Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ لُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٣٦-٣٨ أي أنتم يا مخاطبون، هؤلاء الموصوفون. ﴿لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما فرض عليكم من الزكاة ونفقة الجهاد وغيرها ﴿يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ يقال: بخل عليه وعنه ﴿وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ﴾ عن نفقتكم ﴿ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ إلى الله ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا﴾ تعرضوا عن طاعته ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يُقِمْ مقامكم قوماً آخرين أو يجعل بدلكم ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ في التولي عن طاعته وعن الإيمان، بل مطيعين له تعالى. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بالجهاد، ونهى عن الضعف والخور في مواصلة الكفاح وطلب الموادعة والمصالحة مع الأعداء، حث على الجهاد بالنفس والمال والإنفاق في سبيل الله، بتحقير الدنيا في أعين المؤمنين، والترغيب في الإيمان والتقوى، لتعود فائدتها عليهم، وهدد تعالى في ختام السورة بأنه إن أعرضتم عن الإيمان والجهاد والتقوى، يجعل بدلاً عنكم قوماً آخرين هم أفضل منكم لإقامة دينه، ونصرة دعوته. ١ التفسير والبيان: ﴿إِنَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ﴾ أي احرصوا أيها المؤمنون على جهاد الأعداء، واسترخصوا الحياة الدنيوية واطلبوا الآخرة، فإنما حاصل الدنيا لعب ولهو، أي باطل وغرور، لا ثبات له ولا اعتداد به إلا ما كان منها لله عز وجل، بسلوك سبيله وطلب رضاه وعبادته وطاعته. وفي هذا تحقير لأمر الدنيا وتهوين لشأنها. واللعب: كل مالا ضرورة فيه في الحال ولا منفعة في المآل، ولم يشغل عن غيره، فإن شغل عن غيره فهو لهو، ومنه آلات الملاهي؛ لأنها مشغلة عن غيرها. وقد جاء ذمّ الدنيا والحرص عليها والتمسك بزينتها وإهمال الآخرة في ٠ ٤٦٢ لُحُ (٢٦) - مُحَمْدٌ: ٤٧ / ٣٦-٣٨ آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُوْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبٌ وَلَوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمَّوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الحديد: ٢٠/٥٧]. ثم أعاد الله تعالى الوعد بالثواب وتأكيده والترغيب في الآخرة قائلاً: ﴿ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾ أي إن تؤمنوا بالله ورسوله حق الإيمان، وتتقوا ربَّكم حق التقوى بأداء فرائضه واجتناب نواهيه، يؤتكم ثواب أعمالكم وطاعاتكم في الآخرة، ولا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها، والمعنى: أن الله غني عنكم، لا يطلب منكم شيئاً، وإنما فرض عليكم صدقات الأموال، مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إلیکم. ثم بَيَّن الله تعالى سبب الحرص على الدنيا، فقال: أي إن يطلب ﴿إِن يَسْشَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْفَتَكُمْ لَـ ربكم أموالكم كلها، فيجهدكم ويلح في الطلب عليكم، تشحوا وتبخلوا، وتمتنعوا من الامتثال، ويظهر عندئذ أحقادكم. قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وهذا كما ذكر ابن كثير حق وصدق، فإن المال محبوب إلى النفس، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. ثم أبان تعالى ما سلف وأكده بقوله: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي أنتم أيها المؤمنون المخاطبون مدعوون للإنفاق في سبيل الله، أي في الجهاد والزكاة وفي طريق الخير. ٤٦٣ الزُعُ (٢٦) - مُخَفَل: ٤٧ / ٣٦-٣٨ ﴿فَمِنكُمْ مَن يَبْخَلْ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِِّ وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ اَلْفُقَرَآءُ﴾ أي فبعضكم يبخل باليسير من المال ولا يجيب لدعوة الإنفاق، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال؟ ومن يبخل في الإنفاق، فإنما يمنع نفسه الأجر والثواب ببخله، ويعود وبال ذلك عليه، فإنه بالبخل يتغلب العدو عليكم، فيذهب عزكم وأموالكم، وربما أنفسكم. والله هو صاحب الغنى المطلق المنزه عن الحاجة إلى أموالكم، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه دائماً، لذا قال: ﴿ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ أي أنتم أيها العباد الفقراء بالذات إلى الله، وإلى ما عنده من الخير والرحمة، فهو سبحانه لا يأمر بالإنفاق لحاجته، ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب. ثم أبان الله تعالى سنته في الاستبدال بقوم قوماً آخرين أفضل منهم إن أعرضوا عن حمل الأمانة، فقال محذراً ومذكراً ومهدداً: ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوْ أَمْثَلَكُمْ﴾ أي إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى وعن طاعة الله واتباع شرعه، يستبدل قوماً آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم، أي يكونون سامعين مطيعين لله ولأوامره، وليسوا أمثالكم في التولي عن الإيمان والتقوى، وفي البخل بالإنفاق في سبيل الله. روى ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد الرزاق والبيهقي والترمذي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله وَله تلا هذه الآية: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين إن تولينا، استبدل بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي رضي الله عنه، ثم قال: «هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس)» لكن تكلم به بعض الأئمة رحمهم الله، كما قال ابن كثير، وقال الترمذي: حديث غريب في إسناده مقال. ٤٦٤ الزُعُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٣٦-٣٨ وعن الكلبي والحسن وعكرمة: شرط في الاستبدال توليهم، لكنهم لم يتولوا، فلم يستبدل قوماً، وهم العرب أهل اليمن أو العجم. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: اً - الدنيا دار لعب ولهو ومشاغل وشهوات، فالسعيد من استخدمها للآخرة، ولم ينس نصيبه منها بقدر الحاجة، فمن آمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، واتقى ربه بفعل الفرائض وترك النواهي، ظفر بالثواب العظيم في الآخرة دار الخلد. أَ - المال محبوب الإنسان طبعاً، لذا لم يأمر الله لطفاً منه ورحمة بإنفاق جميعه في سبيله، كالزكاة والجهاد ووجوه الخير، بل أمر بإخراج البعض من الربح الذي هو من فضل الله وعطائه، لا من رأس المال، ليرجع ثوابه إلى المنفق نفسه، فكانت النسبة تتراوح بين ربع العشر ونصف العشر والعشر فقط، لذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾ إنما يسألكم أمواله؛ أي الأرباح التي يبسرها لكم؛ لأنه المالك لها، وهو المنعم بإعطائها. وقال: ﴿إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ أي يلح عليكم ﴿يَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ﴾ أي يخرج البخل أحقادكم. ٣ - أكد تعالى لطفه بعباده في التكاليف المالية، فذكر أنه طلب منهم اليسير من أموالهم، فبخلوا، فكيف لو طلب منهم الكل؟ !. ٤ - من بخل بتقديم شيء من ماله في سبيل الله كالجهاد وطرق الخير، فإنما يبخل على نفسه، فيمنعها الأجر والثواب. ٥ - الله هو الغني عن عباده وعن كل ما سواه، فليس بمحتاج إلى أموالهم، ولكن العباد أنفسهم هم الفقراء إلى الله عز وجل، لتحصيل الثواب ٤٦٥ الزُعُ (٢٦) - مُحَدٌ: ٤٧ / ٣٦-٣٨ والفضل الإلهي، فلا يقولوا: إنا أيضاً أغنياء عن القتال وعن معونة الفقراء، فالواقع أنه لا غنى لهم عن ذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فإنه لولا القتال لقتلوا، بغزو الكفار واجتياح بلاد المسلمين، والمحتاج إن لم تدفع حاجته، قَصَدَ الغنيَّ وأخذ ماله، ولاسيما أن الشارع أباح للمضطر ذلك. وأما في الآخرة فالأمر ظاهر حيث يكون كل إنسان فقيراً إلى فضل الله ورحمته، وفي حال الحساب، وهو موقوف مسؤول في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون. أَ - أنذر الله تعالى عباده وحذرهم من إهمال حمل المسؤولية والقيام بأعباء التكاليف، فهم إن أعرضوا عن الإيمان والجهاد والتقوى، استبدل قوماً غيرهم يكونون أطوع لله منهم، ثم يكونون أفضل وأمثل وأحسن منهم، وتلك هي سنة الله في خلقه، وليسوا أمثال المستبدل بهم في البخل بالإنفاق في سبيل الله، كما قال الطبري. والأولى العموم، أي لا يكونوا أمثالكم في الوصف، ولا في الجنس، كما ذكر الرازي. وقال الزمخشري: أي يخلق قوماً على خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما، كقوله تعالى: ﴿ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [فاطر: ١٦/٣٥]. وقد اختلف المفسرون في تعيين أولئك القوم الجدد، فقيل: هم الملائكة، أو الأنصار، أو التابعون، أو أهل اليمن، أو كندة والنخع، أو العجم، أو فارس والروم، والأولى تفويض ذلك إلى علم الله تعالى. والخطاب لقريش أو لأهل المدينة، والأولى جعل الخطاب متجدداً بتجدد الأجيال والأمم، سواء من كان عند نزول الوحي أم بعد ذلك. حكي عن أبي موسى الأشعري: أنه لما نزلت هذه الآية، فرح بها رسول الله وَلّر، وقال: ((هي أحب إلي من الدنيا)). ٤٦٦ الجُُّ (٢٦) السورة (٤٨) الفتح بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ سُورَةُ الفَتّى مدنية، وهي تسع وعشرون آية. تسميتها: سميت سورة الفتح لافتتاحها ببشرى الفتح المبين: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّينًا (٤). أخرج أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) عن عبد الله بن مُغَفّل قال: قرأ رسول الله وَّلفي عام الفتح -أي فتح مكة- في مسيره سورة الفتح على راحلته، فرجَّع فيها، قال معاوية بن قُرَّة: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا، لحكيت قراءته. مناسبتها لما قبلها: تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه: اً - إن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال، وقد ورد في الحديث: أنها نزلت مبينة لما يفعل به وبالمؤمنين، بعد إبهامه في قوله تعالى في سورة الأحقاف: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ [٩]. وجاء في سورة محمد تعليم المؤمنين كيفية القتال: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ﴾ [٤] ثم ذكر هنا · بيان الثمرة اليانعة لتلك الكيفية وهو النصر والفتح. أَ - في كلتا السورتين (محمد والفتح) بيان أوصاف المؤمنين والمشركين والمنافقين. ٤٦٧ الُزُ (٢٦) السورة (٤٨) الفَتْح ٣- في سورة محمد أُمِرَ النبي بالاستغفار لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات [الآية: ١٩] وافتتحت هذه السورة بذكر حصول المغفرة. ما اشتملت عليه السورة: هذه السورة كسابقتها مدنية، نزلت ليلاً بين مكة والمدينة في شأن صلح الحديبية، بعد الانصراف من الحديبية. والسور المدنية كما هو معروف تحدثت عن المنافقين الذين ظهروا في المدينة، وعنيت بشؤون التشريع في الجهاد والعبادات والمعاملات. بدأت السورة الكريمة ببشارة النبي ◌َّ بالفتح الأعظم وانتشار الإسلام بعد فتح مكة الذي كان صلح الحديبية بين الرسول وَله وبين المشركين سنة ست من الهجرة بداية طيبة له. ثم أخبرت بوعد الله المنجز لا محالة للمؤمنين ووعيده للكافرين والمنافقين، وأبانت مهام النبي وَلّر من الشهادة على أمته وعلى الخلق يوم القيامة والتبشير والإنذار، من أجل الإيمان بالله تعالى ورسوله وَله ونصرته. وأردفت ذلك بأمرين متميزين: أولهما - الإشادة بأهل بيعة الرضوان تحت الشجرة في الحديبية، وبيان أن بيعتهم في الحقيقة لله، وتسجيل رضوان الله تعالى عليهم، ووعدهم بالنصر في الدنيا، وبالجنة في الآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ والثاني - ذم المنافقين من عرب أسْلَم وجُهينة ومُزَينة وغِفار الذين تخلفوا عن الخروج مع رسول الله وَّير عام الحديبية، وكانوا من أعراب المدينة. وأبانت إعفاء أصحاب الأعذار (الأعمى والأعرج والمريض) من فريضة الجهاد، واكتفت منهم بطاعة أمر الله تعالى ورسوله مَ له، فذلك مؤذن بدخول الجنة. ٤٦٨ الجُ (٢٦) السورة (٤٨) الفَتْحُ وذكَّرت بفضل الله تعالى على المؤمنين في إبرام الصلح والكف عن القتال بينهم وبين أهل مكة كفار قريش الذين كفروا وصدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، وتأثرهم بحمية الجاهلية من الأنفة والكبر والعصبية، ورفضهم كتابة البسملة في مقدمة الصلح، وكتابة (محمد رسول الله) ، وتثبيت المؤمنين على كلمة التقوى وهي طاعة الله تعالى والرسول وَله وقبول شروط الصلح، بالرغم من إجحاف بنوده في الظاهر بحقوق المسلمين. وتحدثت بعدئذ عن البشرى بتحقق رؤيا النبي ◌ّ التي رآها في المدينة المنورة أنهم يدخلون المسجد الحرام (مكة) آمنين مطمئنين، وتم ذلك بالفعل في العام المقبل حيث دخل المؤمنون مكة معتمرين: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾. وختمت السورة بأمور ثلاثة: هي إرسال محمد ◌ّية بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ووصف النبي والمؤمنين بالرحمة فيما بينهم والشدة على الكفار الأعداء، ووعد المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمغفرة والأجر العظيم. فضلها: نزلت هذه السورة على النبي وَل بعد عودته من الحديبية، روى أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي وَليه قال: ((نزل علي البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾)). وفي رواية: ((لقد أنزلت علي الليلة آية أحب إلي مما على الأرض)) وفي رواية مسلم عن أنس: ((أحب إلي من الدنيا جميعها)). ٤٦٩ لُعُ (٢٦) السورة (٤٨) الفَتْح أضواء من السيرة على سبب نزول السورة (صلح الحديبية وبيعة الرضوان) . كان رسول الله و لو قد رأى في المنام وهو في المدينة المنورة أنه دخل مكة، وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك، ففرحوا فرحاً عظيماً. فخرج رسول الله 18 من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة معتمراً (زائراً البيت الحرام) لايريد حرباً، ومعه ألف وخمس مئة (١٥٠٠) من المهاجرين والأنصار ومسلمي الأعراب، وساق معه الهَدْي(١)، وأحرم بالعمرة من (ذي الحليفة) وخرج معه من نسائه أم سَلَمة رضي الله عنها. ولم يكن مع رسول الله وَ وصحبه غير سلاح المسافر: السيوف في القُرُب، فبعث عيناً له من خزاعة، يخبره عن قريش، فلما أصبح قريباً من ((عُسفان)) - موضع بين مكة والمدينة - على مرحلتين من مكة، أتاه عينه بشر ابن سفيان الكعبي قائلاً: يا رسول الله- هذه قريش علمت بمسيرك، فخرجوا ومعهم العُوذ المطافيل (النوق ذات اللبن والأولاد) أي عازمين قاصدين طول الإقامة، وقد نزلوا بذي طوى، يحلفون بالله، لا تدخلها عليهم أبداً، وقد جمعوا لك الأحابيش (جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة) وجمعوا لك جموعاً، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فأرسل رسول الله و 18 حينئذ عثمان بن عفان إلى قريش يبلّغهم قصد رسول الله وَلّ، وأنه لا يريد إلا العمرة، فبلغ رسولَ الله وَلل أن عثمان قد قتل، فدعا المسلمين إلى البيعة، واجتمعوا تحت الشجرة - شجرة الرضوان- فبايعوه على القتال وألا يفروا، وتسمى بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان، قال سلمة بن (١) يسن للقادم إلى مكة أن يهدي إلى الحرم شيئاً من الأنعام ( الإبل والبقر والغنم) ويسمى ذلك ھدیاً. ٤٧٠ الُ (٢٦) السورة (٤٨) الفَتْح الأكوع رضي الله عنه: ((بايعناه وبايعه الناس على عدم الفرار، وأنه إما الفتح وإما الشهادة)) . فأرعب ذلك المشركين وأرسلوا داعين إلى الصلح والموادعة، وكان قد أتى رسول الله وَ ﴿ أن الذي بلغه من أمر عثمان كذب. وقد أنزل الله في هذه البيعة قوله سبحانه: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨/٤٨]. وكان هذا الصلح هو الفتح، وبعد رجوعه إلى المدينة فتح الله عليه خيبر، فقسمها على أهل الحديبية لم يشركهم أحد غيرهم، وكانوا ألفاً وخمس مئة، منهم ثلاث مئة فارس. وهذا قول سعيد بن المسيب، والمشهور أنهم كانوا أربع عشرة مئة. ولما علمت قريش بهذا أرسلت سهيل بن عمرو لعقد الصلح، فلما رآه رسول الله ◌َليه مقبلاً قال: أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، وقال: اكتب بيننا وبينكم كتابً. فدعا الكاتب علي بن أبي طالب، وبدأ الاتفاق على بنود المعاهدة، بعد أن رفض سهيل كتابة ((بسم الله الرحمن الرحيم))، وكتب ((باسمك اللهم)) ورفض أيضاً وصف محمد بالرسالة، فكتب: ((محمد بن عبد الله)). وتم الصلح على أن يكف الفريقان عن الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، دون قتال ولا اعتداء، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن جاء قريشاً من أصحاب محمد وي لو لم يردوه عليه، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد ◌َّلفر وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قریش وعهدهم دخل فيه. فسارعت خزاعة، فدخلت في عقد محمد ◌َ ليه وحالفته، وتواثبت بنو بكر، فدخلوا في عهد قريش وعقدهم. وعلى المسلمين الرجوع عن مكة هذا العام، وإذا كان العام القادم خرجت قريش من مكة، ودخلها المسلمون ثلاثة أيام، معهم سلاح الراكب، السيوف في القُرُب. ٤٧١ الُ (٢٦) السورة (٤٨) الفَتح وقد اعترض بعض كبار المسلمين مثل عمر بن الخطاب على الصلح، لعدم تكافؤ شروطه، وإجحافه بالمسلمين، ولكنه كان في الحقيقة نصراً كبيراً؛ لأن قريشاً اعترفوا بمكانة المسلمين، وتمت الهدنة التي استراح فيها المسلمون عن الحروب والمعارك التي شغلتهم وأضعفتهم، وتمكن المسلمون من القيام بدعوة الإسلام في ظل الأمن والسلام، ودخل في الإسلام كثير من العرب. فكان ذلك فتحاً مبيناً، أو تمهيداً لفتح مكة، قال الزهري: ((فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه .. )) فقد كان عدد المسلمين وقت الصلح ألفاً وخمس مئة أو أربع مئة، ثم صاروا عام فتح مكة بعد الصلح بسنتين عشرة آلاف، منهم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص. وقال ابن مسعود وجابر والبراء رضي الله عنهم: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية. وبعد أن نحر النبي وَلّ هَدْيه حيث أحصر ورجع، وبعد انصرافه نزل عليه ليلاً وهو في الطريق بين مكة والمدينة هذه السورة. روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: لما أقبلنا من الحديبية عَرَّسنا(١) فنمنا، فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا، ورسول الله وَل﴿ نائم، فقلنا: أيقظوه، فاستيقظ رسول الله مَّر، فقال: ((افعلوا ما كنتم تفعلون، وكذلك يفعل من نام أو نسي)) أي قضاء الصلاة، قال: وفقدنا ناقة رسول الله وَ﴾، فطلبناها، فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها، فركبها، فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سُرِّي عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) التعريس: نزول القوم من آخر الليل للنوم والاستراحة ثم الارتحال. ٤٧٢ لُعُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ /١-٣ صَلَى الله وسام فضائل صلح الحديبية على النبي ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُنِمَّ ﴿ وَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا القراءات: ﴿صِرَاطًا﴾ : وقرأ قنبل (سراطاً). الإعراب: ﴿ لِيَغْفِرَ لَّكَ اَللَّهُ﴾ لام (يغفر) متعلقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ وهي لام (كي) وهي حرف جر، وإنما حسن دخولها على الفعل؛ لأن ( أن ) مقدرة بعدها، ولهذا كان الفعل بعدها منصوباً، وأن مع الفعل في تقدير الاسم، فلم تدخل في الحقيقة إلا على اسم. ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ تقديره: إلى صراط مستقيم، فلما حذف حرف الجر، اتصل الفعل بقوله: ﴿صِرَطًا﴾ فنصبه. البلاغة: ﴿مَا نَقَدَّمَ﴾ ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ بينهما طباق. المفردات اللغوية: ﴿فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الفتح في أصل اللغة: إزالة الأغلاق، والفتح في باب الجهاد: هو الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً، بحرب أو بغيره؛ لأن البلد قبل ذلك ٤٧٣ الُ (٢٦) - الفَتح: ٤٨ / ١-٣ منغلق ما لم يُظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح: والمراد: قضينا لك بفتح مكة وغيرها في المستقبل عنوة بجهادك، فتحاً بيناً ظاهراً، أو هو وعد بفتح مكة، والتعبير عنه بالماضي للدلالة على تحققه وصيرورته في حكم الواقع. والمراد بالفتح هنا في رأي الجمهور: هو صلح الحديبية (والحديبية بئر سمي المكان بها) وسمي هذا الصلح فتحاً؛ لأنه كان سبباً لفتح مكة من قبيل المجاز المرسل بإطلاق السبب على المسبب. قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، اختلط المشركون بالمسلمين، وسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير كثر بهم سواد الإسلام، فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاؤوا إلى مكة في عشرة آلاف، ففتحوها. وقال جماعة: المراد فتح مكة، وعد الله به قبل حدوثه بطريق البشارة من الله تعالى لرسوله وَل﴿ وللمؤمنين، قال الزمخشري(١): هو فتح مكة، وقد نزلت السورة مرجع رسول الله وَلّر عن مكة عام الحديبية، عدةً له بالفتح، وجيء به على لفظ الماضي على عادة رب العزة سبحانه في أخباره؛ لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علوّ شأن المخبر ما لا يخفى، اهـ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اَللَّهُ﴾ يجوز أن يكون الفتح فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً أو علة للغفران والثواب، وكذلك فتح الحديبية وإن لم يكن فيه قتال شديد، لكن وقع فيه ترام بين القوم بسهام وحجارة أو كونه سبباً لفتح مكة، يكون لما تضمنه من مجاهدة سبباً للمغفرة. فإن لم يجعل الفتح علة للمغفرة، فيكون ذكر اللام - كما قال الزمخشري- لاجتماع ما عدَّد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية (١) تفسير الكشاف: ١٣٥/٣ ٤٧٤ الُزُرُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ /١-٣ الصراط المستقيم، والنصر العزيز، أي لتحصيل مجموع هذه الأمور كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة أو الحديبية ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين، وغايات العاجل والآجل. ﴿مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي جميع ما فرط منك مما يصح أن يعاتب عليه، وبما أن الأنبياء معصومون عن الذنوب الكبائر والصغائر، فالمراد بالذنب هنا: فعل ما هو خلاف الأولى والأفضل بالنسبة لمقام الأنبياء، فهو من قبيل: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. أو أن المراد ما هو ذنب في نظره العالي، وإن لم يكن في الواقع كذلك. وفي هذا ترغيب للأمة في الجهاد. ﴿وَيُنِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي ويتم بالفتح المذكور إنعامه عليك، بإعلاء الدين، واجتماع الملك مع النبوة وفتح البلاد ﴿ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي يثبتك بالفتح على الطريق القويم، وهو دين الإسلام وتبليغه وإقامة شعائره ﴿ وَيَنصُرَكَ اَللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ أي وينصرك الله بالفتح نصراً فيه عز ومنعة: وهو الذي لا ذُلّ بعده، أو يعز به المنصور وهو الذي لا يناله كل أحد، فوصف الشخص بالنصر العزيز للمبالغة. سبب النزول: نزول الآية (١): ﴿إِنَّا فَحْنَا﴾: أخرج الحاكم وغيره عن المِسْوَر بن تَخْرمة ومروان بن الحكم قالا : نزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها. نزول الآية (٢): ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ﴾ : أخرج أحمد والشيخان والترمذي والحاكم عن أنس قال: أنزلت على النبي ◌َّهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مَرْجِعَه من الحديبية، فقال النبي ◌َّر: ((لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على الأرض))، ٤٧٥ الْجُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ /١-٣ ثم قرأها عليهم، فقالوا: هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله، قد بيَّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وقال ابن عباس: إن اليهود شمتوا بالنبي ◌َّ والمسلمين لما نزل قوله: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ وقالوا: كيف نتبع رجلاً لا يدري ما يفعل به، فاشتد ذلك على النبي وَّه، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا فَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا و الاية. التفسير والبيان: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿1﴾ أي إنا فتحنا لك أيها الرسول فتحاً ظاهراً لا شك فيه، وهو صلح الحديبية الذي كان سبباً لفتح مكة وانتشار العلم النافع والإيمان، أو فتح مكة، وعده الله به قبل حصوله، وذكره بلفظ الماضي لتحققه، وكانت بشارة عظيمة من الله تعالى لرسوله ولول وللمؤمنين، كما بينت في تفسير المفردات. ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ أي لكي يجتمع لك مع المغفرة: تمام النعمة في الفتح، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، فيتحقق لك عز الدارين وسعادة الدنيا والآخرة. والمغفرة تشمل جميع ما فرط منك قبل الرسالة وبعدها من الهفوات التي تعد خلاف الأولى بالنظر إلى مقامك العالي، وذاك بالنظر لمن سواك لا يسمى ذنباً، فهو من قبيل ما يسمى: حسنات الأبرار سيئات المقرّبين. وفي هذا تشريف عظيم للنبي رُّ، وهو من خصائصه التي لا يشاركه فيها غيره. أخرج الجماعة (أحمد والأئمة الستة إلا أبا داود) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يقول: كان النبي ◌َّيّ يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ◌َله: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)). وأخرج أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَله ٤٧٦ لُرُ (٢٦) - الفتح: ٤٨ / ١-٣ إذا صلى، قام حتى تتفطّر رجلاه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أتصنع هذا، وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ◌َله: ((يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً)). ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ٣ أي ولكي يتمم إنعامه عليك بإعلاء شأن الدين وانتشار الإسلام وفتوح البلاد شرقاً وغرباً ورفع شأنك في الدنيا والآخرة؛ وليرشدك إلى الطريق القويم بما يشرعه لك من الشرع العظيم، ويثبتك على الهدى إلى أن يقبضك إليه؛ ولينصرك الله على أعدائك نصراً غالباً منيعاً، لا يتبعه ذل، أو هو عزيز المنال فريد المثال. فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات ما يلي: اً - بشّر الله نبيه والمؤمنين بفتح عظيم مبين واضح، وهو في رأي الجمهور كما تقدم صلح الحديبية الذي كان سبباً لفتح مكة وانتشار العلم النافع والإيمان واختلاط الناس مع بعضهم بعضاً، وتكلّم المؤمن مع الكافر. قال موسى بن عُقبة: قال رجل عند مُنصَرَفهم من الحديبية: ما هذا بفتح؛ لقد صدّونا عن البيت، فقال النبي ◌َّ: ((بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا)). وتساءل الزمخشري بقوله: كيف يكون فتحاً، وقد أحصروا، فنحروا، وحلقوا بالحديبية؟ ثم أجاب: كان ذلك قبل الهدنة، فلما طلبوها، وتمت، كانت فتحاً مبيناً. وقال الشعبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّنًا ﴿1﴾ قال: هو صلح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يُصب في غزوة؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأُطعِموا نخل خيبر، وبلغ الهدي تَحِلَّه، ٤٧٧ الُرُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ١-٣ وظهرت الروم على فارس؛ ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقد سبق كلام الزهري. والخلاصة: تحقق في هذا الصلح أمور ثلاثة: هي معرفة قوة العدو ومدى كفايته في السلم والسياسة والصلح، وتمييز المؤمنين من المنافقين، واختلاط المسلمين بالمشركين الذي أدى إلى الدخول في الإسلام. وقيل: إنه فتح مكة، وهو مناسب لآخر السورة التي قبلها، حیث حث تعالى على الجهاد بالنفس وبالمال والإنفاق في سبيل الله، ونهى عن طلب الصلح، فقال: لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا، فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه، كما كان يوم الحديبية. أَ - كانت ثمار الفتح الأعظم أربعة أمور هي: الأول- البراءة المطلقة للنبي وَّر بمغفرة جميع ذنوبه المتقدمة والمتأخرة التي تعد بمثابة خلاف الأولى والأفضل بالنظر لمقامه الشريف. الثاني - إتمام النعمة عليه بالجمع بين النبوة والملك، وبين سعادة الدنيا والآخرة. الثالث- الإرشاد والهداية إلى الطريق المستقيم بتبليغ الرسالة والثبات على الحق. الرابع - النصر المؤزر العزيز المنيع الذي لا ذل بعده. ويمكن القول بالتعبير الحديث: تحقق بهذا الفتح مفهوم سيادة الدولة الإسلامية الداخلية والخارجية، واستقلالها، وظهور النبي ◌َّ بصفة كونه حاكماً وإماماً في السياسة والحكم إلى جانب كونه نبياً، كما تحقق له عز الدنيا والآخرة، وثباته على دين الحق ونشره في أرجاء الدنيا. ٤٧٨ الُعُ (٢٦) - الفَتْحُ: ٤٨ / ٤-٧ وعقد صلح الحديبية، كما أنه أثبت صفة الحاكم السياسي للنبي وَّل على الأمة الإسلامية وعاصمتها المدينة، أدى إلى اعتراف المشركين بالدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والإقرار بسيادتها واستقلالها. آثار صلح الحديبية في المؤمنين والمنافقين والمشركين ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا فَعَ إِيمَنِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن ◌َّحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيَهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الْطَّنِينَ ۵ باللّهِ ظَرَبَّ السَّوْءٍ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٍ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّدٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ٧ القراءات: ﴿ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾: وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (دائرة السُّوء). الإعراب: ◌ِلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لابد من تقدير فعل قبله، فإن من قال ابتداء: لتكرمني، لا يصح ما لم يقل قبله: جئتك أو نحوه، والتقدير هنا إما: إنا فتحنا ليدخل، كما في قوله: ليغفر لك الله، وإما: أنزل السكينة ليدخل، أو أمر بالجهاد، ونحو ذلك. ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا﴾ ﴿عِندَ﴾ حال من الفوز. ٤٧٩ الجُزُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٤-٧ البلاغة: ﴿وَيُكَفَرَ﴾ ﴿وَيُعَذِّبَ﴾ بينهما طباق. ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ﴾ بينهما ما يسمى بالمقابلة. المفردات اللغوية: ﴿أَنَزَلَ﴾ خلق وأوجد ﴿السَّكِينَةَ﴾ الثبات والطمأنينة مأخوذ من السكون ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أوجد السكينة في القلوب في مواضع القلق والاضطراب لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمٌ﴾ يقيناً مع يقينهم، أو ليزدادوا إيماناً بالشرائع، ومنها الدين، مع إيمانهم بالله واليوم الآخر ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾ يدبر أمرها، فيسلط بعضها على بعض تارة، ويسالم فيما بينها تارة أخرى، كما تقتضي حكمته، وجنود السماوات والأرض: الأسباب السماوية والأرضية ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ عليماً بالمصالح، حكيماً فيما يقدّر ويدبر، والمعنى: أنه ما يزال متصفاً بذلك. ﴿ وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمَّ﴾ يغطيها ولا يظهرها ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي التكفير للسيئات وإدخال الجنات ﴿عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي إن دخول الجنات فوز عظيم عند الله ﴿السَّوْءَ﴾ بفتح السين وضمها، وهو المساءة، وظن السوء: أي ظن الأمر السوء، وهو ألا ينصر الله تعالى رسوله وَّر والمؤمنين ﴿عَلَيْهِمْ دَآيِرَةُ السَّوْءٍ﴾ دائرة ما يظنونه وينتظرونه بالمؤمنين، فلا يتخطاهم، وهو العذاب والهزيمة والشر. والدائرة في الأصل: الخط الدائري المحيط بالمركز، ثم استعملت في الحادثة المحيطة بالإنسان، كإحاطة الدائرة بالمركز، وكثر استعمالها في السوء والمكروه ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ﴾ سخط ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾ أبعدهم وطردهم من رحمته طرداً نزلوا به إلى أعماق جهنم ﴿ وَسَآَتْ مَصِيرًا﴾ مرجعاً. ﴿عَزِيزًا﴾ قوياً في ملكه يَغْلِب ولا يُغْلَب ﴿حَكِيمًا﴾ في صنعه. والمراد: أنه لم يزل متصفاً بالعزة والحكمة. ٤٨٠ لُعُ (٢٦) - الفَتْح: ٤٨ / ٤-٧ سبب النزول: نزول الآية (٥): ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: سبق بيانه في الآيات السابقة. المناسبة: بعد أن أخبر الله تعالى بفضله على نبيه وي ليه وبأنه ينصر رسوله، أبان بعض أفضاله على المؤمنين من أصحابه وبعض أسباب النصر، وهو تثبيت أقدام المؤمنين واطمئنان قلوبهم في ميادين المعارك، وأردفه ببيان سنته في تسليط بعض جنوده على بعض، ثم رفع معنويات الجند المؤمنين بوعدهم بالخلود في الجنان، وإيعاد الكافرين والمنافقين المعادين للمؤمنين بالعذاب الشديد، والغضب علیهم وطردهم من رحمته. التفسير والبيان: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ اُلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِمَنِمٌ﴾ أي إن الله عز وجل هو الذي خلق وأوجد السكون والطمأنينة والثبات في قلوب المؤمنين وهم الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية الذين استجابوا لله تعالى ولرسوله وَ﴾، وانقادوا لحكم الله تعالى ورسوله وَّر، واستعدوا للقتال بإخلاص دون فرار، لئلا تضطرب نفوسهم في وقت المحنة، وليزيدهم الله يقيناً جديداً على يقينهم الحاصل من قبل. وهذا يسمى حديثاً رفع الروح المعنوية للجیش. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بالآية على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب. ويصح تأويل زيادة الإيمان بأنه الإيمان بالشرائع بعد إيمانهم بالله، قال ابن عباس: إن أول ما أتاهم به النبي ◌َّو التوحيد، فلما آمنوا بالله وحده أنزل الصلاة ثم الزكاة ثم الجهاد ثم الحج.