Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١
الزُ (٢٦) - الخُطُراتِ: ٤٩ / ٦-٨
أَ - قال ابن العربي: ومن العَجَب أن يجوِّز الشافعي ونظراؤه إمامة
الفاسق. ومن لا يؤتمن على حبَّة مال، كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين؟!
ومن صلى خلف الفاسق تجب عليه الإعادة سراً في نفسه، ولكن لا ينبغي
لأحد أن يترك الصلاة خلف من لا يرضى من الأئمة (١)
لاً - إذا كان الفاسق والياً ينفذ من أحكامه ما وافق الحق، ويردّ ما خالفه،
ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال.
٨ - لا خلاف في قبول قول الفاسق إذا كان رسولاً عن غيره في قول يبلغه
أو شيء يوصله أو إذن يعلمه، وهذا جائز للضرورة الداعية إليه. لكن لا يقبل
قوله فيما إذا تعلق بقول الفاسق حق للغير.
ـو - استدل بعضهم بالآية على أن من الصحابة من ليس بعدل؛ لأن الله
تعالى أطلق الفاسق على الوليد بن عقبة، فإنها نزلت فيه، ولا يمكن إخراج
سبب النزول من اللفظ العام، وهو صحابي بالاتفاق. وقال أكثر العلماء:
الصحابة كلهم عدول.
٠ ١ - الفاسق نوعان: فاسق غير متأول، وهذا لا خلاف في أنه لا يقبل
خبره. وفاسق متأول كالجبرية والقدرية، ويقال له: المبتدع بدعة واضحة، وفي
هذا خلاف، فمن الأصوليين كالشافعي: من ردّ شهادته وروايته معاً، ومنهم
من قبلهما وهم جمهور الفقهاء والمحدثين؛ لأن رد شهادته لتهمة الكذب،
والفسق اعتقاد لا يمنع الصدق، وأما الرواية فمن احترز عن الكذب على غير
الرسول وَل﴾، فهو على الرسول وَلله أشد تحرزاً.
١١َ - إن قضى الفاسق بما يغلب على الظن، كالقضاء بالشاهدين
العدلين، لم يكن ذلك عملاً بجهالة، وإنما العمل بجهالة: قبول قول من لا
يحصل غلبة الظن بقوله.
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٧٠٣/٤ وما بعدها.
٥٦٢٠
الُ (٢٦) - الحُكراتِ: ٤٩ / ٦-٨
١٢ - إن وجود الرسول وَله في أصحابه ركن تثبت وأناة وتأنٍ، فيمنع
التسرع في إصدار الأحكام، فإنه لو قتل القوم الذين سعى بهم الوليد بن عُقْبة
إليه، لكان خطأ، ووقع في العنت (الإثم والمشقة والهلاك) من أراد إيقاع
الهلاك بأولئك القوم لعداوة كانت بينه وبينهم. ويكون المراد من قوله تعالى:
﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ألا تكذبوا، فإن الله تعالى يعلم رسوله وَّ
أنباءكم، فتفتضحون.
١٣ - ذكر الله الإيمان وقابله بأمور ثلاثة كرهها إليهم وهي الكفر والفسوق
والعصيان، والإيمان اسم لثلاثة أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان،
والعمل بالجوارح (الأعضاء). والكفر: هو الإنكار وهو يقابل الإذعان
بالجنان، والفسوق يقابل الإقرار باللسان، والعصيان يقابل العمل البدني،
فهو ترك العمل بالطاعات والأحكام الشرعية ويشمل جميع المعاصي وهذا
يعني أن المؤمن المتثبت لا يكذب.
١٤ - استدلت الأشاعرة بقوله ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرَّهَ﴾ على مسألة خلق
الأفعال، أي إن الله تعالى خلق أفعال العباد وذواتهم وصفاتهم وألسنتهم
وألوانهم، لاشريك له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
٩٦
[الصافات: ٩٦/٣٧] .
وهذا رد على القَدَرية(١) والإمامية والمعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان
يخلق أفعال نفسه. ويؤولون آية ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرََّ﴾
على اللطف والتوفيق.
(١) الجبرية والقدرية: فرقتان شاذتان في العقيدة خرجا عما عليه جمهور العلماء، تقول الأولى:
إن الله تعالى مجبر للعبد على فعله، وليس لإرادة الإنسان واختياره دخل حقيقي فيها. وتقول
الثانية: إن العبد خالق لأفعاله، دون أن يكون الله عليه سلطان فيها ( الشافي شرح أصول
الكافي للشيخ عبد الله المظفر: ٢٣٦/٢، والكافي تأليف العلامة محمد بن يعقوب الكليني
الرازي).
،ے
٥٦٣
الجُرُ (٢٦) - الخُعرَاتِ: ٤٩ / ٦-٨
١٥ - إن الذين وفقهم الله، فحبَّب إليهم الإيمان، وكرّه إليهم الكفر، أي
قَّحه عندهم هم الراشدون، والله فعل ذلك بهم فضلاً منه ونعمة من لدنه،
والفضل: ما في خزائن الله من الخير، وهو مستغن عنه، والنعمة: ما يصل
من الفضل إلى العبد، وهو ما يحتاج إليه.
وفي تسميتهم بالراشدين إشارة إلى أنهم أقاموا على اتباع أمر الرسول اَله،
والتزموا إرشاده، وعرفوا مقامه ومكانه بينهم، فاستحقوا الرشد، وكانوا
راشدين، وفيه تعريض بالفريق الآخر حيث ابتعدوا عما يوصلهم إلى الرشد.
١٦ - إن الله تعالى عليم بكل شيء، يعلم من يتحرى الخير ومن لا
يتحراه، ومن يريد الرسول وَلل على ما لا تقتضي به الحكمة ومن لا يريده،
وهو فوق هذا يعلم الأشياء، ويُعْلم الرسول وَلي بها، ويأمره بما تقضي به
الحكمة، فيجب الوقوف عند أمره، واجتناب الاقتراح عليه.
١٧ - كان النبي ◌ُّ في دعائه يدعو دائماً بمضمون الآية [٧] أخرج الإمام
أحمد والنسائي عن أبي رفاعة الزرقي عن أبيه قال: لما كان يوم أُحُد، وانكفأ
المشركون، قال رسول الله وَله: ((استووا حتى أثني على ربي عز وجل، فصاروا
خلفه صفوفاً، فقال له :
اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت،
ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع
لما أعطيت، ولا مقرّب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت.
اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك
النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول.
اللهم أسألك النعيم يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف. اللهم إني عائذ بك
من شر ما أعطيتنا ومن شر ما منعتنا.
.
٥٦٤
الُرُ (٢٦) - المُرَائِ: ٤٩ / ٩-١٠
اللهم حبّب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق
والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا
مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدّون عن سبيلك،
واجعل عليهم رِجْزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إله
الحق)).
- ٢ -
وسائل فض المنازعات الداخلية
حكم البغاة
﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَأْ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَهُمَا عَلَى
اٌلْأُخْرَى فَقَائِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى نَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ
وَأَفْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ
وَأَثَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
الإعراب:
﴿وَإِن طَآئِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ ﴿طَيِفَنَانِ﴾: مرفوع بفعل مقدر،
تقديره: وإن اقتتل طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، ولا يجوز أن يحذف الفعل مع
كلمات الشرط العاملة إلا مع ( إن ) لأنها الأصل في حروف الشرط، ويثبت
للأصل ما لا يثبت للفرع.
والقياس: اقتتلتا، كما قرأ ابن أبي عيلة: أو اقتتلا كما قرأ عبيد بن عمير،
على تأويل الرهطين أو النفرين، وإنما قال: اقتتلوا في قراءة حفص حملاً على
المعنى دون اللفظ؛ لأن الطائفتين في معنى القوم والناس، فكل طائفة جماعة،
والطائفة أقل من الفِرْقة.
٥٦٥
إِلُعُ (٢٦) - الخُفرات: ٤٩ / ٩-١٠
البلاغة:
(أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ بينهما طباق.
﴿وَأَقْسِطُوَّْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه،
وأصله المؤمنون كالإخوة في التراحم.
﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير مضافاً إلى المأمورين
للمبالغة في التقرير والتحضيض.
المفردات اللغوية:
﴿طَيِفَنَانِ﴾ تثنية طائفة: الجماعة من الناس ﴿أُقْنَتَلُواْ﴾ جمع الفعل؛ لأن
الطائفتين في معنى القوم أو الناس، أو لأن أقل الجمع اثنان. ﴿فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَهُمَأْ﴾ بالنصح والدعوة إلى حكم الله، وامنعوهما عن القتال بالنصيحة أو
بالتهديد والتعذيب ﴿بَغَتْ﴾ تعدت وتجاوزت الحد وجارت، من البغي:
الظلم ﴿تَفِىَّ﴾ ترجع ﴿إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ الحق ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ أزيلوا
آثار النزاع بضمان المتلفات بالإنصاف ﴿ وَأَفْسِطُواْ﴾ اعدلوا في كل الأمور من
الإقساط: إزالة القَسْط وهو الجور، والقاسط: الجائر، كما في آية: ﴿ وَأَمَا
اُلْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (89)﴾ [الجن: ١٥/٧٢] يقال: أقسط: عدل،
وقسط: أخذ حق غيره، والمقسط: العادل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾
العادلين، أي يحمد فعلهم بحسن الجزاء.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين والعقيدة والإيمان الموجب للحياة
الأبدية، فالأخوة في الدين أقوى وأدوم من أخوة النسب والصداقة، وهو
تعليل للأمر بالإصلاح، لذا كرر الإشارة إلى الإخاء مرتباً عليه الأمر
بالإصلاح، فقال: ﴿فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ إذا تنازعا، وخص الاثنين
٥٦٦
الجُزءُ (٢٦) - ◌ِالأُخْرَائِ: ٤٩ / ٩-١٠
بالذكر؛ لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق، وقرئ: إخوتكم وإخوانكم
﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ في مخالفة حكمه والإهمال فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ على تقواكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٩):
﴿وَإِن طَيِفَنَانِ﴾: أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وغيرهم عن
أنس بن مالك رضي الله عنه: (( أنه قيل لرسول الله وَ له: يا نبي الله، لو أتيتَ
عبد الله بن أُبَيّ، فانطلَقَ إليه على حمار، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض
سَبِخَةٌ، فبال الحمار فقال: إليك عني، فوالله لقد آذاني نَتْنُ حِمارك، فقال عبد الله
ابن رَوَاحة: والله، إن بول حماره أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من
قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فوقع بينهم حرب بالجريد
والأيدي والنِّعال، فأنزل الله فيهم)): ﴿وَإِن طَاِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَّلُواْ﴾.
وقيل: كان النبي ◌َّ متوجهاً لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد الله
ابن أبي بن سلول، فقال ما قال، فرد عليه عبد الله بن رواحة، فتعصب لكلِّ
أصحابه، فتقاتلوا، فنزلت، فقرأها وَلقّ، فاصطلحوا، وكان ابن رواحة
خزرجياً، وابن أُبَّ أوسياً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السُّدِّي قال: كان رجل من الأنصار
يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها
فحبسها زوجها، وجعلها في عُلِّية له، لا يدخل عليها أحد من أهلها، فبعثت
المرأة إلى أهلها، فجاء قومها، وأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه،
فجاؤوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وكان بينهم معركة، فنزلت فيهم
هذه الآية، فبعث إليهم رسول الله وَسير، فأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله
تعالى.
٥٦٧
الجُ (٢٦) - الخُراتِ: ٤٩ / ٩-١٠
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: كانت تكون الخصومة بين الحيين،
فُيُدعون إلى الحكم، فيأبوا أن يجيبوا، فأنزل الله: ﴿وَإِن طَاِفَانِ﴾.
وأخرج ابن جرير أيضاً عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في
رجلين من الأنصار، كانت بينهما مدارأة في حق بينهما، فقال أحدهما
للآخر: لآخذنه عَنْوة، لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعا ليحاكمه إلى النبي ◌َّ،
فأبي، فلم يزل الأمر، حتى تدافعوا، وحتى تناول بعضهم بعضاً بالأيدي
والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف.
والخلاصة: يمكن أن تتعدد أسباب النزول، والوقائع المذكورة متشابهة.
المناسبة:
بعد أن حذر الله تعالى المؤمنين من نبأ الفاسق، أبان هنا ما يترتب على خبره
من الفتنة والنزاع، وربما الاقتتال، فطلب تعالى الإصلاح بالوسائل السلمية
بين المتنازعين كالنصيحة والوعظ والإرشاد والتحكيم، فإن بغت إحدى
الفئتين على الأخرى، فتقاتل الباغية الظالمة. ثم علل الأمر بالصلح بوجود
رباط الأخوة بين الفريقين ثم أمر الوسطاء والأطراف المتنازعة بتقوى الله
وطاعة أمره.
التفسير والبيان:
﴿وَإِن ◌َآَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ أي إذا تقاتل فريقان
من المسلمين، فيجب على ولاة الأمور الإصلاح بالنصح والدعوة إلى حكم
الله والإرشاد وإزالة الشبه وأسباب الخلاف.
والتعبير بإنْ للإشارة إلى أنه لا ينبغي أن يقع القتال بين المسلمين، وأنه إن
وقع، فإنما هو نادر قليل. والخطاب في الآية لولاة الأمور، والأمر فيها
للوجوب.
٥٦٨
الُهُ (٢٦) - الخُطُراتِ: ٤٩ / ٩-١٠
وقد استدل البخاري وغيره بهذا على أن المعصية وإن عظمت لا تخرج من
الإيمان، خلافاً للمعتزلة والخوارج القائلين بأن مرتكب الكبيرة كافر وهو في
النار.
وثبت في صحيح البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله
وَلّ خطب يوماً، ومعه على المنبر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فجعل ينظر
إليه مرة، وإلى الناس أخرى، ويقول: ((إن ابني هذا سيّد، ولعل الله تعالى أن
يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)). فكان كما قال * أصلح الله
تعالى به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة.
﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللّهِ﴾ أي فإن
اعتدت وتجاوزت الحد إحدى الفئتين على الأخرى، ولم تذعن لحكم الله
وللنصيحة، فعلى المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى
حكم الله وما أمر به من عدم البغي. والقتال يكون بالسلاح وبغيره، يفعل
الوسيط ما يحقق المصلحة، وهي الفيئة، فإن تحقق المطلوب بما دون السلاح
كان مسرفاً في الزيادة وإن تعين السلاح وسيلة فعل حتى الفيئة.
﴿فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُفْسِطِينَ﴾ أي رجعت
الفئة الباغية عن بغيها، بعد القتال، ورضيت بأمر الله وحكمه، فعلى المسلمين
أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله،
ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها
للأخرى، حتى لا يتجدد القتال بينهما مرة أخرى.
واعدلوا أيها الوسطاء في الحكم بينهما، إن الله يحب العادلين ويجازيهم
أحسن الجزاء. وهذا أمر بالعدل في كل الأمور.
أخرج ابن أبي حاتم والنسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:
٥٦٩
الجُزْءُ (٢٦) - المُفرا: ٤٩ / ٩-١٠
إن رسول الله 10ه قال: ((إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ، بين يدي
الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا))(١)
وأخرج مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي وَل
قال: ((المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من نور، على يمين
العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وُلُّوا)).
ثم أمر الله تعالى بالإصلاح في غير حال القتال ولو في أدنى اختلاف، فقال:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾﴾ أي
تتميماً للإرشاد ذكر تعالى أن المؤمنين إخوة في الدين، يجمعهم أصل واحد
وهو الإيمان، فيجب الإصلاح بين كل أخوين متنازعين، وزيادة في أمر
العناية بالإصلاح بين الأخوين أمر الله بالتقوى، والمعنى: فأصلحوا بينهما،
وليكن رائدكم في هذا الإصلاح وفي كل أموركم تقوى الله وخشيته والخوف
منه، بأن تلتزموا الحق والعدل، ولا تحيفوا ولا تميلوا لأحد الأخوين، فإنهم
إخوانكم، والإسلام سوّى بين الجميع، فلا تفاضل بينهم ولا فوارق،
ولعلكم ترحمون بسبب التقوى وهي التزام الأوامر واجتناب النواهي.
ويلاحظ انه قال: اتقوا الله عند تخاصم رجلين، ولم يقل ذلك عند إصلاح
الطائفتين، لأنه في حالة تخاصم الرجلين يخشى اتساع الخصومة، وأما في حال
تخاصم الطائفتين فإن أثر الفتنة أو المفسدة عام شامل الكل.
وكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر تفيد أنه لا أخوة إلا بين المؤمنين، ولا أخوة بين
المؤمن والكافر؛ لأن الإسلام هو الرباط الجامع بين أتباعه، وتفيد أيضاً أن
أمر الإصلاح ووجوبه إنما هو عند وجود الأخوة في الإسلام، لا بين الكفار،
فإن كان الكافر ذمياً أو مستأمناً وجبت إعانته وحمايته ورفع الظلم عنه، كما
تجب إعانة المسلم ونصرته مطلقاً إن كان خصمه حربياً.
(١) إسناده جيد قوي، ورجاله على شرط الصحيح.
٥٧٠
لُزُرُ (٢٦) - الخُطَراتِ: ٤٩ / ٩-١٠
وجاءت أحاديث كثيرة تؤيد أخوة الدين، جاء في الصحيح: ((المسلم أخو
المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه)) وفي الصحيح أيضاً: ((والله في عون العبد ما
كان العبد في عون أخيه)) وفي الصحيح كذلك: ((مَثَلُ المؤمنين في توادهم
وتراحمهم وتواصلهم كَمَثلِ الجسدِ الواحدِ، إذا اشتكى منه عضو، تَدَاعى له
سائر الجسد بالحمَى والسهر)) ((المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضُه بعضاً،
وشبَّك بين أصابعه وَلَّ)). وأخرج أحمد عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله
عنه عن رسول الله وسلم قال: ((إن المؤمن من أهل الأديان بمنزلة الرأس من
الجسد، يألم المؤمن لأهل الإيمان، كما يألم الجسد لما في الرأس)).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يأتي:
اً - يجب على ولاة الأمور وحكام الدول الإسلامية الإصلاح بين فئتين
متقاتلتين مسلمتين، بالدعوة إلى كتاب الله لهما أو عليهما، وبالنصح
والإرشاد والجمع والتوفيق بين وجهات النظر.
اً - فإن تعدّت إحدى الفئتين ولم تستجب إلى حكم الله وكتابه، وتطاولت
وأفسدت في الأرض، فيجب قتالها باستعمال الأخف فالأخف حتى الفيئة إلى
أمر الله، أي الرجوع إلى كتابه، فإن رجعت وجب حمل الفئتين على الإنصاف
والعدل، فإن الله يحب العادلين المحقين، ويجازيهم أحسن الجزاء.
والفئة الباغية في اصطلاح الفقهاء: فرقة خالفت الإمام بتأويل سائغ في
الظاهر، باطل بطلاناً مطلقاً بحسب الظن لا القطع. أما المرتد فتأويله باطل
قطعاً، فليس باغياً، وكذا الخوارج في الاعتقاد دون قتال المسلمين وهم صنف
من المبتدعة يكفّرون من أتى بمعصية كبيرة، ويسبّون بعض الأئمة، ليسوا بغاة،
وكذلك مانع حق الشرع لله أو للعباد ليس باغياً؛ لأنه لا تأويل له.
٥٧١
الْجُرُ (٢٦) - الزُهُراتِ: ٤٩ / ٩-١٠
ولابد أن يكون للبغاة شوكة وعدد وعدد يحتاج الإمام في دفعهم إلى كلفة
ببذل مال أو إعداد رجال، فإن كانوا أفراداً يسهل ضبطهم فليسوا بأهل بغي.
وأكثر العلماء على أن البغاة ليسوا بفسقة ولا كفرة، لقوله تعالى: ﴿وَإِن
طَبِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُقْنَتَلُواْ﴾. وقال علي رضي الله عنه: إخواننا بغوا علينا،
ولكنهم يخطئون فيما يفعلون، ويذهبون إليه من التأويل، مثل الخوارج الذين
خرجوا على عليّ رضي الله عنه، ومثل معاوية وأتباعه كانوا بغاة للحديث
المشهور أن عماراً تقتله الفئة الباغية، ومثل مانعي الزكاة في عهد أبي بكر.
◌َّ - في قوله تعالى: ﴿وَإِن ◌َاِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليل على أن المؤمن
بارتكاب المعصية الكبيرة كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا وأكل مال اليتيم
لا يخرج عن كونه مؤمناً؛ لأن الباغي جعل من إحدى الطائفتين، وسماهما
تعالى مؤمنين.
٤ - إن قتال الفئة الباغية لدفع الصائل. وفصل العلماء الحكم في البغاة
فقالوا: إن اقتتلت فئتان على البغي منهما جميعاً، أصلح بينهما، فإن لم
يصطلحا وأقامتا على البغي، قوتلتا.
وإن كانت إحداهما باغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى
أن ترضى بالصلح، فإن تم الصلح بينهما وبين المبغي عليها، وجب عقده
بالقسط والعدل. فإن أثيرت شبهة أزيلت بالحجة النّرة والبرهان القاطع الدال
على الحق. وفي الآية دلالة على أن اعتقاد مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم
مالم يقاتلوا؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ﴾(١).
هَ - في الآية دليل واضح على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على
(١) تفسير القرطبي: ٣١٧/١٦، أحكام القرآن للجصاص: ٤٠١/٣
٥٧٢
لُهُ (٢٦) - المُعُراتِ: ٤٩ / ٩-١٠
الإمام أو على أحد من المسلمين، وعلى إبطال قول من منع من قتال المؤمنين،
محتجاً بحديث أخرجه الجماعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة) عن ابن
مسعود: (( سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)). ونص الآية صريح في الرد على
هذا.
أَ - قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب
المتأولين، وعليها عوَّل الصحابة، وإياها عنى النبي وَّل بقوله: ((تقتل عمَّاراً
الفئة الباغية)) (١) أي عماربن ياسر.
لاً - لا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدّى ذلك إلى
إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة.
٨ - الأمر بقتال البغاة فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن
الباقين، ولذلك تخلّف قوم من الصحابة رضي الله عنهم عن هذا الأمر؛
كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وغيرهم،
وصوّب ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه عملهم، واعتذر إليه كل واحد
منهم بعذر قبله منه.
١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يدل على أن من العدل
في صلحهم ألا يطالَبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال؛ فإنه تَلَفٌ على تأويل،
وفي طلبهم تنفير لهم عن الصلح واستمرار في البغي.
٠ ١ - ما يبدأ به البغاة: إذا خرجت على الإمام العدل فئة خارجة باغية
ولا حجة لها، قاتلهم الإمام بالمسلمين كافة أو بمن فيه كفاية، ويدعوهم قبل
ذلك إلى الطاعة والدخول في الجماعة، وهو الحق الذي دعا الله إليه قبل
القتال، فإن أبَوْا من الرجوع والصلح قوتلوا. ولا يقتل أسيرهم ولا يتبع
(١) أحكام القرآن: ١٧٠٥/٤.
٥٧٣
اِلُرُ (٢٦) - المُعُراتِ: ٤٩ / ٩-١٠
مُذْبرهم، ولا يُذَفَّف(١) على جريجهم، ولا تُسْبَى ذراريهم(٢) ولا أموالهم. وإذا
قتل العادلُ الباغيَّ أو الباغي العادلَ وهو وليّه لم يتوارثا، ولا يرث قاتل عمداً
على حال. وأما الذين لهم تأويل بلا شوكة فيلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفس
ومال كقطاع الطرق إذا قاتلوا.
١١ - ما استهلكه البغاة: إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال
والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع.
١٢ - أموال البغاة وأسراهم وجرحاهم: اختلف الفقهاء في أموال البغاة
التي أخذت منهم أثناء قتالهم، فقال محمد بن الحسن: لا تكون أموالهم
غنيمة، وإنما يستعان بسلاحهم وكُرَاعهم (خيولهم) على حربهم، فإذا انتهت
الحرب رد المال إليهم.
وروي عن أبي يوسف أن ما وجد في أيدي أهل البغي من كُراع وسلاح،
فهو فيءْ يقسم ويخمس، وإذا تابوا لم يؤخذوا بدم ولا مال استهلكوه.
وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ما استهلكه الخوارج من دم أو مال،
ثم تابوا لم يؤخذوا به، وما كان قائماً بعينه ردّ إليهم.
وقال أبو حنيفة: يضمنون.
وأما أسراهم وجرحاهم فلا يقتلون.
والقول الأصح: ما فعله الصحابة في حروبهم، لم يتبعوا مُدْبراً، ولا ذقَّفوا
على جريح، ولا قتلوا أسيراً، ولا ضمنوا نفساً ولا مالاً، وهم القدوة في
ذلك، قال ابن عمر قال النبي ◌َّلر: ((يا عبد الله أتدري كيف حكم الله فيمن
(١) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه.
(٢) الذراري: النساء والأطفال.
٥٧٤
الْجُرُ (٢٦) - الحجرات: ٤٩ /٩-١٠
بَغَى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يجهز على جريحها،
ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها)) وأخرج الحاكم مثل
ذلك عن ابن مسعود، وروي مثله عن ابن عباس.
أما ما كان قائماً رد بعينه.
١٣ - أقضية البغاة وأحكامهم: لو تغلب البغاة على بلد، فأخذوا
الصدقات، وأقاموا الحدود، وحكموا فيهم بالأحكام، لم تُثَنَّ عليهم
الصدقات ولا الحدود، ولا ينقض من أحكامهم إلا ما كان خلافاً للكتاب أو
السنة أو الإجماع، كما تنقض أحكام أهل العدل والسنة.
وأما أقضيتهم في الخصومات؛ فقال أبو يوسف ومحمد: لا ينبغي لقاضي
الجماعة أن يجيز كتاب قاضي أهل البغي ولا شهادته ولا حكمه، إلا أن يوافق
رأيه، فيستأنف القضاء فيه(١).
١٤ - لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا
كلهم اجتهدوا فيما فعلوا وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد
أمرنا بالكف عما شَجَر بينهم، وألا نذكرهم إلا بخير؛ لحرمة الصحبة ولنهي
النبي ◌َُّ عن سَبِّهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. وقد سئل
بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَا مَا
كَسَبَتْ وَلَكُم ◌َّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٤
[البقرة: ٢ / ١٣٤] .
وسئل بعضهم عنها أيضاً فقال: (( تلك دماء قد طَهَّر الله منها يدي، فلا
أُخضِّب بها لساني)) أي تحرزاً من الوقوع في خطأ، والحكم على بعضهم بما لا
يكون مصيباً فيه. وقال ابن فورَك: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من
المنازعات، كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف.
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٤٠٣/٣
-
٥٧٥
الجُزُرُ (٢٦) - الأُهُراتِ: ٤٩ /٩-١٠
١٥ - إنما المؤمنون إخوة في الدين والْحُرْمَة، لا في النسب، ذكر القرطبي:
أخوّة الدين أثبت من أخوة النسب، فإن أخوّة النسب تنقطع بمخالفة الدين،
وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب(١). جاء في الصحيحين عن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا
تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تناجشوا(٢)، وكونوا عباد الله إخواناً)).
وقد سبق إيراد أحاديث كثيرة في تآخي المسلمين، فالمسلمون إخوة، وكأن
الإسلام أب لهم، ينتمون إليه كما ينتمي الإخوة إلى أبيهم:
أبي الإسلامُ لا أب لي سواه إذا افتخروا بقَيْس أو تميم
١٦َ - في آية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ والتي قبلها دليل
كما تقدم على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سماهم إخوة
مؤمنين، مع كونهم باغين، قال الحارث الأعور: سئل علي بن أبي طالب
رضي الله عنه- وهو القدوة- عن قتال أهل البغي من أهل الجَمَل وصِفِّين:
أمشركون هم؟ قال: لا، من الشرك فرُّوا، فقيل: أمنافقون؟ قال: لا؛ لأن
المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، قيل له: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا
علینا.
وفي هذه الآية دليل على جواز إطلاق الإخوة بين المؤمنين من جهة الدين.
وقوله: ﴿فَأَصْلِحُواْ﴾ دليل على أن من رجا صلاح ما بين متعاديين من المؤمنين
أن عليه الإصلاح بينهما(٣).
(١) تفسير القرطبي: ٣٢٢/١٦
(٢) التحسس: الاستماع لحديث القوم، والتجسس: تتبع العورات والمعايب، والتناجش: أن
تزيد في ثمن سلعة ولا رغبة لك في شرائها.
(٣) أحكام القرآن للجصاص: ٤٠٤/٣
٥٧٦
الجزءُ (٢٦) - المُعُراتِ: ٤٩ / ١١-١٣
- ٣ -
آداب المؤمن مع المؤمن ومع الناس كافة
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوْ خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَآءُ مِّن
نِسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَّلْقَبِّ بِتْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ
بَعْدَ الْإِيَنَّ وَمَن لَّمْ يَتُبِّ فَأُوْلَئِكَ هُ الَّلِمُونَ ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الَّنِ
إِنَ بَعْضَ الظَّنِّ إِنَّهُ وَلَا تَتَسُواْ وَلَا يَغْتَب ◌َعْضُكُم بَعْضَا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَنَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوََّبُ رَّحِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن
ذَكَرٍ وَأُنَتَّى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَابِلَ لِتَعَرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليُ
١٣
خَبِيرٌ
القراءات:
﴿بِّسَ﴾:
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (بيس).
﴿مَيْنًا﴾ :
وقرأ نافع (مَيِّئاً).
﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ :
وقرأ البزي (لِتَّعَارفوا).
الإعراب:
﴿ِّسَ الِاسْمُ اُلْفُسُوقُ﴾ ﴿اَلْفُسُوقُ﴾: بدل من ﴿اَلِأَسْمُ﴾؛ لإفادته أنه فسق.
٥٧٧
الجُرُ (٢٦) - الأعرابِ: ٤٩ / ١١-١٣
﴿وَلَا تَسَّسُواْ﴾ أصله: تتجسسوا، فحذف منه إحدى التاءين.
{لِتَعَارَفُواْ﴾ أصله لتتعارفوا، حذف منه إحدى التاءين.
البلاغة:
﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾ تشبيه تمثيلي، مثّل المغتاب
بمن يأكل لحم الإنسان الميت، وفيه تقبيح التشبيه بأقبح الصور.
المفردات اللغوية:
﴿لَا يَسْخَرْ﴾ لا يهزأ ولا يحتقر ولا يعيب، والسُّخرية والسِخْرى:
الازدراء والاحتقار، ويقال: سخر به وسخر منه. وقد تكون السخرية :
بمحاكاة القول أو الفعل أو الإشارة. ﴿قَوْمٌ﴾ هم الرجال دون النساء، فالقوم
مختص بالرجال؛ لأنهم قوَّامون على النساء .﴿ وَلَا نَلْمِزُوَاْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي لا يعب
بعضكم بعضاً، ولا تعيبوا فتعابوا، واللمز: الطعن والتنبيه إلى المعايب بقول
أو إشارة باليد أو العين أو نحوهما.
﴿وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَلَقَبِّ﴾ أي لا تتداعوا بالمكروه من الألقاب، فإن النبز
مختص بلقب السوء عرفاً، ومنه: يا فاسق، ويا كافر .﴿ بِتَّسَ الِأَسْمُ الْفُسُوقُ
بَعْدَ الْإِمَنَّ﴾ أي ساء الاسم والصيت، وهو المذكور من السخرية واللمز
والتنابز، بأن يُذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به، والمراد
تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين، مأخوذ من قولهم: طار اسمه في الآفاق
أي ذكره وشهرته .﴿وَمَن لَّمْ يَئُبْ﴾ من ذلك المنهي عنه . ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾
فهم لا غيرهم ظلمة، بوضع العصيان موضع الطاعة، وتعريض النفس
للعذاب.
﴿اَجْتَنِبُواْ﴾ تباعدوا وكونوا بمنأى عنه أو على جانب منه . ﴿كَثِيرًا مِّنَ اُلَّنِّ﴾
﴿ اُلَّنِّ﴾ حد وسط بين العلم (اليقين) والشك أو الوهم، وهو ما يطرأ للنفس
٥٧٨
الُعُ (٢٦) - الأعراف: ٤٩ / ١١-١٣
بسبب شبهة أو أمارة قوية أو ضعيفة. وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل
من أي نوع، فبعض الظن واجب الاتباع كالاجتهاد في الأحكام العملية
وحسن الظن بالله، وبعضه حرام كالظن في الإلهيات والنبوات، أو عند
مصادمة الدليل القاطع، وظن السوء بالمؤمنين، وبعضه مباح كالظن في الأمور
المعاشية.
﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِنَّهٌ﴾ أي ذنب مؤثم موجب العقوبة عليه، وهو كثير
كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهو تعليل مستأنف للأمر بالاجتناب.
﴿ وَلَا تَسَّسُواْ﴾ التجسس: البحث عن العورات والمعايب وكشف ما ستره
الناس . ﴿ وَلَا يَغْتَبِ﴾ الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، وإن كان العيب
فيه . ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْئًا﴾ أي لا يحسن به، وهو تمثيل
لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفحش وجه، مع مبالغات الاستفهام
المقرِّر، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم، وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة،
وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، وجعل المأكول أخاً وميتاً، وتعقيب ذلك
بقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي تقريراً وتحقيقاً لذلك، أي فاغتيابه في حياته كأكل
لحمه بعد مماته، وقد عرض عليكم أكل لحوم البشر فكرهتموه، فاكرهوا
الغيبة التي هي مثل الأكل المذكور . ﴿ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ عقاب الله في الاغتياب، بأن
تتوبوا منه. ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ قابل توبة التائبين بكثرة، رحيم بهم، فيجعل
صاحب التوبة كمن لم يذنب.
﴿مِّن ذَّكَرٍ وَأَنتَى﴾ من آدم وحواء عليهما السلام، أو من أب وأم، فالكل
سواء في ذلك، فلا وجه للتفاخر بالنسب ما دام أصلهم واحداً ﴿شُعُوبًا﴾ جمع
شَعْب: وهم الجماعة من الناس التي لها وطن خاص، أو من أصل واحد
كربيعة ومضر، وهو يجمع القبائل وأعم منها. ﴿ وَقَبَائِلَ﴾ جمع قبيلة: وهي ما
دون الشعب. وطبقات النسل عند العرب سبع: الشعب، ثم القبيلة، ثم
العِمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، مثاله: خزيمة:
٥٧٩
الجُزءُ (٢٦) - الحُعرَانِ: ٤٩ /١١-١٣
شعب، وكنانة: قبيلة، وقريش: عِمارة، وقصي: بطن، وعبد مناف: فخذ،
وهاشم: فصيلة، والعباس: عشيرة.
﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ ليعرف بعضكم بعضاً، لا للتفاخر بالآباء والقبائل، فلا
تتفاخروا بعلو النسب، وإنما الفخر بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ}
ج
ج
بالتقوى تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص، والتقوى: التزام المأمورات
واجتناب المنهيات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بكم وبكل شيء، خبير
ببواطنكم وأسرارکم کجهركم.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ﴾: قال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين
تقدم ذكرهم في بيان سبب نزول الآية الأولى من هذه السورة، استهزؤوا
بفقراء الصحابة، مثل عمَّار وخَبَّب وابن فُهَيْرة وبِلال وصُهْيَب وسلمان
وسالم مَوْلى أبي حذيفة وغيرهم؛ لِمَا رأوا من رثائة حالهم، فنزلت في الذين
آمنوا منهم. وقال مجاهد: هو سخرية الغني من الفقير. وقال ابن زيد: لا
يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير
له في الآخرة. وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس عیّره رجل بأم كانت له
في الجاهلية، فنكس الزجل استحياء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقيل: نزلت في عِكرمة بن أبي جَهْل حين قدِم المدينة مسلماً، وكان
المسلمون إذا رأوه قالوا: ابن فرعون هذه الأمة، فشكا ذلك إلى رسول الله
وَالخير، فنزلت.
والخلاصة: لا مانع من تعدد وقائع النزول، فقد يكون كل ما ذكر سبباً
لنزول الآية، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
٥٨٠
الْجُرُ (٢٦) - الحجرات: ٤٩ /١١-١٣
نزول الآية (١١) أيضاً:
﴿ وَلَا نِسَاءُ مِّن نِّسَاءٍ﴾: قال ابن عباس: إن صفّة بنت حُيَيّ بن أخْطب
أتت رسول الله وَله، فقالت: يارسول الله، إن النساء يُعَيِّرنني، ويقلُنَ لي: يا
يهودية بنت يهوديّين! فقال رسول الله وَالَ: ((هلا قلتِ: إن أبي هارون، وإن
عمي موسى، وإن زوجي محمد)) فأنزل الله هذه الآية.
وقيل: نزلت في نساء النبي ◌ُّر عيّرن أم سلمة بالقصر.
نزول الآية (١١) كذلك:
﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾: أخرج أصحاب السنن الأربعة عن أبي جبيرة بن
الضحاك قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيدعى ببعضها،
فعسى أن يكرهه، فنزلت: ﴿ وَلَا نَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ قال الترمذي: حسن.
وأخرج الحاكم وغيره من حديث أبي جبيرة أيضاً قال: كان الألقاب في
الجاهلية، فدعا النبي وَلّر رجلاً منهم بلقبه، فقيل له: يا رسول الله، إنه
يكرهه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنَابَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾. ولفظ أحمد عنه قال: فينا نزلت
في بني سلمة: ﴿وَلَا تَنَبَرُواْ بِالْأَلْقَبِّ﴾ قدم النبيِ نَّر المدينة، وليس فينا رجل
إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحداً منهم باسم من تلك الأسماء
قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا، فنزلت(١).
نزول الآية (١٢):
﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: زعموا
أنها نزلت في سلمان الفارسي أكل ثم رقد، فذكر رجل أكله ورقاده، فنزلت.
(١) ورواه أيضاً البخاري في الأدب وأهل السنن.