Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١
الْجُرُ (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ١-٦
القيامة، وبأن العذاب أو الهلاك لا يكون إلا القوم الفاسقين الخارجين عن
حدود الله وطاعته، فما على الرسول إلا الصبر كما صبر أولو العزم من
الرسل، وعدم استعجال العذاب.
إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته ووقوع الحشر
والرد على عبدة الأوثان
مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ
تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
وَاْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَقَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ
قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمُمْ شِرْكُ فِىِ
السَّمَوَتِّ أَثْنُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنُ صَدِّقِينَ
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
عَنْ دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ (3)
٦
الإعراب:
﴿ تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اَللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿مَاذَا خَلَقُواْ﴾ مفعول به ثان لـ ﴿ أَرُونِ﴾.
البلاغة:
﴿اَلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ صيغة مبالغة.
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ فيه مجازان، حيث أطلق الرؤيا وأراد الإخبار، والعلاقة
السببية، واستعمل همزة الاستفهام في الأمر؛ لأن كلاً من الاستفهام والأمر
يدل على الطلب، و﴿ أَرُونِ﴾ توکید لأرأيتم.
٣٢٢
الُزُ (٢٦) - الْأَخْقَفْلِ: ٤٦ / ١-٦
﴿أَثْنُونِى بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ أمر يراد به التعجيز.
﴿يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ﴾ ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَابِهِمْ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، أي لا
أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجهل ممن يدعو الأصنام من دون الله،
فيتخذها آلهة ويعبدها، وهي إذا دعيت لا تسمع.
المفردات اللغوية:
هذه الحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن وتحدي
حم
العرب في أنه منظوم من حروفهم الهجائية، وللتنبيه على خطورة ما يتلى في
السورة ﴿اُلْكِنَبِ﴾ القرآن الكامل في كل شيء، وإنما كرر مع بداية السورة
السابقة لتأكيد مدلول الكتابة ﴿اٌلْعَزِيزِ﴾ القوي القاهر في ملكه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في
تدبيره وصنعه، يضع كل أمر في موضعه ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي إلا خلقاً ملازماً
للحق: وهو ما تقتضيه الحكمة والعدل، للدلالة على قدرة الله ووحدانيته،
وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم والبعث للجزاء والحساب ﴿وَأَجَلِ
تُسَقَىَّ﴾ أي بتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل، وهو يوم القيامة ﴿أُنْذِرُواْ﴾
خُوِّفوا به من العذاب ﴿ مُعْرِضُونَ﴾ مدبرون، لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له.
﴿أَرَءَيْتُمُ﴾ أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ تعبدون
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأصنام ﴿أَرُونِ﴾ أخبروني، وهو تأكيد لما سبق من طلب
الإخبار ﴿أَمْ﴾ همزة الإنكار ﴿شِرٌ﴾ نصيب ومشاركة ﴿فِى السَّمَوَتِ﴾ مشاركة
مع الله في خلق السماوات ﴿أَثْنُونِ بِكِتَبٍ﴾ منزَّل ﴿مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ أي القرآن
﴿أَوْ أَثَرَةِ﴾ بقية ﴿مِّنْ عِلْمٍ﴾ يؤثر ويروى عن الأولين بصحة دعواكم في
عبادة الأصنام أنها تقرّبكم إلى الله ﴿صَدِقِينَ﴾ في دعواكم.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد ﴿يَدْعُواْ﴾ يعبد ﴿مِن دُونِ
٣٢٣
لِجُزُ (٢٦) - الْأَحْقَقلِ: ٤٦ / ١-٦
اللَّهِ﴾ غيره، وهم الأصنام، لا يجيبون عابديهم إلى شيء يسألونه أبداً ﴿وَهُمْ عَن
دُعَابِهِمْ﴾ عبادتهم ﴿غَفِلُونَ﴾ لأنهم جماد لا يعقلون أو عباد مشتغلون
بأحوالهم.
﴿حُشِرَ النَّاسُ﴾ جمعوا يوم القيامة ﴿كَانُواْ﴾ أي الأصنام ﴿لَهُمْ﴾ لعابديهم
{بِعِبَادَتِهِمْ﴾ بعبادة عابديهم ﴿كَفِرِينَ﴾ جاحدين.
التفسير والبيان:
﴿حَمّ ﴿َ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾﴾ أي إنه تعالى كما بدأ
سورة الجاثية هو الذي أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد ماهر، وليس من
عند محمد د كما يزعم المشركون، وهو مع هذا التنزيل موصوف بالعزة التي
لا يفوقها شيء، فهو القوي القاهر الذي لا يُغلَب، وهو الحكيم في تدبيره
وصنعه وأقواله وأفعاله، يضع كل أمر في موضعه. وإذا كان الأمر كذلك، فما
على الناس إلا الإيمان بالقرآن والتصديق بما جاء فيه، والإيمان بصدق محمد
وَله في نبوته، وفيما دعا إليه من التوحيد الخالص، وإثبات البعث والجزاء،
ودعوة الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة، والأخلاق الكاملة النافعة.
﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ تُسَقَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
أي ما أوجدنا وأبدعنا السماوات العلا،
عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ
والأراضي السفلى وما بينهما من سائر المخلوقات إلا خلقاً ملتبساً بالحق الذي
تقتضيه المشيئة الإلهية، وليس على وجه العبث والباطل، فليس خلقها عبئاً ولا
باطلاً.
وقد خلقناها إلى مدة معينة محددة لا تزيد ولا تنقص، وهي يوم القيامة،
فإن السماوات والأرضين والمخلوقات تنتهي، وتتبدل السماوات والأرض
بغيرها.
٣٢٤
الُءُ (٢٦) - الأَخْقَظَلِ: ٤٦ / ١-٦
أما الذين جحدوا بالله، بالرغم من هذه الأدلة، ومن إنزال الكتب،
وإرسال الرسل، فهم لاهون عما يراد بهم، مولّون عما خُوِّفوا به في القرآن
من البعث والحساب والجزاء، غير مستعدين له، وسيعلمون غب ذلك
وعاقبته.
وبعد إثبات وجود الإله ووقوع الحشر والبعث يوم القيامة، ردَّ اللّه تعالى
على عبدة الأوثان بقوله :
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمُ مَّا نَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَمُمْ شِرْلُ فِىِ
السَّمَوَتِ﴾ أي قل أيها النبي لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: أخبروني
وأرشدوني عن حال آلهتكم من الأصنام وأصحاب القبور، بعد التأمل في خلق
السماوات والأرض وما بينهما، هل استطاعوا الاستقلال بخلق شيء في
الأرض، وهل لهم مشاركة في ملك السماوات والتصرف فيها؟.
الواقع أنهم لم يخلقوا شيئاً ولا شركة لهم في السماوات والأرض، فكيف
تعبدون مع الله الخالق لكل شيء غيره وتشركون به؟
﴿أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَةِ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُ صَدِقِينَ﴾ أي
أحضروا لي دليلاً مكتوباً قبل القرآن مما نزل على الأنبياء كالتوارة والإنجيل
يدل على صحة عبادتكم لآلهتكم، أو بقية من علم الأولين والأنبياء السابقين
يرشد إلى صحة هذا المنهج الذي نهجتموه، إن كنتم صادقين في ادعائكم
ألوهية الأصنام. والمعنى: لا دليل لكم نقلياً ولا عقلياً على ذلك.
وبعد أن نفى الله تعالى القدرة عن الأصنام في الخلق وغيره، أتبعه بنفي
العلم عنهم من كل الوجوه، فقال:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ
أي لا أحد أضل وأجهل ممن يعبد من دون الله
٥
عَن دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ
٣٢٥
الُهُ (٢٦) - الأَحْقَفَلِ: ٤٦ / ١-٦
أصناماً، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، فإنه دعا من لا يسمع
فكيف يطمع في الإجابة؟ والأصنام التي يدعونها غافلون عمن دعاها، لا
يسمعون ولا يعقلون؛ لکونهم جمادات.
والمعنى: أن الأصنام لا قدرة لها على شيء، ولا علم لديها بشيء، فما هي
إلا جماد، وعبادة الجماد محض الضلال، وهذا يستدعي التوبيخ والتهكم.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ تأبيد على عادة العرب، أي ما دامت الدنيا.
ثم أكد الله تعالى نفي العلم بعبادة الناس لها بقوله:
﴾ أي وإذا جمع
﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
الناس العابدون للأصنام في موقف الحساب، كانت الأصنام لهم أعداء، تتبرأ
منهم وتلعنهم، وكانوا جاحدين مكذبين منكرين لعبادتهم، فيخلق الله الحياة
في الأصنام فتكذبهم، وتتبرأ الملائكة والمسيح وعُزير والشياطين ممن عبدوهم
يوم القيامة.
ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿ وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِذَّا (٨)﴾ [مريم: ٨١/١٩-٨٢] أي
٨١
سیکذبونهم ویعادونهم في وقت أحوج ما یکونون إليهم. وقال تعالی حکایة عن
إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا مَّوَدَّةً
بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَرُ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِيرِينَ
١٢٥ @ [العنكبوت:
٢٥/٢٩] .
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات البينات إلى ما يأتي:
٣٢٦
:
الجُزءُ (٢٦) - الْأَخْقَفِ: ٤٦ / ١-٦
اً - تأكيد مطلع سورة الجاثية: وهو كون مصدر القرآن من الله العزيز
الحكيم، لا من عند محمد بَّه ولا غيره من العرب أو العجم.
· ◌َّ - دلت آية: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ﴾ على أمور ثلاثة: هي إثبات الإله بخلق
هذا العالم، وإثبات أن إله العالم عادل رحيم، لقوله تعالى: ﴿ إِلَّ بِالْحَقِّ﴾ أي
إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان، وإثبات البعث والقيامة، إذ لو لم توجد
القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، ولتعطل إيفاء الثواب
للمطيعين، وإقامة العقاب على الكافرين، وذلك ينافي كون خلق السماوات
والأرض وما بينهما بالحق.
◌َّ - دل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ على أن الكفار
معرضون عن هذه الدلائل، غير ملتفتين إليها، وهذا كما ذكر الرازي يدل
على وجوب النظر والاستدلال، أي لتكوين العقيدة وتصحيحها، وعلى أن
الإعراض عن الدليل مذموم في الدين والدنيا.
٤ - بعد إثبات أصول العقيدة الثلاثة المتقدمة، فرَّع الله تعالى عنها
التفاريع، فرد على عبدة الأصنام بأنها عديمة القدرة على خلق الأشياء، وغير
عالمة أصلاً بعبادة الوثنيين لها، وكل من الأمرين ينفي صلاحيتها للعبادة،
فهي لا قدرة لها أصلاً على الخلق والفعل، والإيجاد والإعدام، والنفع
والضر، وهي جمادات لا تسمع دعاء الداعين، ولا تعلم حاجات المحتاجين،
وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه، لم يبق مسوغ للعبادة ببديهة العقل،
فهي لا تضر ولا تنفع.
ثم وبخ الله تعالى عبدة الأصنام، وأبان لهم أنه لا أحد أضل وأجهل ممن
يعبد الأوثان، وهي إذا دُعيت لا تسمع، ولا يتصوّر منها الإجابة لا في
الحال، ولا بعد ذلك إلى يوم القيامة.
٥ - أرشد قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَةٍ مِّنْ عِلَّمِ﴾ إلى جواز الاعتماد على الخط
٣٢٧
الُ (٢٦) - الْأَخْفَقَلِ: ٤٦ / ١-٦
المكتوب، وكان الإمام مالك رحمه الله يحكم بالخط إذا عرف الشاهد خطه، أو
عرف الحاكم خطه أو خط من كتب إليه، فیحکم به، ثم رجع عن ذلك حين
ظهر في الناس ما ظهر من الحيل والتزوير، وقد روي عنه أنه قال: ((يُحدِث
الناس فجوراً، فتحدث لهم أقضية)).
ولكن أجاز مالك الأخذ بشهادة الشهود على أن هذا خط الحاكم وكتابه،
وكذلك الوصية، أو خط الرجل باعترافه بمال لغيره يشهدون أنه خطه، ونحو
ذلك.
أَ - قال ابن العربي: إن الله تعالى لم يُبْق من الأسباب الدالة على الغيب
التي أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا، فإنه أذن فيها وأخبر أنها
جزء من النبوة، وكذلك الفأل، فأما الطِّيَرة والزَّجْر فإنه نهى عنهما . والفأل:
هو الاستدلال بما يستمع من الكلام على ما يريد من الأمرإذا كان حسناً، فإن
سمع مكروهاً فهو تطيّ، وأمر الشرع بأن يفرح بالفأل، وبمضي على أمره
مسروراً به. وإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله، وقال- كما علَّمه
النبيِ نَّهِ ((اللهم لا طَيْرَ إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك))(١).
(١) أحكام القرآن: ١٦٨٥/٤
٠۶
٣٢٨
الُزُعُ (٢٦) - الأَخْفَقَلِ: ٤٦ / ٧-١٠
- ١ -
شبهات المشركين حول الوحي والنبوة والقرآن
﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيْنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَذَا سِخْرٌ مُبِينُ
أَ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَُّ قُلْ إِنِ اُفْتَرَيْتُهُ فَ تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا
نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قُلْ مَا كُتُ
بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ وَمَآ أَنَا
﴿﴿ قُلْ أَعَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ
إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَمَنَ وَأُسْتَكْبَرٌَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
الإعراب:
بِنَتِ﴾ حال.
کف بهِ، شهیدا ،﴾
تمييز منصوب.
﴿مَا يُفْعَلُ بِ﴾ ﴿مَا﴾: إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة.
﴿ وَكَفَرْتُ بِهِ،﴾ جملة حالية.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ﴾ أدغمت الدال من ﴿وَشَهِدَ﴾ في الشين من ﴿شَاهِدٌ﴾
لقرب الدال من الشين، كما يجوز إدغام الثاء والسين والضاد في الشين،
فالثاء كقوله تعالى: ﴿حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ والسين كقوله تعالى: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ
شَيْبًا﴾ والضاد كقوله تعالى: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾. وإنما أدغمت هذه الأحرف
في الشين، ولم يدغم الشين في هذه الأحرف؛ لأنها أزيد صوتاً منها، لما فيها
من التفشي.
٣٢٩
لُعُ (٢٦) - الأَخْقَوْلِ: ٤٦ / ٧-١٠
البلاغة:
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: بمعنى (بل) الإضرابية، والإضراب: الانتقال من معنى ،
لآخر، والهمزة للإنكار.
﴿بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ﴾ استعارة تبعية، استعمل الإفاضة في الأخذ في الشيء
والإندفاع فيه.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على أهل مكة ﴿ءَايَنُنَا﴾ القرآن ﴿بَيِنَتٍ﴾ واضحات ظاهرات
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكة ﴿لِلْحَقِّ﴾ أي آيات القرآن والمعنى في شأن
الحق ولأجله ﴿لَمَّا جَآءَهُمْ﴾ حينما جاءهم من غير نظر وتأمل ﴿هَذَا سِحْرٌ
نُبِينٌ﴾ ظاهر بطلانه.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي بل أيقولون، والهمزة الاستفهامية للإنكار، والمراد:
الإضراب عن تسميتهم إياه سحراً إلى ذكر ما هو أشنع منه وإنكار له وتعجيب
﴿أَفْتَرَّهُ﴾ أي اختلقه وهو القرآن ﴿قُلْ إِنِ اُفْتَرَيْتُهُ﴾ على سبيل الافتراض ﴿مِنَ
اللَّهِ﴾ من عذابه ﴿شَيْئًا﴾ أي إن عاجلني الله بالعقوبة، فلا تقدرون على دفع
شيء منها، فكيف أجترئ عليه، وأعرِّض نفسي للعقاب من غير توقع نفع،
ولا دفع ضّ من قبلكم ﴿نُفِيضُونَ﴾ تندفعون وتقولون في القرآن من القدح
والطعن والتكذيب ﴿كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهد لي بالصدق والبلاغ،
وعليكم بالكذب والإنكار، وهو وعيد بالجزاء على إفاضتهم في آيات القرآن
﴿ اَلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الكثير المغفرة والرحمة، وهو وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب
وآمن، وإشعار بحلم الله، فلم يعاجلهم بالعقوبة.
﴿ِدْعًا﴾ أو بديعاً، أي مبتدعاً ليس له مثال أو سابقة، وقرئ: بدَعاً جمع
٣٣٠
الُزُعُ (٢٦) - الْأَخْقَفِ: ٤٦ / ٧-١٠
بدعة ﴿مِّنَ الرُّسُلِ﴾ أي لست أول مرسل، فقدٍ سبق قبلي كثيرون منهم، فكيف
تكذبونني؟ ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ في الدارين: إذ لا علم لي
بالغيب، و﴿وَلَا﴾ لتأكيد النفي، و﴿مَا﴾ إما موصولة منصوبة، أو استفهامية
مرفوعه ﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾ أي ما أتبع إلا القرآن الموحى به، ولا
أبتدع شيئاً من عندي، وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه من
الغيوب ﴿وَمَآ أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ مُِّينٌ﴾ منذر بيِّن الإنذار بالشواهد والمعجزات عن
عقاب الله.
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ أخبروني عن حالكم ﴿إِن كَانَ﴾ القرآن ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ﴾ هو عبد الله بن سَلام، وشهادته بما في التوارة من نعت الرسول
﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ مثل القرآن، أي شهد على مثل ما في القرآن من التوارة من
المعاني المصدِّقة للقرآن المطابقة لها، أو شهد على مثل ذلك وهو كون القرآن من
عند الله ﴿فَامَنَ﴾ الشاهد ﴿وَأَسْتَكْبَرْثٌ﴾ تكبرتم عن الإيمان ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ هذا دليل على جواب الشرط المحذوف، تقديره: ألستم
ظالمين؟.
سبب النزول:
نزول الآية (١٠):
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾: أخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن عوف بن مالك
الأشجعي قال: انطلق النبي والر وأنا معه، دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم،
فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله رَلي: يا معشر اليهود، أروني اثني
عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يَحُظُ الله
عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه، فسكتوا، فما أجابه
منهم أحد، ثم انصرف، فإذا رجل من خَلْفه، فقال: كما أنت يا محمد،
فأقبل، فقال: أي رجل تعلموني يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم فينا
٣٣١
لُعُ (٢٦) - الْأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٧-١٠
رجلاً كان أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من
جدك قبل أبيك، قال: فإني أشهد أنه النبي الذي تجدون في التوارة، قالوا:
كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا فيه شراً، فأنزل الله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ
عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ،﴾ الآية.
وأخرج الشيخان (البخاري ومسلم) عن سعد بن أبي وقاص قال: في
عبد الله بن سَلام نزلت، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله. وأخرج ابن
جرير والترمذي وابن مردويه عن عبد الله بن سَلاَم قال: (( فيَّ نزلت )) ونزل
فيّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ)
[الرعد: ١٣٠ / ٤٣] .
المناسبة:
بعد تقرير التوحيد ونفي الأضداد والأنداد، ذكر الله تعالى أمر النبوة
وشبهات المشركين حولها وحول القرآن، فأبان أنهم يسمون معجزة القرآن
بالسحر، وأنهم متى سمعوا القرآن قالوا: إن محمداً افتراه واختلقه من عند
نفسه، ثم أبطل تعالى شبهتهم، فقال: إن افتريته على سبيل الفرض، فإن الله
تعالى يعاجلني بالعقوبة، وأنتم لا تقدرون على دفع العذاب عني، فكيف أقدم
على هذه الفرية، وأعرِّض نفسي لعقابه؟!
ثم حكى عنهم نوعاً آخر من الشبهات، وهو أنهم كانوا يقترحون عليه
معجزات عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجابهم الله تعالى بأن
يقول لهم النبي ◌َّر: لست بأول رسول أرسله الله، حتى تنكروا إخباري بأني
رسول الله إليكم، وتنكروا دعوتي لكم إلى التوحيد، ونهي عن عبادة
الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا لهذه الأهداف والغايات، وأنا من جنس
الرسل وواحد منهم لا أستطيع ولا أقدر على الإتيان بالمعجزات والإخبار عن
المغيبات، فذلك ليس في وسع البشر، وإنما هو بقدرة الله تعالى.
٣٣٢
لُزُعُ (٢٦) - الْأَحْقَقلِ: ٤٦ / ٧-١٠
التفسير والبيان:
﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينُ
) أي إذا تليت على المشركين آيات القرآن حال كونها بيِّنة واضحة جلية،
قالوا في شأن الحق الذي أتاهم وهو القرآن: هذا سحر واضح وتمويه خادع،
فكذبوا به وافتروا، وكفروا وضلوا.
ثم ذكر الله تعالى ما هو أشنع من وصف القرآن بالسحر ورد عليهم، فقال:
﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلَ تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي بل
أيقولون: افترى محمد هذا القرآن واختلقه من عند نفسه، كذباً على الله؟ فرد
الله تعالى عليهم: قل لهم أيها الرسول: لو افتريته وكذبت على الله على سبيل
الفرض والتقدير كما تدّعون، وزعمت أنه أرسلني رسولاً إليكم، ولم يكن
الأمر كذلك، لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم
ولا غيركم أن يدفع عقابه عني، فكيف أقدم على هذه الفرية، وأعرِّض نفسي
لعقابه؟
وقوله: ﴿أَمْ﴾ للإنكار والتعجيب كما تقدم، كأنه قيل: دع هذا واسمع
القول المنكر العجيب.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّ لَن يُحِبِرَبِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِ،
مُلْتَحَدًا ﴿ إِلَّا بَلَغَا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ﴾ [الجن: ٢٢/٧٢-٢٣]. و
® ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ (
٤٤
﴿وَلَوْ نَقَوَّ عَلَيْنَا بَعْضَ آلْأَفَاوِيلِ
٤٦
[الحاقة: ٤٤/٦٩-٤٧] وذكر هنا :
٤٧
فَمَا مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
أي الله أعلم بما تقولون في القرآن، وتخوضون فيه، من التكذيب له، والقول
بأنه سحر وكهانة، وكفى بالله شاهداً صادقاً يشهد لي بأن القرآن من عنده،
٣٣٣
لُ (٢٦) - الْأَخْفَقَلِ: ٤٦ / ٧-١٠
وبالبلاغ لكم، وبالتكذيب والجحود منكم، ومع كل هذا الذي صدر منكم
فالله هو الغفور لمن تاب وآمن، وصدَّق بالقرآن، وعمل بما فيه.
وهذا جمع بين الوعيد والتهديد وبين الترهيب والترغيب لهم في التوبة
والإنابة، وذلك كقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى
عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ الْبِرَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
[الفرقان: ٥/٢٥-٦].
إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (®َا﴾
ثم رد الله على المشركين شبهة أخرى هي اقتراح الإتيان بمعجزات،
والإخبار عن مغيبات فقال:
﴿قُلْ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ أي لست
بأول رسول جاء إلى العالم، بل قد بعث الله قبلي كثيراً من الرسل، فما أنا
بالأمر المبتدع الذي لا نظير له، حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إلیکم،
ولست أعلم ما يفعل بي ولا بكم في مستقبل الزمان في الدنيا وكذا يوم
القيامة، هل أبقى في مكة أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أُقتل، وهل تُعجل
لكم العقوبة أيها المكذبون أم تمهلون؟ والمعنى: إني لا أعلم بما لي بالغيب،
فأفعاله تعالى وما يقدره لي ولكم من قضاياه لا أعلمها(١).
﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَىَ إِلَىَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي إنّما أتبع الوحي الذي
ينزله الله عليّ في القرآن والسنة، ولا أبتدع من عندي شيئاً، ولست إلا نذيراً
لكم أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على نحو واضح ظاهر لكل عاقل.
وهذا دليل على أن النبي وَ ل﴿ لا يدري ما يؤول إليه أمره وأمر المشركين في
دار الدنيا، أما في الآخرة فهو وَل فر جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه،
وذلك في الجملة، ولا يقطع لشخص معين بالجنة إلا الذي نص الشارع على
(١) البحر المحيط: ٥٦/٨
٣٣٤
الجُزءُ (٢٦) - الأَحْقَقلِ: ٤٦ / ٧-١٠
تعيينهم كالعشرة المبشرين بالجنة(١)، وابن سلام، والعميصاء، وبلال،
وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقرَّاء السبعين الذين
قتلوا ببئر مَعُونة، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن
رَوَاحة، وما أشبه هؤلاء رضي الله عنهم، والدليل على ذلك الحديث التالي:
أخرج أحمد والبخاري عن أم العلاء - وهي امرأة من نساء الأنصار-
قالت: ((لما مات عثمان بن مَظْعون، قلت: رحمك الله أبا السائب، شهادتي
عليك، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله وَلّ: وما يدريكِ أن الله أكرمه؟ أما
هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري- وأنا رسول
الله- ما يفعل بي ولا بكم، قالت أمّ العلاء: فوالله لا أزكي بعده أحداً)).
وفي رواية الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: ((أنه لما مات قالت امرأته
أو امرأة: هنيئاً لك ابنَ مَظْعون الجنةُ، فنظر إليها رسول الله وَّهِ نظر مُغْضَب،
وقال: وما يدريكِ؟ والله، إني لرسول الله، وما أدري ما يفعل الله بي،
فقالت: يا رسول الله، صاحبك وفارسك وأنت أعلم، فقال: أرجو له رحمة
ربي تعالى، وأخاف عليه ذنبه)) .
ثم أكد الله تعالى خسارة المشركين قائلاً:
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ عَلَى
)﴾ أي قل يا محمد
مِثْلِهِ، فَامَنَ وَاُسْتَكْبَُّمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله في
الحقيقة، والحال أنكم قد كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل العالمين بما
أنزل الله في التوارة على صحته وعلى مثله وهو القرآن، أو على مثل ما قلت،
(١) وهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص،
وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن
الجراح، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.
٣٣٥
الُرُ (٢٦) - الأَخْفَفَلِ: ٤٦ / ٧-١٠
فآمن الشاهد بالقرآن لما تبيَّن له أنه من كلام الله، وهذا الشاهد هو عبد الله بن
سلام الذي أسلم بعد الهجرة، ثم تكبرتم عن الإيمان به، فقد ظلمتم
أنفسكم (١) وكنتم من الخاسرين. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّلِينَ﴾
معناه لا يوفقهم إلى الخير، وهو استئناف بياني، تعليل لاستكبارهم.
وبعبارة أخرى: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي قد
جئتكم به قد أنزله الله علي لإبلاغكم به، وقد كفرتم به وكذبتموه، ألستم
تكونون أضل الناس وأظلمهم؟! أو ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم؟ يدل على
هذا الجواب المحذوف قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظِّينَ﴾.
والشاهد في رأي أكثر المفسرين هو عبد الله بن سلام، بدليل ما ذكر
صاحب الكشاف: (( لما قدم رسول الله وَلقوله المدينة نظر - أي ابن سلام - إلى
وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر، وقال
له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول
طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال ◌َله:
أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول
طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل
نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته، فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً، ثم قال:
يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني
بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم النبي ◌َّ: أيّ رجل عبد الله فيكم؟
فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال:
أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله،
(١) هذا جواب الشرط المحذوف لقوله: ﴿إِنَ﴾ المفهوم من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى﴾ والمفعول
الثاني لقوله ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ مقدر، أي ألستم ظالمين؟
٣٣٦
لُ (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ٧-١٠
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا
وابن شرنا، وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر))(١).
أما إنكار أن يكون الشاهد هو عبد الله بن سلام؛ لأن إسلامه كان بالمدينة
قبل وفاة رسول الله و له بعامين، وهذه السورة مكية، فالجواب عليه- كما ذكر
الكلبي- بأن السورة مكية إلا هذه الآية، فإنها مدنية، وكانت الآية تنزل،
فيؤمر رسول الله وسل* بأن يضعها في سورة كذا، فهذه الآية نزلت بالمدينة، وإن
الله تعالى أمر رسول الله وَسير بأن يضعها في هذه السورة المكية، في هذا الموضع
المعين(٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - عادى مشركو مكة النبي وَلّ، فكذبوا كون القرآن نازلاً من عند الله،
وكذبوا النبوة، ووصفوا القرآن بأنه سحر واضح.
اً - ولم يكتفوا بوصف القرآن بأنه سحر، بل قالوا ما هو أشنع من ذلك،
قالوا: إن محمداً اختلقه وافتراه من عند نفسه، لا من عند الله.
ءَ - ردَّ الله عليهم افتراءهم بأنه لو افتراه محمد رَّ على سبيل الفرض
والتقدير لعجّل الله له العقوبة في الدنيا، ولم يقدر أحد أن يرد عنه عذاب الله،
والله أعلم بما يتقوّله ويخوض به من التكذيب هؤلاء المشركون، وكفى بالله
شاهداً على أن القرآن من عند الله، وأنه يعلم صدق نبيه وأنهم مبطلون.
وبالرغم من ذلك فالله الغفور لمن تاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فإذا آمن
هؤلاء المشركون، غفر لهم ما قد سلف منهم من الذنوب والمعاصي.
(١) الكشاف: ١١٩/٣
(٢) تفسير الرازي: ١٠/٢٨
٣٣٧
المُزُ (٢٦) - الْأَخْفَقَلِ: ٤٦ / ٧-١٠
٤ - ليس النبي وَل# أول رسول يرسل، بل هو خاتم الرسل الكرام، قد
كان قبله رسل، فليست دعوته إلى التوحيد، وإنكار عبادة الأصنام، وعدم
علمه بالغيب مقصوراً عليه، وتلك دعوة قديمة هي دعوة جميع الرسل.
٥ - النبي وَّل غير عالم بالغيبيات إلا بطريق الوحي، فلا وجه لطلب
إخباره بمغيبات لا يعلم بها، فهو لا يدري بما يفعل به ولا بالناس من أحوال
الدنيا وأحوال الآخرة، من الأحكام والتكاليف وما يؤول أمر المكلفين إليه.
وبه يعلم أن ما يُدَّعى من علم بعض الأولياء بالغيب هو أمر باطل وكذب
مفتری.
لكن نظراً لأن النبي وَلّ يعلم كونه نبياً، فهي يعلم أنه لا تصدر عنه
الكبائر، وأنه مغفور له، وقد تأكد هذا بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَّدَمَ مِن
ذَلِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢/٤٨] وقوله سبحانه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ
تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ﴾ [الفتح: ٥/٤٨] وقوله عز وجل: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ
﴾ [الأحزاب: ٣٣ /٤٧].
٤٧
لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا
أَ - لا نسخ في آية: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ لما ذكر الواحدي
وغيره عن ابن عباس: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله وَ لو رأى في المنام
أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء؛ فقصّها على أصحابه، فاستبشروا
بذلك، ورأوا فيها فرجاً مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا
يرون ذلك، فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت
النبيِ وََّ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ﴾ أي لا أدري
أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا، ثم قال: (( إنما هو شيء رأيته في
منامي، ما أتبع إلا ما يُوحى إلي )) أي لم يوح إليّ ما أخبرتكم به. قال
القُشَيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية.
لاً - دلت آية ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ على إنذار المشركين الظالمين
٣٣٨
لُزُ (٢٦) - الأَخْقَقلِ: ٤٦ / ١١-١٤
بعذاب أليم إذا استمروا في تكذيبهم بالقرآن، وتكبروا عن الإيمان به وعن
اتباعه وطاعة الرسول المنزل عليه، بالرغم من شهادة رجل منصف عارف
بالتوارة بأن القرآن حق، سواء أكان عبد الله بن سلام أم موسى عليه السلام.
وعلى كل حال فهذه الآية بشارة بالنبي وَلّر في التوارة وعلى لسان موسى عليه
السلام ولسان علماء بني إسرائيل، فهي كبشارة عيسى عليه السلام بمحمد
صيغ
وَالِهِ: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْنِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ: أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦/٦١].
وفي الآية تقديم وتأخير، تقديره: قل: أرأيتم إن كان من عند الله، وشهد
شاهد من بني إسرائيل على ذلك، أي على صدق القرآن، فآمن هو، وكفرتم،
إن الله لا يهدي القوم الظالمين، أي الكافرين المعاندين.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ تهديد، وهو قائم مقام الجواب
المحذوف للشرط: ﴿إِن﴾ والتقدير: قل أرأيتم إن كان من عند الله، ثم كفرتم
به، فإنکم لا تکونون مهتدین، بل تکونون ضالین.
- ٢ -
شبهات أخرى للكفار
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَآٌ إِلَيْهٍّ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ
وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا
بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ
إِنَّ الَّذِينَ
كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِّسَانَا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (
قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٣) أُوْلَكَ
١٤
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءٌ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿لَيُنْذِرَ﴾
:
٣٣٩
الجُعُ (٢٦) - الأَخْقَفلِ: ٤٦ / ١١-١٤
وقرأ نافع، والبزي، وابن عامر (لتنذر).
الإعراب:
﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ ﴿كِنَبُ﴾: مبتدأ، و﴿وَمِن
قَبْلِهِ،﴾: خبره، و﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾: منصوبان على الحال من الضمير في
الظرف، أو من (الكتاب) .
﴿ وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَهَذَا
كِتَبٌ﴾: مبتدأ وخبر، و﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾: منصوبان على الحال من ضمير
﴿مُصَدِّقٌ﴾ أو من (الكتاب ) لأنه قد وصف بـ ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أو من (ذا)
والعامل فيه معنى الإشارة، أي أشير إليه لساناً عربياً، أو أنبه عليه لساناً
عربياً . ﴿وَبُشْرَى﴾: إما مرفوع عطفاً على كتاب، أو منصوب على أنه مصدر.
﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا﴾ ﴿خَلِينَ﴾: منصوب على الحال من
﴿أَصْحَبُ اٌلْجَنَّةِ﴾ والعامل فيها معنى الإشارة ﴿أَوْلَئِكَ﴾ كقولك: هذا زيد
قائماً.
﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿جَزَاءًا﴾: إما مفعول لأجله، أو منصوب على
المصدر المؤكد، أي جوزوا جزاء.
البلاغة:
﴿لَّيُنْذِرَ﴾ ﴿وَبُشْرَى﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ هم قريش، وقيل: بنو عامر وغَطَفَان وأسد
وأَشْجَع، لما أسلمت جُهَينةُ ومُزَينَةُ وأَسْلَمُ وغِفَار، وقيل: اليهود حين أسلم
ابن سلام وصحبه.
٣٤٠
الُءُ (٢٦) - الأَخْقَفِ: ٤٦ / ١١-١٤
﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم، وقيل: إليهم. ﴿لَوْ كَانَ﴾ الإيمان.
﴿َا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ فهم أناس أدنياء؛ إذ عامتهم فقراء وموالي ورعاة. ﴿وَإِذْ لَمْ
يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ أي حينما لم يهتد القائلون بالقرآن، وإذ للماضي ظرف لمحذوف
مثل: ظهر عنادهم . ﴿هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي القرآن كذب قديم، مثل قولهم:
أساطير الأولين.
﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن. ﴿كِنَبُ مُوسَى﴾ التوارة. ﴿وَهَذَا كِتَبُ
مُصَدِّقٌ﴾ أي القرآن مؤيد لكتاب موسى. ﴿لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ هم مشركو
مكة، وهو علة لقوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي والقرآن مبشر
للمؤمنين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُوا﴾ على الطاعة، أي جمعوا بين التوحيد
الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين والعمل، وقوله ﴿ثُمَّ﴾
للدلالة على تأخير رتبة العمل وتوقفه على التوحيد. ﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ من
لحوق مكروه في المستقبل . ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على فوات محبوب في الماضي،
والفاء في ﴿فَلَا﴾ لتضمن جملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ معنى الشرط. ﴿جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ من اكتساب الفضائل العلمية والعملية.
سبب النزول:
نزول الآية (١١):
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: أخرج الطبراني عن قتادة قال: قال ناس من
المشركين: نحن أعزّ، ونحن ونحن، فلو کان خیراً ما سبقنا إليه فلان وفلان،
فنزل ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أَمَةٌ
أسلمتْ قبلَه يقال لها (زِنِّين) أو (زِنِيرة) فكان عمر يضربها على إسلامها حتى