Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
الجُزءُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
والتوفيق بين هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾، وآية ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَنَهَا (٠َ﴾ [النازعات: ٣٠/٧٩]، المشعر بأن خلق الأرض حصل بعد خلق
السماء: هو أن يقال - كما ذكر الرازي -: إنه تعالى خلق الأرض في يومين
أولاً، ثم خلق بعدها السماء، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض أي بسطها،
فيزول التناقض (١). ثم ناقش الرازي هذا الجواب واستشكله من وجوه.
وقال أبو حيان: والمختار عندي أن يقال: خَلْق السماء مقدم على خلق
الأرض، وتأويل الآية أن الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد، بل الخلق
عبارة عن التقدير، وهو في حقّه تعالى حكمه أن سيوجد، وقضاؤه بأن
سيحدث كذا في مدة كذا: لا يقتضي حدوثه في ذلك الحال، فلا يلزم تقديم
إحداث الأرض على إحداث السماء(٢).
والمقصود بهذا أن المراد من خلق الأرض، وجعل الرواسي فيها، والمباركة
فيها، وتقدير أقواتها فيها هو التقدير، أي قدر خلق الأرض والسماء،
ويكون الإتيان طوعاً أو كرهاً بياناً لكيفية التكوين إثر بيان كيفية التقدير. وعلى
كل حال يمكن فهم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بأن الترتيب في الذكر
فحسب، لا الترتيب في الواقع، فإن خلق السماء كان في رأي أبي حيان قبل
خلق الأرض.
م
والسبب في ذكر السماء مع الأرض وأمرهما بالإتيان، والأرض مخلوقة قبل
السماء بيومين: هو أن الله قد خلق جرم الأرض أولاً غير مدحوة أي غير
منبسطة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتُهَا
[النازعات: ٣٠/٧٩]، والمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من
الشكل والوصف، ائت يا أرض مدحوة قراراً ومهاداً لأهلك، وائت يا سماء
مقببة سقفاً لهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع.
(١) تفسير الرازي: ١٠٤/٢٧ - ١٠٥
(٢) تفسير البحر المحيط: ٤٨٧/٧ - ٤٨٨
د

٥٢٢
الُهُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
ودحو الأرض وبسطها إنما هو بالنسبة لنظر الناظر وموقع الإنسان الذي
يعيش عليها، والحقيقة أن الأرض كرة منذ أول حدوثها.
وإتيان الأرض طائعة يدلّ على حركتها المستمرة الطائعة على وفق قانون
الجاذبية الأرضية، فهي مجذوبة إلى الشمس التي هي أصلها بحركة دورية دائمة
طوعاً لا قسراً، وإتيان الأرض والسماء دليل على حركتهما، فالأرض تدور
حول نفسها وحول الشمس، والشمس تدور حول نفسها وحول شموس
أخری أکبر منها.
وبعد أن ذكر الله تعالى تمام خلق الأرض، ذكر كيفية تكوين السماوات
السبع وبيان نظامها، فقال: ﴿فَقَضَنُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلِّ
سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ أي فأتّ خلق السماوات السبع وأحكمهنّ وفرغ منهن في مقدار
يومين أو نوبتين سوى الأيام الأربعة التي خلق فيها الأرض، فأصبح خلق
السماوات والأرض في أيام ستة كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى
بِسِتَّةِ أَيَّامٍ﴾(١). قال مجاهد: ويوم من الأيام السّتة كألف سنة مما تعدّون،
وأوحى في كل سماء أمرها، أي جعل فيها النظام الذي تجري عليه الأمور
فيها، قال قتادة: أي خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها (مداراتها)
وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلوج.
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الذُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظَأْ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي وزيّنا
سماء الدنيا بكواكب منيرة مضيئة مشرقة على أهل الأرض، متلألئة عليها
كتلألؤ المصابيح، وخلقنا المصابيح زينة وحفظاً من الشياطين الذين يسترقون
السمع، وحفظناها من الاضطراب في سيرها، ومن اصطدام بعضها ببعض،
فهي تسير في نظام محكم وعلى منهج ثابت.
(١) [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧، الفرقان: ٥٩، السجدة: ٤، ق: ٣٨، الحديد: ٤].

٥٢٣
لُهُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
ذلك النظام البديع هو من ترتيب الله القادر على صنع كل شيء، والذي
يعلم كل شيء، فهو القوي القاهر الذي غلب كل شيء وقهره، وهو العليم
بمصالح العباد وبحركاتهم وسكناتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يأتي:
اً - أمر الله تعالى بتوبيخ الكفار المشركين والتّعجب من فعلهم وكفرهم بالله
الذي هو خالق السماوات والأرض، واتّخاذهم الأضداد والشركاء من
الأصنام وغيرها معبودات مع الله الذي خلقها وخلق جميع العوالم من الملائكة
والإنس والجن وغيرهم، وخلق الأرض في يومي الأحد والاثنين.
أَ - إن الخلق والتكوين والإبداع هو دليل قاطع على وجود الله وكمال
قدرته وحكمته وعلمه الشامل.
◌َّ - والله تعالى أيضاً هو الذي جعل في الأرض جبالاً ثوابت مرتفعة
عليها، وبارك فيها بما خلق فيها من المنافع، وقدّر أرزاق أهلها ومصالحهم،
وذلك في يومي الثلاثاء والأربعاء، فذلك تمام الأيام الأربعة مع اليومين
المتقدمين في خلق الأرض، وهي أيام أربعة مستوية لا زيادة فيها ولا نقصان،
للسائلين وغير السائلين، أي خلق الأرض وما فيها لمن سأل ولمن لم يسأل،
ويعطي من سأل ومن لا يسأل.
٤ - ثم عمد تعالى إلى السماوات وهي في حالة دخان أي كتلة غازية
مظلمة، فنقلها من صفة الدخان إلى حال الكثافة، وتمّ الأمر الإلهي للأرض
والسماء بأن يحيئا بما خلق فيهما من المنافع والمصالح والخروج للخلق،
فاستجابتا للأمر وانقادتا له.
٥ - أكمل الله تعالى خلق السماوات السبع وفرغ منهن في مقدار يومين هما

٥٢٤
الُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ٩-١٢
يوما الخميس والجمعة، سوى الأيام الأربعة التي خلق فيها الأرض، فصار
خلق السماوات والأرض في أيام ستة، كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ﴾.
٩ - لم يكن خلق السماوات خالياً من النظام، وإنما نظم تعالى أمرها،
فخلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وأوجد في كل سماء ملائكة،
وأودع فيها خزائن المطر، وجعل لها نظاماً بديعاً تسير عليه دون توقُّف ولا
تعثُّر ولا تصادم مع غيرها، وجعل الكواكب مختصة بالسماء الدنيا، وحفظها
من كل اضطراب ومن الشياطين الذين يسترقون السمع.
٧ - ظاهر هذه الآية يدلّ على أن الأرض خلقت قبل السماء، وقال تعالى
، وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ◌ُحَنِهَا
في آية أخرى: ﴿أَمِ السَمَةُ بَهَا، رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا الَّ
٢٩
وَاَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَاَ (ْجَ﴾ [النازعات: ٢٧/٧٩-٣٠]، وهذا يدلّ على
خلق السماء أولاً.
فقال ابن عباس: خلقت الأرض قبل السماء، فأما قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ
؛ فالدّحو غير الخلق، فالله خلق الأرض، ثم خلق
ذَلِكَ دَحَنَهَاَ ®
السماوات، ثم دحا الأرض، أي مدَّها وبسطها. وأيَّده ابن كثير قائلاً: ففصل
ها هنا في هذه الآيات ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق
الأرض أولاً؛ لأنها كالأساس، والأصل أن يبدأ بالأساس، ثم بعده
بالسقف، كما قال عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا
ثُمَّ أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّدُهُنَ سَبْعَ سَمَوَتٍ﴾ [البقرة: ٢٩/٢] . وأما آية دحو
الأرض فكان بعد خلق السماء، وأما خلق الأرض فقبل خلق السماء
بالنّص، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنه(١). وهذا مفاد كلام الرازي المتقدم.
(١) تفسير ابن كثير: ٩٢/٤

٥٢٥
لُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
وقال مقاتل: خلق الله السماوات قبل الأرض، وتأويل قوله: ﴿ثُمَّ
أَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ﴾: ثم كان قد استوى إلى السماء وهي دخان، وقال لها
قبل أن يخلق الأرض، فأضمر فيه (كان) كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ
فَقَدْ سَرَفَ أَخُ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ [يوسف: ٧٧/١٢] ، معناه: إن يكن سرق. وردّ
عليه الرّازي بأن كلمة (ثم) تقتضي التأخير(١).
تهديد المشركين بمثل صاعقة عاد وثمود
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتَّكُمْ صَِقَةً مِثْلَ صَِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (٣) إِذْ جَاءَ تَهُمُ
الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلِّفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّا اللَّهَ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ
مَتَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ فَمَّا عَادٌ فَأَسَتَكْبُواْ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَّدُ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ
فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىِّ أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ
بِئَايَتِنَا يَجْحَدُونَ
اَخِرِيِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ ﴿٣) وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوْ اُلْعَمَ عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ اُلْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ
١٨
وَجَتْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ
يَكْسِبُونَ
القراءات:
﴿نَحِسَاتٍ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (نَحْسَات).
الإعراب:
﴿وَأَمَّا﴾: حرف تفصيل فيه معنى الشرط، لذا
﴿ وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ.
(١) تفسير الرازي ١٠٥/٢٧
ے

٥٢٦
الجُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
جاءت الفاء في ﴿فَهَدَيْنَهُمْ﴾ الذي هو خبر المبتدأ، الذي هو ﴿ثَمُودُ﴾.
والأصل في الفاء أن تكون مقدَّمة على المبتدأ، إلا أنهم أخروها إلى الخبر، لئلا
يلي حرف الشرط فاء الجواب، فهي في تقدير التقديم، لذا جاز أن يعمل ما
بعدها فيما قبلها، مثل: ﴿فَمَّا أُلْيَتِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ ﴿ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلاَ ثَنْهَرْ
[الضحى: ٩/٩٣-١٠] فنصب ﴿اَلْيَنِيمَ﴾ و﴿السَّابِلَ﴾ بما بعد الفاء؛ لأنها
في تقدير التقديم.
ومن قرأ (ثمودَ) بالنصب، نصبه بفعل مقدر، يفسره هذا الظاهر، تقديره:
مهما يكن من شيء، فهدينا ثمودَ فهديناهم. وقرئ (ثمودُ وثمودٌ) بالصرف وترك
الصرف، فمن صرفه (ثمودٌ) جعله اسم الحي، ومن لم يصرفه (ثمودُ) جعله اسم
القبيلة، فلم يصرفه للتعريف والتأنيث.
﴿أَلَا تَعْبُدُوَأْ﴾ أن: مفسرة؛ لأن مجيء الرسل بالوحي فيه معنى القول،
ولا: ناهية، أو مصدرية ولا: ناهية، أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير
الشأن.
البلاغة:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ التفات من الخطاب إلى
الغيبة، إظهاراً لعدم المبالاة بهم والاستخفاف بشأنهم، ففي دعوتهم للإيمان
خوطبوا اجتذاباً لهم، وفي حال إعراضهم عن الإيمان بعد البيان، أهملوا.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيَدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ﴾ أي كفار مكة عن الإيمان بعد هذا البيان. ﴿أَنْذَرْتُّكُمْ﴾
خوفتكم بنزول العذاب. ﴿صَِقَةً﴾ عذاباً شديداً يهلكهم كأنه صاعقة. ﴿مِّثْلَ
صَعِقَّةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي مثل العذاب الذي أهلكهم. والصاعقة في الأصل:

٥٢٧
لُعُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
صيحة الهلاك أو قطعة النار النازلة من السماء مع رعد شديد. ﴿ إِذْ جَاءَتْهُمُ
الرُّسُلُ﴾ ﴿إِذْ﴾ هنا: ظرف ﴿صَعِقَةِ﴾ الثانية؛ لأنها بمعنى عذاب، أو حال
منها لإضافتها، وقد جاءهم هود وصالح داعيين إلى الإيمان بهما، وبجميع
الرسل ممن جاء . ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي من قبلهم ومن
بعدهم، فكأن الرسل جميعاً قد جاؤوهم.
﴿أَلَّا تَعْبُدُواْ﴾ (أن) مفسرة بمعنى أي، أو أنها مخففة من الثقيلة، أصله:
بأنه لا تعبدوا، أي بأن الشأن والحديث قولنا لكم: (لا تعبدوا). ﴿لَوْ شَآءَ
رَبَُّا﴾ مفعول شاء محذوف، أي لو شاء ربنا إرسال الرسل. ﴿لَأَنَلَ﴾ علينا.
﴿فَإِنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ، كَفِرُونَ﴾ أي فإذا أنتم بشر، ولستم بملائكة، فإنا لا
نؤمن بكم وبما جئتم به. وقوله ﴿يِمَآ أُرْسِلْتُمْ﴾ ليس إقراراً منهم بالإرسال،
وإنما هو على حسب كلام الرسل، أي في زعمكم، وفيه تهكم، كما قال
فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧/٢٦] وقولهم:
﴿فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ﴾ خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء الذين
دعوا إلى الإيمان بهم.
﴿فَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي فتعظموا فيها على أهلها
بغير استحقاق. ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي لا أحد، وهذا اغترار بقوتهم
وعزيمتهم، كان واحدهم يقلع الصخرة العظيمة من الجبل بيده، ثم يجعلها
حيث يشاء . ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعلموا. ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
أي قدرة، فإنه قادر بالذات، مقتدر على ما لا يتناهى، قوي على ما لا يقدر
عليه غيره . ﴿وَكَانُواْ بِشَايَتِنَا﴾ المعجزات. ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ينكرونها مع معرفتهم
بأنها حق، ﴿وَكَانُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿فَأَسْتَكْبَرُواْ﴾.
﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدة البرد، تهلك بشدة بردها، مأخوذ من الصّ: وهو
البرد الذي يصرّ، أي يجمع، أو هي شديدة الصوت في هبوبها، من الصرير،

٥٢٨
◌ِلُعُ (٢٤) - فُصَلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
فهي باردة شديدة الصوت بلا مطر. ﴿يَّحِسَاتٍ﴾ مشؤومات عليهم . ﴿عَذَابَ
اَلْخِزْىِ﴾ عذاب الذل. ﴿أَخْرَى﴾ أشد ذلاً. ﴿وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ بمنعه عنهم.
﴿ وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ أي بينا لهم طريق الهدى والحق، بإرسال الرسل
وبيان الحجج والأدلة. ﴿فَأَسْتَحَبُّواْ اُلْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي فاختاروا الضلالة
والكفر على الإيمان . ﴿ فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ صاعقة من السماء
فأهلكتهم، والهون: المهين أو الذل. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من اختيار
الضلالة.
المناسبة:
بعد بيان إعراض عبدة الأوثان عن الإيمان بالله بالرغم من الأدلة الدالة
على وجوده وتوحيده وقدرته من خلق السماوات والأرض، أمر الله تعالى
رسوله * بأن ينذرهم بعذاب شديد مماثل للعذاب الذي نزل بعاد وثمود من
قبلهم، مع بيان سبب العذاب النازل بكل قبيلة على حدة.
التفسير والبيان:
أي قل يا
١٣
﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِفَةِ عَادٍ وَثَمُودَ
محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عن الإيمان
بالله وبرسالتي، ولم تتدبروا وتتفكروا في هذه المخلوقات الكونية العظيمة، فإني
أخوفكم بعذاب شديد قاتل في الحال مشابه لعذاب الأمم الماضية المكذبين
بالرسل، كعاد وثمود ونحوهما ممن فعل فعلهما.
﴿إِذَّ جَتَهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَا تَعْبُدُوْاْ إِلََّ الهَ﴾
عذبوا بعد أن جاءتهم الرسل المتقدمون الذين بلغتهم رسالاتهم وكلامهم
والرسل المتأخرون الذين رأوهم بأنفسهم، وأمروهم بعبادة الله وحده،
فكذبوهم وأدبروا عنهم، وتذرعوا بأن الرسل ملائكة لا بشر كما قال تعالى:

٥٢٩
الجُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
﴿قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنَزَلَ مَئِكَةً فَإِنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ أي قالوا
الرسلهم: لو شاء ربنا إرسال الرسل لأرسل إلينا ملائكة، ولم يرسل إلينا بشراً
من جنسنا لا فضل لهم علينا، فإنا بما أرسلتم به أيها البشر - في زعمكم -
كافرون منكرون، فلا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا.
ولا بأس من إعادة قصة عتبة هنا برواية أخرى مفيدة لمعرفة مدى تأثير
القرآن وهذه الآيات بالذات في النفوس إذا تجردت عن الأهواء والعصبيات،
أخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: ((قال أبو
جهل والملأ من قريش: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً
بالسحر والكهانة والشعر، فكلَّمه، ثم أتانا ببيان من أمره. فقال عتبة بن
ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علماً،
وما يخفى عليّ إن كان كذلك، فأتاه، فقال: يا محمد، أنت خير أم هاشم،
أنت خير أم عبد المطلب؟ فلم يجبه، قال: لم تشتم آلهتنا وتضللنا؟ إن كنت
تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن تك بك الباءة (الميل للنساء)
زوجناك عشر نسوة تختارهن، أيَّ بنات من شئت من قريش، وإن كان المال
مرادك جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله ساكت، فلما فرغ، قال ◌َله:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حَمَّ ج تَنِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ كِنَبُ
فُصِلَتْ ءَايَتُهُ، قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ - إلى قوله - ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُّكُمْ صَعِقَةً
مِثْلَ صَعِقَّةِ عَادٍ وَثَمُودَ (®)))، فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم، فرجع
إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم قالوا: لا نرى عتبة إلا قد
صبأ، فانطلقوا إليه، وقالوا: يا عتبة، ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت،
فغضب وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، ثم قال: والله لقد كلمته، فأجابني بشيء
ما هو بشعر ولا سحر ولا كهانة، ولما بلغ ﴿صَعِقَةً مِّثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾
أمسكت بفيه، وناشدته الرحم، ولقد علمت أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب،
فخفت أن ينزل بكم العذاب)) .

٥٣٠
اِلُعُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
ثم بدأ الله تعالى بتفصيل ما حصل من قوم عاد وثمود، بعد الإجمال، فقال:
﴿ فَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِ اُلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي فأما قوم
عاد فتكبروا عن الإيمان بالله وتصديق رسله، واستعلوا على من في الأرض
بغير استحقاق، وبغَوْا وعَتَوْا وعَصَوْا ربهم، وقالوا: لا أحد أقوى منا، حتى
يقهرنا، وقد كانوا ذوي أجسام طوال وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم حين
تهددهم هود عليه السلام بالعذاب، ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على
دفع ما ينزل بهم من العذاب.
فردّ الله عليهم موبخاً، فقال:
﴿أَوْلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِكَايَتِنَا
يَجْحَدُونَ﴾ أي أو لم يعلموا ويتفكروا فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم
الذي خلق الأشياء وما فيها من القوى، وإن بطشه لشديد، فهو قادر على أن
ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهم يعرفون مدى
أحقية آياتنا وثبوتها، ولكنهم يجحدون بها ويعصون الرسل، وينكرون
معجزاتهم والأدلة الدامغة التي هي حجة عليهم.
ثم ذكر الله تعالى نوع عقابهم، فقال:
﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِىِّ أَيَّامِ لَّحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا يُنُصَرُونَ ﴾﴾ أي فأرسلنا عليهم ريحاً
شديدة البرد وشديدة الصوت تحرق وتدمر ما أتت عليه في فترة أيام مشؤومات
متتابعات، كما قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَّهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا
[الحاقة: ٦٩ /٧] .
وغاية ذلك العذاب أن نذيقهم عذاب الذل والهوان في الدنيا بسبب
استكبارهم، وإن عذاب الآخرة أشد إهانة وإذلالاً من عذاب الدنيا، وهم لا
يجدون ناصراً ينصرهم ولا دافعاً يدفع عنهم العذاب، لا في الآخرة ولا في
الدنیا.

٥٣١
المُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
ثم فصل تعالى جناية ثمود، فقال:
﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوْ اُلْعَمَى عَلَى اَلْهُدَى﴾ أي وأما قبيلة ثمود،
فبيَّنا لهم طريق الحق والهدى والنجاة، بإرسال الرسل إليهم، وبيان الأدلة
الكونية من مخلوقات الله على توحيدنا، فاختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا
العصيان على الطاعة، وكذبوا رسولهم، وعقروا ناقة الله التي هي دليل صدق
نبیھم.
فكان عذابهم ما أخبر عنه تعالى:
﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي فبعثنا عليهم
صيحة ورجفة وعذاباً مهيناً بسبب كسبهم وهو التكذيب والجحود. وقوله:
﴿ صَعِقَةُ الْعَذَابِ الْمُونِ﴾ أي داهية العذاب الهوان.
﴿ وَّنَا اُلَذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَنَّقُونَ (4) أي وأنقذنا من العذاب صالحاً
عليه السلام ومن معه من المؤمنين برسالته، المتقين ربهم بإقامة فرائضه وترك
معاصيه، لم يمسهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر ولا مكروه.
فقه الحياة أو الأحكام:
يؤخذ من الآيات ما يأتي:
اً - إن الإصرار على الكفر سبب لعذاب الدنيا والآخرة، فلما أصر كفار
قريش على الكفر والجهل، لم يبق علاج في حقهم إلا إنزال العذاب عليهم،
ولكن الله برحمته أراد إنذارهم أولاً وتخويفهم هلاكاً مثل هلاك عاد وثمود.
◌ً - لم يترك الله سبيلاً لثني كفار عاد وثمود عن كفرهم، فأرسل إليهم كما
أرسل إلى من قبلهم رسلاً يدعونهم إلى عبادة الله وحده، فتذرعوا بأن الرسول
ينبغي أن يكون من الملائكة، والله قادر على إنزال ملائكة بدل الرسل،
وأضافوا بأنهم كافرون بما جاء به الرسل من الإنذار والتبشير.

٥٣٢
الُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٣-١٨
سَّ - كان من جناية عاد أنهم تكبروا في الأرض على عباد الله: هود ومن
آمن معه، بغير حق ولا موجب للتكبر، واغتروا بأجسامهم حين تهدَّدهم هود
عليه السلام بالعذاب. ولكنهم قوم حمقى فإن الله أقدر منهم وأقوى، فلم
يتفكروا في ذلك، وكفروا بالمعجزات. وتضمن استكبارهم أمرين:
الأول - إظهار الكبر وعدم الالتفات إلى الغير.
والثاني - الاستعلاء على الغير.
٤ - تدل الآية على إثبات القدرة والقوة لله تعالى، كما قال ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
@ [الذاريات: ٥٨/٥١] وقدرة العبد متناهية محدودة،
الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
وقدرة الله لا نهاية لها وغير محدودة. فقوله تعالى: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ليس المراد
به المفاضلة أو النسبة التفضيلية، وإنما هو على منوال قولنا: (الله أكبر) فلا
يراد بالتفضيل معناه المعروف، فهو كما يقولون: ليس على بابه.
٥ - عذّب الله في الدنيا قبيلة عاد بإرسال ريح باردة شديدة البرد، وشديدة
الصوت والهبوب، في مدى سبعة أيام مشؤومات متتابعات، وسيكون عذابهم
يوم القيامة في النار أشد وأعظم من عذاب الدنيا، ولا يجدون ناصراً ينصرهم
من العذاب.
أَ - لقد بيَّن الحق تعالى لقبيلة ثمود الهدى والضلال، فاختاروا الكفر على
الإيمان، والمعصية على الطاعة، والضلالة على الرشد، فأرسل الله عليهم
قارعة صاعقة مدمرة محرقة هي الصيحة والرجفة والذل والهوان بسبب
تكذيبهم صالحاً عليه السلام وعقرهم الناقة.
لاً - جرت سنة الله عدلاً وفضلاً ورحمة على إنجاء المؤمنين، فقد نجّى الله
تعالى صالحاً عليه السلام ومن آمن به، وميَّزهم عن الكفار، فلم يحلّ بهم ما
حلّ بالكفار، وهذا كعادة القرآن في قرن الوعد بالوعيد.

٥٣٣
اِلُعُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
والعبرة من إيراد قصة عاد وثمود: العظة والعبرة والتخويف والتحذير،
وتهديد مكذبي الرسل، والإخبار بأنه تعالى يفعل بمؤمني قوم النبي وَ ل
وكفارهم ما فعل بعاد وثمود، وكل ذلك بقصد التخويف للإقلاع عن
موجبات العذاب. أما في الواقع فإن مثل ذلك العذاب لا يقع في أمة محمد
وَلَه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣/٨]
وجاء في الأحاديث الصحيحة: أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع
من الآفات الشاملة.
كيفية عقوبة الكفار في الآخرة
حَتََّ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ
١٩٦
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ
عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (٥)
شَهِدُمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اَللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ
وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (
جُلُودُكُمْ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (19) وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى
فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَى
ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَلَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ
وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم
٢٤
لَّمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ اُلْمُعْتَبِينَ
◌َّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ
٢٥
اُلْجِنِّ وَالْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ
القراءات:
﴿ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ﴾:
وقرأ نافع (تَحْشُرُ أعداءَ).
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾: منصوب بفعل دلّ عليه. ﴿يُوزَعُونَ﴾ وتقديره :
يساق الناس يوم يحشر، أو منصوب بتقدير: اذكر.

٥٣٤
لُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ أن وصلتها: في موضع نصب، بتقدير حذف
حرف الجر، وتقديره: وما كنتم تستترون عن أن يشهد عليكم، فحذف (عن)
فاتصل الفعل به.
﴿ وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ﴾ ﴿وَذَلِكُمْ﴾: مبتدأ،
و﴿ظَنگم): خبره، و﴿ أَزْدَنَكُمْ﴾ : خبر ثان.
البلاغة:
﴿مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ أي واذكر حين يجمع، فعل مبني للمجهول أو للفاعل
وهو الله تعالى، وقرئ: (نَحْشُرُ أعداءَ). ﴿يُوزَعُونَ﴾ يساقون بعد أن يحبس
أولهم ليلحق آخرهم لئلا يتفرقوا، من وزعته: كففته، والمراد: كثرة أهل
النار. ﴿حَّىَ إِذَا مَا﴾ ﴿حَتَّىَ﴾ غاية لقوله: ﴿يُوزَعُونَ﴾ و﴿مَا﴾ صلة زائدة لتأكيد
ارتباط المجيء بشهادة الأعضاء، واتصال الشهادة بالحضور. (شَهِدَ عَلَيْهِمْ
سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ بأن ينطقها الله فعلاً، أو تظهر
عليها آثار تدل على ما اقترف بها، فتنطق بلسان الحال.
﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ سؤال توبيخ أو تعجب، والجلود:
الجلود المعروفة، وقيل: هي الجوارح أو الفروج. ﴿قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ
أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أي ما نطقنا باختيارنا، بل أنطقنا الله الذي أراد نطق كل
شيء، ولو كان النطق مؤوّلاً بدلالة الحال، بقي الشيء عاماً في الموجودات
الممكنة.﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام
الجلود. وأن يكون استئنافاً من كلام الله تعالى، كالذي بعده. والمعنى: إن
القادر على إنشائكم ابتداءً، وإعادتكم بعد الموت أحياءً، قادر على إنطاق
جلودكم وأعضائكم.

٥٣٥
لِلُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٩ -٢٥
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ أي ما كنتم تتسترون
وتستخْفون عند ارتكاب الفواحش من أن تشهد عليكم أعضاؤكم، وما ظننتم
أن أعضاءكم تشهد عليكم؛ لأنكم لم توقنوا بالبعث. وفيه تنبيه على أن المؤمن
ينبغي أن يشعر في كل حال بوجود رقيب عليه . ﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ
كَثِيرًا مِّمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظننتم ألا يعلم الله بكم، فلذلك اجترأتم على المعاصي.
﴿ وَذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ظنهم هذا. ﴿أَرْدَلَكُمْ﴾ أهلككم. ﴿فَأَصْبَحْتُم مِّنَ
اْخَسِرِينَ﴾ إذ جعلتم ما هو سبب للسعادة سبباً للشقاوة.
﴿فَإِنِ يَصْبِرُواْ﴾ على العذاب. ﴿فَالنَّارُ مَثْوَى لَّمْ﴾ مأوى. ﴿وَإِن
يَسْتَعِْبُواْ﴾ يطلبوا العتبى، أي الرضا. ﴿فَمَا هُم مِّنَ اُلْمُعْتَبِينَ﴾ المرضيين
المجابين إلى ما يطلبون، أي المقبولين عتابهم، يقال: استعتبته فأعتبني، أي
استرضيته فأرضاني، وأعتبني فلان: إذا عاد إلى مسرتي راجعاً عن الإساءة.
﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ هيأنا لهم ويسرنا شياطين الإنس والجن، يستولون
عليهم. ﴿فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا واتباع الشهوات . ﴿ وَمَا
خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة، بقولهم: لا بعث ولا حساب. ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ
اَلْقَوْلُ﴾ ثبت ووجب عليهم القول بالعذاب، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود:
١١٩/١١] وهو القضاء المحتم. ﴿فِىّ أُمَمٍ﴾ في جملة أمم. ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ هلكت.
﴿مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِّ﴾ وهم الذين عملوا مثل عملهم. ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ
خَسِرِينَ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب.
سبب النزول:
نزول الآية (٢٢):
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾: أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن
ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر:

٥٣٦
الُزُ (٢٤) - فُصْلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
قُرَشِيّ وخَتَنَاهُ(١) ثَقَفِيّان - أو ثَقَفِيّ وخَتَناه قرشيان - كثيرٌ شحمُ بطونهم، قليلٌ
فِقْهُ قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع
كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم
يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كلَّه - قال -: فذكرت ذلك للنبي
وَّه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَّ
أَبْصَرُّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾.
المناسبة:
بعد أن بيَّن الله تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفار الجاحدين في الدنيا، أردفه
ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة، ليكون ذلك أتم في الزجر والتحذير. ثم ذكر
تعالى بقوله: ﴿ وَقَيَّصْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ﴾ سبب بقائهم في الكفر. قال الزمخشري:
فإن قلت: كيف جاز أن يقيض لهم القرناء من الشياطين وهو ينهاهم عن اتباع
خطواتهم؟ قلت: معناه: أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر،
فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين، والدليل عليه: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ
الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (﴿٢﴾ [الزخرف: ٣٦/٤٣](٢).
التفسير والبيان:
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (٣)﴾ أي واذكر أيها
الرسول لقومك قريش حال الكفار يوم القيامة ليرتدعوا وينزجروا حين
يساقون جميعاً إلى النار بعنف، بعد إيقاف أولهم ليلحق بهم آخرهم كيلا
يتفرقوا، وليتلاحقوا ويجتمعوا، فتجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال
تعالى: ﴿وَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا
[مريم: ٨٦/١٩] .
(١) الختن: الصهر؛ والثقفي: عبدُ يالِيل، وخَتَناه: ربيعة وصفوان بن أمية.
(٢) الكشاف: ٧٠/٣

٥٣٧
الُزُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
وأعداء الله تعالى: كل من كذب رسله واستكبر عن عبادته. وفي الآية
إشارة إلى جموع الكفار وكثرتهم وإهانتهم في سوقهم.
﴿حََّ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٢٠
أي يوزعون إلى أن يصلوا إلى النار ويقفوا عليها، فيسألون عما
أجرموا، فإذا أنكروا تشهد عليهم جوارحهم بما اقترفت من الشرك والمعاصي
وما عملوا في الدنيا، بأن ينطقها الله بما كتمت الألسن كما أنطق الشجرة،
بأن يخلق فيها كلاماً، والجلود: هي جلودهم المعروفة، وقيل: المراد بالجلود:
الجوارح (الأعضاء) وشهادة الجلود: بالملامسة للحرام وما أشبه ذلك مما
يفضي إليها من المحرَّمات. واقتصر من الحواس الخمس على ثلاث منها وهي
السمع والبصر واللمس، فإن آلة اللمس: هي الجلد، باعتبارها وسائل قوية
للعصيان. أما الذوق فهو داخل في اللمس، وأما الشم فهو حسّ ضعيف في
الإنسان، وليس الله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي. وقوله ﴿سَمْعُهَمْ﴾ مفرد
مضاف فيعم، ويصبح نظير جمع الأبصار والجلود.
فیحدث التعجب من الإنسان، کما حکی تعالی:
﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾.
أي يقول هؤلاء على جهة اللوم والمؤاخذة لأعضائهم وجلودهم حين شهدوا
عليهم: ﴿لِمَ شَهِدَتَّمْ عَلَيْنَا﴾؟ فتجيبهم الأعضاء معتذرين: لقد أنطقنا الله
الذي أنطق كل شيء من مخلوقاته، فإنه كما أنطق الألسن في الدنيا، فكذلك
أنطقنا في الآخرة، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، كما قال تعالى:
﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
[يس: ٣٦ /٦٥] .
٦٥
﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي من قدر على خلقكم
وإنشائکم في ابتداء الأمر، قدر على إعادتكم ورجوعکم إلیه، فإليه المصیر بعد

٥٣٨
الُزُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
الموت، فيحاسب ويجازي كل نفس بما كسبت. وهذا إما تتمة كلام الجلود،
أو من كلام الله تعالى.
أخرج مسلم في صحيحه والبزار وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه
قال: ((كنا عند رسول الله وَله، فضحك، فقال: هل تدرون مِمَّا أضحك؟
قلنا : الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول - أي العبد لربه -
: ألم تُجِرْني من الظلم(١)؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على
نفسي إلا شاهداً مني، قال: يقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً،
وبالكرام الكاتبين شهوداً، قال: فُيُخْتَمُ على فيه (فمه) فيقال لأركانه: انطقي،
فتنطق بأعماله، قال: ثم يُخْلَّ بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بُعْداً لكنّ
وسُحْقاً، فعنكُنّ كنتُ أناضِلُ)) .
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَئِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُّكُمْ ﴾
هذا إما من كلام الجلود أو من كلام الله سبحانه كسابقه أو من كلام الملائكة،
أي ما كنتم تتسترون وتستخفون حين فعل الأعمال القبيحة ومباشرتكم
الفواحش، حذراً أو مخافة من شهادة الجوارح عليكم، بل كنتم تجاهرون
بالكفر والمعاصي.
ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة
المعصية، كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية، خوفاً من هذه الشهادة.
﴿ وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَؤُ كَثِيرًا مِّمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي ولكنكم ظننتم ظناً
مخطئاً أن الله حال ارتكابكم المعاصي لا يعلم كثيراً مما تعملون من المعاصي،
فاجترأتم على فعلها.
(١) هذه رواية مسلم، ورواية البزار: ((يقول: أي ربي، أليس وعدتني ألا تظلمني))؟

٥٣٩
لُ (٢٤) - فُضِلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
وفي الآية إيماء إلى أنه ينبغي للمؤمن أن يفكر دائماً بوجود رقيب عليه.
٢٣
﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ
أي إن ظنكم بأن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، وهو ظن فاسد، جرّأكم على
المعصية، فتسارعتم فيها، وذلك أهلككم وطرحكم في النار، فصرتم من
الخاسرين، إذ جعلتم ما هو سبب للسعادة سبباً للشقاوة.
أخرج أحمد وأبو داود وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:
قال رسول الله وَله: ((لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن بالله الظن، فإن قوماً
قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتُّكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم
بِرَبَّكُمْ أَرْدَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ اٌلْخَسِرِينَ
﴿فَإِن يَصْبِرُواْ فَالنَّارُ مَثْوَى لَّمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ اُلْمُعْنَبِينَ
(4) أي فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، أو لم يصبروا، هم في النار، لا محيد
لهم عنها، ولا خروج لهم منها، فهي مأواهم ومحل استقرارهم، وإن طلبوا أن
يستعتبوا ويبدوا أعذاراً عن ذنوبهم، فما لهم أعذار، ولا يقبل منهم الاعتذار
والاسترضاء؛ لأنهم فارقوا الدنيا التي هي دار العمل والتكليف، قال عليه
الصلاة والسلام فيما ذكره ابن الأثير وغيره عن ابن عباس: ((ولا بعد الموت
من مُسْتَعتَب)) أي ليس بعد الموت من معذرة أو استرضاء؛ لأن الآخرة دار
جزاء، لا دار عمل.
ثم أبان الله تعالى سبب بقائهم في الكفر، فقال:
﴿ وَقَّيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَّةَ فَزَيَّنُواْ لَهُم ◌َّا بَيْنَ أَيَدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي وسلّطنا
عليهم قرناء من شياطين الإنس والجن، فحسَّنوا لهم أعمالهم في الماضي
والمستقبل، وزيَّنوا لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها، وأغروهم
بالمعاصي، وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة، فقالوا: لا بعث ولا
حساب، ولا جنة ولا نار، فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى:

٥٤٠
لِلُ (٢٤) - فُضْلَتْ: ٤١ / ١٩-٢٥
وَإِنَّهُمْ
﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَمُ قَرِينٌ ()
[الزخرف: ٣٦/٤٣-٣٧].
◌َيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ
﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَّ أُمَمِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ إِنَّهُمْ
كَانُواْ خَسِرِينَ﴾ أي وثبت لهم العذاب في جملة أمم كافرة مضت على الكفر
قبلهم، فعلوا كفعلهم من الجن والإنس، فوجب لهم العذاب نفسه، وإنهم
كانوا وإياهم متساوين في الخسارة والدمار، بتكذيبهم وسوء أفعالهم، ولم
يربحوا شيئاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى الأحكام التالية:
اً - يجمع الكافرون جمعاً واحداً يوم القيامة، فيحبس أولهم على آخرهم
حتى يجتمعوا، ثم يساقون ويدفعون جميعاً إلى جهنم.
أَ - إذا جاؤوا إلى النار شهدت عليهم جوارحهم وأسماعهم وأبصارهم
وجلودهم، وهي الجلود المعروفة بأعيانها في قول أكثر المفسرين. وكيفية
الشهادة: أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها، فتشهد كما يشهد الرجل
على ما يعرفه، وهذا هو الظاهر المناسب للآية بعدها، وقيل: أن يظهر على
تلك الأعضاء أمارات وأحوال تدل على صدور تلك الأعمال من الإنسان.
◌َّ - يتعجب الكفار من شهادة أعضائهم عليهم، فيسألونهم: لم شهد تم
علينا، وإنما كنا نجادل عنكم؟ فيجيبون: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء،
فالذي قدر على إحيائكم في المرة الأولى في الدنيا ثم إعادتكم أحياء في الآخرة،
قادر على أن ينطق الجلود وغيرها من الأعضاء.
٤ - يجيبون أيضاً: ما كنتم تستخفون من أنفسكم، حذراً من شهادة
الجوارح عليكم؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله، فيكون
الاستخفاء بمعنى ترك المعصية.