Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١
الُعُ (٢٥) - الدُّخَانِ: ٤٤ / ١٧-٣٣
قال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمنين أربعين صباحاً. وقال
علي وابن عباس رضي الله عنهما في المؤمن: إنه يبكي عليه مُصَلاَّه من
الأرض، ومصعد عمله من السماء. وهذا تعبير كنائي يراد به فقد الأعمال
الصالحة. قال الواحدي في البسيط: روى أنس بن مالك أن النبي ◌َّم قال فيما
رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية: ((ما من عبد مسلم إلا له بابان في السماء:
باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل فيه عمله وكلامه، فإذا فَقَداه بكيا عليه))
وتلا هذه الآية.
٨ - امتن الله تعالى بحق على بني إسرائيل بعد إهلاك فرعون وقومه إذ تجاهم
أولاً من بطش فرعون وظلمه واستعباده لهم، وقتله الأبناء، واستخدام
النساء، وتكليفهم بالأعمال الشاقة؛ لأن فرعون كان جباراً عالياً من
المشركين، وليس هذا علو مدح بل علو إسراف.
ـة - ثم ذكر ثانياً أنه تعالى اختارهم على علم منه باستحقاقهم على عالمي
زمانهم، لكثرة الأنبياء منهم، وإيمانهم بموسى وصلاحهم، فلما بدّلوا تبدل
الحال، وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً.
٠ ١َ - ثم أبان ثالثاً أنه تعالى أمدهم بالآيات البينات في التوارة، وبمعجزات
موسى التسع، كإنجائهم من فرعون، وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم،
وإنزال المن والسلوى.
١اً - لقد تبين الفارق الواضح في هذه القصة بين الكافرين وبين المؤمنين،
فقد أغرق الله الكفار الأشداء، ونجَّى المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين،
والنصر للصادقين الصابرين المستضعفين، وهذا عدل من الله تعالى، إذ لا
يعقل التسوية بين الطائعين والعصاة.
فليعتبر بهذا كفار قريش وأمثالهم، فقد أهلك الله من هم أشد منهم قوة
وأكثر أموالاً وأولاداً، وأعز سلطاناً ومجداً، وأقوى علماً وحضارة.
٢٤٢
المرءُ (٢٥) - الدخان: ٤٤ / ٣٤-٣٩
إنكار المشركين البعث وإثباته لهم
إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
٣٤
﴿ إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ
أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
٣٦
فَأَتُواْ بِعَابَيِنَآ إِن كُمْ صَدِقِينَ
أَهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ
٣٩
مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
٣٨
الإعراب:
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾: ﴿إِنْ﴾: بمعنى ((ما)) مثل قوله تعالى: ﴿إِنِ
اُلْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ﴾ و﴿هِىَ﴾ مبتدأ، و﴿مَوْتَتُنَا﴾: خبره، ولا يجوز أن تعمل
﴿إِنْ﴾ هنا في لغة من أعملها، لدخول ﴿إِلَّا﴾ لأن ((إلا)) إذا دخلت على ((ما))
بطل عملها، ومثلها ((إن)).
﴿ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ﴾: إما مرفوع على أنه مبتدأ، و﴿أَهْلَكْنَهُمْ﴾
خبره، أو على أنه معطوف على ﴿قَوْمُ تُبَّع﴾ وإما منصوب بفعل مقدر دلّ عليه
﴿ أَهْلَكْنَهُمْ﴾ وتقديره: وأهلكنا الذين من قبلهم أهلكناهم.
{لَعِينَ﴾حال.
البلاغة:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ﴾ الإشارة هنا للتحقير.
﴿فَأَنُواْ بِكَابَآَيِنَآ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ
أسلوب التعجيز.
﴿أَهُمْ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّعَ﴾ استفهام إنكار، للتحقير والاستصغار.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ﴾ كفار قريش؛ لأن الكلام فيهم، قال البيضاوي: وقصة
٢٤٣
الزُعُ (٢٥) - الدُخَانِ: ٤٤ / ٣٤-٣٩
فرعون- السابقة- وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على
الضلالة، والإنذار عن مثل ما حل بهم. ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا اُلْأُولَى﴾ أي ما
نهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، وليس هناك حياة أخرى.
﴿بِمُنْشَرِينَ﴾ بمبعوثين أحياء بعد الموتة الأولى، يقال: نشر الله الموتى
وأنشرهم: أحياهم ﴿فَأَتُواْ بِئَابَايِنَآ﴾ خطاب لمن وعدهم بالنشور والبعث من
الرسل والأنبياء. ﴿إِن كُتُمْ صَدِقِينَ﴾ في وعدكم.
﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾ في القوة والمنعة. ﴿تُبَّع﴾ كل من ملك اليمن والشِّخْر وحضر
موت، وجمعه التبابعة وهم ملوك اليمن، وهذا شبيه بفرعون لدى قدماء
المصريين، وهو كل من ملك مصر. ومن التبابعة: ذو القرنين أو إفريقش
ويسمى الصعب، وجاء بعده عمرو زوج بلقيس، ثم أبو كرب ابنه، ثم ذو
نواس.
﴿ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم كعاد وثمود. ﴿أَهْلَكْنَهُمْ﴾ بكفرهم، والمراد:
ج
ليس كفار قريش أقوى منهم، وأهلكوا ﴿لَعِبِينَ﴾ لاهين عابثين . ﴿مَا
خَلَقْنَهُمَا﴾ وما بينهما ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي محقين في ذلك، ليستدل به على قدرتنا
على البعث وغيره وعلى وحدانيتنا وغير ذلك . ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
أي كفار مكة لا يعلمون ذلك. لقلة نظرهم.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى قصة فرعون وقومه مع موسى عليه السلام ليتعظ بها
كفار قريش، عاد إليهم بعد أن وصفهم أولاً بأنهم في شك من البعث
والقيامة، وأنهم في إصرارهم على كفرهم مثل قوم فرعون الذين أهلكهم
ونجّى بني إسرائيل، وذكر هنا صراحة أنهم منكرون للبعث، ثم رد عليهم بأن
الله خالق السماوات والأرض وما بينهما قادر على بعثهم، ثم توعدهم
بالهلاك، كما أهلك قوم تبَّع من قحطان ملوك اليمن، الذي هم أقوى منهم.
٢٤٤
لِلْجُرُ (٢٥) - الدُّخَارِ: ٤٤ / ٣٤-٣٩
وبه تبين أن الله هدد كفار مكة بمصير مشؤوم، مثل مصير قوم فرعون
وقوم تبّع.
التفسير والبيان:
إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَثُنَا الْأُولَ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
٣٤
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ
أي إن كفار مكة هؤلاء يقولون: ما هي وما العاقبة إلا الموتة الأولى التي نموتها
بعد هذه الحياة الدنيوية، ولا حياة بعدها، ولابعث، وما نحن بمبعوثين.
وهذا إنكار من الله تعالى على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما
ثَمَّ إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور، وهذا
[الأنعام:
٢٩)
كقوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
٢٩/٦] .
ثم احتجوا بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا مخاطبين النبي
والمؤمنين :
﴿ فَأَتُواْ بِعَبَيِنَآ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ
إلينا آباءنا بعد موتهم إلى الدنيا، إن كنتم صادقين فيما تدعونه من البعث.
أي فإن كان البعث حقاً، فأرجعوا
٣٦
يروى أنهم طلبوا من النبي ◌َّ أن يعجل الله لهم إحياء الموتى، فينشر
كبيرهم قصيّ بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد وقلة وصحة البعث، فلم
يجبهم الله إلى ذلك.
وهذه حجة واهية، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة، لا في الدار الدنيا، بل
بعد انقضائها وذهابها، يعيد الله العالمين خلقاً جديداً.
ثم هددهم تعالى وتوعدهم وأنذرهم بأسه الذي لا يرد، فقال:
(٣٧)
أي
﴿أَهُمّ خَيْرُ أَمْ قَوْمُ تُبَّع وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
٢٤٥
الجُرءُ (٢٥) - الدخان: ٤٤ / ٣٤-٣٩
أهم كفار قريش الذين هم عرب من عدنان خير في القوة والمنعة، أم قوم تُبَّع
الحميري الذين هم عرب من قحطان، الذين كانوا أقوى جنداً وأكثر عدداً،
وكان لهم دولة وحضارة عريقة ومجد، وكذلك الأمم الذين سبقوهم، كعاد
وثمود ونحوهم، أهلكناهم جميعاً لكفرهم وإجرامهم، فإهلاك من هو دونهم
لجرمه وضعفه وعجزه بالأولى، فهم ليسوا بخير من قوم تبع في العدد والعز
والمنعة.
وتُبّع: رجل صالح دار في الدنيا بجيوشه وغلب أهلها وقهرهم، وقد كانت
حمير وهم سبأ، كلما ملَك فيهم رجل سموه تُّعاً، كما يقال (كسرى) لمن ملك
الفرس، و(قيصر) لمن ملك الروم، و(فرعون) لمن ملك مصر كافراً،
و(النجاشي) لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من الألقاب السلطانية.
أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وَلّ قال: ((لا
تسبّوا تُبّعاً فإنه قد أسلم)) . وكان يكتب إذا كتب: بسم الله الذي ملك براً
وبحراً.
ثم أقام تعالى الدليل على قدرته الفائقة ليستدل بذلك على إمكان البعث،
فقال :
؛ أي كيف ينكرون
﴿وَمَا خَلَقْنَا اُلسَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِينَ لَـ
البعث، وقد شاهدوا أدلة قدرتنا في خلق هذا الكون، فإنا خلقنا هذه
السماوات والأرضين وما بينهما من المخلوقات المنظورة وغير المنظورة، ما
خلقنا ذلك عبثاً ولعباً، وباطلاً ولهواً، وإنما بإبداع لا مثيل له، ولحكمة
منقطعة النظير، كقوله جل وعلا: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا
[ص: ٢٧/٣٨] وقوله تعالى:
ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ
فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ
١١٥
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُجَعُونَ
[المؤمنون: ١١٥/٢٣-١١٦]
١١٦
اُلْحَقُّ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِ
٢٤٦
الجُرُ (٢٥) - الدُّحَان: ٤٤ / ٣٤-٣٩
فهذا برهان على صحة البعث. وإنما جمع السماوات في قوله . ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَوَتِ﴾ لموافقة قوله في أول السورة: ﴿رَبِّ السَّمَوَتِ﴾.
أي ما خلقنا
٣٩
﴿مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
السماء والأرض وما بينهما إلا خلقاً ملازماً للحق، ولإظهار الحق، وهو
الاستدلال على وجود الخالق ووحدانيته، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا
يعلمون ذلك، لقلة نظرهم، فصاروا لا يرجون ثواباً ولا يخشون عقاباً.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
ا - لا يؤمن المشركون بالبعث، فهو قوم ماديون دهريون كما في آية
أخرى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا تَمُوتُ وَنَخْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:
٢٤/٤٥] وقالوا هنا: ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى في
عالم الذر والنطف دون الموتة الثانية.
اً - احتجوا بحجة واهية وهي الإتيان بآبائهم وأجدادهم أحياء، بعد أن
ماتوا، وتلك مغالطة؛ لأن المقصود بالبعث: هو إحياء جميع الخلق بعد فناء
الدنيا، ولأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف مرة أخرى.
قيل: إن قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: يا محمد، إن كنت
صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما- قُصِّ بن كِلاَب، فإنه
كان رجلاً صادقاً، لنسأله عما يكون بعد الموت.
ءَّ - إنهم بهذا القول استحقوا العذاب؛ إذ ليسوا هم خيراً من قوم تبع
والأمم المهلكة، وإذا أهلكنا أولئك، فكذا هؤلاء. وكان من قبلهم أظهر نعمة
وأكثر أموالاً، وأعز وأشد وأمنع جانباً، فأهلكهم الله لكفرهم وإجرامهم.
٢٤٧
الجُرعُ (٢٥) - الدُّخَّان: ٤٤ / ٣٤-٣٩
قال القرطبي: وليس المراد بتُبَّع رجلاً واحداً، بل المراد به ملوك اليمن؛
فكانوا يسمون ملوكهم التبابعة، فتُبّع لقب للملك منهم كالخليفة للمسلمين،
وكسرى للفرس، وقيصر للروم.
ثم قال: والظاهر من الآيات أن الله سبحانه إنما أراد واحداً من هؤلاء،
وكانت العرب تعرفه بهذا الاسم أشدّ من معرفة غيره؛ ولذلك قال وَلقوله: ((ولا
أدري أتبّع لعينٌ أم لا؟)) ثم قدر روي عنه أنه قال فيما رواه أحمد عن سهل بن
سعد: ((لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم)) . فهذا يدلك على أنه كان رجلاً
واحداً بعينه، وهو - والله أعلم - أبو كرب الذي كسا البيت بعدما أراد غَزْوَه،
وبعدما غزا المدينة وأراد خرابها، ثم انصرف عنها لمّا أخبر أنها مُهَاجَر نبي اسمه
أحمد(١)
٤ - لم يخلق الله السماوات والأرض عبئاً ولهواً، وإنما خلقهما بالأمر
الحق، وللحق، ولإقامة الحق وإظهاره من توحيد الله والتزام طاعته، ولكن
أكثر الناس وهم في الماضي مشركو مكة لا يعلمون ذلك.
ة - لم يذكر كفار مكة في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يجاب عنها،
ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، لذا اقتصر الله تعالى على
الوعيد والتهديد بأن يتعرضوا للهلاك مثلما أهلك قوم فرعون وقوم تُبَّع.
(١) تفسير القرطبي: ١٤٤/١٦ وما بعدها.
٢٤٨
الُعُ (٢٥) - الدُّخَارِّ: ٤٤ / ٤٠-٥٠
أهوال يوم القيامة التي يتعرض لها الكفار والعصاة
يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن قَّوْلَى شَيْئًا
٤٠
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ
إِنَّ
وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴿﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
كَغَلِی
كَلْمُهْلِ يَغْلِى فِ اَلْبُطُونِ (®
٤٤
) طَعَامُ الْأَثِيِمِ ®
٤٣
شَجَرَتَ الزَّقُومِ
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ
اُلْحَمِيمِ لـ
ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ
٤٧
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُم
عَذَابٍ اُلْحَمِيمِ
٤٨
٥٠
بِهِ، تَمْتَرُونَ
القراءات:
﴿شَجَرَتَ﴾:
رسمت بالتاء، فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي.
ووقف الباقون بالتاء.
﴿يَغْلِى﴾ : قرئ:
١- (يغلي) وهي قراءة ابن كثير، وحفص.
٢- (تغلي) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (فاعتُلوه).
﴿رَأْسِهِ﴾ :
وقرأ السوسي، ووقفاً حمزة (راسه).
٢٤٩
الُرُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ / ٤٠-٥٠
﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾
وقرأ الكسائي (ذق أنك).
الإعراب:
(@) ﴿يَومَ﴾: اسم
﴿إِنّ
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيفَتُهُمْ أَجْمَعِينَ
(مِيقَتُهُمْ﴾: خبرها، و﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد ضمير ﴿مِيقَتُهُمْ﴾.
و
﴿يَوْمَ﴾ الأول.
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى﴾ ﴿يَوْمَ﴾: بدل منصوب من
﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اَللَّهُ﴾ ﴿مَن): بالنصب على الاستثناء المنقطع، وبالرفع:
إما بدل من ضمير ﴿ يُصَرُونَ﴾ أي ولا ينصر إلا من رحم الله، أو بدل من
﴿قَوْلَى﴾ الأول، أي يوم لا يغني إلا من رحم الله، أو مبتدأ، تقديره: إلا من
رحم الله فيعفى عنه.
كَلْمُهْلِ﴾: خبر ثان، و﴿يَغْلِى﴾
٤٥
كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِ اٌلْبُطُونِ
بالياء: لتذكير المهل، وهو خبر ثالث، ويقرأ بالتاءَ: لتأنيث الْجَرَّة، وهو حال.
من المهل.
®) ﴿إِنَّكَ﴾ بالكسر: على
﴿ذُقِّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
الابتداء، وتقرأ بالفتح بتقدير حذف حرف الجر، أي ذق لأنك العزيز الكريم
عند نفسك.
البلاغة:
كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِ اُلْبُعُونِ
تشبيه مرسل مجمل.
٤٦
كَغَلِ الْحَمِيمِ
٤٥
﴿الرَّحِيمُ﴾ ﴿الزَّقُومِ﴾ ﴿اَلْأَثْمِ﴾ ﴿اٌلْحَمِيمِ﴾ ﴿اَلْجَحِيمِ﴾
الكريم) سجع رصين لا تكلف فيه، فيه جمال.
٢٥٠
الجُرُ (٢٥) - الدُّخَانَ: ٤٤ / ٤٠-٥٠
المفردات اللغوية:
﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ يوم القيامة، سمي بذلك؛ لأنه يفصل فيه بين الناس،
فيفصل المحق عن المبطل بالجزاء، ويفصل الحق عن الباطل ﴿مِيقَتُهُمْ﴾ وقت
موعدهم للعذاب الدائم ﴿لَا يُغْنِى﴾ لا يدفع عنه ﴿مَّوْلَ﴾ ناصر بقرابة أو
صداقة، ويطلق المولى في الأصل على السيد والعبد وابن العم والناصر
والحليف والقريب والصديق ﴿شَيْئًا﴾ من العذاب أو الإغناء ﴿وَلَا هُمْ
يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون منه.
﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ بالعفو عنه وقبول الشفاعه فيه، وهم المؤمنون فإنه
يشفع بعضهم لبعض بإذن الله ﴿اٌلْعَزِيزُ﴾ الغالب في انتقامه من الكفار، فلا
ينصر من أراد تعذيبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ من أراد أن يرحمه، وهم المؤمنون.
﴿شَجَرَتَ الزَّقُومِ﴾ هي شجرة ذات ثمر مرّ، تنبت بتهامة، شبهت بها
شجرة الجحيم، وهي الشجرة الملعونة التي ينبتها الله تعالى في قعر جهنم
﴿اَلْأَثِيمِ﴾ الكثير الإثم، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه، مثل
أبي جهل وأصحابه وأمثالهم من الملاحدة ذوي الإثم الكبير في كل عصر.
﴿كَالْمُهْلِ﴾ ما يمهل في النار حتى يذوب أو دردي الزيت الأسود، أي عكر
الزيت والقطران ومذاب النحاس أو غيره من المعادن ﴿اَلْحَمِيمِ﴾ الماء
الساخن الشديد الحرارة.
﴿خُذُوُهُ﴾ أي يقال للزبانية: خذوا الأثيم ﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ بكسر التاء وضمها:
جُرُّوه وسوقوه بغلظة وشدة وعنف، ومنه العتل: الجافي الغليظ ﴿سَوَآءِ
اَلْجَحِيمِ﴾ وسط النار ﴿عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ أي من الحميم الذي لا يفارقه
العذاب، فهو أبلغ من قوله: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ لأن المراد:
يصب من فوق رؤوسهم عذاب هو الحميم، للمبالغة، ثم أضيف العذاب إلى
الحميم للتخفيف، وزيدت ﴿مِن﴾ للدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع
٢٥١
الزُ (٢٥) - الدُّخَّارِّ: ٤٤ / ٤٠-٥٠
﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنَتَ﴾ أي يقال له: ذق العذاب، استهزاءً به أو تقريعاً على ما
كان يزعمه ﴿اَلْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ بزعمك وقولك: ما بين جبليها أعز وأكرم
مني ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إن هذا العذاب ﴿تَمْتَّرُونَ﴾ تشكون فيه أو تمارون.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٣) وما بعدها :
﴿إِنَّ شَجَرَتَ﴾: أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا
جهل كان يأتي بالتمر والزُّبْد، فيقول: تزقموا، فهذا الزقوم الذي يعدكم به
محمد، فنزلت: ﴿شَجَرَتَ الزَّقُّومِ، طَعَامُ الْأَثِيْمِ
.
٤٤
نزول الآية (٤٩):
﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾: أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمه قال: ((لقي رسول
ثُمَّ
٣٤
الله وَّ أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى
فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك
٣٥
أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَی
من شيء، لقد علمتَ أني امْنَعُ أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله
يوم بدر، وأذله وعيَّره بكلمته، ونزل فيه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
٤٩
وأخرج ابن جرير الطبري عن قتادة نحوه. قال أبو جهل لرسول الله ويليه:
ما بين جبليها أعزّ ولا أمنع مني، فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي
شيئاً، فنزلت الآية.
المناسبة:
بعد إثبات البعث والقيامة، أعقبه تعالى بذكر ما يتعرض له الكافر يوم
القيامة من أهوال بفقد الأعوان والنصراء، وتجرع الزقوم، وشرب المهل عكر
:
٢٥٢
الزُعُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ / ٤٠-٥٠
الزيت والقطران، وجره بشدة وعنف إلى جهنم، وصب الماء الحميم البالغ
منتهى السخونة والحرارة فوق رأسه، وتقريعه والاستهزاءٍ به فيما زعمه من عز
وإكرام، جزاء الشك بيوم البعث والقيامة.
التفسير والبان:
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ إن يوم القيامة الذي يفصل الله
تعالى فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين، ويثيب المؤمنين، هو ميعاد جمعهم
ووقت حسابهم وجزائهم جميعاً، يجمعهم كلهم أولهم عن آخرهم، ليميز
المحسن من المسيء، والمحق من المبطل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ
[النبأ: ٧٨ /١٧ ]
مِيقَنَّا (جَا﴾
وسمي يوم القيامة ( يوم الفصل ) لأنه تعالى يفصل بين عباده في الحكم
والقضاء، أو يفصل بين أهل الجنة وأهل النار، أو يفصل بين المؤمنين وبين
ما يكرهون، وبين الكافرين وبين ما يشتهون، فيفصل بين الوالد وولده،
والرجل وزوجته، والمرء وخليله.
﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن مَّوْلَى شَيْئًا وَلَ هُمْ يُصَرُونَ ﴾﴾ أي يوم لا ينفع
قريب قريباً، ولا يدفع عنه شيئاً من العذاب أو الإغناء، ولا هم يمنعون من
عذاب الله، فلا يفيد المؤمن الكافر ولا ينصر القريب قريبه، كقوله تعالى:
﴿لَنْ تَنَفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣/٦٠]
وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ
[المؤمنون: ١٠١/٢٣] وقوله عزو وجل: ﴿وَلَا يَشْثَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا
ج
١٠١
[المعارج: ٧٠/ ١٠- ١١] أي لا يسأل أخ له عن حاله، وهو يراه عياناً،
يُصَّرُونَهُمْ﴾
وقوله جل وعلا: ﴿ وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨/٢].
﴿إِلَّا مَنْ زَحِمَ اَللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي لكن من رحمه الله
فإنه ينتصر وينجو، ولا يحتاج إلى ناصر غيره، إن الله هو الغالب الذي لا
٢٥٣
الجُءُ (٢٥) - الدُّخَارِ: ٤٤ / ٤٠-٥٠
يفلت أحد من أعدائه من عذابه، ﴿الرَّحِيمُ﴾: ذو الرحمة الواسعة بعباده
المؤمنين، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً، ويجوز أن يكون متصلاً؛ أي لا
يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض.
وبعد إقامة الدليل على أن القيامة حق، ووصف ذلك اليوم، أردفه تعالى
بوعيد الفجار الكفار الجاحدين لقاءه، قائلاً:
أي إن الشجرة التي
٤٤
طَعَامُ الْأَثِيْمِ
٤٣
﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ
خلقها الله في جهنم وهي الشجرة الملعونة، يكون ثمرها طعام أهل النار
الكثيري الإثم، قولاً وفعلاً، فإذا جاعوا أكلوا منها، ويدخل معهم أبو جهل.
و﴿اَلْأَثِيمِ﴾: مبالغة الآثم.
أي وذلك الطعام
٤٦
كَغَلِ الْحَمِيمِ
٤٥
كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِ اُلْبُطُونِ
يشبه دردي الزيت، وعكر القطران، والنحاس المذاب، يغلي في بطون الكفار
كغلي الماء الشديد الحرارة، لحرارته ورداءته. شبه ما يصير في البطون منها
بالمهل: وهو النحاس المذاب.
يقال للملائكة الذين هم خزنة
﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (جَ﴾
النار: خذوا هذا الأثيم، فادفعوه وجروه إلى وسط النار بعنف وغلظة.
أي ثم صبوا على رأسه
﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (@)
الماء الشديد الحرارة المتقدم الوصف، كقوله عز وجل: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ
[الحج: ١٩/٢٢ - ٢٠].
١٢٠
رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾﴾ أي: وقولوا له تهكماً وتقريعاً
وتوبيخاً: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك في الدنيا.
أي إن هذا العذاب هو الذي
﴿إِنَّ هَذَا مَا كُتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
٥٠
كنتم تشكون فيه، حين كنتم في الدنيا. وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَُّونَ
٢٥٤
لُ (٢٥) - الدُّخَفَّان: ٤٤ / ٤٠-٥٠
إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَقًّا
[الطور: ١٣/٥٢ - ١٤].
هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٤
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
:
اً - إن يوم القيامة هو يوم الحسم النهائي في مصير الخلائق، وهو يوم
الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين خلقه، فيتميز المسيء من المحسن،
والمبطل من المحق، ويكون هناك فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
وهذا غاية في التحذير والوعيد.
أَ - من خصائص يوم القيامة: فقد النصراء والأعوان والأقارب، فلا
ينصر المؤمنُ الكافرَ لقرابته، لكن من رحمه الله فإنه ينجو وينتصر بنصر الله،
ولا يحتاج إلى معونه المخلوقين، والله سبحانه في ذلك اليوم هو المنتقم من
أعدائه، الرحيم بأوليائه، كما قال: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٤٠]
٣] . فقرن الوعد بالوعيد.
٣ - إن طعام أهل النار وهم الآثمون الفجار هو الثمر الشديد المرارة من
شجرة الزقوم التي لا تقبل الاحتراق في النار، وهو لشدة حرارته ورداءته يغلي
في بطون الكفار، كغلي الماء الشديد السخونة، فإذا جاع أهل النار أكلوا
منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار.
٤ - يتعرض أهل النار لأنواع كثيرة من الإهانة والذل، منها: أنهم
بواسطة الزبانية يدفعون في النار على وجوههم دفعاً قوياً جداً، ويساقون إليها
سوقاً عنيفاً، ويلقون في وسط النار ليذوقوا عذابها الشديد.
ومنها: أنه يقال للأثيم الفاجر توبيخاً وتقريعاً وتهكماً واستهزاء: ذق هذا
العذاب فإنك كنت تزعم أنك المتعزز المتكرم، والمراد: إنك أنت الذليل
المهان.
:
٢٥٥
الزُعُ (٢٥) - الدُّحَكَانَ: ٤٤ / ٥١-٥٩
ومنها: أن ملائكة العذاب زبانية جهنم تقول للكفار: إن هذا العذاب
هو ما كنتم تشكّون فيه في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
اُلْيَقِينِ ﴿﴿ لَتَوَنَّ الْجَحِيمَ
٧
(® ثُمَّ لَتَوَنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ
[التكاثر: ٥/١٠٢-٧] .
ما يلقاه المتقون من ألوان النعيم في الجنان
يَلْبَسُونَ مِن
٥٢
فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
﴿إِنَّ اُلْمُنَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ
يَدْعُونَ
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ (@)
٥٣
سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَبِلِينَ
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ
٥٥
فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ،َامِنِينَ
اُلْأُوْلَىّ وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
فَضْلاً مِّن رَبِّكَّ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٥٦
فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ
٥٨
فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٥٧
٥٩
القراءات:
﴿مَقَامِ﴾:
وقرأ نافع، وابن عامر (مُقام).
﴿ وَعُيُونٍ﴾:
وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (وعِيون).
٦
الإعراب:
ـَة﴾ بدل من ﴿مَقَامٍ﴾.
﴿فِي جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
{يَلْبَسُونَ﴾ خبر ثان لـ ﴿إِنَّ﴾ أو حال من الضمير في الجارّ، أو استئناف.
(ُتَّقَِلِينَ﴾ حال من واو ﴿يَلْبَسُونَ﴾.
٢٥٦
الجُعُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ / ٥١-٥٩
﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم﴾ الكاف: إما في موضع الرفع على أنها خبر مبتدأ
محذوف، تقديره: الأمر كذلك، أو في موضع النصب على أنها وصف لمصدر
محذوف، تقديره: يفعل بالمتقين فعلاً كذلك.
(@) ﴿يَدْعُونَ﴾: جملة فعلية في
﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ
موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿ وَزَوَجَنَهَم﴾ والباء: ليست
للتعدية؛ لأن ﴿يَدْعُونَ﴾ متعد بنفسه، وإنما هي للحال، تقديره: متلبسين بكل
فاكهة، بمنزلة الباء في قولهم: خرج زيد بسلاحه، أي متلبساً بسلاحه.
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أُلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ استثناء منقطع، أي لكن
قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا، والبصريون يقدرون ((إلا)) في الاستثناء المنقطع
بـ (لكن)) والکوفیون یقدرونه بـ ((سوی)).
﴿فَضْلًا مِّن رَّيِّكَ﴾ ﴿فَضْلًا﴾: إما منصوب على المصدر المؤكد، وتقديره:
ويفضل عليهم فضلاً، أو منصوب بفعل مقدر، وتقديره: أعطاهم فضلاً.
﴿ فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ﴾ الهاء تعود على الكتاب، وقد تقدم ذكره في أول السورة في
٢
قوله تعالى: ﴿حَمّ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ
المفردات اللغوية:
﴿فِى مَقَامٍ﴾ مجلس أو مكان، والمَقَام والُقَام بمعنى واحد ﴿أَمِينٍ﴾ يؤمن
فيه من كل خوف وهمّ وحزن ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ ينابيع جارية
سُنْدُسِ﴾ ما رقّ من الديباج أو الحرير ﴿ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ منه وهما
مُعَرَّبان ﴿ مُتَّقَيِلِينَ﴾ في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض، فلا ينظر بعضهم
إلى قفا بعض لدوران الأسرّة بهم.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي الأمر كذلك، أو آتيناهم مثل ذلك ﴿وَزَوَجَتَهُم﴾ قرناهم
﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ بنساء بيض حسان واسعات الأعين ﴿ يَدْعُونَ﴾ يطلبون ويأمرون
٢٥٧
اِلُ (٢٥) - الدُّخَانِ: ٤٤ / ٥١-٥٩
بإحضار ما يشتهون من الفواكه وغيرها ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أُلْمَوْتَ﴾ أي في
الآخرة، بل يحيون فيها دائماً ﴿إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ الاستثناء منقطع أو
متصل، والمراد به المبالغة في تعميم النفي وامتناع الموت، فكأنه قال: لا
يذوقون فيها الموت إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل ﴿ وَوَقَنْهُمْ﴾
حماهم وحفظهم، وقرئ: (( ووقيهم )).
﴿فَضْلًا مِن زَبِّكَ﴾ أي أعطوا كل ذلك عطاء وتفضلاً منه ﴿ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ
اُلْعَظِيمُ﴾ لأنه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب ﴿يَتَرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ سهلنا
القرآن حيث أنزلناه بلغتك، لتفهمه العرب منك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ لعلهم
يفهمونه فيتعظون به، فيؤمنون بك ﴿فَأَرْتَقِبْ﴾ انتظر هلاكهم إذا لم يتذكروا ولم
يؤمنوا ﴿إِنَّهُم مُرْتَقِبُونَ﴾ منتظرون هلاكك وما يحل بك.
المناسبة:
بعد وعيد الكفار الأشقياء وبيان ما يتعرضون له من أهوال الآخرة، ذكر
تعالى وعده للمتقين الأبرار السعداء وما أعده لهم من جنات النعيم ذات
المآكل والمشارب والملابس والزوجات الفائقة، وأنه نعيم أبدي. ثم أتبعه بختام
للسورة يناسب مطلعها وهو الامتنان على العرب بنزول القرآن بلغتهم ليعملوا
بأحكامه، فإن كذَّبوا انتقم الله منهم.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات خمسة أنواع لنعيم الجنان لبيان وعد الأبرار،
أي إن
٥٣)
وهي:
اَ - ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِ مَقَامٍ أَمِينِ ﴿ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
المتقين الله في الدنيا باتقاء الشرك والمعاصي وامتثال الفرائض، لهم مساكن آمنة
من جميع المخاوف، طيبة المكان والنزهة، فهي في بساتين غناء وينابيع متدفقة
٢٥٨
الُعُ (٢٥) - الدُخَارِ: ٤٤ / ٥١-٥٩
تَعْرِفُ
٣٣
عَلَى الْأَرَابِكِ يَنْظُرُونَ
بالماء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ
خِتَمُهُ, مِسْكٌّ وَفِىِ
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقِ مَّخْتُومٍ
٢٢
فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ الَّعِيمِ
٣٧
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ
وَمِنَ الجُ مِن تَسْنِيمٍ
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ
﴾ [المطففين: ٢٢/٨٣-٢٨].
وهذا في مقابلة ما للكفار من شجرة الزقوم وشرب الحميم.
أَوَّ - ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَبِلِينَ (6)﴾ أي ملابسهم من
الحرير الرقيق والغليظ، ذي البريق واللمعان والجمال الأخّاذ، وجلوسهم
على صفة التقابل بقصد الاستئناس ونظر بعضهم لبعض، كقوله تعالى: ﴿فِي
﴾ [الصافات: ٤٣/٣٧-٤٤].
٤٤
(٤) عَلَى سُرُرٍ مُنَفَبِلِينَ
جَنَّتِ النَّعِيمِ
﴾﴾ أي هذا العطاء، مع تزويجهم
٥٤
٤ - ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ
أو قرنهم بالزوجات الحسان الحور البيض الواسعات الأعين، اللاتي ﴿لَمْـ
يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ﴾ ﴿كَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ
٥٨) ﴾ [الرحمن: ٥٥/
٥٦، ٥٨]. أكثر المفسرين على أنه لا عقود زواج بالحور، وأن المراد: قرناهم
٥ - ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ (
. لمن
أي يطلبون في الجنة ما
٥٥
شاؤوا من أنواع الثمار أو الفاكهة، وهم آمنون من انقطاعها وامتناعها، بل
يحضر إليهم كلما أرادوا، وآمنون من الأوجاع والأسقام، ومن الموت والتعب
والشيطان.
وهذا دليل على أنه اجتمعت لهم انواع اللذة والشهوة المادية والمعنوية، بهذه
الأنواع الخمسة من النعيم في المسكن والملبس والمأكل والزواج والأنس
والأمان، وتلك أعلى أصناف الخيرات والراحات.
ثم بَيَّن الله تعالى أن حياتهم دائمة، فقال:
٢٥٩
الُعُ (٢٥) - الدُّخَارِ: ٤٤ / ٥١-٥٩
﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا اُلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُوْلَىِّ وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ
﴾ أي لا يموتون في الآخرة أبداً، ولا يذوقون طعم الموت بعدئذ، لكن
الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا قد ذاقوها وانتهى أمرها، وحماهم الله من
عذاب النار، ونجاهم منه، وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم.
قال الزمخشري: هذا من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة
الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها. وقيل: الاستثناء منقطع،
أي لكن الموتة الأولى قد ذاقوها.
ثبت في الصحيحين أن رسول الله وسلم قال: (( يؤتى بالموت في صورة كبش
أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا
موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)). وأخرج مسلم وعبد الرزاق عن أبي
سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله وَله: ((يقال
لأهل الجنة: إن لكم أن تَصِخُوا فلا تَسْقَمُوا أبداً، وإن لكم أن تعيشوا فلا
تموتوا أبداً، وإن لكم أن تَنْعَموا فلا تَبْأسوا أبداً، وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا
تهرَمُوا أبداً)).
وأخرج أبو بكر بن أبي داود السِّجستاني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَير: ((من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها، ولا يبأس، ويحيا
فيها، فلا يموت، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)).
وأخرج أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه عن جابر رضي الله عنه
قال: ((سئل نبي الله وَله: أينام أهل الجنة؟ فقال ◌َله: النوم أخو الموت،
وأهل الجنة لا ينامون)) .
﴿فَضْلًا مِّن رَبِّكَّ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ (
وأعطاهم ذلك عطاء فضلاً منه وإحساناً إليهم، أو لأجل إسباغ الفضل منه،
ذلك هو الفوز الأكبر الذي لا يعلوه فوز.
﴾ أي تفضل الله عليهم
٥٧
٢٦٠
الجُ (٢٥) - الدُّخَانِ: ٤٤ / ٥١-٥٩
ثبت في الصحيح عند مسلم عن جابر عن رسول الله وَلقول أنه قال: ((اعملوا
وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحداً لن يدخله عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا
رسول الله؟ فقال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)).
وبعد أن بَيَّن الله تعالى دلائل قدرته، وأوضح الوعد والوعيد، ووصف
القرآن في أول السورة بكونه كتاباً مبيناً (أي كثير البيان والفائدة) ذكر تعالى في
خاتمة السورة ما يؤكد ذلك، فقال:
﴿فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي إنما يسرنا هذا القرآن
وأنزلناه سهلاً واضحاً بيناً جلياً بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها،
والذي هو لسانهم ولغتهم، وجعلناه میسراً للفهم، کي یفهمه قومك يا محمد،
فيتذكروا ويعتبروا ويعملوا بما فيه، والمعنى: إن ذلك الكتاب المبين الكثير
الفائدة إنما أنزلناه عربياً بلغتك ليتذكروا ويتعظوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا
[القمر: ٢٢/٥٤] .
اَلْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُذَكِرِ
وبالرغم من هذا الوضوح والبيان، كفر بعضهم وعاند وخالف، فسلّ الله
رسوله ووعده بالنصر، وتوعد من كذبه بالهلاك، فقال:
﴿ فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُمْ قُرْتَقِبُونَ ﴿٨﴾ أي انتظر أيها النبي ما وعدناك من النصر
عليهم وإهلاكهم وما يحل بهم إن استمروا على الكفر، فإنهم منتظرون ما يحل
وما ينزل بك من موت أو غيره، وسيعلمون لمن يكون النصر والظفر وعلو
الكلمة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِىّ
إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ [المجادلة: ٢١/٥٨] وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (@)
الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَءُ الدَّارِ (َ﴾﴾ [غافر: ٥١/٤٠-٥٢].