Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
الُعُ (٢٦) السورة (٤٩) الحُجْرَاتِ
٢ - ختمت السابقة بقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وافتتحت هذه بـ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ تذكيراً لهم بحرمتهم عند الله عندما وصفهم بكونهم أشداء
رحماء، مما يقتضي محافظتهم على هذه الدرجة بطاعة الله تعالى والرسول القول.
◌َّ - في كلتا السورتين تشريف وتكريم لرسول الله و له، خصوصاً في مطلع
كل منهما، والتشريف يقتضي من المؤمنين الرضا بما رضي به الرسول أَ و من
صلح الحديبية، وألا يتركوا شيئاً من احترامه قولاً وفعلاً.
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كسابقتها أحكام شرعية لكونهما مدنيتين، وهي
أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع الإسلامي على أساس متين من التربية القوية،
والأخلاق الرصينة، حتى إنها سميت (سورة الأخلاق) فهي في الأمر بمكارم
الأخلاق ورعاية الآداب. وآدابها نوعان: خاص وعام.
أما الآداب الخاصة: فهي ماله علاقة بين النبي ◌ُّر وأمته. وقد ابتدأت
السورة بها، فأوجبت طاعة الله تعالى والرسول الله وحذرت من المخالفة.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ﴾ ثم أمرت بخفض الصوت أثناء خطاب النبي ◌َّ
إجلالاً له وهيبة منه وتعظيماً لقدره: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ ثم
طالبت المؤمنين بخطاب الرسول وص له بصفة النبوة والرسالة، لا باسمه وكنيته
تعظيماً واحتراماً له، وجعلت خفض الصوت عند رسول الله وَ له من التقوى،
وذمَّت من يناديه من وراء حُجُرات نسائه كعيينة بن حِصْن وأشباهه، وذكرت
السورة في آخرها ذمّ الامتنان على الله تعالى ورسوله ◌َ * بالإيمان: ﴿يَمُنُّونَ
عَلَيْكَ﴾.
ثم تحدثت عن الآداب الاجتماعية العامة: وهي المتصلة بعلاقات الناس
بعضهم مع بعض، مما فيه تقرير فضيلة وذم رذيلة، لإقامة دعائم المجتمع
الفاضل.

٥٤٢
الُعُ (٢٦) السورة (٤٩) الحُجْرَاتِ
فأمرت المؤمنين بالتثُبُّت من الأخبار وعدم الإصغاء للإشاعات التي
يروِّجها الفسّاق ويتناقلونها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ وأشادت
بمقتضى الإيمان، وكرّهت الكفر والفسوق والعصيان.
ثم أبانت طريق فض المنازعات الداخلية بين فئتين متقاتلتين من المؤمنين
وهو الإصلاح، وقتال الفئة الباغية (البغاة) حتى تعود لصف الجماعة
والوحدة: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وأعلنت قيام رابطة الإخاء والود بين المؤمنين، وحذرت من تفكك
الجماعة المؤمنة وإثارة النزاع بين أفرادها، وتوليد الأحقاد والضغائن
والكراهية بسبب السخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب، سواء بين الرجال
أو النساء، أو بسبب سوء الظن بالمسلم والتجسس (تتبع العورات) والغيبة
والنميمة.
ثم أعلنت مبدأ الإخاء الإنساني، والمساواة بين الشعوب والأفراد من
مختلف الأجناس والألوان والعناصر، فلا عداوة ولا طبقية ولا عنصرية،
وإنما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح ومكارم الأخلاق.
وختمت السورة بالكلام عن الأعراب، فميَّرت بين الإيمان والإسلام،
وذكرت غرر صفات المؤمنين وشروط المؤمن الكامل (الإيمان بالله ورسوله،
والجهاد بالمال والنفس في سبيل الله) وعابت المنَّ على الرسول وَلَه بالإسلام،
ووضعت ضابط احترام القيم الدينية والأخلاقية، وهو رقابة الله جل جلاله
لعباده، وعلمه بغيب السماوات والأرض وأهلهما، وبصره بجميع أعمال
الخَلْق.

٥٤٣
الُرُ (٢٦) - الأعرابِ: ٤٩ / ١-٥
صَلَ اللّه
وسلم
صَلىالله
ـة
وسلم
طاعة الله تعالى والرسول
والتأدب في خطاب النبي
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ
١
إِنَّ الَّذِينَ
كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضِ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
يَغُضُونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَكَ الَّذِينَ أَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلنَّقْوَّ لَهُم
مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌّ عَظِيةُ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ ﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥
القراءات:
﴿ النَّبِ﴾:
وقرأ نافع (النبيء).
الإعراب:
﴿ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ﴾ الكاف: في موضع نصب؛
لأنها صفة مصدر محذوف، تقديره: جهراً كجهر بعضكم. و﴿أَن تَحْبَطَ﴾: في
موضع نصب: بتقدير حذف حرف الجر، وتقديره: لأن تحبط، ويجوز أن
یکون في موضع جر، بإعمال حرف الجر مع الحذف.
﴿ أُوْلَّكَ الَّذِينَ أُمْتَحَنَ﴾ ﴿أُوْلَئِكَ﴾: إما خبر ﴿إِنَّ﴾، أو مبتدأ وخبره
﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ والجملة منهما خبر ﴿إِنَّ﴾ ويجوز أن يكون ﴿أُوْلَئِكَ﴾ صفة
﴿الَّذِينَ﴾ ويكون ﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. و﴿مَغْفِرَةٌ﴾: إما مرفوع
بالظرف، أو مبتدأ والظرف خبر مقدم عليه، وهذا أوجه.

٥٤٤
الجُرَءُ (٢٦) - الخُطْرَائِ: ٤٩ / ١-٥
﴿أَكْتُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿أَكْتَرُهُمْ﴾: مبتدأ، و﴿لَا يَعْقِلُونَ)
﴿ إِنّ
خبره، والجملة منهما خبر
البلاغة:
﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ استعارة تمثيلية، شبّه حال الذين يبدون
آراءهم أمام النبي ◌ُّ بحال من تقدم للسير أمام ملك أو حاكم عظيم، وكان
عليه أدباً أن يسير خلفه.
﴿ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ تشبيه مرسل مجمل،
لوجود أداة التشبيه.
المفردات اللغوية:
﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِ،﴾ أي لا تقدِّموا أمراً أو حكماً أو رأياً
دونهما، أو لا تتقدموا، مأخوذ من مقدِّمة الجيش: من تقدم منهم، والمراد: لا
تقولوا بخلاف القرآن والسنة، والمراد بـ ﴿بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أمامهما
﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ خافوه واحذروا مخالفة أمره ونهيه في التقديم أو مخالفة الحكم
وغيرهما (سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالكم.
﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ أي إذا كلمتموه، فلا ترفعوا
أصواتكم فوق صوته إذا نطق ﴿ وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي إذا ناجيتموه، فلا
تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته، أو لا
تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً إجلالاً له، وخاطبوه بـ (يا أيها
النبي) أو (يا رسول الله). وتكرير النداء بقوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لمزيد
الاستبصار وضبط النفس، وزيادة الاهتمام به والتعظيم له ﴿أَن تَحْبَطَ
أَعْمَلُكُمْ﴾ أي لئلا (١) أو كراهة وخشية أن تحبط، أي يبطل ثواب أعمالكم؛
(١) قال الزجاج: التقدير: لأن تحبط، فاللام المقدّرة لام الصيرورة.

٥٤٥
المُ (٢٦) - الحجرات: ٤٩ / ١-٥
لأن في رفع الصوت والجهراستخفافاً قد يؤدي إلى الكفر المحبط إذا ضم إليه
قصد الإهانة وعدم المبالاة ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أنها محبطة.
يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ﴾ يخفضونها ويُلينونها ﴿عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ مراعاة للأدب
أو مخافة مخالفة النهي ﴿أَمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ اختبرها، والمراد: طهرها ونقَّاها
كما يمتحن الصائغ الذهب بالإذابة ﴿لِلنَّقْوَىَّ﴾ أي مرَّنها على التقوى، وأعدها
لها ﴿لَهُم مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرُ عَظِيمٌ﴾ ثواب عظيم لغضهم الصوت
وسائر طاعاتهم، وتنكير ﴿وَأَجْرُ﴾ للتعظيم.
﴿مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ﴾ أي من خلف وخارج غرف نسائه وَّ، جمع حُجْرة:
وهي قطعة من الأرض تحجّر بحائط ونحوه مثل الغرفات جمع غرفة، والظلمات
جمع ظلمة ﴿أَكْتُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة
الحشمة أمام منصب النبي ◌َلِّ.
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ أي لو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى
تخرج ﴿لَكَانَ خَيْرً لَّهُمْ﴾ لكان الصبر خيراً لهم من الاستعجال، لما فيه من
الأدب وتعظيم الرسول وَّه الموجبين للثناء والثواب ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين للأدب، التاركين تعظيم
الرسول مَلد.
سبب النزول:
نزول الآية (١):
﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ﴾ : أخرج البخاري والترمذي وغيرهما عن ابن
أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أخبره أنه قدم ركب من بني تميم
على رسول الله وَله، فقال أبو بكر: أُمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أُمِّر
الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردتَ إلا خلافي، وقال عمر: ما أردتُ

٥٤٦
الُرُ (٢٦) - الحجرات: ٤٩ / ١-٥
خلافَك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَأْيُهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ﴾ أي
إن الآيات نزلت في مجادلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند النبي ◌َّ في
تأمير القعقاع بن معبد أو الأقرع بن حابس.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن البصري: أن أناساً ذبحوا قبل رسول الله وَله
يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحاً، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نُقَدِّمُواْ﴾.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأضاحي بلفظ: ذبح رجل قبل الصلاة
فنزلت. وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة: أن أناساً كانوا يتقدمون
الشهر، فيصومون قبل النبي وَله، فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ
يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
نزول الآية (٢):
﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾: أخرج ابن جرير عن قتادة قال: كانوا يجهرون له
بالكلام، ويرفعون أصواتهم، فأنزل الله: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ الآية.
وروي أن الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شّاس كان في أذنه وَقْر، وكان
جهوري الصوت، وكان إذا كلّم إنساناً جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول
الله ◌َ﴾، فيتأذّى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
نزول الآية (٣):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾: أخرج ابن جرير عن محمد بن ثابت بن قيس بن
شماس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ قعد
ثابت بن قيس في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عدي بن العجلان، فقال:
ما يبكيك؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ، وأنا صيَّت رفيع

٥٤٧
◌ِلُعُ (٢٦) - الحُرَاتِ: ٤٩ / ١-٥
الصوت، فرفع ذلك إلى رسول الله وَ له، فدعا به، فقال: أما ترضى أن تعيش
حميداً، وتقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ قال: رضيت، ولا أرفع صوتي أبداً على
صوت رسول الله، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ﴾ الآية. والقصة
مروية أيضاً في الصحيحين عن أنس بن مالك.
وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ تألى أبو بكر
ألا يكلم رسول الله و ﴿ إلا كأخي السّرَار (١)، فأنزل الله تعالى في أبي بكر:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾
نزول الآية (٤):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ : أخرج الطبراني وأبو يعلى بسند حسن عن زيد بن
أرْقَم قال: جاء ناس من العرب إلى حُجَر النبي ◌ِّو، فجعلوا ينادون: يا
محمد، يا محمد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْمُجُرَتِ﴾ الآية.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة: أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َّ فقال: يا محمد،
إن مدحي زين، وإن شتمي شَيْن، فقال النبي ◌َّ: ذاك هو الله، فنزلت: ﴿إِنَّ
اَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ الآية. وهو خبر مرسل له شواهد مرفوعة من حديث البراء
وغيره عند الترمذي، بدون نزول الآية، وأخرج ابن جرير نحوه عن الحسن.
وأخرج أحمد بسند صحيح عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله وَله
من وراء الحجرات، فلم يجبه، فقال: يا محمد، إن حمدي لزين، وإن ذمي
لشين، فقال (( ذلكم الله)).
وقال محمد بن إسحاق وغيره: نزلت في جفاة بني تميم، قدم وفد منهم على
(١) السرار: المسارّة، أي كصاحب السرار، أو كمثل المساررة لخفض صوته، والكاف صفة
مصدر محذوف.

٥٤٨
الجُرُءُ (٢٦) - الحُعُراتِ: ٤٩ / ١-٥
النبيِ وَّةِ، فدخلوا المسجد، فنادوا النبي ◌َّ من وراء حجرته أن اخرج إلينا يا
محمد، فإن مدحنا زين، وإن ذمنا شين، فآذى ذلك من صياحهم النبي (قَلآ،
فخرج إليهم، فقالوا: إنا جئناك يا محمد نفاخرك، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
(ج). وكان فيهم الأقرع
يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
ابن حابس، وعُييْنَة بن حصن، والزِّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم.
التفسير والبيان:
هذه باقة من الآداب الخاصة في معاملة النبي ◌َّر من قبل المؤمنين على
أساس من التوقير والاحترام والتعظيم:
اَ - ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
عَلِيمٌ ﴾) أي يا أيها المؤمنون إيماناً صحيحاً، لا تتقدموا ولا تتعجلوا بقول
أو حكم أو قضاء في أمرٍ ما أو فعل قبل قضاء الله تعالى ورسوله نَّو لكم فيه،
فربما تقضون بغير حق، واتقوا الله في كل أموركم، وراقبوه في عدم تخطي ما لم
يأذن به الله تعالى ورسوله وَلّر، فإن الله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم
ونياتكم، لا يخفى عليه شيء منكم.
وهذا نهي واضح عن مخالفة كتاب الله تعالى وسنة رسوله وَالت، وذكر
الرسول؛ لأنه مبلِّغ عن الله تعالى شرعه ودينه. قال ابن عباس في الآية: لا
تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله تعالى
ورسوله وقليل من شرائع دينكم.
والآية شاملة أيضاً ترتيب مصادر الاجتهاد، أخرج أحمد وأبو داود
والترمذي وابن ماجه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، حيث قال له النبي وَل
حين بعثه إلى اليمن: ((بِمَ تحكُم؟ قال: بكتاب الله تعالى، قال فإن لم تجد؟
قال: بسنة رسول الله وَّل، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فضرب في
صدره وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)).

٥٤٩
المُعْ (٢٦) - الخطرات: ٤٩ /١-٥
وهذا يعني أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو
قدمه لكان تقديماً بين يدي الله ورسوله. والخلاصة: هذا أدب شامل القول
والفعل والاجتهاد.
ثم ذكر الله تعالى أدباً في القول فقال:
أَ - ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ﴾ أي يا أيها
المؤمنون بالله ورسوله إذا تكلمتم مع الرسول وَله فلا ترفعوا أصواتكم فوق
صوته؛ لأن رفع الصوت يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، وخفض
الصوت وعدم رفعه من التعظيم والتوقير، وهذا أدب ثان أدَّب الله تعالى به
المؤمنين، وهو أدب محمود مع كل الناس أيضاً.
◌َ- ﴿وَلَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي إذا كلمتموه
فخاطبوه بالسكينة والوقار، خلافاً لما تعتادونه من الجهر بالقول الدائر بينكم،
ولا تقولوا: يا محمد ويا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيراً له،
وتقديراً لمهمته ورسالته التي يبلغكم بها في سكون وهدوء وعدم انزعاج وتبرم
نفسي. وهذا أدب ثالث.
﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي نهاكم الله عن الجهر غير المعتاد
وعن رفع الصوت خشية أن يذهب ثواب أعمالكم، أو أن يؤدي الاستخفاف
به إلى الكفر، من حيث لا تشعرون بذلك، كما جاء في الحديث الصحيح
الذي أخرجه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن بلال بن الحارث:
«إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يُلقي لها بالاً، یکتب له بها
الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يُلْقي لها بالاً، يهوي
بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض)).
وبعد أن حذر من خطر المخالفة، رغّب الله تعالى في خفض الصوت وحث
علیه قائلاً :

٥٥٠
الْجُ (٢٦) - المُجْرَاتِ: ٤٩ / ١-٥
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُمْتَحَنَ اَللَّهُ قُلُوبُهُمْ
لِلتَّقْوَنَّ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمُ (٣)﴾ أي إن الذين يخفضون أصواتهم في
أثناء كلام رسول الله وَ له وفي مجالسه، أخلص الله قلوبهم للتقوى، وتحصها،
وجعلها أهلاً ومحلاً، كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه،
ويسقط خبيثه، فكذلك هؤلاء المتأدبون عند رسول الله وَلّ، طهر الله قلوبهم
من كل قبيح، ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم على تأدبهم بخفض الصوت
وسائر الطاعات. ونحو الآية: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
[الفتح: ٩/٤٨] .
روى الإمام أحمد عن مجاهد قال: كُتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا
يشتهي المعصية، ولا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه: إن الذين يشتهون
المعصية ولا يعملون بها ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبُهُمْ لِلنَّقْوَىَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ
وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم ذم الله تبارك وتعالى الذين ينادون رسول الله وَل﴿ من خلف أو قدام
الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يفعل أجلاف الأعراب، فقال تعالى
مرشداً لهم إلى ما هو الخير والأفضل:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾﴾ أي
إن الذين ينادونك من بعيد، من وراء حجرات (بيوت) نسائك، وهم جفاة
بني تميم أكثرهم جهال لا يعقلون الأصول والآداب والأشياء، ولا يدركون
ما يجب لك من التعظيم والاحترام. وقوله: ﴿أَكْتُهُمْ﴾ إما أن يراد به
الكل؛ لأن العرب تذكر الأكثر وتريد الكل، احترازاً عن الكذب واحتياطاً
في الكلام، أو يكون المراد أنهم في أكثر أحوالهم لا يعقلون.
﴿ وَلَوْ أَّهُمْ صَبَرُواْ حَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرً لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥
أي وليتهم لو صبروا حتى تخرج إليهم كالمعتاد، لكان لهم في ذلك الخير

٥٥١
الْجُ (٢٦) - الأُخْرَاتِ: ٤٩ / ١-٥
والمصلحة في الدنيا والآخرة، لما فيه من رعاية حسن الأدب مع رسول الله وكل
ورعاية جانبه الشريف، والعمل بما يستحقه من الإعظام والإجلال، والله
غفور لذنوب عباده، رحيم بهم، لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من
إساءة الأدب. وهذا حث على التوبة والإنابة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - وجوب طاعة الله تعالى ورسوله وَله، وتقديم حكم القرآن والسنة على
ما سواهما.
أَ - تعليم العرب وغيرهم مكارم الأخلاق وفضائل الآداب، إذ كان في
العرب جَفاءٌ وسوء أدب في خطاب النبي وَ ﴿ وتلقيب الناس.
◌َّ - قال القرطبي وابن العربي: قوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ
وَرَسُولةٍ﴾ أصل في ترك التعرض لأقوال النبي وَّ، وإيجاب اتباعه والاقتداء
به. وربما احتج نفاة القياس بهذه الآية، وهو باطل منهم، فإن ما قامت
دلالته، فليس في فعله تقديم بين يديه، وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على
وجوب القول بالقياس في فروع الشريعة، فليس فيه تقديم بين يديه(١).
٤ - الأمر بالتقوى وإيجابها عام في كل الأوامر والنواهي الشرعية، ومنها
التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله و هو المنهي عنه، والله يراقب الناس، فهو
سميع لأقوالهم، عليم بأفعالهم.
٥ - يجب خفض الصوت أثناء مخاطبة النبي ◌َّ والامتناع من الجهر
بالأصوات أعلى من صوته، وإلا لم يتحقق من المؤمنين الاحترام الواجب
(١) تفسير القرطبي: ٣٠٢/١٦ وما بعدها، أحكام القرآن: ١٧٠١/٤ وما بعدها.

٥٥٢
الُعُ (٢٦) - الأُطراِ: ٤٩ / ١-٥
للنبي وَّه. وليس المراد النهي عن الجهر مطلقاً بحيث يلزم الهمس، وإنما النهي
عن جهر مخصوص مقيد بصفة، وهو الخالي عن مراعاة أبهة النبوة وجلالة
مقدارها، وانحطاط سائر الرتب عنها.
٩ - ويجب أيضاً على المؤمنين ألا يخاطبوا النبي وَّ بقولهم: يا محمد، ويا
أحمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله؛ توقيراً له.
والهدف من هذين الواجبين تعظيم رسول الله وَل وتوقيره، وخفض
الصوت بحضرته وعند مخاطبته.
لاً - قال القاضي أبو بكر بن العربي: حرمة النبي وَل﴿ل ميتاً كحُرْمته حياً،
وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لَفْظه، فإذا قرئ
كلامه وجب علی کلّ حاضر ألا یرفع صوته علیه، ولا يُعْرض عنه، كما كان
يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبّه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة
على مرور الأزمنة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾
[الأعراف: ٢٠٤/٧] وكلام النبي ◌ُّ من الوحي وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا
معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه(١).
٨ - إن النهي المذكور عن رفع الصوت هو الصوت الذي لا يناسب ما
يهاب به العظماء ويوقّر الكبراء. أما الصوت المرفوع الذي يقصد به
الاستخفاف والاستهانة، فلا شك أنه كفر. وأما الصوت الذي يرفع في حرب
أو مجادلة معاند أو إرهاب عدو ونحو ذلك، فليس منهياً عنه؛ لأنه لمصلحة،
ففي الحديث أنه وَ لّ قال للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حُنَين:
((أصرخ بالناس)) وكان العباس أجهر الناس صوتاً؛ يروى أن غارة أتتهم
يوماً، فصاح العباس: يا صباحاه! فأسقطت الحوامل لشدة صوته.
(١) أحكام القرآن: ١٧٠٣/٤.

٥٥٣
الُرُ (٢٦) - المُطراِ: ٤٩ / ١-٥
٩ - إن مخالفة النهي في الآية برفع الصوت أكثر من الحالة المتوسطة المعتادة
يؤدي إلى إحباط الأعمال وإبطال الثواب. وليس قوله: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ
وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم؛ فكما لا يكون
الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافراً من
حيث لا يعلم. ويكون قوله ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ إشارة إلى أن ارتكاب المآثم
يجر الأعمال إلى الحبوط من حيث لا يشعر المرء به.
. ١ - إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله وَلو إذا تكلموا إجلالاً
له، أو كلموا غيره بين يديه إجلالاً له، أولئك الذين اختص الله قلوبهم
للتقوى، وطهرهم من كل قبيح، وجعل في قلوبهم الخوف من الله والتقوى،
ولهم مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم وهو الجنة.
١١ - إن أعراب بني تميم الذين وفدوا على النبي ◌َّ، فدخلوا مسجد
المدينة، ونادوا النبي ◌َّ من وراء حجرته أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين،
وذمَّنا شين، هم قوم جهلة ذوو طباع جافة قاسية، وكانوا سبعين رجلاً،
وكان المنادي منهم الأقرع بن حابس، في رواية الترمذي عن البراء بن عازب،
وكان النبي وسي نام للقائلة، جاؤوا شفعاء في أسارى بني عنبر، فأعتق رسول
الله وَ﴿ نصفهم، وفادى على النصف ولوصبروا لأعتق جميعهم بغير فداء.
وقال مقاتل: كانوا تسعة عشر: منهم قيس بن عاصم، والزِّبْرِقان بن بَدْر،
والأقرع بن حابس، وسُويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس،
والقَعْقَاع بن مَعْبد، ووكيع بن وكيع، وعُيَيْنة بن حِصْن، وهو الأحمق المطاع.
١٢ - لو انتظروا خروجه وَ لي، لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، وكان
وَله لا يحتجب عن الناس إلا في أوقات يشتغل فيها بمهمات نفسه؛ فكان
إزعاجه في تلك الحالة من سوء الأدب.
١٣ - قوله: ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حث على التوبة والإنابة إلى الله تعالى.

٥٥٤
الجزءُ (٢٦) - الخُطرائِ: ٤٩ / ٦-٨
٠
الآداب العامة
- ١ -
وجوب التثبت من الأخبار
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيُّواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ
وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِىِ
فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدٍمِينَ (9
كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِ لَعِنْتُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزََّهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهِ إِلَيْكُمْ
فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ
V
الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَّ أُوْلِكَ هُمُ الَّشِدُونَ
٨
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
القراءات:
ونه.
فَتَبَيْنُواْ
وقرأ حمزة، والكسائي (فَنَبَُّوا).
الإعراب:
﴿فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًّا بِجَهَلَةٍ﴾ ﴿أَن تُصِيبُواْ﴾: في تقديره وجهان: إما
كراهية أن تصيبوا، أو لئلا تصيبوا. و﴿بِجَهَلَةٍ﴾: حال من فاعل تبينوا، أي
جاهلين.
﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ فِيَكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أن وما بعدها سادّ مسدّ مفعولي ﴿وَأَعْلَمُوْ﴾
﴿فَضْلاً مِّنَ اَللَّهِ﴾ إما مفعول لأجله، أو مصدر مؤكد لما قبله.
البلاغة:
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّشِدُونَ﴾ التفات عن الخطاب للغيبة بعد قوله: ﴿حَبَّبَ

٥٥٥
الُءُ (٢٦) - المُعْرَاتِ: ٤٩ / ٦-٨
إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ﴾. بين ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيََّهُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ وبين ﴿وَكَرََّ إِلَيْكُمُ
اُلْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْعِصْيَانَ﴾ ما يسمى بالمقابلة ..
المفردات اللغوية
﴿ فَاسِقٌ﴾ خارج عن حدود الدين أو الشرع، مأخوذ من قولهم: فسق
الرطب: إذا خرج من قشره، والفسوق: الخروج من الشيء والانسلاخ منه
﴿بَِبَلٍ﴾ خبر ﴿فَتَبَيُّواْ﴾ أي اطلبوا بيان الحقيقة ومعرفة الصدق من الكذب،
وقرئ: (فتثبتوا) من الثبات ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ أي خشية ذلك أو كراهة
إصابتكم ﴿فَنُصْبِحُواْ﴾ تصيروا ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ من الخطأ بالقوم ﴿نَدِمِينَ﴾
مغتمين غماً لازماً، متمنين أنه لم يقع.
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي فلا تقولوا الباطل، فإن الله يخبره بالحال
﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ﴾ الذي تخبرون به على خلاف الواقع ﴿لَعِنْتُمْ﴾
لوقعتم في العنت وهو الجهد والهلاك والإثم ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ﴾
استدراك ببيان عذرهم، وهو أنهم من فرط حبهم للإيمان وكراهتهم الكفر،
حملهم على ذلك لما سمعوا قول الفاسق ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حسِّنِهِ ﴿اَلْكُفْرَ﴾ تغطية نعم
الله بجحودها ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ الخروج عن الحد ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ المخالفة ﴿أُوْلَئِكَ﴾
البعض المتبينون ﴿اُلَّشِدُونَ﴾ الثابتون على دينهم، وهذه جملة معترضة،
والخطاب لرسول الله وَلقول، مأخوذ من الرشاد: وهو إصابة الحق واتباع طريق
الاستقامة.
﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ﴾ تعليل لقوله: ﴿حَبَّبَ﴾ ﴿وَكَرََّ﴾ فإن التحبيب
والرشد فضل من الله وإنعام ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين وما بينهم من
التفاضل ﴿حَكِيمُ﴾ في إنعامه عليهم بالتوفيق.

٥٥٦
الُءُ (٢٦) - الخُطُراتِ: ٤٩ / ٦-٨
سبب النزول:
نزول الآية (٦):
﴿ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ : ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد
ابن عُقْبة. أخرج ابن جرير وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن أبي الدنيا وابن
مردويه بسند جيد عن ابن عباس: أن الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي
مُعَيْط، بعثه رسول الله وَّهِ إلى بني الْمُصْطَلِقِ مُصَدِّقاً (١)، وكان بينهما إحنة(٢)،
فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم خافهم، فرجع فقال: إن القوم هموا
بقتلي، ومنعوا صدقاتهم، فهمَّ النبي ◌َُّ بغزوهم، فبينما هم في ذلك إذ قَدِم
وفدهم، وقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك، فخرجنا نكرمه، ونؤدي إليه
ما قبلنا من الصدقة، فاتهمهم النبي ◌َّه وقال: ((لتنتهُنَّ أو لأبعثنَّ إليكم رجلاً
هو عندي کنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ویسبي ذراریکم)) ثم ضرب بيده على گَتِف
علي رضي الله عنه، فقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله وَل﴾.
وقيل: بعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم منادين بالصلاة، متهجدين،
فسلموا إليه الصدقات، فرجع.
ولا خلاف في أن الشخص الذي جاء بالنبأ هو الوليد بن عقبة بن أبي
معيط. والآية وإن وردت لسبب خاص فهي عامة لبيان التثبت، وترك
الاعتماد على قول الفاسق، قال الحسن البصري: فوالله لئن كانت نزلت في
هؤلاء القوم خاصة، إنها لمرسلة إلى يوم القيامة، ما نسخها شيء.
وأكد الرازي ذلك بأن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد سيئ بعيد؛ لأنه
توهّم وظنَّ فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً، كيف والفاسق في أكثر
(١) المصدِّق: الذي يأخذ صدقات (زكوات) الغنم.
(٢) الإحنة: الحقد، جمع إحن.

٥٥٧
ے
الُرُ (٢٦) - المُعرائِ: ٤٩ / ٦-٨
المواضع: المراد به من خرج عن ربقة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهَدِى
اٌلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦/٦٣] وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبَِّةٌ﴾
[الكهف: ٥٠/١٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنُهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ
يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا﴾ [السجدة: ٢٠/٣٢](١).
لكن أكثر المفسرين على أن الوليد كان ثقة عند رسول الله وَلّته، فصار فاسقاً
بكذبه، والظاهر أنه سمي فاسقاً تنفيراً وزجراً عن الاستعجال في الأمر من غير
تثبت، فهو متأول ومجتهد، وليس فاسقاً على الحقيقة.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى المؤمنين بأمرين: وهما طاعة الله تعالى والرسول وأَلآ،
وخفض الصوت عند الرسول وَ﴾؛ لبيان وجوب احترامه، أردفه بأمر ثالث
وهو وجوب التثبت من الأخبار، والتحذير من الاعتماد على مجرد الأقوال،
منعاً من إلقاء الفتنة بين أفراد المؤمنين وجماعاتهم. وهذا أدب اجتماعي عام
ضروري للحفاظ على وحدة الأمة، واستئصال أسباب المنازعات فيما بينها.
التفسير والبيان:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ
فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ ﴿) أي يا أيها الذين صدقوا بالله تعالى
ورسوله وَل#، إن أتاكم فاجر لا يبالي بالكذب بخبر فيه إضرار بأحد، فتبينوا
الحقيقة، وتثبتوا من الأمر، ولا تتعجلوا بالحكم حتى تتبصروا في الأمر والخبر
لتتضح الحقيقة وتظهر، خشية أن تصيبوا قوماً بالأذى، وتلحقوا بهم ضرراً لا
يستحقونه، وأنتم جاهلون حالهم، فتصيروا على ما حكمتم عليهم بالخطأ
نادمين على ذلك، مغتمين له، متمنين عدم وقوعه.
(١) تفسير الرازي: ١١٩/٢٨.

٥٥٨
الُ (٢٦) - الخُطَرَانِ: ٤٩ / ٦-٨
وفي تنكير ﴿فَاسِقٌ﴾ و﴿بِنَبَلٍ﴾ دلالة على العموم في الفساق والأنباء، كأنه
قال: أيّ فاسق جاءكم بأي نبأ، فتوقفوا وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف
الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الفاسق؛ لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا
يتحامى الكذب الذي هو نوع منه(١).
والآية دالة على أن خبر الواحد العدل حجة، وشهادة الفاسق لا تقبل.
ثم ذكَّرهم بوجود رسول الله وَ لّل بينهم ليعظموه ويسألوه، فقال:
﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِ كَثِيرٍ مِّنَ اْلْأَمْرِ لَعِنْتُمْ﴾ أي اعلموا
أن معكم رسول الله، فعظموه ووقروه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحکم،
ولا تقولا قولاً باطلاً، ولا تتسرعوا بالحكم على الناس من غير تبين حقيقة
الخبر، ولو أطاعكم في كثير مما تخبرونه به من الأخبار، وتشيرون عليه من
الآراء غير الصائبة، لأدى ذلك إلى الوقوع في العنت، وهو التعب والإثم
والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل اتضاح الأمور، ولا
يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر والتأمل فيه.
وإنما قال: ﴿يُطِيعُكُمْ﴾ بلفظ الاستقبال دون: أطاعكم، للدلالة على
استمراره في التثبت والتحقق مما ينقل إليه من الأخبار، بدليل قوله: ﴿فى
كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمِّ﴾ أي في كثير مما عنَّ لهم من الآراء والأهواء، فلو أرادوا منه
الاستمرار في طاعته لهم، لوقعوا في الإثم والهلاك.
وفي قوله: ﴿فِى كَثِيرٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ﴾ مراعاة لجانب المؤمنين حيث لم ينسب جميع
آرائهم إلى الخطأ، وفيه أيضاً تعليم حسن وتأديب جميل في باب التخاطب،
وإشارة إلى تصويب رأي بعضهم، ولهذا استدرك مشيراً إلى رأي بعضهم في
ضرورة التريث إلى أن يتبين أمر بني المصطلق، فقال:
(١) الكشاف: ١٤٩/٣

٥٥٩
الْجُرُ (٢٦) - الخُطُراتِ: ٤٩ / ٦-٨
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَأَلْعِصْيَانُ أُوْلَكَ هُمُ الَّشِدُونَ﴾ أي ولكن الله حَبَّب أي قرَّب الإيمان إلى
بعضكم، وإلا لم يحسن الاستدراك بـ ﴿ وَلَكِنَّ﴾ فلم يقع في ورطة التسرع في
الأخبار، وعدم التثبت فيها، وكانوا أبرياء من اتهام الآخرين؛ لأن الله جعل
الإيمان أحب الأشياء إليكم، وحسَّنه بتوفيقه وتثبيته في أعمال قلوبكم، وجعل
كلاً من الكفر (حجود الخالق وتكذيب الرسل) والفسوق (الخروج عن حدود
الدين) والعصيان (المخالفة وعدم الطاعة) مكروهاً عندكم.
وهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين استقاموا على طريق الحق،
ومقتضى الشرع، وأدب الدين، فلم ينزلقوا في اتهام غيرهم دون تثبت.
﴿فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ وَاللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴾﴾ أي إن الله حبَّب إليكم.
الإيمان، وكرَّه إليكم الأمور الثلاثة المتقدمة تفضلاً منه عليكم، وإنعاماً من
لدنه، والله عليم بكل الأمور الحادثة والمستقبلة، حكيم في تدبير شؤون خلقه،
وفي أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
فقه الحياة أو الأحكام:
. يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
اً - وجوب التثبت من الأخبار المنقولة والروايات المروية، أخذاً بالحيطة
والحذر، ومنعاً من إيذاء الآخرين بخطأ فادح، فيصبح المتسرع في الحكم
والتصديق نادماً على العجلة وترك التأمل والتأني. لذا كان نبي الله و الله يقول:
(التأني من الله، والعَجَلة من الشيطان))(١).
أَ - في هذه الآية: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ دليل على قبول خبر الواحد إذا
(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس بن مالك وهو ضعيف.

٥٦٠
الُعُ (٢٦) - الحجرات: ٤٩ / ٦-٨
كان عَدْلاً؛ لأنه إنما أمر المسلم في الآية بالتثبت عند نقل خبر الفاسق، ومن
ثبت فسقه، بطل قوله في الأخبار إجماعاً؛ لأن الخبر أمانة، والفسق قرينة
يبطلها، فالفسق علة التبين، فإن لم يوجد لم يكن علة، واستثنى الإجماع
والدعاوى والإنكار والإقرار لغيره بحق على نفسه وإثبات حق مقصود على
الغير أي أمور المعاملات، كأن يقال: أرسل فلان إليك كذا أو هذا مالي،
ولو كان المخبر كافراً. أما في الإنشاء على غيره فقال الشافعي وغيره: لا يكون
الكافر ولياً في النكاح. وقال أبو حنيفة ومالك: يكون ولياً؛ لأنه يلي مالها،
فيلي تزويجها، وإذا وَلي المال فالنكاح أولى، وهو وإن كان فاسقاً في دينه إلا أن
غَيْرته موفّرة، وبها يحمي الحريم. ويرى الحنفية قبول شهادة أهل الذمة بعضهم
على بعض. والخلاصة: إن مراد الآية في الشهادات وإلزام الحقوق وإثبات
أحكام الدين في غير الاعتقاد.
ءَّ - استدل بعضهم بالآية على أن الفاسق أهل للشهادة، وإلا لم يكن
للأمر بالتبين فائدة، كما قال الألوسي. ومذهب الحنفية: أن الفاسق لا تقبل
شهادته وإن كان أهلاً لها، ولو قضى بها القاضي كان عاصياً، وينفذ
قضائه(١).
٤ - استدل الحنفية بالآية على قبول خبر الواحد المجهول الحال؛ لأن الآية
دلت على أن الفسق شرط وجوب التثبت والتبين، فيقتصر فيه على محل
وروده، ويبقى ما وراءه على الأصل، وهو القبول.
هَ - في الآية أيضاً دلالة على أن خبر الواحد لا يوجب العلم (أي اليقين)
بدليل وجوب التثبت فيه؛ إذ لو كان يوجب العلم بحال، لما احتيج فيه إلى
التثبت(٢).
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٢٩٨/٣
(٢) المرجع السابق: ص٣٩٩.