Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
الُ (٢٤) - الرَّيِّزّ: ٣٩ /٤١-٤٨
والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع
إلى الأجساد، أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى
أجسادها.
والأظهر أن النفس والروح شيء واحد كما تقدم، لما دلت عليه الآثار
الصحاح، منها حديث مسلم عن أم سَلَمة قالت: دخل رسول الله وَ لّ على
أبي سَلَمة، وقد شَقَّ بصرُه(١) فأغمضه، ثم قال: ((إن الروح إذا قُبض تبعه
البصر)) وحديث مسلم أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((ألم تروا
الإنسان إذا مات شَخَص بَصرُه، فذلك حين يَتْبَع بصرُه نَفْسَه)).
وحديث ابن ماجه عن النبي وَلّه قال: ((تحضر الملائكة، فإذا كان الرجل
صالحاً، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي
حميدة، وابشري بروح ورَيْجان وربِّ راض غير غضبان، فلا يزال يقال لها
ذلك حتى تخرج، ثم يُّعْرَج بها إلى السماء)) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة
قال: ((إذا خرجت روح المؤمن تلقّاها مَلَكان يصعدان بها)). وقال بلال في
حديث الوادي: ((أخذ بنَفْسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك)).
والصحيح أن الروح: جسم لطيف مشابك للأجسام المحسوسة.
◌َ - إن في قبض الله نفس الميت والنائم، وإرساله نَفْس النائم وحبسه نفس
الميت لدلالات على قدرة الله لقوم يتفكرون في خلق الله.
٤ - لم يتفكر الكفار بنحو صحيح، بل اتخذوا الأصنام شفعاء، مع أنها لا
تملك شيئاً من الشفاعة ولا تعقل؛ لأنها جمادات.
٥ - الله تعالى هو مالك الشفاعة كلها، ومالك السماوات والأرض، وإليه
مصير الخلائق وحسابهم يوم البعث والمعاد.
(١) أي انفتح.

٣٤٢
لِلُعُ (٢٤) - الدُّصَرّ: ٣٩ /٤٩-٥٢
أَ - تميز المشركون بالجهل والحماقة، فإذا ذكر الله وحده دون أصنامهم
انقبضوا ونفروا، وإذا ذكرت الأوثان ظهر في وجوههم البشر والسرور.
لا - الله تعالى مبدع السماوات والأرض على غير مثال سبق، وعالم الغيب
والشهادة، أي السر والعلانية، والحاكم الفصل بين العباد في خلافاتهم
الدنيوية.
٨ - لو ملك المكذبون المشركون جميع ما في الأرض من أموال وثروات
لقدموه فداء رخيصاً لافتداء أنفسهم من سوء عذاب يوم القيامة.
ـة - يفاجأ الكفار بأنواع من العقاب لم تخطر ببالهم، ولا جرى تقديرها في
حسابهم.
· اَ - يظهر للكفار يوم القيامة آثار المحارم والآثام والكفر والمعاصي، من
ألوان العقاب، ويحيط بهم وينزل جزاء ما كانوا به يستهزئون في الدنيا من
الإنذارات والبعث والعذاب والحساب الشديد.
دعاء الإنسان عند الضر وجحوده عند النعمة
وإعلامه بأن الرزق بيد الله
﴿فَإِذَا مَسَ أَلْإِنسَنَ ضُرٌ دَعَانًا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِتُهُ عَلَى
عِلَّمَّ بَلّ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَّ
أَغْنَى عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَفِئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ
هَؤُلاءِ سَيُصِيُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ﴿٨َ أَوَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ
يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرٌ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ
٥٢
البلاغة:
( يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرٌ﴾ بينهما طبـ

٣٤٣
الجُزُ (٢٤) - الرُّفِزّ: ٣٩ /٤٩-٥٢
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذَا مَسَ اُلْإِنسَنَ ضُرٌ﴾ أي أصاب جنس الإنسان، وهو معطوف على
قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ لبيان تناقضهم، بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر
الله وحده، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مسهم ضرّ، دعوا من اشمأزوا من
ذكره، دون من استبشروا بذكره، وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك
عليهم.
خَوَّلْنَهُ﴾ أعطيناه وملكناه تفضلاً ﴿نِعْمَةً﴾ إنعاماً ﴿عَلَى عِلَّمْ﴾ على علم
مني بوجوه كسبه، أو علم من الله بأني له أهل ومستحق، وضمير ﴿أُوْتِيتُهُ﴾
عائد على النعمة، وذكّر الضمير؛ لأن المراد شيء من النعمة ﴿بَلّ هِىَ فِتْنَةٌ﴾
أي بل النعمة امتحان له، أيشكر أم يكفر، وتأنيث هي مراعاة للفظ النعمة
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن تخويل النعمة استدراج وامتحان. وهو دليل على
أن المراد بالإنسان الجنس.
﴿قَدّ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم كقارون وقومه الراضين بها، وأنث
ضمير ﴿قَالَهَا﴾ لأن المراد هو الجملة أو الكلمة التي هي: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى
عِلْمٍ﴾ . ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ
مَا كَسَبُواْ﴾ جزاء سيئات أعمالهم وجزاء أعمالهم، وسماه سيئة؛ لأنه في مقابلة
أعمالهم السيئة، رمزاً إلى أن جميع أعمالهم كذلك ﴿ وَالَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بالعتوّ
﴿مِنْ هَؤُلاءِ﴾ المشركين، و﴿مِنْ﴾ للبيان، أو للتبعيض ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا
كَسَبُواْ﴾ جزاء كسبهم كما أصاب أولئك، وقد أصابهم، فإنهم قحطوا سبع
سنين، وقتل صناديدهم في بدر ﴿وَمَا هُم بِمُعْجِرِينَ﴾ بفائتين عذابنا.
﴿يَبْسُطُ الْرِزْقَ﴾ يوسعه ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ امتحاناً ﴿وَيَقْدِرٌ﴾ يضيقه لمن يشاء
ابتلاء ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بأن الحوادث كلها من الله، سواء
بالبسط أو بالتضييق.

٣٤٤
الزُعُ (٢٤) - الزُِّزّ: ٣٩ / ٤٩-٥٢
المناسبة:
بعد أن حكى الله تعالى بعض قبائح المشركين، أتبعه بحكاية نوع آخر من
القبائح، وهو أنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى
الله تعالى، وفي حال النعمة وهي السعة في المال أو العافية في النفس، يزعمون
أن حصول ذلك بكسبهم وجهدهم وجِدّهم، وهذا تناقض قبيح صارخ.
والحقيقة أن ما أوتوه من النعمة فتنة واختبار ليعرف شكرهم أو كفرهم، وأما
مقالتهم فهي قديمة قالها كثير قبلهم كقارون وغيره.
ثم أبان تعالى أن الله وحده مصدر الرزق، يوسعه لمن يشاء، ويضيقه على
من يشاء، بدليل اختلاف الناس في سعة الرزق وضيقه، سواء من المؤمنين
والكافرين، وليس جمع الثروة أو ضعفها بعقل الرجل وجهله، أو كياسته
وخبرته وغباوته، وإنما بتوفيق الله وتيسيره.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن سوء طبع الإنسان وحاله، فيقول:
﴿فَإِذَا مَسَّ اُلْإِنسَنَ ضُرُّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى
عِلَّمَّ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾﴾ أي إذا أصاب الإنسان
المشرك وغيره ضر من فقر أو مرض أو غيرهما، تضرع إلى الله عز وجل،
واستعان به لكشف الضر عنه، وإذا أعطاه الله نعمة من مال أو جاه أو
غيرهما، بغى وطغى، وقال: إنما أعطيته على علم ومهارة مني بوجوه
المكاسب، أو لما يعلم الله تعالى من استحقاقي وتأهلي له. قيل: نزلت في حُذَيفة
ابن المغيرة.
والحقيقة: ليس الإعطاء لما ذكرتَ، وليس الأمر كما زعمتَ، بل هو محنة
لك، واختبار لحالك، وقد أنعمنا عليك بهذه النعمة لنختبرك فيما أنعمنا

٣٤٥
لُزُ (٢٤) - الرُّفِزّ: ٣٩ / ٤٩-٥٢
عليك، أتشكر أم تكفر؟ أتطيع أم تعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك، ولكن أكثر
الناس لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم من الله، وامتحان لما عندهم منٍ
الشكر أو الكفر، فلهذا يقولون ما يقولون، ويدّعون ما يدّعون.
ويلاحظ أن لفظ النعمة مؤنث، ومعناه مذكرٍ، لذا حينما قال: ﴿بَلْ هِىَ
فِتْنَةٌ﴾ راعى التأنيث، وحينما قال: ﴿إِنَّمَآ أَوْتِبِتُهُ﴾ راعى التذكير، وكلا
الأمرین جائز.
ثم أوضح الله تعالى قِدَم مقالتهم وسبقهم بها، فقال:
﴿فَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (®﴾ أي قد
قال هذه المقالة أو الكلمة، وهي قولهم: ﴿إِنَّمَا أَوِيتُهُ عَلَى عِلَّمٍ﴾ وزعم هذا
الزعم، وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم، كقارون وغيره، فما
صحَّ قولهم، ولم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئاً، ولا نفعهم جمعهم
المال الكثير، لذا قال تعالى:
﴿فَأَصَابَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أي فحلَّ بهم جزاء سيئات ما كسبوا
ج
من الأعمال، فعوقبوا في الدنيا كالخسف بقارون وبداره الأرض،
وسيعاقبون أشد العذاب في الآخرة. ونظير الآية قوله تعالى عن قارون:
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ عَى عِلْمٍ عِندِيَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ،
مِنَ اُلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
اُلْمُجْرِمُونَ
(٧٨) ﴾ [القصص: ٧٨/٢٨].
﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
وقوله سبحانه :
﴾ [سبأ: ٣٥/٣٤].
ثم هدّد الله تعالى وأوعد مشركي مكة بعقاب مماثل، فقال:
﴿ وَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾

٣٤٦
الُعُ (٢٤) - الزُّهَزّ: ٣٩ / ٤٩-٥٢
أي والذين ظلموا من هؤلاء الموجودين من الكفار، ومنهم مشركو مكة،
سيصيبهم أيضاً وبال كسبهم الأعمال المنكرة، كما أصاب من قبلهم، من
القحط والقتل والأسر والقهر، وما هم بفائتين على الله، هرباً يوم القيامة، بل
مرجعهم إليه، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة، ودليل قدرته العظمى ما قال:
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾﴾ أي أو لم ير هؤلاء المشركون أن الله يوسع الرزق لمن يشاء
توسعته له، ويقبضه لمن يشاء قبضه وتضييقه عليه، إن في ذلك لدلالات
عظيمة وعلامات مؤثّرة لقوم يؤمنون بالله وحده وبسلطانه وبقدرته. وقد خصَّ
المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون بالآيات.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اً - إن حال الإنسان قلق مضطرب، لا وفاء عنده، ولا ثبات لديه على
المبدأ، فتراه عند الشدة يستجير بالله ويستغيث به لينجو من محنته، وعند النعمة
يبغي ويطغى ويبطر ويزعم أن النعمة بجهده ومهارته واستحقاقه وأهليته لها.
أَ - الحق أن الثروة والغنى والفقر ليست ميزان قربى العبد من ربه، فقد
يمنح الله المؤمن ويمنع الكافر، وقد يفعل العكس، لحكمة بالغة له في ذلك،
والنعمة مع الكفر والمعصية استدراج وابتلاء واختبار، ليعرف كون العبد
شاكراً أم جاحداً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن إعطاءهم المال اختبار.
◌َّ - لقد زعم كثير من الناس قديماً وحديثاً أن إعطاءهم المال لعلم ومهارة
لديهم، وعلم من الله باستحقاقهم، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من
عذاب الله شيئاً، وأصابهم جزاء سيئات أعمالهم، وسيصيب الذين أشركوا
من أمة النبي ◌َّ ومن كل الأمم جزاء كسبهم في الدنيا بالجوع والقتل مثلاً،
وفي الآخرة بعذاب جهنم، وما هم بفائتين الله ولا سابقيه.

٣٤٧
الجُزءُ (٢٤) - الزُّفِزّ: ٣٩ / ٥٣-٥٩
٤ - إن الله تعالى وحده هو مصدر الرزق، يمنح منه ما يشاء، ويمنعه عمن
يشاء، وفي ذلك عبرة للمؤمنين؛ وخصَّ المؤمن بالذكر؛ لأنه هو الذي يتدبر
الآيات وينتفع بها، ويعلم أن سعة الرزق قد تكون استدراجاً، وتقتيره رفعة
وإعظاماً.
مغفرة الذنوب بالتوبة وإخلاص العمل
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿﴿ وَأَنِبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ
وَأَنَّبِعُوْ أَحْسَنَ مَآ أُنْزِلَ
٥٤
مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ
إِلَيْكُم مِّن زَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَكُمُ اٌلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَنَ عَ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ
٥٥
ـةَ أَوْ
اُلسَّخِرِينَ ﴿﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ
تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
بلی قَدْ
٥٨
جَآءَتْكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
٥٩
القراءات:
﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ﴾: قرئ:
١- (ياعبادي الذين) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم.
٢- (ياعبادي الذين) وهي قراءة الباقين.
﴿لَا نَقْنَّطُواْ﴾:
وقرأ أبو عمرو، والكسائي (لا تَقْنِطوا).
الإعراب:
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَنَى﴾: ﴿أَنْ﴾ وصلتها: في موضع نصب، مفعول
لأجله.
٠

٣٤٨
الزُحُ (٢٤) - الزُّفَرّ: ٣٩ /٥٣-٥٩
﴿بَلَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِ﴾ جواب قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى
لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ والجواب ب﴿بَلَى﴾ لأنها تأتي في جواب النفي؛ لأن
المعنى: ما هداني الله وما كنت من المتقين، فقيل له: ﴿بَلَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِى
فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ﴾، فلولا أن معنى الكلام النفي، وإلا لما وقعت
﴿بَلَى)
في جوابه . ﴿ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ﴾ ﴿وَإِن﴾: مخففة من الثقيلة.
البلاغة:
آيَة ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ فيها: إقباله تعالى على خلقه ونداؤه لهم،
وإضافة عباد إليه للتشريف، والتفات من التكلم إلى الغيبة، إذ الأصل:
تسرفوا، ولا تقنطوا من رحمتي، وإضافة الرحمة في قوله ﴿مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى
الله باعتبار لفظ الجلالة جامعاً لجميع الأسماء والصفات، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ
اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جملة معرَّفة الطرفين، مؤكدة بإن وضمير الفصل، وقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ﴾ وضع فيه الاسم الظاهر موضع الضمير؛ لدلالته على أنه
المستغني والمنعم على الإطلاق.
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَنَى عَلَى مَا فَرَّطَتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ قوله: ﴿جَنْبٍ
اُللَّهِ﴾: كناية عن حق الله وطاعته.
المفردات اللغوية:
يَعِبَادِىَ﴾ هذه الإضافة مخصوصة بالمؤمنين في عرف القرآن.
﴿ أَسْرَفُواْ﴾ أي تجاوزوا الحد في أفعالهم، بالإسراف أو الإفراط في المعاصي
﴿لَا نَقْنَطُواْ﴾ لا تيأسوا من مغفرته وتفضله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾
عفواً منه، ولو بعد تعذيب، وتقييد المغفرة بالتوبة خلاف الظاهر، كما قال.
البيضاوي، ويدل على إطلاقها فيما عدا الشرك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَن يُشْرَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨/٤] والتعليل بقوله هنا :

٣٤٩
لُعُ (٢٤) - الرُِّزّ: ٣٩ / ٥٣-٥٩
﴿إِنَّهُ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ على المبالغة وإفادة الحصر، والوعد بالرحمة بعد
المغفرة. لكن هذا متروك لمشيئة الله وتفضله، وليس هو القانون العام.
﴿وَأَبِيبُواْ﴾ ارجعوا وتوبوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ﴾ أخلصوا العمل ﴿لَهُ مِن
قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ﴾ بمنعه، إن لم تتوبوا، وذكر الإنابة
بعد المغفرة لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة، وللدلالة على أنها شرط
فيها لازم، لا تحصل بدونه، كما قال الزمخشري، أي إن المغفرة لا تحصل
لكل أحد من غير ثوبة وإخلاص في العمل، وهو القانون العام.
﴿وَأَتَّبِعُوْ أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم﴾ وهو القرآن ﴿بَغْنَةٌ﴾
فجأة ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ بمجيئه، فتتداركون التقصير في الأعمال ﴿أَنْ تَقُولَ
نَفْسُ﴾ كراهة أن تقول نفس، وتنكير نفس لأن القائل بعض الأنفس، أو
للتكثير ﴿بَحَسْرَى﴾ أي يا حسرتي وندامتي ﴿فَرَّطَتُ﴾ قصرت ﴿فِی جَنْبٍ
اللَّهِ﴾ جانبه أي طاعته وعبادته وطلب مرضاته ﴿وَإِنِ﴾ وإني ﴿اُلسَّخِرِينَ﴾
المستهزئين بدينه وكتابه وأهله.
﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَينِ﴾ بالطاعة والإرشاد إلى الحق فاهتديت
اُلْمُنَّقِينَ﴾ عذابه، باتقاء الشرك والمعاصي ﴿كَرَّةَ﴾ رجعة إلى الدنيا
﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المؤمنين الذين أحسنوا العقيدة والعمل ﴿بَلَى قَدْ
جَآءَتْكَ ءَايَتٍِ﴾ القرآن، وهو سبب الهداية، وهو ردّ من الله على القائل: ﴿لَوْ
أَشَّ اللَّهَ هَدَنِ﴾ الذي في قوله معنى النفي أي أن ﴿بَلَ﴾ حرف لا یجاب به
إلا بعد النفي. ﴿ وَأَسْتَكْبَرْتَ﴾ تكبرت عن الإيمان بها. وتذكير الخطاب على
المعنى، وقرئ بالتأنيث عوداً للنفس.
سبب النزول:
نزول الآية (٥٣):
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾: أخرج الشيخان: البخاري ومسلم، وأبو

٣٥٠
الجُرُ (٢٤) - الزَُّزّ: ٣٩/ ٥٣-٥٩
داود والنسائي عن ابن عباس: أن ناساً من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنَوا
فأكثروا، ثم أتوا محمداً بَّر، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، أو
تخبرنا أن لنا توبة - أو أنْ لِما عَمِلنا كفارة -؟ فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠/٢٥] ونزل:
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية.
والمراد من آيات الفرقان: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾
الآية.
وأخرج الإمام أحمد عن ثَوْبان مولى رسول الله وَلاه قال: سمعت رسول الله
وَلَه يقول: ((ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، فقال رجل: يا رسول الله، فمن أشرك؟ فسكت
النبي ◌ََّ، ثم قال: ((ألا، ومن أشرك - ثلاث مرات)).
وأخرج أحمد أيضاً عن عَمْرو بن عَنْبَسة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى
النبي ◌َّ شيخ كبير، يدعم على عصاً له، فقال: يا رسول الله، إن لي غَدَرات
وفَجَرات، فهل يُغْفَر لي؟ فقال ◌َله: ((ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال:
بلى، وأشهد أنك رسول الله، فقال ◌َله: قد غفر لك غَدَراتِك وفَجَراتك)).
وأخرج الحاكم والطبراني عن ابن عمر قال: كنا نقول: ما لُفْتَتن توبة، إذا
ترك دينه بعد إسلامه ومعرفته، فلما قدم رسول الله صل# المدينة، أنزل فيهم:
﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن مَرْدُويه عن ابن عباس قال: إن أهل مكة قالوا:
يزعم محمد أن من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس التي حرم
الله، لم يُغْفَر له، فكيف نهاجر ونسلم، وقد عبدنا الآلهة، وقتلنا النفس، ونحن
أهل شرك؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ﴾ الآية.

٣٥١
الُ (٢٤) - الرَّّزّ: ٣٩ / ٥٣-٥٩
المناسبة:
بعد أن أوعد الله تعالى الكافرين بشتى أنواع الوعيد، أردفه ببيان كمال
رحمته وفضله وإحسانه في حق عباده المؤمنين، بغفران ذنوبهم إذا تابوا وأنابوا
إليه وأخلصوا العمل له، لترغيب الكفار في الإيمان بالله تعالى وترك الضلال،
وكثيراً ما تأتي آيات الرحمة مع آيات النقمة ليرجو العبد ويخاف. قال أبو
حيان: وهذه الآية: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ﴾ عامة في كل كافر يتوب ومؤمن عاص
يتوب، تمحو الذنبَ توبته.
التفسير والبيان:
قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ أَنفُسِهِمْ لَ نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي قل أيها الرسول: يا
عباد الله الذين أفرطوا في المعاصي واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله
تعالى، فإن الله يغفر كل ذنب إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه؛ لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء:
٤٨/٤] إن الله كثير المغفرة والرحمة، فلا يعاقب بعد التوبة. قال ابن كثير: هذه
الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة،
وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها، ورجع عنها،
وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل
هذه على غير توبة؛ لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه(١).
وقال الشوكاني: وهذه الآية أرجى آية في كتاب الله، لاشتمالها على أعظم
بشارة، فإنه أولاً أضاف العباد إلى نفسه، لقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم
وصفهم بالإسراف في المعاصي والاستكثار من الذنوب، ثم عقَّب ذلك بالنهي
(١) تفسير ابن كثير: ٥٨/٤

٣٥٢
الجزءُ (٢٤) - الزُّفَزّ: ٣٩ /٥٣-٥٩
عن القنوط من الرحمة لهؤلاء المستكثرين من الذنوب، فالنهي عن القنوط
للمذنبين غير المسرفين من باب الأولى وبفحوى الخطاب، ثم جاء بما لا يبقى
بعده شك: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾.
وتقييد المغفرة بالتوبة والإنابة وإخلاص العمل مأخوذ من الآية التالية:
﴿ وَأَنِيِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ﴾ الآية ومن الأحاديث المتقدمة في سبب النزول، فباب
الرحمة واسع، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾
[التوبة: ١٠٤/٩] وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ
[النساء: ٤ /١١٠] .
اُللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (هَذَا)
أخرج الطبراني عن سُنَيد بن شَكَل قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن
أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥/٢]
ج
و[آل عمران ٢/٣]. وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاْلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠/١٦]. وإن أكثر آية في القرآن فرجاً في سورة الغُرَف
(أي الزمر): ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ
الَّهِ﴾. وإن أشد آية في كتاب الله تفويضاً: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ،
وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ﴾ [الطلاق: ٢/٦٥-٣] فقال له مسروق: صدقت(١).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي الكنود قال: مَرّ عبد الله - يعني ابن مسعود -
رضي الله عنه على قاض، وهو يذكّر الناس، فقال: يا مذكّر، لم تقنطُ الناس
من رحمة الله؟ ثم قرأ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِنْ
رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾.
ثم ذكر الله تعالى تقييد المغفرة بشرطين، فقال:
أَ - الإنابة والتوبة ﴿وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
-
-
(١) تفسير ابن كثير: ٥٩/٤

٣٥٣
الُزُ (٢٤) - الزُّفِرّ: ٣٩ / ٥٣-٥٩
لا
الْعَذَابُ
أي ارجعوا إلى الله بالتوبة والطاعة،
30
تَنَصَرُونَ
ثم
واجتناب المعاصي، والاستسلام لأمره، والخضوع لحكمه، من قبل مجيء
عذاب الدنيا بالموت، ثم لا تجدوا نصيراً ولا معيناً يمنع عذابه عنكم، أي قبل
حلول النقمة.
أَ - اتباع القرآن: ﴿ وَأَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَنْ
يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْنَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (@)﴾ أي واتبعوا القرآن، أحلوا
حلاله، وحرموا حرامه، والتزموا طاعته واجتنبوا معاصيه، أي اتبعوا أوامر
الله واجتنبوا نواهيه، والقرآن كله حسن.
وذلك من قبل مجيء العذاب فجأة، وأنتم غافلون عنه، لا تشعرون به.
وهذا تهدید ووعيد شديد واضح.
ثم حذر الله تعالى من التعلل بالأماني والتحسر على الماضي في وقت لا ينفع
فيه ذلك، فقال :
اً - ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ
اُلسَّخِرِينَ ﴾﴾ أي بادروا إلى التوبة والعمل الصالح، واحذروا أن تقول
نفس مجرمة مفرطة في التوبة والإنابة: يا ندامتي وحسرتي على تقصيري في
الإيمان بالله، وطاعته، وبالقرآن والعمل به، وإنما كان عملي في الدنيا عمل
ساخر مستهزئ بدين الله وكتابه وبرسوله وبالمؤمنين، غير موقن ولا مصدّق
بشيء من ذلك.
(6) أي أو
اً - ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
أن تقول: لو أن الله أرشدني إلى دينه، لكنت ممن يتقي الله، ويجتنب الشرك
والمعاصي.
◌َّ - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ

٣٥٤
الْجُزْءُ (٢٤) - الزُّفَثِرّ: ٣٩ / ٥٣-٥٩
اُلْمُحْسِنِينَ ﴿6﴾ أي أو أن تقول حين معاينة العذاب: ليت لي رجعة أخرى
إلى الدنيا، فأكون من المؤمنين بالله، الموحّدين له، المحسنين في أعمالهم،
وبإيجاز: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل.
فردّ الله تعالى بقوله :
﴿بَلَ قَدْ جَاءَتْكَ ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرَّتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
(4) أي نعم، لقد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي المنزلة في .
القرآن في الدار الدنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها، واستكبرت عن
اتباعها، وكنت من الجاحدين لها، والمعنى: قد كنت متمكناً من التصديق
والمتابعة، فلماذا تطلب الرجعة إلى الدنيا الآن؟! ولن تنفعك الرجعة ولا
فائدة منها لقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨/٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات الأحكام التالية:
ا - إن الله تعالى أن يغفر جميع الذنوب الصادرة من المؤمنين، ويعفو عن
الكبائر منها أيضاً. وهذا متروك لمشيئة الله وفضله.
أَ - يغفر الله تعالى الذنوب بالتوبة من الشرك والكفر والمعاصي، والإنابة
والرجوع إلى الله بالإخلاص والعمل الصالح، والخضوع له والطاعة لأوامره
واجتناب نواهيه.
ومحل ذلك كله في الدنيا قبل مجيء العذاب بالموت، وتعذر التخلص منه،
أو المنع منه بناصر أو معين.
◌َّ - العمل: هو اتباع القرآن العظيم، بإحلال حلاله، وتحريم حرامه،
والتزام أوامره وطاعته، واجتناب نواهيه ومعصيته. ويلاحظ أنه تعالى لما وعد
بالمغفرة أمر بعد هذا الوعد بشيئين:

٣٥٥
لُعُ (٢٤) - الرُِّزّ: ٣٩ /٦٠-٦١
الأول: الإنابة والتوبة.
الثاني: متابعة الأحسن، وهو القرآن، كما قال: ﴿اَللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
اَلْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩] والقرآن كله حسن، واتباعه: العمل بما أمر الله في
كتابه، واجتناب معصيته.
٤ - يأتي المقصر يوم القيامة بثلاثة أشياء:
أولها - الحسرة على التفريط في الطاعة، وأنه ما كان إلا من المستهزئين
بالقرآن وبالرسول وبأولياء الله المؤمنين في الدنيا.
ثانيها - التعلل بفقد الهداية، وهذا قريب من احتجاج المشركين فيما أخبر
الله عنه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ لَوَ شَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا
مِنْ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨/٢] فهي كلمة حق أريد بها باطل.
ثالثها - تمني الرجعة إلى الدنيا، كما قال: ﴿حَتَّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ
لَعَلِّيِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَّكْثُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَاْ
٩٩
رَبِّ ارْجِعُونِ
[المؤمنون: ٢٣ /٩٩ -١٠٠].
٥ - أجاب الله تعالى عن كلامهم بأن قال: التعلل بفقد الهداية باطل؛ لأن
الهداية كانت حاضرة، والأعذار زائلة، ولكن العبد كذب بالقرآن، وتكبر
عن اتباع آياته، وكان من الكافرين بها، الجاحدين لها.
حال المشركين المكذبين وحال المتقين يوم القيامة
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى
وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُهُمُ
جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْمُتَكَبِينَ ﴾
السُّهُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

٣٥٦
لُرُ (٢٤) - الزُّفَيَزّ: ٣٩ /٦٠-٦١
القراءات:
بِمَفَازَتِهِمْ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (بمفازاتهم).
الإعراب:
﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةُ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول
﴿تَرَى﴾ و﴿وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾: جملة اسمية في موضع نصب على الحال،
واستغني عن الواو لمكان الضمير في قوله: ﴿وُجُوهُهُم﴾. ولو نصب
﴿وُجُوهُهُم﴾ على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾ لكان جائزاً حسناً.
لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ حال، أو استئناف لبيان المفازة.
المفردات اللغوية:
﴿كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ بنسبة الولد والشريك إليه ﴿وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةُ﴾ لما
ينالهم من الشدة، ويعتريهم من الذل والحسرة ﴿مَثَّوَى﴾ مقام أو مأوى
﴿لِلْمُتَكَبِينَ﴾ عن الإيمان والطاعة. والاستفهام: ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَى
لِلْمُتَكَبِرِينَ﴾ تقرير وإثبات لأنهم يُرون كذلك.
وَيُنَجِّى اللَّهُ﴾ من جهنم ﴿الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ﴾ الشرك الذي هو الكذب على الله
﴿بِمَفَازَيِّهِمْ﴾ بفوزهم بالجنة وفلاحهم، بأن يجعلوا في الجنة، وتفسيرها
بالسعادة والعمل الصالح إطلاق لها على السبب، فإن سبب منجاتهم العمل
الصالح، ويجوز أن يسمى العمل الصالح بنفسه مفازة؛ لأنه سببها.
المناسبة:
بعد وعيد المشركين بما سبق من أهوال القيامة، ووعد المتقين بالعفو
والمغفرة والنعيم، ذكر الله تعالى نوعاً آخر من الوعيد والوعد، وهو حال

٣٥٧
لالُ (٢٤) - الزُِّّزْ: ٣٩ /٦٠-٦١
الفريقين يوم القيامة، حال المكذبين، وحال المتقين، فتسودُّ وجوه الفريق
الأول، وتبيضُ وجوه الفريق الثاني.
التفسير والبيان:
﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِى
جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِّينَ ﴾﴾ أي واذكر أيها الرسول خبراً مهماً هو حین ترى
يوم القيامة الذين كذبوا على الله في دعواهم له شريكاً وصاحبة وولداً،
وجوههم مسودة بكذبهم وافترائهم، لما أحدق بهم من شدة وحزن وكآبة، ولما
شاهدوه من العذاب وغضب الله ونقمته.
إن في جهنم مسكناً ومقاماً للمتكبرين عن طاعة الله، الذين أبوا الانقياد
للحق. والكبر: هو بطر الحق وغمط الناس، كما في الحديث الصحيح. وفي
حديث آخر أخرجه أحمد والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّى:
((يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذَّرّ في صور الرجال يغشاهم الذل من
كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم .. )) .
﴿وَيُنَجِى اللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْهُ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ
هذا حال الفريق الآخر في مواجهة فريق المشركين المكذبين، وهو أن
الله ينجي الذين اتقوا الشرك ومعاصي الله من عذاب جهنم، ينجيهم بفوزهم،
أي بنجاتهم من النار، وفوزهم بالجنة، وينفي السوء والحزن عنهم يوم
القيامة، بل هم آمنون من كل فزع.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيتان على شيئين:
الأول - اسوداد وجوه الكفار المشركين الذين كذبوا على الله بنسبة الشريك
والولد إليه، مما أحاط بهم من غضب الله ونقمته، والزج بهم في نار جهنم،
في أشد حالات الذل والمهانة والصغار.

٣٥٨
الْجُزُ (٢٤) - الرُّفَِّزّ: ٣٩ /٦٢-٦٧
الثاني - نجاة المتقين الشركَ والمعاصي من النار، وفوزهم بالجنة. والآية
الثانية في شأنهم تدل على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب يوم القيامة،
وتأكد هذا بقولهم: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣/٢١].
وقد فسر النبي ◌ِّ هذه الآية في حديث أبي هريرة، قال: ((يَحْشُرُ الله مع كل
امرئ عمله، فيكون عمل المؤمن معه في أحسن صورة، وأطيب ريح، فكلما
كان رُعْبٌ أو خَوْف، قال له: لا تُرَع، فما أنت بالمراد به، ولا أنت بالمعنّ
به، فإذا كثر ذلك عليه قال: فما أحسنك! فمن أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ أنا
عملك الصالح، حملتني على ثِقَلي، فوالله لأحملنك، ولأدفعنّ عنك، فهي التي
قال الله: ﴿وَيُنَجِى اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ الشُّهُ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ
دلائل الألوهية والتوحيد
]َ لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ
﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ
قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ
وَالْأَرْضِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَايَتِ اللَّهِ أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَتَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ
٦٤
تَأْمُرُوَنِيّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ
الشَّاكِرِينَ
وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبَضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٦٦
٦٧
وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
القراءات:
﴿تَأْمُرُوَّنِيِّ أَعْبُدُ﴾: قرئ:
١- (تأمرونيَ أعبد) وهي قراءة نافع.
٢- (تأمرونّيَ أعبد) وهي قراءة ابن كثير.

٣٥٩
لِلُُ (٢٤) - الزَُّزّ: ٣٩ / ٦٢-٦٧
٣- (تأمرونني أعبد) وهي قراءة ابن عامر.
٤- (تأمرونّيْ أعبد) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ﴾؟ (غير): إما منصوب بـ﴿أَعْبُدُ﴾ أي أعبد غير الله فيما
تأمروني به، وإما منصوب بـ﴿ تَأْمُرُوَنِّ﴾ لأنه يقتضي مفعولين. الثاني منهما
بحرف جر، كقولك: أمرتك الخير، أي بالخير، فالياء: هي المفعول الأول،
وغير: مفعول ثان. وأعبد: في موضع البدل من (غير) تقديره: أتأمروني بغير
الله أن أعبد.
﴿بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ﴾ ﴿اللَّهَ﴾: منصوب بـ ﴿أَعْبُدُ﴾ أو منصوب بتقدير فعل،
أي بل اعبد الله فاعبد. والفاء: زائدة عند الأخفش، وغير زائدة عند غيره.
﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ ﴿ وَالْأَرْضُ﴾: مبتدأ، و﴿قَبْضَتُُّ﴾:
خبره، و﴿جَمِيعًا﴾: حال.
البلاغة:
﴿لَّهُ مَقَالِدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ﴾ استعارة، شبه الخيرات والبركات
والأرزاق بخزائن، واستعار لها لفظ المقاليد أي المفاتيح، والمعنى: خزائن
رحمته وفضله بیده تعالی.
﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَنُ مَطْوِيَتُ بِمِينِهِ،﴾
استعارة تمثيلية، مثّل لعظمته وكمال قدرته وحقارة السماوات والأرض
بالنسبة إلى القدرة بمن قبض شيئاً عظيماً بكفه، وطوى السماوات بيمينه
بطريق الاستعارة التمثيلية.
المفردات اللغوية:
﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من خير وشر وإيمان وكفر ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ

٣٦٠
الُهُ (٢٤) - الزُّفَرّ: ٣٩ / ٦٢-٦٧
وَكِيلٌ﴾ قيّم يتولى التصرف فيه ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ مفاتيح خزائنها
من المطر والنبات وغيرهما، لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها
غيره، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ﴾ القرآن
ودلائل قدرة الله ﴿أُوْلَِّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أنفسهم، وهذا عائد على فريق
المكذبين الذين نسبوا إلى الله ولداً وشريكاً، وما قبله اعتراض للدلالة على أنه
مهيمن على العباد، مطلع على أفعالهم، مجاز عليها.
﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوّنّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ﴾ أي أفغير الله أعبد بعد
هذه الدلائل والمواعيد، و﴿تَأْمُرُوَّنِ﴾ اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به
عقيب ذلك. وقرئ (تأمروني) بتخفيف النون، مثل: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي
تبشرونني.
﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ كلام
على سبيل الفرض، والمراد به تهييج الرسل، وإقناط الكفرة، وتنبيه الأمة.
وأفرد الخطاب: باعتبار كل واحد. واللام الأولى: موطئَة للقسم،
والأخيرتان للجواب. وعطف الخسران على إحباط الأعمال: من عطف
المسبب على السبب. و﴿ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ليذهبن هباء منثوراً. والإحباط:
الإبطال.
﴿بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ﴾ ردّ لما أمروه به ﴿وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ إنعامه عليك
﴿وَمَا فَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِء﴾ ما عظّموه حق التعظيم اللائق به، حيث جعلوا له
شريكاً ووصفوه بما لا يليق به ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ أي الأراضي السبع
﴿ قَبْضَتُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ مقبوضة له في ملكه وتصرفه، والقبضة: المرة من
القبض ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّاتٌ بَِمِينِهِ﴾ مجموعات بقدرته. وهذه الآية تنبيه
على عظمة الله وكمال قدرته وحقارة الأجرام العظام بالنسبة لقدرته، وفيها
دلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه. والآية على طريقة التمثيل