Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الُعُ (٢٥) - الدُّخَانِ: ٤٤ / ١-٩
والأول - أي الرأي القائل بأنها ليلة القدر- أصح، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ
(
فِى لَيْلَةِ اُلْقَدْرِ (
(١
وسبب بدء نزوله في ليلة القدر ما قال تعالى:
أي في ليلة القدر يفضَّل ويبيَّن الأمر
﴿فِيَهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (®
المحكم، فيكتب فيها ما يكون في السّنة من الآجال والأرزاق، من خير وشرّ،
وحياة وموت، وغير ذلك، أو ما يكون من أمور محكمة لا تبديل فيها ولا
تغيير، بتشريع الأحكام الصالحة لهداية البشر في الدنيا، والسعادة في الآخرة،
فالحكيم: معناه ذو الحكمة. وإنما أنزل القرآن في هذه الليلة خصوصاً؛ لأن
إنزال القرآن أشرف الأمور الحكمية، وهذه الليلة يفرق فيها كل أمر ذي
حكمة.
والغاية من إنزال القرآن ما قال سبحانه:
رَحْمَةٌ مِّنْ زَيِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
﴿أَمْرًا مِّنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
أي أنزل الله القرآن من لدنه متضمناً وحيه وشرعه، وقد فعلنا ذلك
٦
الإنذار، وأرسلنا الرسول وجميع الأنبياء إلى الناس لتلاوة آيات الله البيّنات،
رحمة ورأفة منا بهم؛ لبيان ما ينفعهم وما يضرّهم، ولئلا يكون للناس حجّة
بعد إرسال الرُّسل، فرسالة الرُّسل هي الرَّحمة المهداة الدَّائمة إلى البشر، وتتمثل
الآن بالثَّابت القطعي النُّرول منها، وهو القرآن ورسالة النَّبيِّ. قال أبو
حيان في تفسير ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ لما ذكر إنزال القرآن ذكر المرسَل، أي
مرسلين الأنبياء بالكتب للعباد، فالجملة المؤكّدة مستأنفة، وقيل: يجوز أن
يكون بدلاً من: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ (٢).
(١) تفسير القرطبي: ١٢٦/١٦
(٢) البحر المحيط: ٣٣/٨
٠٠

٢٢٢
الزُ (٢٥) - الدُّخَارِّ: ٤٤ / ١-٩
وإنما فعل الله ذلك؛ لأنه السَّميع لأقوال البشر، العليم بأحوالهم وبما
يصلحهم، فأرسل الرّحمة إليهم رعاية لحاجتهم.
والدَّليل على السَّمع والعلم وإنزال القرآن ما قاله تعالى:
أي إن الله
﴿رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِن كُم مُوقِنِينَ الأَ
السَّميع العليم الذي أنزل القرآن هو ربّ السماوات والأرض وما بينهما من
سائر المخلوقات، وخالقها ومالكها وما فيها، إن كنتم تريدون معرفة ذلك عن
يقين تام لاشكّ فيه، قال أبو مسلم: معنى قوله: ﴿إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ﴾ إن
كنتم تطلبون اليقين وتريدونه، فاعرفوا أن الأمر كما قلنا.
ثم ذكر الله تعالى صفات أخرى هي الوحدانية والقدرة فقال:
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ نُحِىءٌ وَيُمِيثٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِّكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي بعد
إثبات الرّبوبية الله أثبت الوحدانية، فهو الإله الواحد الذي لا إله غيره،
وأثبت القدرة فهو المحيي والمميت، يحيي ما يشاء، ويميت ما يشاء، ثم أكّد
الرّبوبية على البشر بالذّات، فهو ربّكم أيها المخاطبون وربّ آبائكم وأجدادكم
الأولين، ومدبِّر شؤونهم، فهو المستحق للعبادة، دون غيره من الآلهة
المزعومة، ثم ذكر حقيقة المشركين، فقال:
﴾ أي بل هؤلاء المشركون في شكٍّ من أمر
﴿بَّ هُمْ فِى شَكٍ يَلْعَبُونَ
البعث والتّوحيد والإقرار الذي صدر منهم بأن الله هو خالقهم، وهم في
الواقع عابئون لاهون لاعبون، لا جدّية عندهم في الاعتقاد الصحيح،
والسّلوك المطابق له.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:

٢٢٣
لُ (٢٥) - الدّخَارِ: ٤٤ / ١-٩
أولاً - عظّم الله تعالى القرآن في هذه الآيات بأمور هي:
اً - أقسم به، والله لا يقسم إلا بشيء عظيم، ولله أن يقسم بما يشاء على
ما يشاء في أي وقت يشاء.
اً - أقسم به على أنه أنزل في ليلة مباركة هي ليلة القدر التي هي خير من
ألف شهر. قال قتادة وابن زيد: أنزل الله القرآن كله في ليلة القدر من أم
الكتاب إلى بيت العزّة في سماء الدنيا، ثم أنزله الله على نبيِّه وَّ في الليالي
والأيام في ثلاث وعشرين سنة. ذكر الطبري عن قتادة أنه قال: نزلت صحف
إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوارة لستّ ليال منه، والزَّبور لاثنتي
عشرة مضت، والإنجيل لثماني عشرة منه، والفرقان لأربع وعشرين مضت.
◌َّ - وصف الله القرآن بكونه كتاباً مبيناً.
٤ - وصف الله ليلة إنزال القرآن بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، قال ابن
عباس وغيره: يُحْكم الله أمر الدنيا إلى قابل في ليلة القدر ما كان من حياة أو
موت أو رزق. وقال ابن عمر: إلا الشّقاء والسّعادة، فإنهما لا يتغيّران.
٥ - الغاية من القرآن إنذار البشر وتخويفهم العذاب ليصلح حالهم في
الدنیا.
٩ - إن إنزال القرآن كان بأمر الله ومن عنده.
اً- كان إنزاله رحمة من الله بعباده.
٨ - كان إنزاله محققاً لمصالح الناس وحاجاتهم؛ لأن الله هو السَّميع
العليم، ربّ السماوات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، وهو
الواحد القهّار، يحيي الأموات ويميت الأحياء، فلا يجوز أن يشرك به غيره
ممن لا يقدر على خلق شيء، ومالك الناس عند نزول القرآن ومالك من تقدّم

٢٢٤
الذُُّ (٢٥) - المُحَانَ: ٤٤ / ١٠-١٦
منهم ومالك من سيوجد إلى يوم القيامة، فما على الناس إلا اتِّقاء تكذيب النَّبي
محمد ◌َّ لئلا ينزل بهم العذاب.
ثانياً - أظهر الله تعالى حقيقة اعتقاد المشركين مبيّناً أنهم ليسوا في الواقع
على يقين فيما يظهرونه من الإيمان والإقرار في قولهم: إن الله خالقهم، وإنما
يقولونه تقليداً لآبائهم من غير علم ولا حجة ولا برهان، فهم في شكِّ بِّن،
وإن توقَّموا أنهم مؤمنون، فهم يلعبون في دينهم على وفق أهوائهم من غير
حُجَّة.
تهديد المشركين بالعذاب
يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ
١٠
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
أَلِيمٌ
رَّبَّنَا أَكِْفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿﴿ أَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ
رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴿٤ ثُمَّ تَوَلَّوْ عَنْهُ وَقَالُوْ مُعَلٌَّ تَجْنُنُ ﴿ إِنَّا كَاشِفُوْ اَلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمُ
عَيِدُونَ ﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
١٦
الإعراب:
﴿إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ الجملة حالية.
﴿ أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ ﴿الذِّكْرَى﴾: مبتدأ، و﴿ أَ لَهُمُ﴾ : خبره.
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرف، والعامل فيه: إما فعل
مقدر، يدلّ عليه ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ أي ننتقم يوم نبطش، ولا يجوز تعلّقه بقوله: ﴿إِنَّا
مُتَقِمُونَ﴾ لأن ما بعد (إنَّ) لا يعمل فيما قبلها، أو يكون العامل فيه ﴿إِنَّا
كَاشِفُواْ الْعَذَابِ﴾ .
المفردات اللغوية:
﴿فَرْتَقِبْ﴾ انتظر ﴿بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ بيِّن واضح، والمراد من الدُّخان: يوم

٢٢٥
الزُعُ (٢٥) - الدُّحَّان: ٤٤ / ١٠-١٦
الشّدة والمجاعة في الماضي، فإن الجائع يرى ما فوقه إلى السّماء ظلاماً من شدّة
الجوع، وضعف البصر، كهيئة الدُّخان، وفي المستقبل يمكن تفسير الدُّخان
بالغبار الذَّري الذي يهدِّد البشرية بالموت ويعقبه ظلام. ﴿يَغْشَى النَّاسِ﴾ يحيط
بهم من كلّ جانب، وهو صفة للدُّخان. ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي يقولون:
هذا عذاب مؤلم، ويقولون: ﴿رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
COF
مصدِّقون بك وبنبيِّك، وهذا وعد بالإيمان إن كشف العذاب عنهم.
﴿أَّى لَهُمُ الذِّكْرَ﴾؟ أي من أين لهم، وكيف يتذكرون في هذه الحال؟
المعنى: لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب. ﴿وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بيِّن
الرِّسالة، بيَّن لهم بالآيات والمعجزات ما يوجب الإيمان والتّذكُّر. ﴿مُعَلَّمٌ﴾ أي
يعلمه غيره القرآن، قالوا: يعلمه غلام رومي لبعض ثقيف.
﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ﴾ نكشف العذاب بدعاء النَّبِي ◌َِّ، فإنه دعا، فرفع
القحط، ﴿قَلِيلًا﴾ كشفاً قليلاً أو زمناً قليلاً، وهو ما بقي من أعمارهم.
﴿إِنَّكُمْ عَيِدُونَ﴾ إلى الكفر، فعادوا إليه بعد كشف العذاب.
﴿نَْطِشُ﴾ نأخذ بقوة وشدة، والبطش: الأخذ الشديد، والبأس.
(الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ﴾ يوم القيامة أو يوم بدر. ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ننتقم منهم بسبب
کفرهم.
سبب النّزول:
نزول الآية (١٠):
﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ﴾: أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن
مسعود قال: إن قريشاً لما استعصوا على النَّبي ◌ََّ، دعا عليهم بسنين كسِتِيّ
يوسف، فأصابهم قحط، حتى أكلوا العظام، فجعل الرّجل ينظر إلى السماء،
فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدُّخان من الْجَهْد، فأنزل الله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى

٢٢٦
لُرُ (٢٥) - الدُّخَانَ: ٤٤ / ١٠-١٦
فأتوا رسول الله وَله، فقالوا: يا رسول الله،
السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
استسق الله لُضَر، فإنها قد هلكت، فاستسقى، فسقوا، فنزلت.
نزول الآيتين (١٥-١٦):
﴿إِنَّكُمْ عَِّدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ﴾ أخرج البخاري في تتمة الرواية السابقة: فلما
أصابتهم الرّفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ اَلْبَطْشَةَ الْكُبْرَىّ
فانتقم الله منهم يوم بدر.
إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى المشركين بأنهم في شكّ من التّوحيد والبعث وقدرة
الله، ذكر تعالى أوصاف يوم العذاب الذي سيحلّ بهم في الدُّنيا والآخرة،
تهديداً لهم، وتسليةً لرسوله، وأنه لا يؤمل اتِّعاظهم بالرغم من تهديدهم
وإظهار المعجزات والبيّنات على يد رسول الله، ووصفهم له بأنه معلّم مجنون.
التفسير والبيان:
هذا توعّد من الله وتهدید
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ
للمشركين، يقول الله فيه لنبيِّه: فانتظر اليوم الذي تأتي فيه السماء بهيئة
كالدُّخان الواضح المنتشر في الفضاء، وهذا الدُّخان بالنسبة للماضي هو ما
أصاب قريشاً من الجدب والقحط مدة سبع سنين، بدعاء النَّبي ێ، حتى كان
الرجل يرى من شدّة الجوع ما بين السماء والأرض دخاناً، لضعف البصر
وزیغانه، كما تقدّم في بيان سبب النّزول عن ابن مسعود رضي الله عنه، أو هو
غبار الحرب يوم بدر.
وأما بالنسبة للمستقبل فهو أمارة وعلامة من أشراط الساعة، يمكث في
الأرض أربعين يوماً، حيث يظهر في الفضاء غبار ذري أو غيره كالدُّخان،
يجعل الجو مظلماً، وهذا ما أكَّده العلماء في نهاية العالم، حيث تضعف الطاقة
الشمسية، وصفة ذلك الدُّخان العموم والشمول، كما قال تعالى:

٢٢٧
الجُرُ (٢٥) - الدُّخَّان: ٤٤ / ١٠-١٦
· أي يشمل الناس ويحيط بهم من
﴿يَغْشَى النَّاسِ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
كل جانب، فيقولون: هذا عذاب أليم جداً، أو يقول الله لهم ذلك توبيخاً.
وتقريعاً.
وحينئذٍ يستغيث الناس بالله قائلين:
﴾ أي يقولون: يا ربَّنا اكشف
DF
﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ
عنّا عذابك، إنّا مصدِّقون بالله ورسوله، أو إن كشفت عنّا هذا العذاب
أسلمنا وآمنا، والمراد بالعذاب في الماضي الجوع الذي كان بسببه رؤية ما يشبه
الدُّخان. روي أن المشركين أتوا النَّبِي وَّ وقالوا: ((إن كشف الله عنا هذا
العذاب أسلمنا)) .
وأما في المستقبل فهو عذاب أشدّ يحدث قبيل الساعة، ويكون من أشراطها
وعلاماتها.
وهذا كقوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَا نُرَةُ وَلَا
[الأنعام: ٢٧/٦]، وقوله جلّ وعلا:
تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ (ا)
﴿ وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبََّا أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ
فَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّحِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم
)﴾ [إبراهيم: ٤٤/١٤].
مِّن زَوَالٍ
ثم نفى الله صدقهم في الوعد بالإيمان قائلاً:
ثُمَّ تَوَلَوْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُونٌ
﴿ أَ لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ
أي من أين وكيف لهم التّذكر والانِّعاظ والوفاء بالوعد بالإيمان بعد
كشف العذاب؟ وكان قد جاءهم رسول مبين أدلّة الإيمان، ظاهر الآيات
والمعجزات، ثم أعرض هؤلاء الكفار عنه، وقالوا عنه: إنما يعلمه القرآنَ
بشر، وقالوا أيضاً: إنه مجنون لا عقل له، وهذا يدلّ على أنّ الآيات نزلت في

٢٢٨
للجُعُ (٢٥) - الدُّحَانَ: ٤٤ /١٠-١٦
قريش، أي كيف يتذكر هؤلاء وأنّ لهم الذِّكرى؟ وقد سبق ما حدث منهم من
الإعراض عن رسول الله وعن القرآن وهديه، وافتروا على الرّسول بأن معلمه
غلام رومي وأنه مجنون.
وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِّدٍ يَتَذَكَرُ الْإِنِسَنُ وَأَى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:
٢٣/٨٩] .
ثم أعلن الله تعالى عودتهم صراحة إلى الكفر، فقال:
﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَبِدُونَ (9) أي إنا سنرفع عنكم العذاب
زماناً قليلاً، وسنؤخّره قليلاً بعد توافر أسبابه، وهذا كالحكم الصادر بالعقوبة
مع وقف التنفيذ، فإنكم راجعون إلى ما كنتم عليه من الشّرك والكفر والعناد،
وقد رجعوا فعلاً.
وهذا كقوله تعالى في قوم يونس: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَنَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨/١٠].
وتأخير العذاب إلى يوم القيامة كما قال تعالى:
١﴾ أي إنكم مؤجلون إلى
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
عذاب شديد هو عذاب النار في يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يكون فيه البأس
الأكبر والأخذ الأشد، وفيه ننتقم أشدّ الانتقام، أي نعاقب هؤلاء الكفار.
وقيل كما روي عن ابن مسعود: إنه يوم بدر، لما عادوا إلى التكذيب
والكفر بعد رفع العذاب عنهم، انتقم الله منهم بوقعة بدر، قال ابن مسعود:
البطشة الكبرى: يوم بدر.
والظاهر كما رجّح ابن جرير الطبري وابن كثير أن ذلك يوم القيامة، وبه
قال الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه.

٢٢٩
الُعُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ /١٠-١٦
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يلي:
اً - هدد الله المشركين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وطالب نبيَّه بأن
ينتظر وجود العذاب بهؤلاء الكفار، أما في الدنيا فيتعرّضون لظلمة في
أبصارهم من شدة الجوع؛ لأن النَّبِي وَّ لما دعا عليهم بقوله: ((اللهم اجعل
سنِيهم كسني يوسف)) ارتفع المطر وأصابت قريشاً شدة المجاعة، حتى أكلوا
العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل، لِمَا به من الجوع يرى ما بينه وبين
السماء كالدُّخان، كما قال ابن عباس وغيره.
وأما في الآخرة فينتقم الله منهم يوم البطشة الكبرى- يوم القيامة-
ويدخلهم النار.
ثم إن من علامات القيامة ظهور دخان في العالم، أي ظلمة بسبب ضعف
الطاقة الشمسية في ذلك الوقت، وذلك يوم عسير وشديد على الكافرين، وأما
المؤمنون فینجیهم من بأس ذلك اليوم، ويحميهم من شدته.
روى أبو سعيد الخدري مرفوعاً: ((أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة؛
يأخذ المؤمن منه كالزَّكْمَة (الزّكام) وينفخ الكافرَ حتى يخرج من كلّ مسمع منه)).
وعن حُذيفة أنّ النَّبِي وَِّ قال: ((أوّلُ الآيات: الدُّخان، ونزول عيسى ابن
مريم، ونار تخرج من قعر عَدَن أبْيَنَ، تسوق الناس إلى المحشر)) وأبين: اسم
رجل بنى هذه البلدة ونزل بها.
أَ - شأن الكافر وطبيعته اللجوء إلى الله وقت الشّدة والمحنة، ثم العودة إلى
الكفر بعد الفرج وكشف الضّ. وهذا ما حدث لمشركي مكة، فقد روي: أن
قريشاً أَتَوْا النَّبِي ◌ِّهِ وقالوا: إن كشف الله عنا هذا العذاب أسلمنا، ثم نقضوا
هذا القول.

٢٣٠
الزُرُ (٢٥) - الدُّحَّان: ٤٤ / ١٠-١٦
◌ّ - الله سبحانه عليم بما يحدث من الكفار، ولكن اقتضت رحمته أن
يشمل عباده جميعاً باللطف المرة تلو المرة، لعلهم أن يصلحوا أحوالهم، ثم
يأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ لأنه يمهل ولا يهمل.
وهذا معروف عن قريش، فمن أين لهم التّذكر والانِّعاظ والاعتبار عند
حلول العذاب؟ وقد جاءهم رسول من أنفسهم يبين لهم الحق، ثم أعرضوا
عنه، بل إنهم اتَّهموه زوراً وبهتاناً بأنه يعلِّمه بشر وهو غلام رومي لبعض
ثقيف، أو تعلِّمه الكهنة والشياطين، ثم هو مجنون وليس برسول: ﴿كُبُرَتْ
كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥/١٨].
٤ - مع كلّ هذا ومع علم الله الشامل بما سيكون، وعد أن يكشف عن
قريش ذلك العذاب في زمان قليل، لَيَعْلَم أنهم لا يَقُون بقولهم، بل يعودون إلى
الكفر بعد كشفه، كما قال ابن مسعود، فلما كشف عنهم باستسقاء النَّبِي ◌ِّ
لهم، عادوا إلى تكذيبه.
ومن قال: إن الدُّخان منتظر قرب القيامة قال: أشار بهذا إلى ما يكون من
الفرجة بين آية وآية، من آيات قيام الساعة، ثم من أصرّ على كفره استمرّ عليه.
ومن قال: هذا في القيامة قال: أي لو كشفنا عنكم العذاب لعدتم إلى
الكفر.
٥ - إن يوم القيامة يوم رهيب، فهو يوم البطشة الإلهية الكبرى، ويوم
الانتقام من الظالمين والمشركين والكافرين، وذلك بعذاب جهنم.
والخلاصة: تضمّنت الآيات تحليلاً دقيقاً لطبائع الكفار، ونبّهت إلى أنهم
لا يوفون بعهدهم، وأنهم في حال العجز يتضرّعون إلى الله تعالى، فإذا زال
الخوف عادوا إلى الكفر وتقليد الأسلاف، وأخبرت عن تهديدات متكررة،
وتقريعات وتوبيخات متوالية بقصد الرّدع والزّجر وتدارك الأمر قبل فوات
الأوان.

٢٣١
الُرُ (٢٥) - الدُّخَارِ: ٤٤ / ١٧-٣٣
ضرورة الاعتبار بقوم فرعون وإنجاء بني إسرائيل
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَ هُمْ رَسُولٌ كَرِيمُ ( أَنْ أَذُواْ
إِلَى عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنّ ءَاتِيَكُمْ بِسُلْطَانِ
مبینِ
٢١
فَدَعَا
وَإِن لَّمْ نُؤْمِنُواْ لِى فَأْتِلُونِ
، وَإِنِى عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْعُونِ
١٩
رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ
وَأَتْرُكِ
فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ
٢٢
كَمْ تَرَّكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونٍ
٢٤
الْبَحْرَ رَهُوًّا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَفُونَ
وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ
٢٥
كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿ فَمَا
كَرِيمٍ ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ
بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنْظَرِينَ
٢٩
وَلَقَدْ نَجَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ
اُلْعَذَابِ اُلْمُهِينِ
وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ
٣١
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ
٣٠
٠٣
، وَءَانَيْنَهُم مِّنَ اُلْأَيَتِ مَا فِيهِ بَلَكُوٌّأْ مُّبِينٌ
٣٢
عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ
القراءات:
﴿إِنِّ ءَاِيكُمْ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني آتيكم).
◌ِثُؤْمِنُواْ لِ﴾ :
وقرأ ورش (تومنوا).
﴿فَأَسْرٍ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير (فَاشْر).
روم
﴿ وَعُيُونٍ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (وعِيون).

٢٣٢
الُءُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ / ١٧-٣٣
الإعراب:
﴿ أَنْ أَدُّواْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾: في موضع نصب بتقدير حذف الجر، أي
وجاءهم رسول بأن أدوا، و﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾: إما منصوب بـ ﴿أَدُّواْ﴾ أو منصوب
على النداء المضاف، ومفعول ﴿أَدُّواْ﴾ محذوف، تقديره: أدوا إليّ أمركم يا
عباد الله. و﴿ أَنْ﴾: مفسرة لأن ﴿وَجَآءَهُمْ﴾ تتضمن معنى القول؛ لأنه لا يجيئهم
إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله، أو هي المخففة من الثقيلة، ومعناه: وجاءهم
بأن الشأن والحديث: أدّوا إلي.
﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾: في موضع نصب بالعطف على ﴿أَنْ﴾ الأولى.
﴿أَنْ تَرْجُونِ﴾: في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر، أي: من أن
ترجمون.
﴿فَدَعَا رَبَّهُ, أَنَّ هَؤُلَاءِ﴾ بفتح ﴿أَنَّ﴾: في موضع نصب بـ ﴿فَدَعَا﴾ ومن قرأ
بالكسر فعلى تقدير: (قال) أي (فقال: إن هؤلاء).
﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا﴾ ﴿رَهْوًّا﴾: حال، أي ساكناً، حتى يدخلوا فيه من غير
نفرة عنه.
﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا﴾ الكاف: إما في موضع رفع، خبر مبتدأ محذوف،
تقديره: الأمر كذلك، وإما في موضع نصب على الوصف لمصدر محذوف،
تقديره: يفعل فعلاً كذلك بمن يريد إهلاكه. ﴿ وَأَوْرَتْنَهَا﴾: عطف على الفعل
المقدر، أو على (تركوا).
ج
﴿مِنَ اَلْعَذَابِ الْمُهِينِ، مِن فِرْعَوْنَ﴾: ﴿مِن﴾: إما بدل من ﴿اَلْعَذَابِ
اٌلْمُهِينِ﴾ وتقديره: من عذاب فرعون، فحذف المضاف، أو حال من
﴿ اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ أي كائناً من فرعون، فلا يكون فيه حذف مضاف.
﴿مِّنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبر ثان أو حال من ضمير ﴿عَالِيًا﴾.

٢٣٣
الجُرُ (٢٥) - الدُّحَار: ٤٤ / ١٧-٣٣
البلاغة:
﴿فَتَنَّا﴾ استعارة تبعية، حيث شبه الابتلاء والاختبار بالفتنة.
﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى﴾ إيجاز بحذف كلام، أي وقلنا له: فأسر.
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ استعارة تمثيلية، أي لم تحزن على هلاكهم
السماء والأرض، وهذا أسلوب عربي يقال للتحقيِّ والتهكم بحالهم.
وَزُرُوعِ وَمَقَامِ كَرِيمٍ (٦) رثاء وتفجع
٢٥
(كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُونٍ
وإظهار الأسى والحسرة للعبرة والعظمة للأحياء.
المفردات اللغوية:
﴿فَتَنَّا﴾ بلونا واختبرنا وامتحنا. ﴿قَبْلَهُمْ فَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ امتحناهم
بإرسال موسى عليه السلام إليهم، او بالإمهال وتوسيع الرزق عليهم، وقرئ
بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم. ﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمُ﴾ على الله تعالى، أو
على المؤمنين، أو في نفسه فهو جامع لخصال الخير والأفعال الحميدة، وهو
موسى عليه السلام . ﴿أَنْ أَذُواْ إِلَ عِبَادَ اللَّهِ﴾ بأن أدوا إلي حق الله من الإيمان
وقبول الدعوة، أي أظهروا إيمانكم لي يا عباد الله، أو أطلقوا معي بني
إسرائيل وأرسلوهم. ﴿رَسُولُ أَمِينٌ﴾ مؤتمن على ما أرسلت به، غير متهم،
لدلالة المعجزات على صدقه، أو لائتمان الله على وحيه ورسالته، وهو علة
الأمر.
﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ لا تتكبروا على الله بترك طاعته، والاستهانة بوحيه
ورسوله . ﴿إِنّ ◌َاتِيَكُمْ بِسُلْطَانِ مُبِينٍ﴾ أي ببرهان بَيَّن واضح على رسالتي،
وهو علة النهي . ﴿وَإِ عُذّتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ (٣٥)﴾ أي التجأت إليه
وتوكلتِ عليه أن ترجموني بالحجارة، أو تؤذوني ضرباً أو شتماً، أو تقتلوني.
﴿وَإِن لَّمْ نُؤْمِنُواْ لِ﴾ تصدقوني. ﴿ فَأَعْثَرُونِ﴾ فكونوا بمعزل مني، واتركوا أذاي،
ولا تتعرضوا لي بسوء، فإن ذلك ليس جزاء من دعاكم إلى الفلاح.

٢٣٤
الجُرُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ / ١٧ -٣٣
﴿أَنَّ هَؤُلَاءٍ﴾ بأن هؤلاء . ﴿تُّجْرِمُونَ﴾ مشركون، وهو تعريض بسبب الدعاء
عليهم . ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا﴾ أي فقال: أسرٍ ببني إسرائيل، أي سر بهم ليلاً،
وقرئ بوصل الهمزة من (سرى). ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وجنوده.
﴿ وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ ساكناً منفرجاً مفتوحاً كما هو على هيئته بعد تجاوزه، ولا
تضربه بعصاك، ولا تغير منه شيئاً، حتى يدخل فيه القبط شعب فرعون.
﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ﴾ أي لأنهم غارقون.
جَّتٍ﴾ بساتين .. ﴿وَعُيُونٍ﴾ ينابيع جارية. ﴿وَمَقَّامٍ كَرِيمٍ﴾ مجالس
ومنازل حسنة. ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ من النعم، أي تنعم وحسن ومتعة ونضرة،
والنّعمة: ما ينعم به على الإنسان، من الإنعام. ﴿فَكِهِينَ﴾ متنعمين أصحاب
فاكهة، وقرئ ((فكِهين)) أي أشرين بطرين مستهزئين.
كَذَلِكٌ﴾ أي الأمر كذلك، أو مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها.
﴿وَأَوْرَثْنَهَا﴾ أي ورثنا أموالهم. ﴿قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ بني إسرائيل.
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَّهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ مجاز عن عدم الاكثراث بهلاكهم
والاعتداد بوجودهم، تقول العرب إذا مات رجل خطير في تعظيم مهلكه:
بكت عليه السماء والأرض، وبكته الريح، وأظلمت له الشمس، وفي حديث
رسول الله وسلم: ((ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه
السماء والأرض)) وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
الشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفة تبكي عليك، نجومَ الليل والقمرا
أي يا نجوم الليل والقمر.
وقالت الخارجية:
أيا شجر الخابور مالك مورقاً كأنك لم تجزع على ابن طريف
قال الزمخشري: وذلك على سبيل التمثيل والتخييل، مبالغة في وجوب

٢٣٥
الُعُ (٢٥) - المُخَارِّ: ٤٤ / ١٧-٣٣
الجزع والبكاء عليه. والمراد لا أسف على فرعون وقومه، بخلاف المؤمنين يبكي
عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض، ومصعد عملهم من السماء . ﴿ مُنْظُرِينَ﴾
ممهلين ومؤخرين التوبة إلى وقت آخر.
﴿مِنَ اٌلْعَذَابِ اُلْمُهِينِ﴾ من استعباد فرعون وقتله أنباءهم واستخدامه
نساءهم . ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ إما على حذف مضاف، أي عذاب فرعون أو حال
من العذاب كما تقدم. ﴿عَالِيًا﴾ متكبراً جباراً. ﴿مِّنَ اُلْمُسْرِفِينَ﴾ المتجاوزين
الحد في الشر والفساد، وهو خبر ثان أي كان متكبراً مسرفاً، أو حال من
ضمير ﴿عَالِيًا﴾ أي كان رفيع الطبقة من بينهم.
﴿أُخْتَرْنَهُمْ﴾ اخترنا بني إسرائيل واصطفيناهم. ﴿عَلَى عِلَّمِ﴾ منا بحالهم
أي عالمين باستحقاقهم ذلك. ﴿عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ اخترناهم على عالمي زمانهم.
﴿اَلْأَبَتِ﴾ المعجزات، كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى.
﴿مَا فِيهِ بَلَؤُّأْ مُبِينٌ﴾ اختبار ظاهر.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى إصرار مشركي مكة على كفرهم، بَيَّن أن كثيراً من
المتقدمين كانوا أمثالهم في تكذيب الرسل، وفي طليعتهم قوم فرعون، الذين
كذبوا رسولهم موسى عليه السلام، فنصره الله عليهم، وأغرقهم، وجعلهم
عبرة للمعتبر.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَ هُمْ رَسُولُ كَرِيمِ ﴾﴾ أي لقد
اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، أرسل الله إليهم
رسولاً كريماً جامعاً لخصال الخير والأفعال المحمودة، وهو موسى عليه
السلام، وهو كريم على الله، وكريم في قومه.

٢٣٦
الُرُ (٢٥) - الدُّخَارِّ: ٤٤ / ١٧-٣٣
﴿أَنْ أَدُواْ إِلَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴾﴾ أي وجاءهم رسول بأن
أرسلوا معي عباد الله وهم بنو إسرائيل، وأطلقوهم من العذاب، فإني رسول
من الله مؤتمن على الرسالة غير متهم، وهذا كقوله عز وجل: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِثْنَكَ بِشَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ اْهُدَىّ﴾
[طه: ٢٠ / ٤٧] .
ويجوز أيضاً أن يكون قوله: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ نداء لهم، والتقدير: أدوا إلي يا
عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان، وقبول دعوتي، واتباع سبيلي،
وعلل ذلك بأنه ﴿رَسُولُ أَمِينٌ﴾ قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته، وهذا هو
الظاهر المناسب لأصول دعوة الرسول قومه وللكلام الآتي بعده، أما إطلاق
بني إسرائيل فهو مطلب فرعي ثانوي بالنسبة لأصل الدعوة.
(٤) أي لا تتجبروا ولا
﴿وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ ءَاتِيَكُمُ بِسُلْطَانِ مُبِينٍ
تتكبروا عن اتباع آيات الله، والانقياد لبراهينه، ولا تترفعوا عن طاعته
ومتابعة رسله، كقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِى
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠/٤٠] إني آتيكم بحجة ظاهرة واضحة لا
سبيل إلى إنكارها، وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والمعجزات
القاطعات كالعصا واليد وسائر الآيات التسع، فهددوه بالرجم كما قال
تعالی:
﴿ وَإِنِىِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ (٣)﴾ أي أستعيذ بالله وألتجئ إليه
وأتوكل عليه مما تتوعدوني به من القتل بالحجارة أو الإيذاء والشتم.
﴿وَإِنِ لَّمْ نُؤْمِنُواْ لِ فَأْثَرُونِ (٨)﴾ أي وإن لم تصدِّقوني وتقرّوا بنبوتي وبما
جئتكم به من عند الله، فاتركوني، ولا تتعرضوا لي بأذى إلى أن يحكم الله بيننا.
فلما يئس من إيمانهم، ولمس إصرارهم على الكفر وعنادهم، دعا عليهم
فقال :

٢٣٧
الزُ (٢٥) - المُخَارِ: ٤٤ / ١٧-٣٣
﴾ أى فدعا موسى ربه حين كذبوه
٣٢
﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ
وهُمُّوا بقتله بأن هؤلاء قوم مكذبون رسلك مشركون بك، كما جاء في آية
أخرى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَابَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ
الذُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَمِلِكٌ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا
قَالَ قَدْ أُجِيبَتِ دَعْوَتُكُمَا فَأْسْتَقِيمَا﴾ [يونس:
M
يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
١٠/ ٨٨-٨٩] .
وحينئذ أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر سراً ليلاً:
﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴾ أي أجاب الله سبحانه دعاءه،
فأمره أن يسير بقومه بني إسرائيل ليلاً؛ لأن فرعون وقومه يتبعونكم إذا علموا
بخروجكم. وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَأَضْرِبْ
لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسَاَ لَّا تَخَفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَبِى
﴾ [طه: ٢٠ /٧٧] .
﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (19)﴾ أي دع يا موسى البحر ساكناً
منفرجاً مفتوحاً، لا تضربه بعصاك حتى يعود كما كان، ليدخله فرعون
وجنوده، فإنهم قوم مغرقون في اليم. وهذه بشارة من الله بنجاتهم وإهلاك
عدوهم ليسكن قلب موسى عليه السلام، ويطمئن جأشه.
ثم ذكر تعالى ما خلّفوه وراءهم من عز ومجد ونعيم وثراء، فقال:
وَزُرُوعِ وَمَقَاءِ كَرِيمٍ (
٢٥
( كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (
، وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا
٢٦
فَكِهِينَ (4) أي كثيراً ما تركوا في مصر وراءهم من بساتين خضراء،
وحدائق غناء، وأنهار متدفقة وآبار مترعة بالماء، وزروع نضرة، ومنازل
ومجالس حسنة وثيرة، وتنعم بالمال والخير الوفير، كانوا يرفلون بالنعمة
ويتنعمون بعيشة هنية، ويستمتعون بأنواع اللذة، كما يتمتع الرجل بأنواع
الفاكهة، فيأكلون ويلبسون ما شاؤوا.

٢٣٨
الُ (٢٥) - الدُّخَان: ٤٤ / ١٧-٣٣
أي مثل ذلك الإهلاك والسلب
٣٨
كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ
والتدمير فعلنا بالذين كذبوا رسلنا، ونفعل بكل من عصانا، وأورثنا تلك
البلاد بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في الأرض، كما قال تعالى:
﴿ وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا
فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ بِمَا صَبِرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ
﴾ [الأعراف: ١٣٧/٧].
يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
ثم تهكم الله بهم وأبدى عدم الاكتراث بشأنهم قائلاً:
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ (®﴾ أي لا أسف ولا حزن
عليهم من أحد بسبب بغيهم وفسادهم، بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم
وشدة عنادهم، ولم يمهلوا لتوبة؛ لأنها غير منتظرة منهم.
ثم أتبع الله تعالى ما يقابل النقمة بالنعمة للعبرة، فقال:
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا
﴿ وَلَقَدْ نَجَّنَا بَنِىّ إِسْرَغِيلَ مِنَ اُلْعَذَابِ الْمُهِينِ
(٣) أي لقد خلصنا شعب بني إسرائيل بإهلاك عدوهم مما
مِّنَ الْمُسْرِفِينَ
كانوا فيه من الاستعباد وقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفهم بالأعمال
الشاقة، من عذاب فرعون الذي كان متعالياً عنيداً، متكبراً متجبراً، ومن
المسرفين في الكفر بالله، وارتكاب معاصيه، ورأس الكفر: ادعاؤه الألوهية
والربوبية بقوله: أنا ربكم الأعلى.
وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِى نِسَآءَ هُمَّ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
◌ِ﴾ [القصص: ٤/٢٨] وقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُوْ قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون:
٤٦/٢٣] .
ويلاحظ أن بيان الإحسان إلى موسى وقومه كان بعد بيان كيفية إهلاك
فرعون وقومه؛ لأن دفع الضرر مقدم على جلب المصالح والمنافع.

٢٣٩
الُرُ (٢٥) - الدُّحَّانِ: ٤٤ / ١٧-٣٣
ثم بيَّن الله تعالى مدى تكريمه لبني إسرائيل حين ذاك قائلاً:
وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْأَيَتِ مَا فِهِ
﴿ وَلَقَدِ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمِ عَلَى الْعَلَمِينَ
بَلَكُؤَّأْ مُّبِينٌ (٣)﴾ أي لقد اختارهم الله على عالمي زمانهم على علم منه
باستحقاقهم لذلك، لکثرة الأنبياء فیھم، ولصبرهم مع موسى، وجهادهم في
سبيل الله، فلما بدلوا الإيمان بالكفر، والصلاح بالفساد غضب الله عليهم
ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير.
وأعطيناهم على يد موسى عليه السلام المعجزات الظاهرة والبراهين
الواضحة، وخوارق العادات، مما فيه اختبار ظاهر، وامتحان واضح لمن
اهتدى به، ولننظر كيف يعملون. ومنها: إنجاؤهم من الغرق، وتظليل الغمام
عليهم، وإنزال المن والسلوى لهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات الكريمات إلى ما يأتي:
اً - لا يغترن أحد بمال أو جاه أو سلطان أو عزّ أو حكم قوي، فذلك
كله للاختبار والامتحان، فقد ابتلى الله قوم فرعون بالأمر بطاعة الله ورسولهم
موسى عليه السلام، فكذبوا وكفروا، والمقصود أنه عاملهم معاملة المختبر ببعثة
موسى إليهم، فكذبوا فأهلكوا، وهكذا يفعل بأعداء محمد وَلو إن لم يؤمنوا.
اً - طلب موسى عليه السلام من فرعون وقومه أن يتبعوه في رسالته، كما
قال ابن عباس، أو أن يرسلوا معه بني إسرائيل ويطلقوهم من العذاب، كما
قال مجاهد، وهو في الحالين أمين على الوحي، فما عليهم إلا أن يقبلوا نصحه.
◌َّ - اتبع موسى عليه السلام معهم أسلوباً لطيفاً، فنصحهم بألا يتكبروا
على الله ولا يترفعوا عن طاعته، وخاطبهم بما يقنع عقلاً ومنطقاً، فذكر لهم
أنه يأتيهم بحجة بينة وبرهان واضح على صدقه، وصحة دعوته، وإثبات

٢٤٠
الُعُ (٢٥) - الدُّحَّانِ: ٤٤ / ١٧-٣٣
ألوهية الله الواحد الأحد، وحرص على مسالمتهم قائلاً: إن لم تصدقوني ولم
تؤمنوا بالله لأجل برهاني، فدعوني واتركوني، وخلّوا سبيلي وكُفّوا عن أذاي.
٤ - لم يَدْعُ نبي على قومه إلا بعد اليأس من إيمانهم، وهكذا فعل موسى
عليه السلام، فإنه لما وجد إصرار فرعون وقومه على الكفر دعا ربه بأن هؤلاء
قوم مشركون، امتنعوا من الإيمان، ومن إطلاق بني إسرائيل.
٥ - أجاب الله دعاء موسى عليه السلام، فأمره بأن يسير بمن آمن بالله من
بني إسرائيل ليلاً قبل الصباح، فإن فرعون وقومه سيتبعونهم حينما يعلمون
بخروجهم.
وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف إما من العدو، وإما من خوف
المشقة على الدواب والأبدان.
وأمره ربه أيضاً أن يترك البحر الذي فتح لهم أثناء العبور بأمر من الله
مفتوحاً ساكناً على حاله، لا يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، وذلك
استدراج لقوم فرعون ليعبروا فيغرقهم الله بعد أن نحی بني إسرائيل.
أَ - دلت آية ﴿كَمْ تَرَكُواْ﴾ على أنه تعالى أغرق فرعون، ثم ذكر أنهم تركوا
أشياء خمسة: هي الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم والنَّعْمة بالفتح من
التنعيم، أي حسن العيش ونضارته، أو سعة العيش والراحة.
أما النِّعمة بالكسر من الإنعام: فهي إحسان الله وعطاؤه وإفضاله.
وورَّث تعالى تلك الديار بما فيها من الخيرات لبني إسرائيل، بعد أن كانوا
مستعبدين فيها، فصاروا لها وارثين، كوصول الميراث إلى مستحقيه.
لاً - لا أسف ولا حزن على إهلاك فرعون وجنوده؛ لأنهم لم يعملوا على
الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم السماء والأرض لأجله، ولا صعِد لهم إلى
السماء عمل صالح، فتبكي فَقْد ذلك.