Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الزرعُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٥٥-٦٤
المفردات اللغوية:
﴿لِلَّغِينَ﴾ الكفار الذين كذبوا بالله ورسله، وتجاوزوا حدود الله.
﴿مَثَابٍ﴾ مرجع ومصير. ﴿يَصْلَوَّنَهَا﴾ يدخلونها ﴿الْمِهَادُ﴾ الفراش. ﴿هَذَا﴾
العذاب، المفهوم مما بعده. ﴿حَمِيمٌ﴾ ماء شديد الحرارة. ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ شديد
البرودة، وهو ما يسيل من صديد أهل النار. ﴿ وَءَاخَرُ﴾ أي وعذاب آخر،
وقرئ: ((وأخر)) بالجمع، أي وأنواع عذاب آخر. ﴿مِن شَكْلِهِ﴾ مثل المذوق
في الشدة والكراهية، أو مثل المذكور من الحميم والغساق. ﴿أَزْوَجُ﴾ أصناف
أو أجناس عذابهم.
﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار، والفوج: الجمع الكثير
من أتباع الضلال . ﴿مُقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ داخل معكم النار بشدة﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ)
أي لا سعة عليهم ولا ترحيب بهم، وهذا ما يقوله الرؤساء لأتباعهم . (صَالُوا
النَّارِ﴾ داخلون النار بأعمالهم مثلنا. ﴿قَالُواْ بَلْ أَنْتُمُ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ قال الأتباع
للرؤساء: بل أنتم أحق بما قلتم . ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أي الكفر. ﴿فَتْسَ
اُلْقَرَارُ﴾ المقر وهو جهنم، فلنا ولكم النار.
﴿قَالُواْ﴾ أي الأتباع أيضاً. ﴿عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مضاعفاً أي ذا ضعف، بأن
يزيد على العذاب مثله، فيصير ضعفين، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ
مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب: ٦٨/٣٣]. ﴿وَقَالُواْ﴾ أي الرؤساء الطاغون، وهم في
النار . ﴿مِّنَ اٌلْأَشْرَارِ﴾ الأراذل الذين لا خير فيهم، يريدون بهم فقراء المسلمين
الذين يحتقرونهم ويسترذلونهم ويسخرون بهم . ﴿أَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّا﴾ استفهام
إنكاري، إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في تسخيرهم في الدنيا، أي الأجل أنا
قد اتخذناهم مسخرين في أعمالنا، ولم يكونوا كذلك، لم يدخلوا النار؟ وقرئ
بضم السين، أي كنا نسخر بهم . ﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت. ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَُ﴾ أي أم
هم معنا، ولكن لم ترهم أعيننا، وهم فقراء المسلمين كعمار وبلال وصهيب
وسلمان.

٢٤٢
الزُرُ (٢٣) - ظِزٌ}: ٣٨ / ٥٥-٦٤
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَقٌ﴾ ذلك الذي حكينا عنهم واجب وقوعه، لا بدّ أن يتكلموا
به، ثم بيَّن ما هو، فقال: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أي تنازعهم ومخاصمة بعضهم
بعضاً.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى ثواب المتقين ومآل السعداء، وصف بعده عقاب
الطاغين وحال الأشقياء المحرومين، ليتم التقابل والمقارنة بين الفريقين،
ويقترن الوعد بالوعيد، فيقبل على الطاعة، ويجتنب المعصية، ويتحقق الهدف
المنشود وهو الإصلاح والتهذيب.
التفسير والبيان:
®) أي هذا المذكور هو جزاء
﴿هَذَّا وَإِنَّ لِلَِّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ
المؤمنين، أو الأمر هذا كما ذكر، وإن للكافرين الخارجين عن طاعة الله عز
وجل، المكذبين لرسله، لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله عز وجل:
اي إنهم يدخلون جهنم ويلفحهم حرّها
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فِئْسَ الِهَادُ الَـ
من كل جانب، فبئس ما مهدوا لأنفسهم، وهو الفراش، أي بئس ما تحتهم
من نار جهنم، مشبهاً النار بالمهاد، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ
فَوْقِهِمْ غَوَاشِّ﴾ [الأعراف: ٤١/٧].
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
أي هذا حميم فليذوقوه، أو العذاب
١٥٧
هذا فليذوقوه، وهو أمر تهكم وسخرية بذوق العذاب، وهو ماء حار شديد
الحرارة يشوي الجلود، وماء بارد مؤلم لا يستطاع شربه لشدة برودته، أو هو
ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد.
﴿وَءَخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَجُ ﴾﴾ أي ولهم أنواع أخرى من العذاب مثل
الحميم والغساق، أشد كراهية وإيلاماً كالزقوم، والصعود والسَّموم،

٢٤٣
الُعُ (٢٣) - ظِزٌ: ٣٨ / ٥٥-٦٤
والزمهرير، يعاقبون بها، من الشيء وضده. فقوله: ﴿أَزْوَجُ﴾ أي ألوان من
العذاب المختلفة المتضادة.
ثم وصف الله تعالى كلام أهل النار مع بعضهم بعضاً، فقال:
﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَهُمْ صَالُواْ النَّارِ (@) أي تقول
صلى
الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة والزبانية:
هذا جمع كبير داخل معكم، فلا مرحباً بهم، أي لا كرامة لهم، وهم يدخلون
النار كما دخلناها، ويستحقونها كما استحققناها. والمراد من قولهم: ﴿لَا
مَرْحَبًا بِهِمَّ﴾ الدعاء عليهم. وهذا قول صادر من السادة أو الرؤساء والقادة
عن الأتباع المنبوذين في الدنيا، والمراد به الإخبار من الله تعالى عن انقطاع
المودة بين الكفار، بل إن المودة التي كانت بينهم تصير عداوة.
فيجيبهم الأتباع قائلين:
اً - ﴿بَلْ أَنْتُفْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَمْتُمُوهُ لَنَّ فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ أي قال الأتباع
للرؤساء: بل أنتم لا كرامة لكم، وأنتم أحق بهذا منا، فإنكم أضللتمونا
ودعوتمونا إلى هذا المصيروأوقعتمونا فيه، فبئس المقر جهنم لنا ولكم. والمراد
من هذا الكلام التشفي منهم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾
[الأعراف: ٣٨/٧].
◌َ - ﴿قَالُواْ رَبََّ مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِ النَّارِ ﴾﴾ أي قال
الأتباع أيضاً عن الرؤساء داعين عليهم: ربنا عاقب الذين أوردونا هذا المورد
في النار وقدموا لنا هذا العذاب عقاباً مضاعفاً في النار، عقاباً على الكفر،
وعقاباً على الإضلال، كما قال تعالى: ﴿رَبََّا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا
◌ِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨/٧] أي لكل منكم
عذاب بحسبه وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَآ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَأْ،
﴾ [الأحزاب: ٦٧/٣٣-
٦٨
رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا

٢٤٤
الزع (٢٣) - ض: ٣٨ / ٥٥-٦٤
٦٨] . ويؤيده الحديث الصحيح عند مسلم عن جرير بن عبد الله: ((من سنَّ سنة
سیئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها)).
ثم تحدث الكفار عن أناس كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة، فقال تعالى:
﴿ وَقَالُوْ مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ اْأَشْرَارِ (﴾﴾ أي قال المشركون
بعضهم لبعض تعجباً وتحسراً: إننا نفتقد في النار رجالاً كنا نعدهم في الدنيا
أشراراً لا خير فيهم، فما لنا لا نراهم معنا في النار؟ يعنون في زعمهم فقراء
المؤمنين، كعمّار وخبّاب وصُهيب وبِلال وسالم وسَلْمان.
قال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً
وفلاناً وفلاناً؟ وهذا ضرب مثل، وإلا فكل الكفار، هذا حالهم، يعتقدون أن
المؤمنين يدخلون النار. فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا
هذا القول.
أي الأجل أنا قد
١٣
﴿ أَّخَذْنَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَرُ
سخرناهم في الدنيا في أعمالنا، أو سخرنا منهم، وكانوا أهل الكرامة
فأخطأنا، فلم يدخلوا النار، أم هم معنا ولكن لم نعلم مكانهم في النار؟ قال
الحسن البصري: كل ذلك قد فعلوه، اتخذوهم سخرياً، وزاغت عنهم
أبصارهم، أي وهم في الجنة. وقوله: ﴿سِخْرِيًّا﴾ بضم السين وكسرها، قيل:
هما بمعنى واحد، وقيل: بالكسر هو الهزء، وبالضم: هو التذليل والتسخير.
وهذا إنكار على أنفسهم وتأنيب لها على اتخاذهم سخرياً في الدنيا.
ثم أكد الله تعالى حدوث هذا التخاصم والتنازع قائلاً :
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَقُّ تَخَصُ أَهْلِ النَّارِ ﴿3﴾ أي إن ذلك الذي حكاه الله عنهم
لحق لا بدّ أن يتكلموا به، أو هذا الذي أخبرناك به يا محمد أمر واقع حتماً
يوم القيامة، وهو تخاصم أهل النار فيها، وما قالته الرؤساء للأتباع، وما
قالته الأتباع لهم.

٢٤٥
الُرُ (٢٣) - ظِزٌ}: ٣٨ / ٥٥-٦٤
فقه الحياة أو الأحكام:
ذكر الله تعالى ألواناً من العذاب في النار للكفار يوم القيامة، وتلك الألوان
أو الأنواع هي ما يأتي:
اً - إن مصير الظالمين الكافرين شرّ مرجع ومآب ومنقلب يصيرون إليه.
أَ - إنهم يصلون جهنم، أي يدخلونها، وبئس ما مهدوا لأنفسهم، أو
بئس الفراش لهم، وهو ما تحتهم من النار.
◌َّ - إن شرابهم الحميم والغَسَّاق، والحميم: الماء الحار الشديد الحرارة،
والغساق: ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد.
٤ - لهم أصناف وألوان أخرى من العذاب كالزمهرير والسموم وأكل
الزقوم والصعود والهوي، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة، والجميع
مما يعذبون به، ویہانون بسببه.
٥ - قال ابن عباس: إن القادة إذا دخلوا النار، ثم دخل بعدهم الأتباع،
قالت الخزنة للقادة: ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ يعني الأتباع، والفوج: الجماعةِ ﴿مُقْنَحِمٌ
مَّعَكُمْ﴾ أي داخل النار معكم، فقالت السادة: ﴿لَ مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي لا
اتسعت منازلهم في النار، والمراد به الدعاء. فقال القادة أو الملائكة: ﴿إِنَّهُمْ
صَالُواْ النَّارِ﴾ كما صليناها.
قال أبو حيان: والظاهر أن قوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ من قول
رؤسائهم بعضهم لبعض.
صِلے
◌َ - ردَّ الأتباع على الرؤساء بقولهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أنتم دعوتمونا
إلى العصيان فبئس القرار لنا ولكم. وقالوا أيضاً: ربنا من سوَّغ لنا هذا وسنَّه
وتسبب في عذابنا هذا فضاعف عذابه، عذاباً على الكفر، وعذاباً على
الإضلال.

٢٤٦
الجزء (٢٣) - ◌ِز): ٣٨ / ٦٥-٧٠
وكل كلام من الفريقين فيه زيادة تبكيت وإيلام وإزعاج للفريق الآخر.
/٧ - زعم الكفار في الدنيا أن أعداءهم في الدنيا وهم فقراء المؤمنين العرب
أو الموالي غير العرب، كبلال وصهيب وسلمان من أهل النار، فافتقدوهم
بحسب زعمهم في النار معهم، فلم يجدوهم، فلاموا أنفسهم على خطئهم
باتخاذهم سخرياً في الدنيا. وهذا لون آخر من التعذيب النفسي الداخلي.
قال مجاهد وغيره: يسألون أين عمار، أين صهيب، أين فلان، يعدون
ضعفاء المسلمين، فيقال لهم: أولئك في الفردوس.
٨ - إن هذا التخاصم والتنازع الذي يزعج أهل النار أمر واقع حتماً في
النار، وهو حق ثابت، يجب الإيمان به.
كيا الله
علكة
وَسَلم
بعض أدلة صدق النبي
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَأْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ
١٦٨) مَا كَانَ
وَمَا بَيْنَهُمَا اُلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ ﴿﴿ قُلْ هُوَ نَبَّأْ عَظِيمٌ (٣) أَنتُمُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
٧٠
إِن يُوحَىّ إِلَىَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ
٦٩
لَِ مِنْ عِلِّمٍ بِلْمَلٍ الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ
القراءات:
﴿لَِ مِنْ
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون (ليْ من علم).
الإعراب:
(4): ﴿هُوَ نَبَؤَأ﴾ مبتدأ وخبر،
﴿قُلْ هُوَ نَبَأْ عَظِيمٌ ﴿ أَنتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
و﴿عَظِيمٌ﴾ صفة، و﴿أَنْتُمُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿مُعْرِضُونَ﴾، و﴿عَنْهُ﴾ متعلق بالخبر
وهو ﴿مُعْرِضُونَ﴾.

٢٤٧
الجُرُ (٢٣) - ظِرٌ}: ٣٨ / ٦٥-٧٠
﴾: ﴿أَنَّمَا﴾ إما مرفوع نائب فاعل لـ
﴿إِن يُوحَىّ إِلَىَّ إِلَّ أَنَمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينُ
﴿يُوحَى﴾ وإما منصوب بتقدير حذف حرف الجر، أي بأنما أنا نذير، و﴿ إِلَىَّ﴾
يقوم مقام نائب الفاعل ل﴿ يُوحَى﴾ والوجه الأول أوجه.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة. ﴿مُنذِرٌ﴾ مخوف بالنار. ﴿اُلْقَهَّارُ﴾ لخلقه.
﴿ اَلْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب أو الغالب على أمره.
﴿ اَلْغَفَّرُ﴾ الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء.
﴿قُلْ﴾ يا محمد للمشركين. ﴿هُوَ نَّأْ عَظِيمٌ﴾ خبر مهم جداً. ﴿أَنْتُمُ عَنْهُ
مُعْرِضُونَ ﴾﴾ أي إن القرآن الذي أنبأتكم به وجئتكم فيه بما لا يعلم إلا
بوحي هو مهم جداً، وأنتم معرضون عنه لتمادي غفلتكم، فإن العاقل لا
یعرض عن مثله.
بِالْعَلَاِ الْأَعْلَى﴾ الملائكة، وهم أشراف الخلق، أي ما كان لي من علم
بكلام الملأ الأعلى. ﴿إِذْ يَخْصِمُونَ﴾ في شأن آدم حين قال الله: ﴿إِنِ جَاعِلٌ فِى
اُلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠/٢].
﴿إِن يُوحَىّ إِلَّ إِلَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينُ (٣)﴾ أي ما يوحى إلي إلا أني بيِّن
الإنذار.
المناسبة:
هذه الآيات عود على بدء السورة الداعية إلى التوحيد وإثبات نبوة النبي
وَالر، والمعاد، فهي تقرير للتوحيد، ووعد ووعيد للموحدين والمشركين بسبب
الإعراض عن دعوة النبي محمد وَلّ، وإثبات للبعث الذي يفصل فيه بين
المؤمنين والكافرين بعد إنذار النبي ◌ّير في الدنيا بعقاب من أنكر التوحيد
والنبوة والمعاد.

٢٤٨
الجزء (٢٣) - ض: ٣٨ / ٦٥-٧٠
وهذا دليل على أن السورة إلى آخرها في أحسن وجوه الترتيب والنظم.
التفسير والبيان:
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا مُنذِرٌ﴾ أي قل أيها الرسول للكفار بالله، المشركين به من أهل
مكة وغيرهم، المكذبين لرسوله وَله: إنما أنا مخوف لكم من عقاب الله
وعذابه، مبلّغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد، مثل عقاب
الأمم السابقة في الدنيا كعاد وثمود، وأحوال عذاب جهنم في الآخرة.
﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللَّهُ الْوَجِدُ اٌلْقَهَّارُ﴾ أي ليس هناك إلا إله واحد لا شريك
له، قهار لكل شيء سواه، قد قهر كل شيء وغلبه.
﴿رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا اُلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ ﴾﴾ أي مالك جميع
السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات، ومتصرف فيه، وهو الذي
يَغْلِب ولا يُغْلَب، فلا يغالبه مغالب إذا عاقب العصاة، وهو غفار الذنوب لمن
أطاعه، ولمن شاء من عباده إذا تاب، ولمن التجأ إليه.
ثم توعدهم تعالى على مخالفة أمر الله تعالى ورسوله وَيهر والإعراض عن
القرآن، فقال :
﴿﴿ أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٨) أي قل أيها الرسول
﴿قُلْ هُوَ نَّأْ عَظِيمُ
لمشركي مكة وغيرهم: إن هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولاً منذراً، وأن
الله واحد لا شريك له، وأن القرآن وحي منزل من عند الله، هو خبر عظيم
مهم جداً، لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة، فهو ينقذكم من
الضلالة إلى النور، لكنكم أنتم معرضون عما أقول، لا تتفكرون فيه. وفي هذا
توبيخ لهم وتقريع، لكونهم أعرضوا عنه، فعليهم العدول عن خطئهم.
ثم ذكر تعالى ما يدل على نبوة محمد رَله، فقال:

٢٤٩
الجُرُ (٢٣) - ظِ}: ٣٨ / ٦٥-٧٠
﴿مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلٍِّ بِالْعَلِّ الْأَعْلَى إِذْ يَخَْصِمُونَ ﴾ أي ما كان لي قبل أن
يوحى إلي علم باختلاف الملأ الأعلى في شأن آدم عليه السلام، وامتناع إبليس
من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه، فلولا الوحي من أين كنت
أدري بتلك المغيبات.
﴿إِن يُوحَىّ إِلَىَّ إِلَّ أَنَّمَّ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينُ (٣)﴾ أي ما يوحى إلي إلا للإنذار
الواضح، والتبليغ البيِّن، لا لأمر آخر من تسلط أو ملك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أبان الله تعالى في هذه الآيات بعض أدلة صدق النبي ◌ُّ في نبوته، وأوضح
بعض مهامه وواجباته.
أما مهمته: فهي إنذار من عصاه بالنار، وتخويف عقاب الله من أنكر
التوحيد والنبوة والمعاد.
وكذلك تقرير التوحيد وهو أن لا إله إلا الله، المنزه عن الشريك والنظير،
وأنه سبحانه القهار لكل شيء، وهذا يدل على كونه واحداً، وأن الذي جعل
شريكاً له لا يقدر على شيء أصلاً، مثل هذه الأوثان والجمادات التي لا تضر
ولا تنفع.
ولما كانت صفة ﴿اُلْقَهَّارُ﴾ توجب الخوف الشديد، أردفه تعالى بذكر
صفات ثلاث له دالة على الرحمة والفضل والكرم:
أولها - كونه رباً السماوات والأرض والعناصر الأربعة (الماء، والهواء،
والنار، والتراب) والمواليد الثلاثة (الإنس والجن والحيوان).
ثانيها - كونه عزيزاً (أي منيعاً قوياً لا مثل له) فهو قادر على كل الممكنات،
فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء.

٢٥٠
الزرع (٢٣) - ض: ٣٨ / ٦٥-٧٠
ثالثها - كونه غفاراً لذنوب عباده المطيعين المخلصين في العبادة.
والمنذر به: هو الحساب والثواب والعقاب والنبوة والقرآن، وهذا خبر
عظيم القدر، فلا ينبغي أن يستخف به. وليس من مهام النبي التسلط أو التجبر
أو تحقيق النفوذ.
وأما بعض أدلة النبوة وإنزال الوحي عليه: فهو ما يخبر عنه القرآن الكريم
من أنباء الملأ الأعلى وهم الملائكة حين اختصموا في أمر آدم حين خلق
فقالوا: ﴿أَتَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠/٢] وقال
إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢/٧] فهذا البيان من محمد بَّ عن قصة آدم
وغيره من الغيبيات لا يتصور إلا بتأييد إلهي، وحينئذ قامت المعجزة على
صدقه.
فما بالهم أعرضوا عن تدبر القرآن ليعرفوا صدقه.
٦٨
ترغيب في النظر والاستدلال في العقائد
وقوله: ﴿أَنْتُمُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
ومنع التقلید.

٢٥١
الزُعُ (٢٣) - ظِرٌ: ٣٨ / ٧١-٨٥
قصة آدم عليه السلام
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًّا مِّنِ طِينٍ
فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلََّ إِسَ
٢/
زُوحِى فَفَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ
قَالَ يَاِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ
٧٤
اُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ
أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ
قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِى مِن ثَارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن طِينٍ
٧٥
قَالَ فَاخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (
VV
وَإِنَّ عَلَيْكَ لَغْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
VA
﴾ قَالَ رَبِّ
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَطَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
٧٩
فَأَنْظِرْنِيِّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَنُونَ
قَالَ
قَالَ فَبِعِزَِّكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿﴿ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
٨١
فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ (َ)
١٨٥
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
القراءات:
﴿لَغْنَتِىّ إِلَى﴾ :
وقرأ نافع (لعنتيَ إلى).
﴿ اَلْمُخْلَصِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (المخلِصين).
﴿فَالْحَقُّ﴾ : قرئ:
١ - (فالحقُّ) وهي قراءة عاصم، وحمزة، وخلف.
٢- (فالحقَّ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَ أَقُولُ ﴾﴾ الحق الأول بالرفع: إما خبر مبتدأ محذوف
وتقديره: أنا الحق أو فالحق قسمي أو مني، وإما مبتدأ، والخبر محذوف،

٢٥٢
الجزءُ (٢٣) - ظِز: ٣٨ / ٧١-٨٥
تقديره: فالحق مني، ويقرأ بالنصب على تقدير فعل، تقديره: الزموا الحق أو
اتبعوا الحق، أو بتقدير حذف حرف القسم، كقولك: اللهَ لأفعلن، والدليل
على أنه قسم: قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾. و﴿ وَالْحَقَّ﴾ الثاني: منصوب
بـ﴿ أَقُولُ﴾ أي أقول الحق، وهو اعتراض بين القسم وجوابه. وقرئ: فالحقِّ
والحقِّ أقول، بالجر فيها على القسم، وإعمال حرف الجر في القسم مع
الحذف، كما تقول: اللهِ لأفعلن، (و) الله لأذهبن، وهي قراءة شاذة.
البلاغة:
﴿فَسَجَدَ اٌلْمَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
﴿أَجْمَعُونَ﴾.
تأكيد بمؤكدين: لفظ كل، ولفظ
٧٣
المفردات اللغوية:
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي اذكر حين ذلك. ﴿إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ﴾ هو آدم.
﴿سَوَّيْتُهُ﴾ أتممته وعدَّلت وأكملت خلقته. ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِ﴾ وأحييته
بنفخ الروح فيه، وأضاف الروح إلى نفسه لشرفه وطهارته، والروح: جسم
لطيف يحيا به الإنسان بنفوذه فيه. ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ فخروا له أو اسقطوا له.
﴿سَجِدِينَ﴾ تكرمة وتبجيلاً له، وهو سجود تحية بالانحناء، لا سجود عبادة.
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدان، الأول لإفادة العموم، والثاني الإفادة
الاجتماع في السجود . ﴿إِبْلِيسَ﴾ هو أبو الجن، وكان طاووس الملائكة.
﴿ اَسْتَكْبَرَ﴾ تعاظم. ﴿ وَكَانَ مِنَ اَلْكَافِرِينَ﴾ في علم الله، أو باستكباره عن أمر
الله تعالى، واستنكافه عن الطاعة . ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ما صرفك وصدك. ﴿خَلَقْتُ
بِيَدَىّ﴾ خلقته بنفسي من غير توسط أب وأم، واليد: القدرة، وهو تمثيل
للخلق المستقل وللدلالة على أنه معتنى بخلقه، فهذا تشريف لآدم، فإن كل
مخلوق تولّ الله خلقه . ﴿أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ أي تكبرت الآن عن

٢٥٣
الجُزُ (٢٣) - ظٌ: ٣٨ / ٧١-٨٥
السجود من غير استحقاق، أم كنت من المتكبرين المتفوقين المستحقين للترفع
عن طاعة الله، فتكبرت عن السجود، لكونك منهم، وهو استفهام توبيخ.
﴿قَالَ أَنْ خَيْرٌ مِنْهُ﴾ إبداء للمانع. ﴿فَأَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من الجنة أو من
السماوات. ﴿رَحِيمٌ﴾ مرجوم مطرود من الرحمة. ﴿لَعْنَتِىّ﴾ طردي. ﴿فَنْظِرْنِيِّ﴾
فأمهلني . ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ يبعث الناس. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
(٨١)
وقت النفخة الأولى.﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ بسلطانك وقهرك. ﴿لَأَغْوِيَنَّهُمْ﴾ لأضلنهم.
﴿ اَلْمُخْلَصِينَ﴾ المؤمنين الذين أخلصتهم للعبادة وعصمتهم من الضلالة.
﴿فَالْحَقُّ﴾ المراد بالحق: إما اسمه عز وجل أو الحق الذي هو نقيض
الباطل، عظمه الله بإقسامه به، أي فالحق مني أو فالحق قسمي، وجواب
القسم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾. (﴿ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ أُحق الحق وأقوله. ﴿مِنكَ﴾ أي من ذريتك
وجنسك. ﴿ وَمِعَنْ تَّبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي من ذرية آدم.
المناسبة:
هذه هي القصة الأخيرة في هذه السورة، وقد ذكرت في سور: البقرة،
والأعراف، والحِجْر، والإسراء، والكهف. والمقصود منها منع الحسد
والكبر؛ لأن امتناع إبليس عن السجود كان بسبب الحسد والكبر، والكفار
إنما نازعوا محمداً وَّله بسبب الحسد والكبر، وذكرت هنا لتكون زاجراً للكفار
عن هاتين الخصلتين المذمومتين.
التفسير والبيان:
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّيِ خَلِقٌ بَشَرًّا مِّنِ طِينٍ ﴿﴾ أي اذكر يا محمد قصة
خلق آدم أبي البشر، حين قال الله للملائكة: إني سأخلق بشراً هم آدم وذريته،
﴿مِّنِ طِينٍ﴾ تراب مخلوط بالماء، كما في آية أخرى: ﴿مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَلٍ
مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦/١٥].

٢٥٤
الجُرُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٧١-٨٥
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ (®﴾ أي فإذا أتممت
خلقه وعدلته وأكملته، وجعلته حياً بعد أن كان جماداً لا حياة فيه، فاسجدوا
له، أي سجود التحية والتكريم، لا سجود العبادة. وهو أمر واجب بالسجود.
والنفخ تمثيل لإفاضة مادة الحياة فيه، فليس هناك نافخ ولا منفوخ.
6) أي فامتثل الملائكة كلهم لأمر
﴿فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ
الله، وسجدوا عن آخرهم، ما بقي منهم ملك إلا سجد، وسجدوا مجتمعين
في آن واحد، لا متفرقين.
(4) أي سجد الملائكة كلهم إلا
﴿إِلَّ إِبْلِسَ اُسْتَكْبَرَ وَكَنَ مِنَ الْكَفِرِينَ
إبليس امتنع مستكبراً متعاظماً ولم يكن من الساجدين، جهلاً منه بأنه طاعة،
وكان استكباره استكبار كفر، فصار من الكافرين بمخالفة أمر الله وأنفته من
السجود واستكباره عن طاعة الله، أو إنه كان من الكافرين في علم الله.
﴿قَالَ بَإِبْلِسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ
قال الله له: يا إبليس ما الذي صرفك وصدك عن السجود لآدم،
الذي توليت بنفسي خلقه من غير وساطة أب وأم، هل استكبرت عن السجود
الآن، أم أنك كنت من القوم المتعالين عن ذلك؟ والمراد إنكار الأمرين معاً.
فأجاب قائلاً:
﴾ أي إنني خير من
﴿قَالَ أَنَأْ خَيْرٌ مِنَّةٌ خَلَقْتَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَفْنَهُ مِن طِينٍ
آدم، فإني مخلوق من نار، وآدم مخلوق من طين، والنار خير وأشرف من الطين
في زعمه؛ لما فيها من صفة الارتفاع والعلو، وأما التراب فهو خامد هابط لا
ارتفاع فيه.
﴿قَالَ فَأَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴾ قال الله تعالى: فاخرج من الجنة أو من
السماوات أو من زمرة الملائكة، فإنك مرجوم بالكواكب، مطرود من رحمة
الله ومحل أنسه ومن كل خير.

٢٥٥
لُرُ (٢٣) - ظِرٌ: ٣٨ / ٧١-٨٥
﴾ أي وإن طردي مستمر دائم ما
VA
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ
دامت الدنيا إلى يوم الجزاء والقيامة، ثم في الآخرة يلقى من عذاب الله
وعقوبته وسخطه ما هو به حقیق.
﴿قَالَ رَبِّ فَنْظِرْنِيِّ إِلَى يَوِْ يُبْعَثُونَ (٨٩)﴾ أي قال إبليس: رب أمهلني حياً،
ولا تعاجلني بالإماتة إلى اليوم الذي يبعث فيه الناس، أي آدم وذريته بعد
موتهم. طلب هذا ليوسوس لآدم وذريته، فيثأر من آدم الذي كان سبباً لطرده
من رحمة الله.
(٨١)) قال الله
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
تعالى: فإنك من الممهلين، إلى اليوم الذي قدره الله لفناء الخلائق، وهو عند
النفخة الأولى. وقد طلب إبليس الإنظار (الإمهال) إلى يوم البعث، ليتخلص
من الموت؛ لأنه إذا أنظر إلى يوم البعث، لم يمت، فأنظره الله إلى وقت الصعق
لا إلى البعث، فلما أمن الهلاك تمرد وطغى وتحدى قائلاً:
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾﴾ أي
﴿قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
فإني أقسم بعزتك (سلطانك وقهرك) أن أضل بني آدم بتزيين الشهوات لهم،
وإدخال الشبه عليهم، إلا الذين أخلصتهم لطاعتك، وعصمتهم من الضلالة
والهوى والشيطان، فهؤلاء لا أقدر على إضلالهم وإغوائهم، كما قال تعالى:
٤) ﴾ [الحجر:
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
٤٢/١٥] .
فأجابه الله تعالى:
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ
٨٥
﴾ أي قال الله: أنا الحق أو الحق مني ملء جهنم من إبليس وأتباعه،
وأقول الحق: لأملأن جهنم من جنسك من الشياطين، وممن تبعك من ذرية
آدم، فأطاعوك إذا دعوتهم إلى الضلال والغواية. فهذا قسم من الله تعالى

٢٥٦
الجُرَءُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٧١-٨٥
لإبليس أنه سيدخله وأتباعه النار حتى تمتلئ منهم. وقال الزمخشري ﴿وَالْحَقَّ
أَقُولُ﴾ أي ولا أقول إلا الحق، على حكاية لفظ المقسم به، ومعناه التوكيد
والتسديد.
فقه الحياة أو الأحكام:
قصة آدم عليه السلام هذه مع إبليس اللعين: تصوير بالغ للأمر الإلهي،
وبيان مدى طاعته، وتقرير العقاب على المخالف، وعناصر القصة هي:
-لقد أخبر الله الملائكة أنه سيخلق بشراً من التراب، فإذا خلقه وأحياه،
فيجب عليكم أن تسجدوا له إكراماً وتحية، لا عبادة وتأليهاً.
- فامتثل الملائكة وسجدوا كلهم مجتمعين لآدم خضوعاً له وتعظيماً لله
بتعظيمه إلا إبليس الذي كان من جنس الجن، فخانه طبعه وجبلته، فأنف من
السجود لآدم، جهلاً بأن السجود له طاعة لله، والأنفة من طاعة الله استكباراً
كفر، ولذلك كان من الكافرين باستكباره عن أمر الله تعالى.
-سأله ربه سؤال تقرير وتوبيخ عن سبب امتناعه من السجود لما خلق الله،
أكان ذلك استكباراً عن السجود أم كان من المتكبرين على ربه، فتكبر لهذا؟
-أجاب إبليس بأنه خير من آدم؛ لأنه مخلوق من النار وآدم مخلوق من
الطين، والنار في زعمه أشرف من الطين لما فيها من خاصية الارتفاع
والاندفاع والتعالي. وهذا جهل منه؛ لأن الجواهر أو العناصر متجانسة
متساوية، فقاس وأخطأ القياس.
- كان عقابه الإخراج من الجنة، والرجم بالكواكب والشهب، والطرد
والإبعاد من رحمة الله إلى يوم القيامة؛ لأن اللعن منقطع حينئذ.
- أراد الملعون ألا يموت، فطلب تأخيره إلى يوم البعث، فلم يجبه الله إلى

٢٥٧
الجُرُ (٢٣) - ظرا: ٣٨ / ٨٦-٨٨
ذلك، وإنما أخره إلى الوقت المعلوم، وهو يوم يموت الخلق فيه، فأخّر إليه
استهانة به.
- لما أمن إبليس الهلاك طغى وتمرد وتحدى ربه، وأقسم بعزة الله أنه يضل
بني آدم بتزيين الشهوات والمعاصي، وإدخال الشبه عليهم، ودعوتهم إلى
المعاصي، وقد علم أنه لا يتمكن إلا من الوسوسة، ولا يفسد إلا من كان لا
يصلح لو لم یوسوسه.
- لهذا استثنى من تسلطه عباد الله الذين أخلصهم لطاعته وعبادته
وعصمهم منه.
- أقسم الله بذاته، وأخبر أنه لا يقول إلا الحق أنه سيملأ جهنم من إبليس
وأتباعه، عقاباً على مخالفتهم أوامر الله، وإصرارهم على ارتكاب المعاصي.
حال الداعي وحال الدعوة ومعجزة القرآن
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الُْكِّفِينَ
٨٨
وَلَنَعَلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ حِينٍ
الإعراب:
﴿ وَلَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أصله: (لتعلمون) إلا أنه لما اتصلت به نون التوكيد
الثقيلة أوجبت بناءه؛ لأنها أكدت الفعلية، فردته إلى أصله في البناء، فحذفت
النون، فاجتمع ساكنان: الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين،
وبقيت الضمة قبلها. والمعنى: لتعرفنَّ، لذا تعدى إلى مفعول واحد. واللام:
لام قسم مقدر، أي والله لتعلمن.
المفردات اللغوية:
﴿مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة والوحي والقرآن. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْل
:

٢٥٨
الزرع (٢٣) - ظ: ٣٨ / ٨٦-٨٨
أو عوض. ﴿اْتُكَلِّفِينَ﴾ المتقولين القرآن من تلقاء نفسي أو المتصنعين المتحلين
بما ليسوا من أهله، فأنتحل النبوة والقول على الله. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
· ما القرآن إلا عظة بليغة للإنس والجن والعقلاء، دون الملائكة.
لتعرفن یا كفار مكة وغیرکم خبر صدقه
(٨٨)
﴿ وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَهُ بَعْدَ حِينٍ
وعاقبة خبره وهو ما فيه من الوعد والوعيد، بإتيانه يوم القيامة، وذلك لمن
آمن به ومن أعرض عنه.
المناسبة:
هذه خاتمة شريفة لهذه السورة، يتبين فيها حال الداعي وهو الرسول وَله
وهو أنه لا يأخذ أجراً ومالاً على هذه الدعوة، ويظهر فيها كيفية الدعوة وهي
أنها لا تقوّل فيها وإنما هي وحي من عند الله، ودين يشهد بصحته العقل،
وتتحدد فيها مهمة القرآن بأنه عظة للعالمين، وستظهر معجزته ووعده ووعيده
يوم القيامة.
التفسير والبيان:
٨) أي قل أيها الرسول
﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْمُكَلِّفِينَ
لهؤلاء المشركين من قومك: ما أطلب منكم من جُعْل أو مال تعطونيه على
تبليغ رسالتي ووحي الله والنصح بالقرآن وغيره من الوحي، وما أنا من
المتقوِّلين على الله، حتى أقول ما لا أعلم، أو أدعوكم إلى غير ما أمرني الله
بالدعوة إليه. والتكلف: التصنع والتقول والاختلاق.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ (٨٣) أي ما هذا القرآن، أو ما أدعوكم إليه إلا
موعظة للخلق أجمعين، والعاقل من يشهد بصحته. و﴿ لِلْعَلَمِينَ﴾ الإنس والجن.
ونحو الآية: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ
بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧/١١].

٢٥٩
الزُرعُ (٢٣) - ض: ٣٨ / ٨٦-٨٨
لتعرفن أيها الكفار خبره وصدقه، من
M
﴿وَلَعْلَمُنَّ نَبَمُ بَعْدَ حِينٍ
الدعوة إلى الله وتوحيده، والترغيب في الجنة، والتحذير من النار، بعد زمان
قريب، إما بعد الموت، وإما يوم القيامة. قال الحسن البصري: يابن آدم، عند
الموت يأتيك الخبر اليقين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لم يطلب النبي وَلّ على تبليغ دعوته عوضاً مادياً، ولم ينشد تحقيق
مكسب مالي أو مطمع دنيوي كالحكم والسلطة والجاه، وهذا دليل على صدقه
في نبوته؛ لأن من الظاهر أن الكذاب لا بدّ من أن يظهر طمعه في طلب
الدنيا، وكان وَ ل﴿ل بعيداً عن الدنيا، عديم الرغبة فيها.
اً - لم يكن النبي وَ له متكلفاً متقوّلاً ولا متخرّصاً ما لم يؤمر به من عند ربه،
فهو مبلّغ وحي الله بأمانة متناهية دون زيادة ولا نقص. أخرج الشيخان في
صحيحيهما عن عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل
به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم:
الله أعلم، فإن الله عز وجل قال النبيكم وَله: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَّ
(٨٦
أَنَاْ مِنَ الْمُكَلِّفِينَ
وأخرج ابن عدي عن أبي بَرْزة قال: قال رسول الله وَ له: ((ألا أنبئكم بأهل
الجنة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: هم الرحماء بينهم، قال: ألا أنبئكم بأهل
النار؟ قلنا: بلى، قال: هم الآيسون القانطون الكذابون المتكلّفون».
. ◌ّ - تتلخص دعوة النبي وَلّل في أصول ثمانية، هي الأصول المعتبرة في دين
الله، ويشهد بصحتها كل ذي عقل سليم وطبع مستقيم وهي:
أولاً - الدعوة إلى الإقرار بوجود الله.

٢٦٠
الزرعُ (٢٣) - ظِز: ٣٨ / ٨٦-٨٨
ثانياً - الدعوة إلى تنزيه الله وتقديسه عن كل ما لا يليق به: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
ـشَىْءٌ﴾ [الشورى: ١١/٤٢].
ثالثاً - الإقرار بكونه تعالى موصوفاً بكمال العلم والقدرة والحكمة والرحمة.
رابعاً - الإقرار بكونه منزهاً عن الشركاء والأضداد.
خامساً - الامتناع عن عبادة الأوثان التي هي مجرد جمادات، ولا منفعة في
عبادتها، ولا مضرة في الإعراض عنها.
سادساً - تعظيم الأرواح الطاهرة المقدسة، وهم الملائكة والأنبياء.
سابعاً - الإقرار بالبعث والقيامة ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَبَجْزِىَ الَّذِينَ
أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١/٥٣].
ثامناً - الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة(١).
٤ - إن ما دعا إليه النبي وَّله من الوعد والوعيد والإيمان بالقرآن هو عظة
بليغة للعالمين، أي الجن والإنس.
وسيعلم الكفار نبأ الذكر وهو القرآن أنه حق وصدق بعد زمان قريب، إما
بعد الموت وإما يوم القيامة.
(١) تفسير الرازي: ٢٣٦/٢٦