Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
الزُرعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٤-٧
ثم ذكر الله تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين، فقال:
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي إن الله تعالى يدبر
أمر جنوده في هذا العالم كيف يشاء، من الملائكة والإنس والجن والشياطين،
والقوى الكونية في السماء والأرض كالزلازل والبراكين والأعاصير والبحار
والأنهار ونحوها، فالله قادر على إرسال مَلَك واحد، يبيد الجبال والبلاد،
ولكنه تعالى شرع لعباده الجهاد والقتال لحكمة بالغة ومصلحة عالية، لذا قال
تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي كان الله ولا يزال عليماً بمصالح خلقه،
حكيماً في صنعه وتقديره وتدبيره. وهذا منسجم مع موقف أبي بكر الذي عرف
برسوخ الإيمان، أما عمر بن الخطاب فتساءل عن عدم التكافؤ الظاهري في
شروط الصلح، وقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل فعلامَ نعطي الدنية في
ديننا؟ ولكن إيمانه لم يتزعزع، بل إن ذلك يدل على مزيد الإيمان والغيرة على
مصالح المسلمين في تقديره، ثم أنزل الله الطمأنينة على قلبه وقلوب أمثاله،
وشرحها لما رآه النبي ◌َّ، وصدقت الأيام رأيه.
ثم ذكر الله تعالى ما وعد به أهل الإيمان، فقال:
﴿ لِدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ
عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًّا عَظِيمًا ﴾﴾ أي يبتلي الله بجنوده من شاء
ليدخل المؤمنين ويعذِّب غير المؤمنين، أو أنزل السكينة أو إنا فتحنا ليترتب
عليه دخول المؤمنين والمؤمنات جنات (بساتين) تجري الأنهار من تحت
قصورها، وهم ماكثون فيها أبداً، ويستر عنهم خطاياهم وذنوبهم ولا يظهرها
ولا يعذِّبهم بها، بل يعفو ويصفح ويستر ويرحم وكان ذلك الوعد بإدخالهم
الجنة وتكفير سيّئاتهم عند الله وفي حكمه فوزاً عظيماً كبيراً ونجاة من كل غمّ،
وظفراً بكل مطلوب، وذلك كقوله جلّ وعلا: ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ
وَأُدْخِلَ اُلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥/٣]. وذكر تكفير السيئات بعد
٤٨٢
الجُعُ (٢٦) - الفَتح: ٤٨ / ٤-٧
الإدخال في الجنة، مع أنه يكون قبله؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، ولأن
الأصل الإدخال، والتكفير تابع.
عن جابر رضي الله عنه قال: قال النّبي ◌َّ: ((لا يدخل النار أحد بايَعَ تحت
الشجرة)). وقد نصّ الله تعالى على المؤمنات هنا مع أن أغلب الآيات يكون
فيها خطاب الرجال شاملاً للنساء؛ لئلا يتوهم أحد أن النساء لا يدخلن
الجنات؛ لأن المرأة لاجهاد عليها. وهكذا في كل موضع يوهم اختصاص
المؤمنين بالجزاء الموعود به، مع كون المؤمنات يشتركن معهم، ذكرهنّ الله
صريحاً(١).
﴿ وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّآنِيْنَ بِاللَّهِ ظَرَبَّ
السَّوْءِ﴾ أي وليعذِّب أهل النفاق وأهل الشرك بالهمّ والغمّ بسبب ما يشاهدونه
من انتشار الإسلام وانتصار المسلمين وقهر المخالفين، وبما يصابون به من
القهر والقتل والأسر في الدنيا، وبعذاب جهنم في الآخرة، لظنهم السيئ بالله
وحكمه وهو أن النَّبِي وَّرَ وأصحابه يُغْلَبون ويبادون، وأن كلمة الكفر تعلو
كلمة الإسلام، كما حكى تعالى عنهم في آية أخرى وهي: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَّن
يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢/٤٨]. وإنما قدم المنافقين
على المشركين؛ لأن ضررهم أشد، وخطرهم أعظم.
﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّهٌ وَسَآءَتْ
مَصِيرًا﴾ أي إن ما يظنونه بالمؤمنين دائر عليهم لا خروج لهم منه، واقع بهم
من قتل وأسر ونحوهما، وسخط الله عليهم، وأعدَّ لهم جهنم يصلونها،
وساءت مرجعاً ومنزلاً يصيرون إليه، وبذلك جمع بين جزائهم وحالهم في
الدنيا وفي العقبى.
(١) تفسير الرازي: ٨٢/٢٨
٤٨٣
الُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٤-٧
ثم قال تعالى مؤكداً لقدرته على الانتقام من أعداء الإسلام من الكفرة
والمنافقين.
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٣) أي الله في السماوات
والأرض جنود لا حصر لها من الملائكة والإنس والجنّ والشياطين وغيرها من
كل ما فيه قوة ومقدرة على قهر أعدائه، وكان الله وما يزال قوياً لا يُغْلَب،
ولا يردّ بأسه، حكيماً في صنعه وتدبيره خلقه.
وفائدة إعادة هذه الآية بيان أن لله جنود الرحمة وجنود العذاب، فذكرهم
أولاً لبيان الرحمة بالمؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ثم
ذكرهم ثانياً لبيان إنزال العذاب بالكافرين، وعبَّر أولاً بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ
عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ليتناسب مع إنزال الرحمة، ثم عبَّر بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا﴾ للإشارة إلى شدة العذاب، وذكر العزّة يتناسب مع العقاب والتهديد،
وذكر العلم يتلاءم مع التدبير التام لأمر الخلق وتوزيع الرحمة، وأن إنزال
السكينة وزيادة الإيمان وترتيب الفتح على ذلك، كله ثابت في علم الله،
منسجم مع الحكمة. وذكر جنود السماوات والأرض قبل إدخال المؤمنين
الجنة؛ لأن الله تعالى ينزل جنود الرحمة، فيدخل المؤمنين مكرمين معظمين
الجنة، ثم تكون لهم القربى والزلفى بقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
وذكر الجنود بعد تعذيب الكفار، وإعداد جهنم للدلالة على كون الغضب على .
الكفار والإبعاد والطرد من الرحمة أولاً، فيدخلون جهنم، ثم يسلِّط عليهم
ملائكة العذاب وهم جنود الله تعالى.
روي أنه لما جرى صلح الحديبية قال ابن أُبَيّ: أيظنّ محمد أنه إذا صالح أهل
مكة أو فتحها لا يبقى له عدوّ، فأين فارس والروم؟ فبّن الله عزّ وجلّ أن
جنود السماوات والأرض أكثر من فارس والروم.
.
٤٨٤
الجمعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٨-١٠
فقة الحياة أو الأحكام:
كان من فضائل صلح الحديبية وآثاره أربعة أشياء في حقّ كل من النّبيِ وَلِّلـ
والمؤمنين والكفار.
أما فضائله الأربعة في حقّ النَّبي ◌َّ فهي كما تقدّم: مغفرة الذنوب،
واجتماع الْمُلْك والنّبوة، والهداية إلى الصراط المستقيم، والعزّة والمنعة.
وأما أفضاله الإلهية الأربعة في حقّ المؤمنين أصحاب النَّبِي ◌َّ فهي
الطمأنينة والسكينة، وزيادة الإيمان، ودخول الجنان، وتكفير السيِّئات.
وأما آثاره الأربعة في حقّ أهل النفاق وأهل الشرك، فهي العذاب الأليم،
وغضب الله، واللعنة أو الطرد من الرحمة، ودخول جهنم.
ودلّ قوله تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ على أن الإيمان يزيد وينقص.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِّ﴾ في الموضعين تخويف وتهديد،
فلو أراد تعالى إهلاك المنافقين والمشركين، لم يعجزه ذلك، ولكن يؤخرهم إلى
أجل مسمَّی.
وفائدة بعثته
صَلَ الله
وَسالم
وظائف النّبي
ومعنى بيعته في الحديبية
لِّتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لَـ
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْنَى بِمَا
١٠
عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
٤٨٥
المُعُ (٢٦) - الفَفتْح: ٤٨ / ٨-١٠
القراءات:
﴿لِّتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ليؤمنوا، ويعزروه، ويوقروه، ويسبحوه).
﴿عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ :
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون (عليهِ الله).
﴿ فَسَيُؤْتِهِ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (فسنؤتيه).
الإعراب:
هذه المنصوبات الثلاثة
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (جَ﴾
منصوبة على الحال من كاف ﴿أَرْسَلْنَكَ﴾ وهو العامل فيها، كما عمل في
صاحب الحال.
﴿يَدُ اَلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ حال أو استئناف كلام جديد، وهو مؤكد قوله:
﴿ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ على طريق التخييل والتمثيل، ولا جارحة هناك.
البلاغة:
بين قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ و﴿وَنَذِيرًا﴾ وبين ﴿ذَّكَثَ﴾ و﴿أَوْنَى﴾ طباق.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ استعارة تصريحية تبعية، شبّه
المعاهدة على الجهاد بالأنفس بدفع السلع مقابل الأموال، واستعير اسم المشبّه
به للمشبَّه، واشتقّ من البيع يبايعون، بمعنى يعاهدون على دفع أنفسهم في
سبيل الله، فوجه الشّبه اشتمال كل على المبادلة.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَبْدِيهِمْ﴾ استعارة مكنية، شبه اطّلاع الله على مبايعتهم بملك
٤٨٦
الُعُ (٢٦) - الفَتح: ٤٨ / ٨-١٠
وضع يده على أيدي رعيته، وطوى ذكر المشبّه، ورمز بشيء من لوازمه وهو
اليد على طريق الاستعارة المكنية، أي إن الله شُبِّه بالمبايع، وذكر اليد قرينة،
وإسنادها له تخييل، وفي ذكر اليد مع أيدي الناس مشاكلة.
المفردات اللغوية:
﴿شَهِدًا﴾ على أمتك في القيامة بتبليغ الرسالة، لقوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣/٢]. ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالثواب والجنة لمن
أطاعك. ﴿ وَنَذِيرًا﴾ ومنذراً مخوفاً بالعقاب والنار لمن عصَاك. ﴿لِّتُؤْمِنُواْ﴾
الخطاب للنّبي وَلهر والأمة، وقرئ بالياء (ليؤمنوا) أي الناس وكذا الفعلان
بعده. ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ تنصروه وتؤيِّدوه وتقوّوه بتقوية دينه ورسوله. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾
تعظموه من التوقير: وهو الاحترام والتعظيم، والضمير فيهما لله تعالى- وهو
الأولى- أو لرسوله وَالجهل. ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ تّزهوا الله عما لا يليق به من الشرك
والولد، من التسبيح، أو تصلوا له من السّبحة: وهي صلاة التطوع.
. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غدوةً وعشياً، أي أول النهار وآخره، أو دائماً.
﴿ يُبَايِعُونَكَ﴾ بيعة الرضوان يوم الحديبية، بايعوه على الموت في نصرته
والدفاع عنه، أو على ألا يفرّوا من قريش، وأصل المبايعة أو البيع: مبادلة
المال بالمال، ثم أطلق هنا على المعاهدة على الثبات في محاربة الكفار في مقابل
ضمان الجنة لهم. وكانت المبايعة تحت شجرة بالحديبية (وهي قرية صغيرة بينها
وبين مكة حوالي مرحلة، وهي في حدود الحرم). ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأن
الله هو المقصود بالبيعة، مثل: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٤/
٨٠] أي إن المقصود من بيعة الرسول وليه وطاعته طاعة الله وامتثال أوامره،
والمراد بآية ﴿يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾: أي صفقتهم إنما يمضيها ويمنح الثمن فيها الله عزّ
وجلَّ، وأن عقد الميثاق مع الرسول وَّر كعقده مع الله تعالى من غير تفاوت.
﴿يَدُ اَلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ مؤكد معنى البيعة، والمراد أنه تعالى مطلّع على
٤٨٧
الُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ٨-١٠
مبايعتهم، فيجازيهم عليها، ونصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه.
واستعمال اليد هنا بمعنى الغلبة والنصرة ونعمة الهداية، فهو مجاز، والله منزّه
عن الجوارح وعن صفات الأجسام. ويعتقد السلف بوجود يد لله تعالى، لا
كالأيدي؛ لأنه ليس كمثله شيء، وهذا أسلم، وإن كان المجاز أولى عقلاً
وأحكم رأياً، ونفوّض الأمر لله مع الإيمان بما ورد في القرآن والسُّنّة
الصحيحة.
:﴿لَكَثَ﴾ نقض العهد، وضدّه: أوفى بالعهد ووفّ به: إذا أتَّه. ﴿فَإِنَّمَا
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ،﴾ يرجع وبال وضرر نقضه عليه. ﴿وَمَنْ أَوْثَى بِمَا عَهَدَ عَلَيَّهُ﴾
وفّى في مبايعته، وقرأ الجمهور بكسر الهاء، وقراءة حفص بضم الهاء؛ لأنها
هاء (هو) وهي مضمومة، فاستصحب ذلك، كما في (له، وضربه). ﴿أَجْرَاً
عَظِيمًا﴾ هو الجنة.
قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله وَالل تحت الشجرة على الموت،
وعلى ألا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة إلا جَدّ بن قَيْس، وكان منافقاً اختبأ
تحت إبط ناقته، ولم يثر مع القوم.
المناسبة:
بعد بيان فضائل الفتح - صلح الحديبية - على النّبي ◌َّ وعلى أصحابه
المؤمنين، أعقبه ببيان خصائصهما، فذكر وظائف الرسول وَّر الثلاث (وفي
الأحزاب: الخمس) ومدحه وأبان فائدة بعثته ليرتب عليه ذكر البيعة، فذكر
بيعة الرضوان بين النّبي ◌َ له والمؤمنين، وأشاد بإخلاص المبايعين ونصرة دين
الله تعالى، وأوضح جزاء ناقض العهد، ومن أوفى بالعهد.
التفسير والبيان:
{إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا (3) أي إننا أرسلناك يا محمد
٤٨٨
اِلُعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٨-١٠
رسولاً شاهداً تشهد على الخلق وعلى أمتك بتبليغ الرسالة، ومبشِّراً بالجنة
المؤمنين المطيعين، ومنذراً مخوّفاً بالنار الكافرين العصاة.
﴿لَُّؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
(ج) أي إنا أرسلناك لتؤمنوا بالله ورسوله- والخطاب لرسول الله له ولأمته
- وتقووا وتؤيدوا الله بنصرة دينه ورسوله، وتعطّموه، وتنزّهوا الله عما لا
يليق به من الشرك والولد والصاحبة والتَّشبيه بالمخلوقات، على الدوام، أو في
الغداة والعشي، أي أول النهار وآخره، والمراد صلاة الفجر وصلاة الظهر
والعصر، كما قال ابن عباس. والمراد بتعزير الله، تعزير دينه ورسوله وال﴾.
قال الزمخشري: والضمائر- في الأفعال الثلاثة غير الأول - لله عزّ وجلّ،
ومن فرّق الضمائر فقد أبعد.
وبعد بيان أنه مرسل، قال الله عزّوجلّ تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ليبيِّن أن
من بايعه فقد بايع الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي إن الذين
يبايعونك أيها النَّبي بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة على قتال قريش، إنما
يبايعون الله، أي يطيعونه ويعاهدونه على امتثال أوامره؛ لأنهم باعوا أنفسهم
من الله بالجنة، ولأن طاعة الرسول وَلهو هي طاعة الله تعالى في الحقيقة.
ثم أكَّد هذا المعنى بقوله: ﴿يَدُ اُللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي إن عقد الميثاق مع
رسول الله وَّ كعقده مع الله سبحانه على السواء، وإن الله هو حاضر معهم
يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، وهو تعالى المبايع
﴿ إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
بواسطة رسوله ، كقوله تعالى:
أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُلُونَ
وَيُقْنَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَأَلْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى
بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَيَعْتُم بٍِّ، وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ
٤٨٩
الزُُّ (٢٦) - الفتح: ٤٨ /٨-١٠
[التوبة: ١١١/٩]. وإن نعمة الله عليهم بالهداية فوق إجابة
اُلْعَظِيمُ
البيعة، كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَّ إِسْلَمَكُمْ بَلِ
اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَكُمْ لِلْإِيمَنِ﴾ [الحجرات: ١٧/٤٩]. والخلاصة: إن قوله:
﴿يَدُ اُلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيِهِمْ﴾ استئناف مؤكد للكلام السابق من أن مبايعة الرسول
وَالله مبايعة لله تعالى.
﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ أي يتفرّع عن البيعة مع الله أنه من نقض العهد مع النّبي ◌ََّ، فإنما
وبال ذلك وضرره على الناقض نفسه، لا يجاوزه إلى غيره.
ومن وفّى بالعهد وثبت عليه، ونفَّذ ما عاهد عليه الرّسول وَّ في البيعة،
فسيؤتيه الله ثواباً جزيلاً، ويدخله الجنة، كما قال تعالى: ﴿﴿ لَّقَدْ رَضِىَ
اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ
[الفتح: ١٨/٤٨] .
عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا لجا
وهذه البيعة كما تقدّم هي بيعة الرّضوان التي كانت تحت شجرة سُرة
بالحديبية، وكان الصحابة رضي الله عنهم الذين بايعوا رسول الله صل* يومئذٍ
على الأصح ألفاً وأربع مئة، وقيل: ثلاث مئة أو خمس مئة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اَ - إن مهام النّبي ◌َّر المذكورة هنا هي ثلاث:
أ- الشهادة على الخَلْق وعلى أمته بالبلاغ، فهو يشهد على الناس بأن
رسلهم وأنبياءهم بلغوهم رسالة الله بما أخبره الله به في القرآن،
ويشهد على أمته بتبليغهم الرسالة الإلهية، وقد أعلن ذلك في حجة
الوداع: ((اللهم قد بلَّغت، اللهم فاشهد)) .
٤٩٠
لُرءُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٨-١٠
ب- وتبشير من أطاعه بالجنة.
جـ- وإنذار من عصاه بالنار.
والمذكور في سورة الأحزاب خمس: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا
[٤٥- ٤٦]
وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا (@)
٤٥
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (
وهذا لأن المقام في الأحزاب مقام ذكر الرسول وَل و؛ لأن أكثر السورة في ذكر
الرسول وَل﴿ وأحواله، ففصل في مهامه، واقتصر في سورة الفتح على الثلاث
المتقدمة، ثم ذكر بعدئذ ما يدل على كونه داعياً وكونه سراجاً في قوله:
لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ﴾.
اً - إن الغاية من إرسال النبي وَ ل هو الوصول إلى الإيمان بالله تعالى
ورسوله وَ﴾، ونصرة دين الله ورسوله، وتعظيم الله وإجلاله، وتسبيحه
بالقول وتنزيهه من كل قبيح على الدوام، أو في أول النهار وآخره، أو فعل
الصلاة التي فيها التسبيح.
٣ - إن الذين بايعوا النبي ◌َّير بالحديبية على قتال قريش ومناصرته فقد
بايعوا الله تعالى، فبيعتهم للنبي وَ يّ إنما هي بيعة الله تعالى، كما قال تعالى:
﴿مَّن يُطِيعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠/٤].
والله تعالى مطّلع على بيعتهم ومجازيهم خيراً، فيده في الثواب فوق أيديهم في
الوفاء، ويده في المِنّة عليهم بالهداية فوق أيديهم في الطاعة، ونعمة الله عليهم
فوق ما صنعوا من البيعة، وقوة الله ونُصرته فوق قوّتهم ونصرتهم.
ومذهب السلف رضوان الله عليهم: الإيمان الظاهري بما يسمى يداً لله،
مع تنزيه المولى عن مشابهة الحوادث وصفات الأجسام وإثبات الجوارح
(الأعضاء) له، ويقولون: إن معرفة حقيقة اليد هنا فرع عن معرفة حقيقة
الذات، ولن يستطيع المخلوق ذلك، فالأولى التفويض في معرفة الحقيقة لله
،
٠
٤٩١
لُحُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
تعالى، مع الإيمان الكامل بكل ما جاء في القرآن والسُّنّة الثابتة. ومذهب
الخلف: تأويل اليد بالقدرة أو القوة أو النصرة أو النعمة، على طريق
الاستعارة بالكناية، كما تقدّم في البلاغة.
٤ - إن الناكث ناقض العهد بعد البيعة يرجع ضرر النكث والنقض عليه؛
لأنه حرم نفسَه الثواب وألزمها العقاب.
٥ - وإن من أوفى بعهده الذي عاهد الله تعالى عليه في البيعة، سيمنحه الله
تعالى في الآخرة ثواباً جزيلاً، ويدخله الجنة.
أحوال المتخلفين عن الحديبية
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ اُلْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَآ أَمْوَالْنَا وَأَهْلُوْنَا فَأَسْتَغْفِرْ لَأَ
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ نَا لَيَسَ فِ قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ
بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن
يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًّاً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ وَظَنْتُمْ ظَرَّ
السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴿﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ
سَعِيرًا ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أُنَطَلَفْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَِّعَكُمْ بُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهَّ قُل لَن تَشَّبِعُونَاً
كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَّ تَحْشُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا
قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِىِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَتِلُونَهُمْ أَوْ
١٥
يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٨) لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى
اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَن يَنَوَّلَّ
يُعَذِّبَهُ عَذَابًا أَلِيمًا
٤٩٢
لُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ /١١-١٧
القراءات:
(ضَرًّا):
وقرأ حمزة، والكسائي (ضُرّاً).
:
﴿كَمَ اللَّهِ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (كَلِم الله).
﴿يُدْخِلْهُ﴾، ﴿يُعَذِّبْهُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (ندخله، نعذبه).
الإعراب:
﴿بَلّ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، أي ظننتم أنهم لا
یرجعون.
نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ ﴿نُقَئِلُونَهُمْ﴾: حال مقدرة، و﴿يُسْلِمُونٌ﴾: إما
معطوف على ﴿نُقَيِلُونَهُمْ﴾ أو مستأنف، تقديره: أو هم يسلمون. وقرئ: أو
يسلموا: بتقدير (أن) و (أو) بمعنى (إلا) وقيل بمعنى (حتى).
بين الضر والنفع في قوله: ﴿إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا﴾ ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ طباق.
ج
﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِضِ حَرَجٌ﴾ إطناب
قلے
البلاغة:
بتكرار نفي الحرج والإثم عن أصحاب الأعذار للتأكيد.
المفردات اللغوية:
{الْمُخَلَّفُونَ﴾ المتخلفون، جمع مخلَّف: وهو المتروك في المكان خلف
٤٩٣
الُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
الخارجين عنه، والمراد بهم هنا قبائل حول المدينة من الأعراب هم أسْلَم
وجُهَيْنة ومُزَيْنة وغِفار وأشجع والدِّيل، استنفرهم رسول الله وَّ عام الحديبية
ليخرجوا معه إلى مكة للعمرة، فتخلفوا، واعتذروا بالشغل في أموالهم
وأهليهم، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة والخوف من مقاتلة قريش إن
صدّوهم . ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قبائل من الأعراب سكان البوادي حول المدينة.
﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَلْنَا وَأَهْلُوْنَا﴾ عن الخروج معك؛ إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالنا،
وقرئ بالتشديد (شغَّلتنا) للتكثير، وهذا كذب منهم .﴿فَأَسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ الله من
التخلف أو ترك الخروج معك، وطلب الاستغفار خبث منهم وإظهار أنهم
مؤمنون عاصون، ومصانعة من غير توبة ولا ندم.
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ مَا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمَّ﴾ هذا تكذيب من الله تعالى لهم في
الاعتذار والاستغفار، فهم يطلبون الاستغفار وغيره في الظاهر، وهم كاذبون
في اعتذارهم .﴿فَمَن يَمْلِكُ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد يمنعكم من
مشيئته وقضائه، والملك: إمساك الشيء بقوة وضبط ٠﴿ضَرًّا﴾ بفتح الضاد
وضمها، والضر: الضرر اللاحق بالأهل والمال والنفس، كقتل وهزيمة
وهزال وسوء حال وضياع .﴿نَفْعًا﴾ النفع: ما يفيد من حفظ النفس والمال
والأهل . ﴿بَلَ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي كان ولم يزل متصفاً بذلك، فهو
يعلم تخلفكم وقصدكم فيه، و﴿بَلْ﴾ للانتقال من غرض إلى آخر.
﴿بَلْ ظَمَنْتُمْ أَنْ لَّن يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا﴾ لظنكم أن
المشركين يستأصلونهم. و﴿يَنْقَلِبَ﴾ يرجع، والأهلون: العشائر وذوو
القرابة، جمع أهل، وقد يجمع على أهلات، مثل أرضات على أن أصله
أهلة. ﴿ وَظَنَنْتُمْ ظَرَ السَّوْءِ﴾ الظن السيئ، وهو الظن المذكور ﴿بُورًا﴾ جمع
بائر، أي هلكى أو هالكين عند الله بهذا الظن وفساد العقيدة وسوء النية.
﴿فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا﴾ وضع الكافرين موضع الضمير إيذاناً بأن من لم
٤٩٤
الُعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ١١-١٧
يجمع بين الإيمان بالله تعالى ورسوله وَّله، فهو كافر مستوجب للسعير بكفره،
والسعير: نار ملتهبة شديدة، وتنكيرها للتهويل، أو لأنها نار مخصوصة.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ يدبره كيف يشاء. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ
وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٍ﴾ إذ لا وجوب عليه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي ولم
يزل متصفاً بذلك، والغفران والرحمة من ذاته، جاء في الحديث القدسي الذي
أخرجه مسلم عن أبي هريرة: ((سبقت رحمتي غضي)) .
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ المذكورون. ﴿مَغَانِمَ﴾ هي مغانم خيبر، فإنه عليه
الصلاة والسلام رجع من الحديبية في ذي الحجة، من سنة ست، وأقام بالمدينة
بقيتها وأوائل المحرم، ثم هاجم خيبر بمن شهد الحديبية بسبب اعتداءات
اليهود المتكررة، ففتحها وغنم أموالاً كثيرة، ثم خصها بأهل الحديبية.
﴿ذَرُونَا﴾ اتركونا. ﴿نَّعَّكُمْ﴾ لنأخذ منها. ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَمَ اللّهِ﴾
أي يريدون أن يغيروا كلام الله، وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم عن
مغانم مكة مغانم خيبر، فهم يريدون الشركة في المغانم دون أن ينصروا دين الله
تعالى.
﴿لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ نفي في معنى النهي. ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اَللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ أي مثل
ذلك قال الله من قبل استعدادهم للخروج إلى خيبر، وقبل عودنا . ﴿بَلْ
تَحْشُدُ ونَنَّا﴾ أي تحسدوننا أن نصيب معكم شيئاً من الغنائم. ﴿لَا يَفْفَهُونَ﴾ لا
يفهمون. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا فهماً قليلاً وهو فهمهم لأمور الدنيا دون الدين.
ومعنى الإضراب الأول. ﴿بَلْ تَحُْدُونَنَا﴾ رد منهم أن يكون حكم الله ألا
يتبعوهم، وإثبات الحسد، والثاني: ﴿بَلِ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ رد من الله تعالى
لذلك، وإثبات لجهلهم بأمور الدين.
﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كرر ذكرهم بهذا الوصف مبالغة في الذم
وإشعاراً بشناعة التخلف. ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ أي أصحاب
٤٩٥
لُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ /١١-١٧
بأس شديد أي قوة في القتال، وهم بنو حنيفة أصحاب اليمامة، أو غيرهم
ممن ارتدوا بعد رسول الله *، أو فارس والروم. ولا دليل على التعيين.
﴿نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة أو الإسلام،
لا غير.
﴿فَإِن تُطِيعُواْ﴾ في قتالهم ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ هو الغنيمة في الدنيا،
والجنة في الآخرة . ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ﴾ عن الحديبية. ﴿أَلِيمًا﴾
مؤلماً، لعظم جرمكم.
﴿ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ أي إثم وذنب في ترك الجهاد، ويلاحظ أنه تعالى
لما أوعد على التخلف، نفى الحرج عن أصحاب الأعذار (الأعمى والأعرج
والمريض) استثناء لهم من الوعيد. ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُّ﴾ فضَّل الوعد وأجمل في الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته.
﴿وَمَن يَتَوَّلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ هذا تعميم بعد تفصيل الوعد، إذ الترهيب هنا
أنفع من الترغيب.
سبب نزول الآية (١٧):
﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾: قال ابن عباس: لما نزلت: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْ كَمَا تَوَلَّيْتُمُ
مِّن قَبْلُ﴾ الآية، قال أهل الزَّمَانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله: ﴿لَّيْسَ
عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾.
المناسبة:
بعد بيان حال المنافقين، بيّن الله تعالى حال المتخلفين، وهم قوم من
الأعراب امتنعوا عن الخروج مع رسول الله وَّر، لظنهم أنه يهزم، وقد ذكر
تعالى أحوالاً ثلاثاً لهم: هي الاعتذار عن التخلف عن الحديبية بانشغالهم في
الأموال والأهل، وطلب المشاركة في وقعة خيبر وغنائمها، ودعوتهم إلى قتال
قوم أولي بأس شديد، ثم استثنى تعالى أصحاب الأعذار لترك الجهاد.
٤٩٦
للزُرعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
التفسير والبيان:
الاعتذار عن التخلف: ﴿سَيَقُولُ لَكَ اُلْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَلْنَا
وَأَهْلُونَا فَأَسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ أخبر تعالى رسوله وَّل أثناء عودته من الحديبية بما
يعتذر به المخلفون الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم، وتركوا السير مع
رسول الله وَل حين خرج إلى مكة معتمراً عام الحديبية، وهم الأعراب الذين
كانوا حول المدينة وهم أسلم وجُهَيْنة ومُزَيْنة وغِفار وأشْجَع والدِّيل، وإنما
قال: ﴿اُلْمُخَلَّفُونَ﴾ لأن الله خلَّفهم عن صحبة نبيه وَّ. والمخلَّف: المتروك.
والآية من إعجاز القرآن؛ إخباره عن الغيب، وقد وقع الأمر مطابقاً لخبر
القرآن.
ولقد اعتذروا بشغلهم بالأموال والأهل، وسألوا أن يستغفر لهم رسول
الله ◌َيهر، ليغفر الله لهم ما وقع منهم من التخلف عنه بسبب الانشغال، لا
بسبب العصيان ومخالفة الأمر. وذلك في الحقيقة قول منهم، لا على سبيل
الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، لذا رد الله عليهم وكذّبهم بقوله:
﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ مَا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمْ﴾ أي إنهم ليسوا صادقين في
الاعتذار، فهم يتصنعون ذلك بظواهر ألسنتهم، أما في أعماق قلوبهم فهم
يعتقدون أن محمداً وَاله وصحبه سينهزمون، ويخافون من مقاتلة قريش وثقيف
وكنانة والقبائل المجاورة لمكة، وهم الأحابيش، بدليل قوله تعالى: ﴿بَلّ ظَنَنتُمْ
أَنْ لَن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾
﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ
كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي قل أيها النبي لهم: فمن يمنعكم مما أراده الله
بكم من خير أو شر؟ أي لايقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم، وإن
صانعتمونا ونافقتمونا، سواء بإنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك
الأهل، أو بتحقيق النفع لكم من نصر وغنيمة.
٤٩٧
الجُزُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
بل في الحقيقة، إن تخلفكم ليس لما زعمتم، فإن الله خبير بجميع ما تعملونه
من الأعمال، وقد علم أن تخلفكم لم يكن للانشغال بالمال والأهل، بل للشك
والنفاق والخذلان وسوء الاعتقاد والخوف من قريش وأعوانهم وما خطر لكم
من الظنون الفاسدة، الناشئة عن عدم الثقة بالله تعالى، ثم افتضح شأنهم،
فقال تعالى :
﴿بَّ ظَنَنْتُمْ أَن لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُيْنَ ذَلِكَ فِى
قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ اُلسَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمَا بُورًا (4﴾ أي لم يكن تخلفكم تخلف
معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، وقد اعتقدتم أن العدو يقتل ويستأصل
المؤمنين نهائياً، فلا يرجع أحد منهم إلى أهله إلى الأبد، وزين الشيطان ذلك
الظن في قلوبكم، فقبلتموه، وظننتم أن الله سبحانه لا ينصر رسوله والقتل،
وكنتم قوماً هالكين عند الله تعالى، وصرتم بما فعلتم لا تصلحون لشيء من
الخير، تستحقون شديد العقاب.
ثم أخبر الله تعالى عن عقاب الكفار، فقال:
®) أي من لم
﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا (
يصدِّق بالله تعالى ورسوله بَّر، ولم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله، كما
صنع هؤلاء المخلفون، فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير والنار
الشديدة الالتهاب جزاء الكفر.
ثم أبان تعالى مدى قدرته الشاملة لكل شيء، فقال:
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءٌ وَكَانَ
اُللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٣) أي لله سلطة التصرف المطلق في أهل السماوات
والأرض، يتصرف فيهم كيف يشاء، لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، ولا
يحتاج إلى أحد من خلقه.
٤٩٨
الُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
يغفر لمن يشاء أن يغفر له ذنوبه، ويعذب بالنار من يريد أن يعذبه على كفره
ومعصيته، والله ما يزال غفوراً لذنوب عباده التائبين، رحيماً يرحم جميع
خلقه، ويخص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده.
وفي هذا حث عام على الإصلاح، وترغيب لهؤلاء المتخلفين وأمثالهم من
المقصرين بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تعالى وطاعة رسوله وَطّور، وفي الآية
أيضاً بيان واضح أنه تعالى يغفر للمبايعيين بمشيئته، ويعذب الآخرين
بمشيئته، وغفرانه ورحمته أعم وأشمل، وأتم وأكمل، وأن عظيم الملك يكون
أجره في غاية السعة، وعذابه وعقوبته في غاية النكال والألم.
طلب المشاركة في وقعة خيبر:
١
ثم أوضح الله تعالى كذب المتخلفين في ادعائهم الانشغال بالمال والأهل،
بدليل طلبهم السير مع النبي ◌َّه إلى خيبر، لما توقعوا من مغانم يأخذونها،
فقال :
(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّعْكُمْ
أي سيقول هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ولو في عمرة الحديبية،
إذا انطلقتم أيها المسلمون إلى مغانم خيبر لتأخذوها وتحوزوها : اتركونا نتبعكم
في السير، ونشهد معكم غزو خيبر؛ لأنهم علموا أن الله وعد المسلمين فتح
خيبر وتخصيص من شهد الحديبية بغنائمها.
والخلاصة: أنه لو كان اعتذارهم بالانشغال صحيحاً، لما طلبوا السير مع
النبي ◌َّ إلى خيبر.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ أي يريدون تبديل وعود الله لأهل
الحديبية بتخصيصهم بمغانم خيبر، فقد أمر الله رسوله ألا يسير معه إلى خيبر
أحد من غير أهل الحديبية، ووعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا
ب
٤٩٩
الُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ١١-١٧
يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعاً ولا
قدراً.
ثم صدر قرار المنع صراحة، فقال تعالى:
﴿قُل لَن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول
صراحة: لن تسيروا معنا في خيبر، وهكذا أخبرنا الله تعالى من قبل رجوعنا
من الحديبية ووصولنا إلى المدينة: أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة،
ليس لغيرهم فيها نصيب. والخلاصة: وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم
الخروج معهم.
وهذا نحو قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَنْذَنُوَ لِلْخُرُوجِ
فَقُل لَن تَّخْرُجُوْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَلِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[التوبة: ٨٣/٩](١).
فَأَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ
ثم أخبر الله تعالى عن ردهم على ذلك بقوله:
﴿ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي فسيقول المخلفون عند سماع هذا القول: بل
إنكم تحسدوننا في المشاركة في الغنيمة، والحسد لا غيره هو الذي يمنعكم من
الإذن لنا في الخروج معكم.
فأجابهم الله تعالى بقوله:
﴿بَّ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ليس الأمر كما زعموا أمر حسد منكم
على أخذهم شيئاً من الغنيمة، بل لأنهم لا يفهمون إلا فهماً قليلاً، والمراد:
لا يفهمون شيئاً من أمور الدين وهو جعل القتال لله تعالى، وإصلاح النية له،
وصدق الإيمان به، وإن كانوا يعلمون ويفهمون أمور الدنيا.
(١) وهذا لمجرد إيراد التشابه في الحكم، وإن كانت هذه الآية في ﴿بَرَآءَةٌ﴾ نزلت في غزوة تبوك،
وهي متأخرة عن عمرة الحديبية.
٥٠٠
الْجُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١١-١٧
وهذا دليل على أن محاولتهم نقض حكم الله تعالى، واتهام المؤمنين بالحسد
صادر عن جهل وقلة تدبر ووعي، وإنهم قوم ماديون لا يعرفون إلا الدنيا.
وقد دعوتهم إلى القتال باستثناء أصحاب الأعذار إن كانوا صادقين في
طلب المشاركة مع المؤمنين.
ثم أبان الله تعالى أن ميدان القتال متسع ما يزال مفتوحاً إن أرادوا إثبات
إخلاصهم مع النبي ◌َّر والذين آمنوا، فقال:
﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَبِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌ﴾
أي قل أيها النبي لهؤلاء المخلفين من الأعراب إن أرادوا الانتماء إلى الصف
الإسلامي بحق وصدق: ستندبون إلى قتال قوم أولي شدة وصلابة ونجدة،
تخيرونهم بين أحد أمرين: إما المقاتلة أو الإسلام لاثالث لهما، وهذا حكم
الكفار الذين لا عهد بينهم وبين المسلمين بعقد الجزية ونحوها، ويشمل
مشركي العرب والمرتدين وغير العرب.
أما المفسرون فذكروا أربعة أقوال في تعيين أولئك القوم وهي:
أ - هوازن وغطفان يوم حنين، وكان قتالهم بعد فتح مكة في السنة الثامنة
للهجرة.
ب - ثقيف.
جـ- بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وكان قتالهم بعد ذلك أيام
أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وأكثر المفسرين على أن القوم هم بنو
حنيفة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر؛ لأنه تعالى قال: ﴿نُقَتِلُونَهُمْ
أَوَ يُسْلِمُونَ﴾ ومشركو العرب والمرتدون هم الذين لا يقبل منهم إلا
الإسلام أو السيف، ومن عداهم من مشركي العجم وأهل الكتاب
والمجوس تقبل منهم الجزية عند أبي حنيفة، وأما الشافعي فعنده لا تقبل
الجزية إلا من أهل الكتاب والمجوس دون مشركي العجم والعرب.