Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ اِلُرُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥ ولقد ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً من أعمالكم، فجادلتم على ذلك، حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. وكما تكون الشهادة بالشر والسوء تكون بالخير. ذكر أبو نعيم الحافظ عن مَعْقِل بن يسار عن النبي ◌ُّرِ قال: ((ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادى فيه: يا بن آدم، أنا خَلْق جديد، وأنا فيما تعمل غداً عليك شهيد، فاعمل فيّ خيراً أشهد لك به غداً، فإني لو قد مضيت لم ترني أبداً، ويقول الليل مثل ذلك)) . ٥ - وإن ظنكم أن الله لا يعلم كثيراً من أعمالكم هو الذي أهلككم، فأرداكم النار، قال قتادة: ((الظن هنا بمعنى العلم)) والظن هنا قبيح فاسد. والظن الفاسد: هو أن يظن بالله تعالى أنه يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال. وقال قتادة أيضاً: الظن نوعان: ظن مُنْج وظن مُرْدٍ، فالمنجي: قوله: ﴿إِنِّ ﴾ [الحاقة: ٢٠/٦٩] وقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ ٢٠ ظَنَنْتُ أَنِِّ مُلَقٍ حِسَاِيَةٌ رَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦/٢]. وأما الظن المردي: فهو قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ﴾. وقال العلماء: الظن قسمان: أ - حسن: وهو أن يظن بالله عز وجل الرحمة والفضل والإحسان، قال الله تعالى في الحديث القدسي فيما أخرجه مسلم والحاكم عن أنس: ((أنا عند ظن عبدي بي)) . ب - قبيح: وهو أن يظن أن الله لا يعلم بعض الأفعال. وقال الحسن البصري: إن قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وقد كذَب، ولو أحسن ٥٤٢ الجُزُ (٢٤) - فُصَلَتْ: ٤١ / ٢٦-٢٩ الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ ٢٣ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ أَ - سواء صبر الكفار على العذاب أم لم يصبروا، فالنار مثواهم ومأواهم ومستَقَرُّهم، وإن أرادوا الاعتذار عن كفرهم واسترضاء ربهم، لم يجابوا إلى طلبهم. ٧ - سلَّط الله على الكفار قرناء من الجن والشياطين، ومن الإنس أيضاً، فحسَّنوا وزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة، وزينوا وحسنوا لهم ما بعد مماتهم، ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة، ووجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم، وخسروا أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة. وهذا يدل على أن الله تعالى يريد الكفر من الكافر، لكن لم يأمره به ولم يرضه له، وحذره منه ومن الإصرار عليه. والإرادة للدلالة على أنه لا يقع شيء في الكون من دون إرادة الله، وإلا كان وقوع الشيء قهراً وعجزاً، والله لا يقهر ولا يغلب. الصد عن سماع القرآن الكريم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَهُمْ أَسْوَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ ٢٧ جَزَآءُ أَعْدَاءِ الَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلُّدِّ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ بِذَايَئِنَا يَحْحَدُونَ وَقَالَ ٣٨ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبََّآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ٢٩ لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ القراءات: (اُلْقُرْءَانِ : ٥٤٣ المُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٢٦-٢٩ وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران). ﴿أَرِنَا﴾: وقرأ ابن كثير، والسوسي، وابن عامر (أرْنا). الإعراب: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارِّ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَّآءُ﴾: مبتدأ وخبر، و﴿النَّارِ﴾ إما بدل من ﴿جَزَآءُ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو النار، وتكون هذه الجملة بياناً للجملة الأولى، أو مبتدأ وخبره: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلّدِ﴾. ﴿جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ بِّايَيْنَا﴾ ﴿جَزَآءٌ﴾ منصوب على المصدر بفعله، أي يجازون جزاءً. المفردات اللغوية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إذا قرأ النبي ◌ََّ القرآن. ﴿ وَالْغَوْاْ فِيهِ﴾ عارضوه بالكلام اللغو الذي لا معنى له، وارفعوا أصواتكم بذلك في زمن قراءته لتشوشوا على القارئ. وقرئ بضم الغين والمعنى واحد، يقال: لَغِيَ يَلْغَى، ولغا يَلْغُو وألْغى: إذا هذى. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ تغلبونه على قراءته، فيسكت عن القراءة. ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ المراد بهم هؤلاء القائلون وعامة الكفار . ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَاَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي لنجازينهم بسيئات أعمالهم أو أعمالهم السيئة، أو المراد لنجازينهم بأقبح جزاء عملهم . ﴿ذَلِكَ جَزَآءُ﴾ أي ذلك العذاب الشديد وأسوأ الجزاء هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله واستكبروا عن عبادته ﴿دَارُ الْخُلُّدِ﴾ دار الإقامة المستمرة التي لا انتقال فيها. ﴿ِّيَغِنَا﴾ القرآن. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي وهم في النار. ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَّيْنِ ٥٤٤ ◌ِلُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٢٦-٢٩ أَضَلَّانَا مِنَ اُلْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ أي إبليس وقابيل اللذين سنًّا الكفر والقتل. (نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ ندوسهما بالأقدام في النار انتقاماً منهما. ﴿لِيَكُونَا مِنَ اٌلْأَسْفَلِينَ﴾ الأذلين المهانين. المناسبة: بعد بيان الوعيد الشديد للكفار في الدنيا والآخرة، وبيان سببه الذي أوقعهم في الكفر وأبقاهم فيه، ذكر الله تعالى موقفاً معادياً آخر لهم، وهو صدّ الناس عن سماع القرآن والتشويش عند قراءته، لينصرفوا عنه، وهم أنفسهم عند الوقوع في العذاب الشديد يطلبون الانتقام ممن صيَّرهم إلى هذا المصير المشؤوم. التفسير والبيان: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ٢٦ أي وقال بعض الكفار لبعض: لا تُنْصِتوا لسماع هذا القرآن عند تلاوته أو لا تطيعوه ولا تنقادوا لأوامره، وعارضوه باللغو الذي لا معنى له، من إنشاد الأشعار، ورفع الأصوات والتصفيق والتصفير، والتخليط بالخرافات، حتى تشوشوا على القارئ، ولكي تغلبوه على قراءته، فيسكت. وقد كان النبي ◌َّ وهو في مكة يجهر بتلاوة القرآن لإسماعه الكفار لعلهم يؤمنون به، فكانت قريش يوصي بعضهم بعضاً بالتصفيق والتصفير وإنشاد الشعر. قال ابن عباس: قال أبو جهل إذا قرأ محمد، فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وهذا دليل على تكذيب مشركي قريش بالقرآن وكفرهم، مثل كفر قوم هود وصالح وغيرهم. وبعد بيان ذلك هدَّدهم الله تعالى بالعذاب الشديد، فقال: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَّهُمْ أَسْوَاَ الَّذِى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٥٤٥ الجُزُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ٢٦-٢٩ أي فلنجازين جميع الكفار بعذاب شديد، ومنهم كفار قريش في مقابلة ٢٧ معاداتهم لسماع القرآن، ومحاولة صدّ الناس عن استماعه، ولنجازينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وهو الشرك، ونهمل ما عملوا من محاسن الأعمال، كصلة الرحم، وإكرام الضيف؛ لأن ذلك باطل لا أجر لهم فيه مع حالة الكفر. وهذا وعيد شديد لجميع الكفار، وتعريض بمن لا يخشع ولا يتدبر حين سماع القرآن، فقد أمر الله عباده المؤمنين بالاستماع للقرآن والإنصات له، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: ٢٠٤/٧] . ثم ذكر الله تعالى صفة ذلك العذاب قائلاً: ﴿ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اَللَّهِ النَّارِّ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِّ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ بِنَايَكِنَا يَحْمَدُونَ (٢٨) ﴾ أي ذلك الجزاء لأقبح أعمال الكفار وهو دخول النار، هو جزاء أعداء الله الذين كذبوا رسله، واستكبروا عن عبادته، لهم في النار دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها، ويجزون ذلك جزاءً بسبب جحدهم أن القرآن من عند الله تعالى، وإنكارهم صحة آياته وسلامتها. ثم بيَّن الله تعالى ما يطلبه الكفار من الانتقام ممن أضلوهم عند الوقوع في العذاب الشديد، فقال: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَّحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ اُلْأَسْفَلِينَ ﴾ أي طلب الكفار من ربهم أن يريهم من أضلهم من فريقي شياطين الجن والإنس الذين كانوا يزينون لهم الكفر والمعاصي، لكي يدوسوهم بأقدامهم، تشفياً وانتقاماً منهم، وليكون الفريقان من الأذلين المهانين، في الدرك الأسفل من النار، أشد عذاباً منهم، فأجابهم تعالى في موضع آخر: ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨/٧]. ٥٤٦ الجُزُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٢٦-٢٩ والشياطين: إما جني وإنسي، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢/٦] وقال سبحانه: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِى (٣)) [الناس: ٥/١١٤-٦]. صُدُورِ النَّاسِ ﴿ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وقيل: هما إبليس وقابيل؛ لأنهما سَنَّا الكفر والقتل بغير حق، ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع عند الترمذي: ((ما من مسلم يقتل ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من ذنبه؛ لأنه أول من سنّ القتل)) وقال علي رضي الله عنه: هما ابن آدم الذي قتل أخاه، وإبليس، أي لأنهما هما اللذان سنًّا المعصية. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - لم يترك كفار قريش سبيلاً لمعارضة القرآن بالباطل، بعد أن عجزوا عن معارضته بالحق، فلجؤوا إلى الغوغائية والتغليظ في الكلام والتصفيق والتصغير عند سماع القرآن، وهذا شأن الجهلة والسفلة أمام صيحة الحق في كل زمان يستخدمون أسلوب اللغو في طمس الحقائق، واللغو: ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل. أَ - كان جزاؤهم بسبب كفرهم وتكذيبهم رسول الله وَّ هو أن يذوقوا في الآخرة العذاب الشديد الذي يتوالى فلا ينقطع، ويحيط بهم في جميع أجزائهم، وأن يجزوا في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وأسوأ الأعمال: الشرك. ◌َّ - ذلك العذاب الشديد وهو النار هو جزاء جميع الكفار أعداء الله الذين كذبوا الرسل واستكبروا عن عبادة الله تعالى. ٤ - طلب الكفار وهم في النار أن يريهم الله من أضلهم من الجن والإنس، ٥٤٧ الُهُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٠-٣٢ ليدوسوهم تحت أقدامهم في جهنم، وليكونوا من الأذلين المهانين، وفي الدرك الأسفل من النار، تشفياً وانتقاماً منهم، ومرادهم أن يُضعِّف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وهذا مطابق لما قضى به الله من مضاعفة عذاب الرؤساء الذين يدعون إلى الضلال، فيعطي كلاً منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَفْسِدُونَ (60)﴾ [النحل: ٨٨/١٦]. ما وعد الله به أهل الاستقامة ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا ٣٢ نُزْلًا مِّنْ غَفُورٍ زَّحِيمِ ٣١ مَا تَدَعُونَ الإعراب: ﴿ أَلَّا تَخَافُواْ﴾ (أن): مفسرة بمعنى أي أو مخففة من الثقيلة، وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء: ضمير الشأن. ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، ثُزْلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (﴾﴾ ﴿مَا﴾: اسم موصول، وعائده محذوف تقديره: تدّعونه. و﴿نُزُلًا﴾: إما منصوب على المصدر، وإما منصوب على الحال من الكاف واللام في ﴿وَلَكُمْ﴾. وهو جمع (نازل) كشارف وشُرُف، وتقديره: ولكم فيها نازلين. والأظهر أن يكون ﴿نُزُلًا﴾ في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿هَذَا نُرْهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴿٤﴾ [الواقعة: ٥٦/٥٦] ليس هو جمع (نازل) وإنما هو ما أُعدّ لهم من الجزاء، وهو حال من ﴿مَا تَدَّعُونَ﴾ ٥٤٨ الُعُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٠-٣٢ المفردات اللغوية: ﴿قَالُوْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته ﴿ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ ثبتوا وداوموا على الاستقامة في العمل الصالح والإقرار بالوحدانية ومقتضياته. وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإيمان، وإخلاص العمل، وأداء الفرائض فجزئياتها. وقوله ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي عن الإقرار بالربوبية في المرتبة والفضل، من حيث إن الإيمان مبدأ الاستقامة ﴿تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُوا﴾ بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن، أو تتنزل بالبشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وإذا قاموا من قبورهم بألا تخافوا ولا تحزنوا، لا تخافوا من الموت وما بعده، ولا تحزنوا على ما خلَّفتم من أهل وولد، ونحن نخلفكم فيه، والخوف: غمّ يطرأ على النفس لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن: غمّ يطرأ على النفس لفوات نفع في الماضي. ﴿ أَوْلِيَآؤَكُمْ﴾ أعوانكم في شؤونكم، نحفظكم ونوفقكم لما فيه الخير، ونلهمكم الرشد والحق ﴿فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ بدل ما يفعل الشيطان بالكفرة ﴿ وَفِىِ الْآَخِرَةَ﴾ بالشفاعة والكرامة حتى تدخلوا الجنة، وحيثما تتعادى الكفرة وقرناؤهم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ﴾ من اللذائذ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ﴾ تتمنون وتطلبون، مأخوذ من الدعاء بمعنى الطلب، وهو أعم من الأول ﴿نُزُلًا﴾ ما أُعِدّ لهم من الجزاء الحسن، وأصل النزل: الطعام المعدّ للضيف. سبب النزول: نزول الآية (٣٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ وذلك أن المشركين قالوا: ربنا الله، والملائكة ٥٤٩ الجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٠-٣٢ بناته، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله، فلم يستقيموا. وقال أبو بكر: ربنا الله وحده لا شريك له، ومحمد ◌َّ﴾ عبده ورسوله، فاستقام. وأخرج الترمذي والنسائي والبزار وغيرهم عن أنس بن مالك: أن رسول اللهِ وَلَ قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾ قال: ((قد قال الناس، ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها، فهو ممن استقام)). المناسبة: هذه الآية شروع في بيان أحوال المؤمنين ومصيرهم، بعد بيان أحوال المشركين وعاقبتهم، ليتبين الفرق بين المؤمن والكافر، وبين الطيب والخبيث. فبعد أن أطنب الله تعالى في وعيد الكفار، أردفه بهذا الوعد الشريف للمؤمنين، كما هي سنة القرآن في إقران وإتباع أحدهما بالآخر، مثل ◌َيِّئْ عِبَادِىّ أَنِّيَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِرُ ٥٠ [الحجر: ٤٩/١٥ -٥٠] . التفسير والبيان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ أي إن الذين أقروا بربوبية الله وتوحيده، فهو الله وحده لا شريك له، ثم داوموا على التوحيد، فلم يلتفتوا إلى إله غير الله، واستقاموا وثبتوا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، حتى ماتوا، وهذا يشمل التزام أحكام الشرع الحنيف في العقائد والعبادات والمعاملات والمحظورات قولاً وفعلاً؛ لأن الاستقامة لفظ عام. وقد ذكر في حديث بعض مظاهرها، أخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به، فقال: ((قل: ربي الله، ثم استقم)) قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تخاف علي؟! فأخذ رسول الله وَله بطرف لسان نفسه ثم قال: ((هذا)) . ٥٥٠ الجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٠-٣٢ وكذلك ورد عن الخلفاء الراشدين تفسير الاستقامة ببعض جزئياتها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً. وقال أيضاً: ﴿ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾: لم يشركوا بالله شيئاً. وقال عمر رضي الله عنه وهو يخطب على المنبر: استقاموا والله على الطريقة لطاعته، ثم لم يروغوا روغان الثعالب. وقال عثمان رضي الله عنه: ثم أخلصوا العمل لله. وقال علي رضي الله عنه: ثم أدّوا الفرائض. وأقوال التابعين بمعنى ما ذكر. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي تتنزل عليهم الملائكة بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم المخاوف والأحزان، كالبشارة بالنجاة في مواطن ثلاثة: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث، وإزالة الخوف من أمور الآخرة، وإذهاب الحزن عما فاتهم من أمور الدنيا من أهل ومال وولد. وإذا أزيلت مخاوف المستقبل وأحزان الماضي، فقد زالت المضار والمتاعب بالكلية، وحدثت الطمأنينة والسعادة. وتقول لهم الملائكة: أبشروا بدخول الجنة التي وعدتم بها في الدنيا على ألسنة الرسل، فإنكم واصلون إليها، مستقرون بها، خالدون في نعيمها. ثم أخبر عما تقوله الملائكة للمؤمنين، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِ اُلْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌّ﴾ أي نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة، نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نؤنسكم من وحشة القبور، وعند النفخة في الصور، ونُؤَمّنكم يوم البعث والنشور، وتجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. وهذا من قول الملائكة أو من قول الله تعالى، وهو في مقابلة ما ذكر سابقاً في وعيد الكفار حيث قال تعالى: ﴿وَقَّيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ﴾. ٥٥١ الجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٠-٣٢ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنَفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ، ثُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ زَّحِيم (٣)﴾ أي ولكم في الجنة من جميع ما تختارونه من صنوف اللذات وأنواع الطيبات، ومهما طلبتم وجدتم، وكل ما تتمنون حصلتم عليه، حال كونه معداً لكم ضيافة وعطاء وإنعاماً، من غفور لذنوبكم، رحيم بكم، رؤوف بأحوالكم، حيث غفر وستر، ورحم ولطف. وقد تقدم أن قوله ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَذَّعُونَ﴾ أعم مما سبقه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت هذه الآيات دلالة قطعية على أن الجزاء منوط بالعمل، فمن أقر ·بالربوبية والوحدانية والألوهية لله عز وجل، واستقام على أوامر الله وطاعته، واجتنب معاصيه وسخطه وغضبه، له الجزاء المفضل في الدنيا والآخرة. فتلهمه الملائكة ما تَقَرُّ به نفسه وينشرح له صدره، ويزيل مخاوفه، ويبدد أحزانه، وتقول له الملائكة الذين تتنزل بالبشارة: نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا، نحفظكم ونلهمكم الحق، وإذا كان يوم القيامة لا نفارقكم حتى ندخلكم الجنة. وهذا إما من قول الملائكة، أو من قول الله تعالى، والله ولي المؤمنين ومولاهم، ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة. ولكم في الآخرة كل ما تشتهيه أنفسكم من الملاذ، ولكم كل ما تسألون وتتمنون، رزقاً طيباً، وضيافة كريمة، ونعمة عظيمة، من الله الغفار الستّار لذنوب عباده التائبين، الرحيم الرحمن الرؤوف بعباده في جميع الأحوال. وقد دلت هذه الآية على أن كل هذه الأشياء المذكورة جارية مجرى النزل، والكريم إذا أعطى النُّزُل، فلا بدّ أن يحقق السعادة للمعطى، وتلك السعادة تحدث عند رؤية الله عز وجل والتجلي والكشف التام. ٥٥٢ الُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ الدعوة إلى الله تعالى وآداب الدعاة ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اَللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ اٌلْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيْئَةُ أَدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٣٣ الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ ﴿ وَمَا يُلَفَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا ﴿ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعُ فَأُسْتَعِذْ بِاللَّهِ يُلَقَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ٣٦ الإعراب: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ﴾ ﴿الَّذِى﴾: مبتدأ، و﴿ كَأَنَُّ﴾ الخبر، وإذا الفجائية: ظرف مكان لمعنى التشبيه، والفاء للسببية. ﴿وَإِمَّا﴾ أدغمت نون (إن) الشرطية في (ما) الزائدة. ﴿اَلْحَسَنَةُ﴾ و﴿السَّيِّئَةُ﴾ بينهما طباق. ج البلاغة: ﴿كَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ تشبيه مرسل مجمل أي ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. المفردات اللغوية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي لا أحد أحسن قولاً ﴿دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي دعا إلى توحيده وعبادته ﴿وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ فيما بينه وبين ربه من إقامة الفرائض واجتناب المنكرات ﴿ وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال ذلك اعتزازاً وتفاخراً باتخاذ الإسلام ديناً ومذهباً، وصرح أنه من المستسلمين لأمر الله، المنقادين له، قال أبو حيان: والظاهر العموم في كل داع إلى الله، أي فهي عامة لمن استجمع تلك الصفات، وقيل: نزلت في النبي ◌َّ، وقيل: في المؤذنين. ٥٥٣ لِلُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ ج ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ لا تستويان في الجزاء وحسن العاقبة، و﴿وَلَا﴾ الثانية: مزيدة لتأكيد النفي، و﴿اَلْحَسَنَةُ﴾ ما ترضي الله ويتقبلها، و﴿السَِّئَةُ﴾ ما يكرهها الله ويعاقب عليها ﴿آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي ادفع وردّ السيئة حيث اعترضتك بالخصلة التي هي أحسن منها وهي الحسنة، كمقابلة الغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو، والمراد بالأحسن: الزائد مطلقاً، فيكون القصد منه: الحسنة التي وضع الأحسن موضعها .. ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَّةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ) إذا فعلت ذلك صار عدوك كالصديق القريب في محبته، فالحميم: الصديق ﴿وَمَا يُلَقَّمُهَا﴾ ما يؤتى هذه السجية ويحتملها وهي مقابلة الإساءة بالإحسان ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ لأن الصبر يحبس النفس عن الانتقام ﴿وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ أي ما يؤتاها ويتقبلها إلا صاحب الحظ العظيم من الخير وكمال النفس. ﴿ وَإِمَّا يَغْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ﴾ أي إن يصرفك وسواس من الشيطان عن الخصلة الخيّرة فاستعذ، وأصل النزغ: النخس، شبه وسوسة الشيطان بالنخس؛ لأنها بعث على ما لا ينبغي ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ التجئ إليه من شره ولا تطعه، وجواب الأمر محذوف: أي يدفعه عنك ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك أو قولك ﴿اُلْعَلِيمُ﴾ بنيتك وفعلك. سبب النزول: نزول الآية (٣٣): ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾: قال ابن عباس: هو رسول الله وَّة، دعا إلى الإسلام، وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه، وجعل الإسلام نِحْلة. وقال أيضاً: هم أصحاب رسول الله وَ له. وقالت عائشة وعكرمة ومجاهد: نزلت في ٥٥٤ لُُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ المؤذنين. قال أبو حيان: وينبغي أن يتأول قولهم على أنهم - أي المؤذنون - داخلون في الآية، وإلا فالسورة بكاملها مكية بلا خلاف، ولم يكن الأذان بمكة، إنما شرع بالمدينة، والدعاء إلى الله يكون بالدعاء إلى الإسلام وبجهاد الكفار وكفّ الظلمة. نزول الآية (٣٤): ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ﴾: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وكان عدوّاً مؤذياً لرسول الله وَ لتر، فصار ولياً مصافياً. وروي أيضاً أنها نزلت في أبي جهل، كان يؤذي النبي وَّرَ، فأمر ◌َّو بالعفو عنه، وقيل له: ﴿فَإِذَا الَّذِى﴾(١). المناسبة: بعد بيان ما يفعله قرناء السوء من الدعوة إلى المعاصي، ذكر الله تعالى حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، وأبان آدابهم وأوصافهم من مقابلة السيئة بالحسنة، والاستعاذة من شر الشيطان واللجوء إلى الله إذا حاول الشيطان صرف الإنسان عن حكم شرعه الله تعالى. التفسير والبيان: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ (٤) أي لا أحد أحسن ممن اتصف بالخصال الثلاث التالية: اٌلْمُسْلِمِينَ اً - الدعوة إلى توحيد الله وطاعته وعبادته، فذلك خير ما يقوله إنسان لإنسان. وهذا نص عام يشمل كل داعية مخلص إلى الله، سواء الداعية الأول (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٦٥١/٤ ٥٥٥ لُرُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ وهو رسول الله وَّله، والمؤذنون، والقائمون بالدعوة إلى الإسلام في كل زمان ومكان بالقول أو الخطابة أو الكتابة. أَ - العمل الصالح: وهو تأدية ما فرض الله على الإنسان، مع اجتناب ما حرَّمه علیه. ◌َّ - اتخاذ الإسلام ديناً ومنهجاً ومذهباً، فلا شيء أحسن منه قولاً، ولا أصح منه عقيدة، ولا أوضح منه طريقة، ولا أكثر من عمله ثواباً. وبعد بيان أصول الدعوة إلى الله وتوثيق العلاقة بين العبد وربه، ذكر الله تعالى آداب الدعاة وتحسين العلاقة بين العباد بعضهم ببعض، فقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي لا تساوي بين الفعلة الحسنة التي يرضى الله بها ويثيب عليها، وبين الفعلة السيئة التي يكرهها الله ويعاقب عليها، والمداراة من الحسنة، والغلظة من السيئة. ادفع أيها الداعية من أساء إليك بالإحسان إليه، من الكلام الطيب ومقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، واحتمال المكروهات. قال عمر رضي الله عنه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فیه. ثم أبان الله تعالى نتيجة الإحسان وأثره البعيد، فقال: ﴿فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حَمِيمٌ﴾ أي إنك إن فعلت ذلك، فقابلت الإساءة بالإحسان، صار العدو كالصديق. وما أحسن هذه النتيجة أن يتحول الناس الأعداء أو الحساد إلى أصدقاء أو كالأقارب يستعان بهم عند المحنة، بسبب الشفقة والإحسان. ﴿ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا ذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴾ أي ٥٥٦ اِلُعُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها، ويؤتى القدرة على هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين صبروا على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، والصبر شاقّ على النفوس، وما يتقبلها ويحتملها إلا ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والآخرة، وذو حظ في الثواب والخير. قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم. ثم ذكر الله تعالى طريق علاج الوساوس والأهواء ونزغات الشيطان، فقال : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أي إن وسوس إليك الشيطان، وحاول صرفك عن الدفع بالتي هي ٣٦ أحسن، وزيّن لك أن تقابل السيئة بمثلها، فاستعذ بالله من شره، والتجئ إلى الله لكفه عنك ورد كيده، فالله هو السميع لاستعاذتك منه، والتجائك إليه، العليم بوساوس الشيطان وبما يعزم عليه الإنسان وبصدق الطلب والرجاء. وقد كان رسول الله وَلّ إذا قام إلى الصلاة يقول فيما رواه أحمد والترمذي : عن أبي سعيد الخدري: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هُمْزه ونَفْخه ونَفْته)). ونظير الآية قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْغٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ جَ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَسَهُمْ طَهِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ٢٠١ [الأعراف: ١٩٩/٧-٢٠١]. فقه الحياة أو الأحكام: يؤخذ من الآيات ما يأتي: ١٩٩) ٥٥٧ اِلُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ ا - لا كلام أحسن من القرآن، والدعوة إلى توحيد الله وطاعته أحسن من كل ما سواها، والنبي ◌ُّير هو الأنموذج الأول للدعاة، والقدوة الحسنة لهم، كان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحبّ أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه(١). وقالت عائشة رضي الله عنها وعكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين. والحق أن هذه الآية كما تقدم وكما قال الحسن: عامة في كل من دعا إلى الله، نزلت في كل مؤمن. والدعوة إلى الله: بإقامة الأدلة والبراهين القطعية على صحة العقيدة الإسلامية والشريعة الإسلامية. ◌َ - لا بدّ من أن يجمع الداعية بين العمل الصالح (وهو اجتناب المحارم، وكثرة المندوبات، وأداء الفرائض) وبين التصريح بالاعتقاد بالله في ذلك كله، وإخلاص العمل لوجه الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ردّ على من يقول: أنا مسلم إن شاء الله (٢). سَ - هناك فرق عظيم بين الحسنة والسيئة وأثر كل منهما، والحسنة: دعوة الرسول وَله إلى دين الحق، والصبر على جهالة الكفار، وترك الانتقام، وترك الالتفات إليهم. والسيئة: ما أظهره المشركون من الجلافة في قولهم المتقدم أوائل السورة: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ﴾ وأمثلة الحسنة: قول لا إله إلا الله، والطاعة لله تعالى ورسوله وَية، والمداراة، والعفو، (١) أحكام القرآن لابن العربي: ١٦٥٠/٤ (٢) المرجع والمكان السابق. ٥٥٨ المُ (٢٤) - فُصِلَتْ: ٤١ / ٣٣-٣٦ والعلم، وحبّ آل الرسول وَله ونحو ذلك. وأمثلة السيئة أضداد ذلك كالشرك، والغلظة، والانتقام، والفحش، وبغض آل الرسول واله. ٤ - الحكمة والسياسة في الأخلاق الاجتماعية: دفع السيئة بالإحسان، كالكلمة الطيبة والمصافحة، جاء في الأثر الذي رواه ابن عدي عن ابن عمر، وهو ضعيف: (تصافحوا يذهب الغِلُّ)) فإذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأنه ولي حميم، أي قريب إليك، من الشفقة عليك، والإحسان إليك. قال ابن عباس - كما تقدم -: أمره (أمر نبيه) الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعل الناس ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم. وقيل: كان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ به، والظاهر دوام العمل بهذه الآية، فهي تقرر أمراً خلقياً محموداً وفضيلة سامية، بدليل قوله بعدها: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ الآية. ٥ - لا يتخلق بهذه الفضيلة إلا من صبر على الإساءة بكظم الغيظ واحتمال الأذى، وذو النصيب الوافر من الخير، فهذا أسلوب دفع الغضب والانتقام وترك الخصومة. ويضم إليه أسلوب آخر في الوقاية من الشر قبل حدوثه: وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والالتجاء إلى الله من كيده وشره ووساوسه، والله حتماً سميع للاستعاذة، عليم بصير بالأفعال والأقوال. ٥٥٩ الُزُ (٢٤) - فُضَّلَتْ: ٤١ / ٣٧-٣٩ الأدلة الدالة على وجود اللَّه وتوحيده وقدرته وحكمته ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرْ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿ فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ ﴾ (لَا وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىّ ٣٩ أَحْيَاهَا لَمُحِى الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ الإعراب: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَلَيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ ﴿الَّيْلُ﴾: مبتدأ، ﴿ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾: عطف عليه. ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾: الخبر. وقوله: ﴿وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ الهاء والنون في ﴿خَلَقَهُنَّ﴾ تعود على الآيات، ولا تعود على الشمس والقمر والليل والنهار؛ لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غُلّب جانب المذكر على جانب المؤنث. ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ- أَنََّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً﴾: أن وما عملت فيه: في موضع رفع بالظرف، على مذهب سيبويه والأخفش؛ لأن (أن) المصدرية إذا وقعت بعد الظرف ارتفعت به، كما يَرْفع الظرف إذا وقع خبراً لمبتدأ، أو صفة الموصوف، أو صلة لموصول، أو حالاً لذي حال، أو معتمداً على همزة الاستفهام أو حرف النفي، فالخبر ﴿ فَأَوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضّعْفِ﴾ فجزاء: مرفوع بالظرف، والصفة مثل: مررت برجل في الدار أبوه، والصلة مثل: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٤٣/١٣] والحال مثل ﴿وَءَاتَيْنَهُ الْإِنِيلَ فِيهِ هُدَّى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦/٥] فهدى: مرفوع بالظرف؛ لأنه حال من الإنجيل، ٥٦٠ الجُزُ (٢٤) - فُصَلَتْ: ٤١ / ٣٧-٣٩ والمعتمد على همزة الاستفهام مثل ﴿أَفِىِ اللَّهِ شَكٌ﴾ [إبراهيم: ١٠/١٤] وحرف النفي مثل: ما في الدار أحد. و﴿خَشِعَةً﴾: حال من ﴿اَلْأَرْضَ﴾ لأن ﴿تَرَى﴾ من رؤية العين .﴿وَرَبَتْ﴾: أصله ربوت، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، وحذفت الألف لسكونها وسكون تاء التأنيث. وقرئ: (ربأت) أي ارتفعت. البلاغة: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾ هذه الآية في قمة البلاغة والبيان وجمال الأسلوب والتناسق الفني في التعبير والأداء، فكأن الحركة ولمس معالم القدرة الإلهية وبعث الحياة تتمثل في جنباتها. المفردات اللغوية: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾ جمع آية: وهي البرهان والحجة الدالة على وحدانية الله وقدرته ﴿الَّذِى خَلَفَهُنَّ﴾ أي خلق الآيات الأربع وسواها ﴿إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أمر بالسجود ثم ذكر العبادة؛ لأن السجود أخص العبادات، وهو موضع سجدة التلاوة عند الشافعية، لاقتران الأمر به، وعند أبي حنيفة: آخر الآية الأخرى؛ لأنه تمام المعنى. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ﴾ عن الامتثال أو السجود لله وحده ﴿قَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يصلون له دائماً؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ لا يَمَلُّون. ﴿خَشِعَةٌ﴾ جامدة يابسة لا نبات فيها، وأصل الخشوع: التذلل، استعير لحال الأرض الجدبة اليابسة ﴿أَهْتَزَّتْ﴾ تحركت ﴿وَرَبَتْ﴾ انتفخت وعلت بالنبات ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ من الإحياء والإماتة. المناسبة: بعد بيان أن أحسن الأعمال والأقوال هو الدعوة إلى الله تعالى، ذكر الله ٠