكون عظيم الأهوال هو يوم الوعيد الذي أوعد الله به
الكفار بالعذاب في الآخرة.
جاء في الحديث الثابت: أن رسول الله ﴿﴿ل قال: ((كيف أنْعَمُ وصاحب
القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له؟ قالوا: يا رسول
الله، كيف نقول؟ قال ◌َله: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال القوم:
حسبنا الله ونعم الوكيل)).
أي وأتت کل نفس من نفوس
﴿وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآِقٌ وَشَهِيدٌ ((چَا﴾
البشر، بالبدن والروح، معها ملك يسوقها إلى المحشر، وملك يشهد عليها أو
لها بالأعمال من خير أو شرّ.
ويقال للإنسان حينئذ:
﴿لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنَكَ غِطَآءَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ حَدِيدٌ (٣)﴾ أي
يقال للكافر أو لكل أحد من بَرّ وفاجر: لقد كنت في الدنيا غافلاً عن هذا
٦٣٠
الُعُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ١٦-٢٢
المصير وهذا اليوم، فرفعنا عنك الحجاب الذي كان لديك، والذي كان بينك
وبين أمور الآخرة، فبصرك اليوم قوي نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في
حياتك، لأن كل أحد يوم القيامة يكون مستبصراً مصيره، ومدركاً ما أنكره
في الدنيا.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن خلق الله تعالی الإنسان، وعلمه بکل ما يصدر منه حتی حدیث
النفس، دليل على قدرته تعالى على البعث، وإعادة الناس أحياء يوم القيامة.
أَ - إن علم الله بالإنسان وغيره شامل، لا يخفى عليه شيء، ولا يحجب
عنه شيء، وقد مثّل تعالى قربه من الإنسان بأنه أقرب إليه من حبل الوريد،
وهو مجاز يراد به قرب علمه منه، وشمول معلومه عنه، وليس المراد قرب
المسافة. قال الفُشَيري في آية: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾: في هذه الآية
هيبة وفزع وخوف لقوم، ورَوْح وأنس وسكون قلب لقوم.
◌َّ - إن الله تعالى أعلم بأحوال الإنسان من غير وساطة ملك، فهو لا يحتاج
إلى ملَك يخبر، ولكن توكيل ملكي اليمين والشمال بكل إنسان للإلزام
بالحجة، وتوكيد الأمر عليه.
٤ - يحصي الملكان كل شيء من أقوال الإنسان وأعماله، فما يتكلم بشيء
إلا كُتب عليه، وما يفعل من شيء إلا دُوِّن عليه، قال أبو الجوزاء ومجاهد:
یکتب على الإنسان كل شيء حتى الأنین في مرضه.
- ما دام الإنسان حياً يكتب عليه أقواله وأفعاله ليحاسب عليها، ثم
يجيئه الموت ويدرك الحق: وهو ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان
الله تعالى وعده وأوعده، ويقال لمن جاءته سكرة الموت: ذلك ما كنت تفر منه
وتهرب.
٦٣١
لُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ٢٣ -٣٠
أَ - إذا نفخ في الصور النفخة الآخرة للبعث، فذلك اليوم الذي وعده الله
للكفار أن يعذبهم فيه.
اً - يصحب كل إنسان يوم القيامة ملكان: سائق يسوقه إلى المحشر،
وشاهد يشهد له وعليه بأعماله. قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿سَآَبِقٌ
وَشَهِيدٌ﴾ اسما جنس، فالسائق ملائكة موكلون بذلك، والشهيد: الحفظة وكل
من یشهد.
٨ - يقال للإنسان البر والفاجر يوم القيامة: لقد كنت أيها الإنسان في
غفلة من عواقب الأمور، فاليوم تتيقظ وتبصر ما لم تكن تبصره من الحقائق،
وما لم تكن تصدِّق به في الدنيا، وتتغافل عن النظر فيه، كالإيمان بالله وحده لا
شريك له، والتصديق برسوله، وبالبعث والحشر والحساب.
الحوار بين الكافر وقرينه الشيطان يوم القيامة
مَنَّاعِ
٢٤
﴿ وَقَالَ فَرِيْتُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِدُ ﴿ أَلْفِيَا فِ جَهََّ كُلَّ كَفَّارٍ عِدٍ
لِلْخَيْرِ مُعْنَدٍ قُرِيدٍ ® الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَأَلْفِيَاهُ فِ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ
٢٦
قَالَ قَيْتُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيَّتُهُ وَلَكِن كَانَ فِ ضَلَلٍ بَعِيدٍ ﴿ قَالَ لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ
قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ
﴿ يَوْمَ نَقُولُ
مَا يُبَدَّلُ الْقَوَّلُ لَدَنَّ وَمَّ أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِبِيدِ
٢٨
٣٠
لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيدٍ
القراءات:
﴿نَقُولُ﴾:
وقرأ نافع (يقول).
الإعراب:
﴿هَذَا مَا لَدَنَّ عِيدٌ﴾ ﴿هَذَا﴾: مبتدأ، وخبره: ﴿مَا﴾ التي هي نكرة
٦٣٢
لُعُ (٢٦) - ثت: ٥٠ / ٢٣ -٣٠
موصوفة بمعنى شيء. و﴿عِيدُ﴾: إما خبر ثان، أو صفة لـ ﴿مَا﴾ أو بدل من
﴿أَلْفِيَا فِى جَهََّ﴾ ﴿أَلْفِيَا﴾: الخطاب للسائق والشهيد، فهو خطاب لاثنين،
أو الخطاب لملك واحد هو مالك خازن النار؛ لأن من عادة العرب مخاطبة
الواحد بلفظ الاثنين، أو تثنية ما يقال له: ألق ألق، أو ألْقِينَ بنون التوكيد
الخفيفة، لكنه ضعيف؛ لأن مثل هذا يكون في الوقف على الكلام لا في
الوصل.
﴿الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ﴾ ﴿الَّذِى﴾: إما مرفوع على أنه مبتدأ ضُمِّن معنى
الشرط، وخبره: ﴿فَأَلْفِيَاهُ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو الذي،
أو منصوب على أنه بدل من قوله تعالى: ﴿كُلَّ كَفَّارٍ﴾ أو منصوب بفعل
مقدّر يفسره ﴿فَأَلَّفِيَاهُ﴾
﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: ناصبه ظلّام.
البلاغة:
بين قوله ﴿عِيدٌ﴾ و﴿عَنِدٍ﴾ جناس ناقص لتغاير حرفي النون والتاء.
المفردات اللغوية:
﴿فَرِيُ﴾ المَلَك الموكّل به أو الشيطان الذي قيض له، والثاني أصح بدليل
قوله: ﴿قَالَ فَيْتُ رَبَّ﴾. ﴿عِيدٌ﴾ مهيأ معدّ لجهنم، حاضر لدي ﴿عَنِدٍ﴾ معاند
للحق.﴿مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ﴾ كثير المنع للمفروض كالزكاة، وقيل: المراد بالخير:
الإسلام. ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم متعد للحق. ﴿قُرِيبٍ﴾ شاك في الله وفي دينه وأخباره.
﴿فَأَلْفِيَاهُ﴾ تكرار للتأكيد . ﴿قَالَ قَيْنُهُ﴾ الشيطان المقيض له في قوله تعالى:
﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَمُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦/٤٣] ﴿رَبَّ مَآ أَطْغَيْتُهُ﴾
٦٣٣
لُعُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ٢٣-٣٠
أضللته، كأن الكافر قال: هو أطغاني، فقال: ﴿رَبََّ مَا أَطْغَيَّتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِى
ضَلَلٍ بَعِيدٍ﴾ بعيد عن الحق، أي فأعنته على ضلاله، فإن إغواء الشيطان إنما
يؤثر فيمن كان مختل الرأي، مائلاً إلى الفجور، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ
مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِىِ﴾ [إبراهيم: ٢٢/١٤].
﴿لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ﴾ لا تتجادلوا عندي في موقف الحساب، فلا ينفع
الخصام والجدال هنا. ﴿ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أخبرتكم في الدنيا وتقدمت
إليكم في الكتب بالرسل بوعيدي بالعذاب في الآخرة، إذا لم تؤمنوا . ﴿مَا
يُبَدَّلُ﴾ يغير. ﴿وَمَآ أَنَاْ بِظَلَِّ لِلْعِبِيدِ﴾ أي فلا أعذب بغير جرْم، وظلام: ذو
ج
ظلم، لقوله تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ٤٠ /١٧].
﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ آَمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ (®)﴾ زيادة، وهذا سؤال
وجواب جيء بهما لتصوير ملء النار بالناس والجن، وهي من السعة بحيث
يدخلها من يدخلها، ويبقى فيها فراغ بعدئذ.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٦٢٤):
﴿ أَلْفِيَا فِ جَهََّ﴾ : قيل: نزلت الآيات في الوليد بن المغيرة، لما منع بني أخيه
عن الخير وهو الإسلام.
المناسبة:
بعد بيان أحوال الناس يوم القيامة وعند الموت، ذكر الله تعالى صورة حوار
بين الكافر وقرينه الشيطان، في يوم القيامة، لمعرفة مدى جناية الإنسان على
نفسه، وزجّها في نيران جهنم، وإصغائه لوساوس الشيطان وإغراءاته، وتأثره
بها بسبب خلل رأيه، وضعف عقله، وميله إلى الفجور.
٦٣٤
الزُ (٢٦) - ف: ٥٠ / ٢٣ -٣٠
التفسير والبيان:
﴿وَقَالَ فَرِيُ هَذَا مَا لَدَىَّ عِيدُ (®)﴾ أي قال الملك الموكل به بابن آدم: هذا
ما عندي من كتاب عملك معدّ محضر بلا زيادة ولا نقصان. وقال مجاهد: هذا
كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته، واختار
ابن جرير: أنه يعم السائق والشهيد.
وفسر الزمخشري القرين هنا بأنه هو الشيطان الذي قيض للإنسان في قوله
تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ فَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦/٤٣] ويشهد له قوله
تعالى بعدئذ: ﴿قَالَ فَيِنُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْنُهُ﴾ يقول الشيطان: هذا شيء لديّ وفي
ملكتي عتيد لجهنم، والمعنى: أن ملكاً يسوقه، وآخر يشهد عليه، وشيطاناً
مقروناً به يقول: قد اعتدته لجهنم وهيّأته لها بإغوائي وإضلالي.
وقد رجحت الرأي الثاني؛ لأن الشيطان هو قرين كل فاجر، يقول لأهل
المحشر، أو لسائر القرناء، قد هيَّأت قريني لجهنم.
اُلَّذِى جَعَلَ
مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيدٍ (®
٢٤
﴿أَلْقِيَا فِى جَهَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِدٍ
أي يقول الله تعالى للسائق
مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَأَلْفِيَاهُ فِ اٌلْعَذَابِ الشَّدِيدِ
والشهيد: اطرحا في جهنم كل من كفر بالله أو أشرك به شريكاً آخر، مكابر
معاند للحق وأهله، كثير الكفر والتكذيب بالحق، معارض له بالباطل مع
علمه بذلك.
وهو أيضاً كثير المنع للخير كالزكاة، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا
يبذل خيراً لأحد من قريب أو فقير بصلة رحم أو صدقة، ويمنع أقاربه عن
الدخول في الإسلام، قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كما تقدم، كان يمنع
بني أخيه من الإسلام، وكان يقول: من دخل منكم في الإسلام، لم أنفعه بخير
ما عشت.
٦٣٥
الُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ٢٣ -٣٠
وهو متعدٍ على الناس بالفحش والأذى والبطش، متجاوز الحد في الإنفاق
من ماله، ظالم لنفسه لا يقر بتوحيد الله؛ شاّ في الحق وفي أمره وفي دين الله،
ومشكك غيره.
لكل هذا أكد الله تعالى إلقاءه في جهنم فقال للملكين، أو لمالك خازن النار
جرياً على عادة الكلام في مخاطبة الواحد بخطاب الاثنين: فألقياه في النار ذات
العذاب الشديد.
جاء في الحديث: ((أن عنقاً من النار يبرز للخلائق، فينادي بصوت يسمع
الخلائق: إني وُكُّلت بثلاثة: بكل جبّار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر،
وبالمصوِّرين، ثم تنطوي عليهم)). وأخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه عن النبي ◌َّول أنه قال: ((يخرج عُنُق من النار، يتكلم يقول:
وُكِّلت اليوم بثلاثة: بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهاً آخر، ومن قتل
نفساً بغير نفس، فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم)) .
ثم ذكر الله تعالى صورة من الحوار بين الكافر والشيطان قرينه، فقال:
,
٠٢ ٠
﴿ قَالَ فَيُ رَبَّا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ (4) أي يقول الشيطان
عن قرينه الذي وافى القيامة كافراً، متبرئاً منه: يا ربنا ما أضْلَلْته أو أوقعته في
الطغيان، بل كان هو في نفسه ضالاً، مؤثراً الباطل، معانداً للحق بعيداً عنه،
فدعوته فاستجاب لي، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه، أي وكأن
الكافر يريد الاعتذار قائلاً: يا ربّ إن قريني الشيطان أطغاني، فأجاب القرين
الذي قيض له وهو الشيطان: ﴿رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ﴾
وهذا اعتراف بالحقيقة، كما قال الشيطان في آية أخرى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ
لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ
عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ مَّا
أَنَأْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُم بِمُصْرِنٌَّ إِنِى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُونِ مِن قَبْلٌ إِنَّ
﴾ [إبراهيم: ٢٢/١٤].
٢٢
اُلَكْلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٦٣٦
الُُ (٢٦) - قَتْ: ٥٠ / ٢٣ -٣٠
أي قال الرب عز
﴿قَالَ لَا تَخْصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ
وجل لهما- للكافر وقرينه الشيطان: لا تتخاصموا ولا تتجادلوا عندي في
موقف الحساب، فإني تقدمت إليكم في الدنيا بالإنذار والوعيد، وأعذرت
إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبراهين،
والمراد أن اعتذاركم الآن غير نافع لدي.
وأضاف الله تعالى برد آخر قائلاً:
· أي قضيت ما أنا قاضٍ، ولا
﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَآ أَنْ بِظَلَِّ لِلْعِبِيدِ
يغير حكمي وقضائي، ولا خلف لوعدي، بل هو كائن لا محالة، وقد قضيت
عليكم بالعذاب بسبب كفركم، فلا تبديل له، ولا أعذب أحداً ظلماً بغير
جُزْم احترمه أو ذنب اقترفه أو أذنبه بعد قيام الحجة عليه.
ثم أكد الله تعالى حلول العذاب في جهنم قائلاً :
أي اذكر يا محمد
{يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ
لقومك وأنذرهم حين يقول الله تعالى لجهنم: هل امتلأت بالأفواج من الجِنَّة
والناس؟ فتنطق جهنم وتجيبه قائلة: هل بقي شيء من زيادة تزيدونني بها؟
والمراد أنها اكتفت وامتلأت بما ألقي فيها، أي لا أسع أكثر من ذلك فإني قد
امتلأت(١)، ويحتمل أنها تطلب الزيادة بعد امتلائها غيظاً على العصاة،
وتضييقاً للمكان عليهم.
قال أهل المعاني: سؤال جهنم وجوابها من باب التخييل والتصوير الذي
يقصد به تقرير وتصوير المعنى في النفس وتثبيته، وفيه معنيان كما تقدم:
(١) وعلى هذا يكون الاستفهام الأول للتقرير، فالله يقررها بأنها امتلأت، أي يجعلها تقر بذلك،
والاستفهام الثاني بمعنى النفي، أي لا أسع غير ذلك، وهو جواب الاستفهام الأول.
٦٣٧
اِلُحُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ٢٣ -٣٠
أحدهما - أنها تمتلئ مع اتساعها، حتى لا يزاد عليها شيء، والثاني - أنها من
السعة حيث يدخلها من يدخلها، وفيها موضع للمزيد(١) ..
وقد أورد ابن كثير عدة أحاديث تؤيد مدلول الآية بالمعنى الأول وهو
استكثارها الداخلين، لقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩/١١] منها:
ما أخرجه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي وَلّه قال: ((يُلْقَى
في النار، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فتقول: قَطْ قَظْ)) أي
کفی کفی.
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله
وَالى: ((احتجّت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبّارون والمتكبرون، وقالت
الجنة: فيّ ضعفاء الناس ومساكينُهم، فقُضيَ بينهما، فقال للجنة: إنما أنت
رحمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذِّب بك
من أشاء من عبادي، ولكل واحد منكما ملؤها)) .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
راً - يقدِّم الملّك الموكّل بالإنسان ما عنده من كتابة عمله المعَدّ المحفوظ.
ويقدّم الشيطان قرناءه فيقول: هذا العاصي مُعَدّ عندي لجهنم، أعددته
بالإغواء والإضلال.
أَ - إن من كبائر الأعمال الموجبة لعذاب جهنم: الكفر بالله والشرك به
ومعاندة الحق ومكابرته، وإيثار الباطل وأهله، ومنع المال عن حقوقه، أو منع
الناس عن الإسلام، وتجاوز الحد المعتدل في الإنفاق، والتكذيب بالحق،
والشك في دين الله، وتشكيك الآخرين، وجعل شريك آخر معبود مع الله.
(١) الكشاف: ١٦٣/٣.
٦٣٨
الزرعُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ٣١-٣٥
٣ - يؤمر الملكان: السائق والشهيد بإلقاء الكافر العنيد المتصف بما ذكر
في نار جهنم ذات العذاب الأليم الشديد، ويؤكد الله تعالى أمره بإلقاء الكفار.
- كل من الشيطان والفاجر الكافر يلقي التبعة في كفره على الآخر ويتبرأ
الشيطان من الكافر ويكذبه يوم القيامة، وينسب الطغيان والكفر له، لا
لنفسه، والحق أن كلا الفريقين في النار، وقد أعذر من أنذر، والله تعالى
أرسل الرسل وأنزل الكتب لهداية الإنس والجن، فاختار كل منهما ما يحلو له.
٥ - يستحيل الظلم على الله تعالى، فهو سبحانه لا يعذب أحداً بغير جرم،
ولا يعذب من لا يستحق العذاب، ولا يغير قضاءه المبرم، وحكمه العادل
الذي حکم به.
٩ - يملأ الله تعالى جهنم بالكفار والمشركين والملحدين والماديين والعصاة
حتى لا يبقى فيها موضع لزيادة، أو أنها تطلب الزيادة تغيظاً على الكفار،
وتضييقاً للمكان عليهم.
حال المتقين
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
٣١
﴿ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (
◌َ أَدْخُلُوهَا بِسَلَّمِ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِلْغَيْبٍ وَجَآءَ بِقَلْبٍ ◌ُنِيبٍ
٣٥
◌َّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ
القراءات:
تَوَعَدُونَ ﴾ :
وقرأ ابن كثير (يوعدون).
﴿ُنِيبٍ ، أَدْخُلُوهَا﴾:
مَّنْ
لَهُم
٣٤
٦٣٩
الُزُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ / ٣١-٣٥
كَسَرَ التنوينَ وصلاً: أبو عمرو، وعاصم، وابن ذكوان، وحمزة.
وضمه الباقون.
الإعراب:
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّدٍ حَفِيظِ ﴿® مَنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ ﴿مَّنْ﴾: إما
بالجر على البدل من ﴿أَوَّبٍ حَفِيظٍ﴾ وإما بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره قوله
تعالى: ﴿أَدْخُلُوهَا﴾ على تقدير، يقال لهم: ادخلوها.
﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾: بدل من قوله ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾، بإعادة الجارّ.
المفردات اللغوية:
﴿وَأَزْلِفَتِ﴾ قُرّبت لهم. ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أي في مكان غير بعيد منهم، بل هو
بمرأى منهم، فهي منصوبة على الظرف، ويجوز أن تكون ﴿غَيْرَ﴾ حالاً،
وذكّرت كلمة ﴿بَعِيدٍ﴾ لأنها صفة لشيء محذوف، أي شيئاً غير بعيد، أو لأن
الجنة بمعنى البستان، أو على زنة المصدر كالزفير والصهيل، كما تقرر في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ اُلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦/٧].
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ أي يقال لهم: هذا ما توعدون، والإشارة إلى الثواب،
أي هذا هو الثواب الذي وُعِدتم به على ألسنة الرسل، ويقرأ أيضاً بالياء:
(يوعدون). ﴿أَوَّابٍ﴾ كثير الرجوع إلى الله تعالى وطاعته. ﴿حَفِيظٍ﴾ كثير
الحفظ أي حافظ لحدود الله وشرائعه.
﴿مَنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ من خاف عقاب الله، وهو غائب عن الأعين،
فلم يره أحد. ﴿ُنِيبٍ﴾ مقبل على طاعة الله. ﴿أَدْخُلُهَا بِسَلَمٍ﴾ أي يقال لهم : .
ادخلوها سالمين من كل خوف أو مسلّماً عليكم من الله وملائكته . ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ
اٌلْخُلُودِ﴾ أي ذلك اليوم الذي حصل فيه الدخول يوم الخلود في الجنة؛ إذ لا
٦٤٠
لُعُ (٢٦) - ڤت: ٥٠ /٣١-٣٥
موت فيها، أي يوم تقدير الخلود، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ [الزمر:
٣٩/ ٧٣] .
﴿ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (9)﴾ أي زيادة، وهو ما لا يخطر ببالهم،
مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
المناسبة:
بعد بيان الحوار الذي يحصل يوم القيامة بين الكافر وقرينه من الشياطين،
بَيَّن الله تعالى حال المتقين، جرياً على عادة القرآن بالمقارنة بين الأضداد،
وإيراد الشيء بعد نقيضه، فيحذر الإنسان ويخاف، ويطمع ويتأمل ويرجو
رحمة الله تعالى، وبه تم الجمع بين الترهيب والترغيب وبين الخوف والرجاء أو
الطمع.
التفسير والبيان:
؛ أي أدنيت وقرِّبت لأهل التقوى
﴿ وَأَزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (هـ
تقريباً غير بعيد، أو في مكان غير بعيد، بل هي بمرأى منهم، يشاهدونها في
الموقف، وينظرون ما فيها، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر.
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (®﴾ أي تقول الملائكة لهم: هذا النعيم
الذي ترونه من الجنة هو ما وعدتم به في كتب ربكم وعلى ألسنة الرسل الذين
أرسلهم الله لكم، وهذا الثواب بعينه هو لكل رجّاع إلى الله تعالى وطاعته
بالتوبة عن المعصية، والإقلاع عن الذنب، كثير الحفظ لحدود الله وشرائعه،
ويحفظ العهد، فلا ينقضه ولا ينكثه ولا يهمل شيئاً منه.
﴿مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبِ مُنِيبٍ ()﴾ أي ذلك المحافظ على
الحدود، فلا يقربها: هو من خاف الله ولم يكن رآه، وخاف الله في سره حيث