Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
لُ (٢٣) - الصَّافَاتَّ: ٣٧ / ١٠٢-١١٣
- دلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه: أنه يفديه بكبش، كما
فَدى به إبراهيم ابنه، قال ذلك ابن عباس. وعنه رواية أخرى: ينحر مئة من
الإبل كما فدى بها عبد المطلب ابنه. روى الشعبي عنه الروايتين. والأولى
أصح.
وقال الشافعي: هو معصية يستغفر الله منها.
وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة، ولا يلزمه في غير
ولده شيء. وهذا قول ابن العربي أيضاً؛ لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة
عن ذبح الشاة شرعاً، فألزمِ الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة،
والله تعالى يقول: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِبْرَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨/٢٢] والإيمان: التزام
أصلي، والنذر التزام فرعي، فيجب أن يكون محمولاً عليه.
. ١- بشر الله بنبوة إسحاق من الأنبياء الصالحين، وكان هذا بعد إيراد
قصة الذبيح، مما يدل على أنه إسماعيل. قال المفضل: الصحيح الذي يدل
عليه القرآن أنه إسماعيل، وذلك أنه قصَّ قصة الذبيح، فلما قال في آخر
١٠٧
القصة: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ
(1) قال:
كَذَلِكَ تَجْرِى الْمُحْسِنِينَ
ثم قال: ﴿سَلَمُ عَلَىَ إَِّهِيمَ
وَبَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ أي على إسماعيل وعلى
﴿ وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ
إسحاق، كنى به، لأنه قد تقدم ذكره، ثم قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ فدلَّ على
أنها ذرية إسماعيل وإسحاق، وليس تختلف الرواة في أن إسماعيل كان أكبر من
إسحاق بثلاث عشرة سنة. والأدق أن يقال: باركنا على إبراهيم في أولاده.
١١ - لما ذكر تعالى البركة في الذرية والكثرة، قال: منهم محسن ومنهم
مسيء، وأن المسيء لا تنفعه بنوة النبوة، فاليهود والنصارى، وإن كانوا من
ولد إسحاق، والعرب وإن كانوا من ولد إسماعيل، فلا بدَّ من الفرق بين
المحسن والمسيء، والمؤمن والكافر. وفي التنزيل ردّ عليهم: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ
١٤٢
لُ (٢٣) - الصَّافَاتَّ: ٣٧ /١١٤-١٢٢
وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَؤُأْ اللَّهِ وَأَحِبََّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨/٥] أي أبناء رسل الله، فرأوا
لأنفسهم فضلاً.
قصة موسى وهارون عليهما السلام
وَنَجِّيَّنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ اُلْكَرْبِ
١١٤١
﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
اُلْعَظِيمِ
(١٦) وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَالِينَ
وَءَانَيْنَهُمَا اُلْكِنَبَ اُلْمُسْتَّبِينَ
١٧
وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
١١٨
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ (َِ
سَلَمُ عَلَى
مُوسَى وَهَرُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا
اَلْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿اَلْصِرَطَ﴾ :
وقرأ قنبل (السراط).
المفردات اللغوية:
﴿مَنَنَا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ﴾ أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع
نجيناهما من
١١٥
الدينية والدنيوية ﴿وَنَجَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
تغلب فرعون واستعباده بني إسرائيل قومهما، ومن الغرق ﴿ وَنَصَرْنَهُمْ﴾
الضمير يعود عليهما مع القوم، والنصر على القبط ﴿فَكَانُواْ هُمُ الْغَالِينَ﴾ على
فرعون وقومه.
البليغ في بيانه وفيما أتى به من الحدود
﴿وَءَانِيْنَهُمَا الْكِتَبَ اُلْمُسْتَبِينَ
والأحكام وغيره، وهو التوراة ﴿الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الطريق الموصل إلى الحق
والصواب ﴿وَرِكْنَا﴾ أبقينا عليهما ثناء حسناً {سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
ج
١٤٣
لُعُ (٢٣) - الصَّا فَاتَِ: ٣٧ / ١١٤-١٢٢
مثل ذلك الجزاء
١٢١
سلام منا عليهما ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
شهادة لهما
نجزي المحسنين المطيعين لله. ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
بالإيمان، وهي علة الإحسان إليهما.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، فبعد أن ذكر
الله تعالى إنجاء إسماعيل من الذبح، ونجاة إبراهيم من النار، ذكر هنا ما منّ به
على موسى وهارون من وجوه الإنعام المحصورة في نوعين: إيصال المنافع
إليهما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ
ودفع المضار
١١٤
عنهما في قوله تعالى: ﴿ وَنَجَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
١١٥
التفسير والبيان:
أى تالله لقد أنعمنا عليهما بالنبوة
﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ لَ
وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية. أما منافع الدنيا كما ذكر الرازي:
فالوجود والحياة والعقل والتربية والصحة وتحصيل صفات الكمال في ذات
كل واحد منهما. وأما منافع الدين: فالعلم والطاعة، وأعلى هذه الدرجات:
النبوة الرفيعة، المقرونة بالمعجزات الباهرة القاهرة. وتفصيل هذه النعم في قوله
تعالی:
أي ونجيناهما
اً - ﴿وَنَيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وقومهما بني إسرائيل من استعباد فرعون إياهم، بقتل الآباء واستحياء النساء
وتشغيلهم في أخسّ الأشياء والصناعات والمهن، كما نجيناهما مع القوم من
الغرق الذي أهلك فرعون وقومه قبط مصر.
أَ - ﴿وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ ﴾ أي نصرناهم على أعدائهم،
فغلبوهم، وأخذوا أرضهم وأموالهم التي جمعوها طوال حياتهم، فكانوا
أصحاب الدولة بعد أن كانوا رعية أذلاء.
١٤٤
لِزُرُ (٢٣) - الصَنَّافَاتِ: ٣٧ /١١٤-١٢٢
◌َّ - ﴿وَءَانَّيْنَهُمَا اُلْكِنَبَ الْمُسْتَبِينَ (19)﴾ أي وأنزلنا عليهما الكتاب العظيم
الواضح الجلي الشامل لأمور الدنيا والآخرة، وهو التوراة، كما قال تعالى:
﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤/٥] وقال
سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ
٤٨
[الأنبياء: ٤٨/٢١].
أرشدناهما إلى طريق الحق
٤ - ﴿وَهَدَيْنَهُمَا الْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ ()
والصواب في الأقوال والأفعال، والإسلام وشرع الله.
٥ - ﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِينَ (1) أبقينا لهما من بعدهما ذكراً حسناً
جميلاً وثناء حسناً في الأمم المتأخرة. قال ابن كثير والشوكاني وغيرهما: ثم
فسره بقوله: ﴿سَلَهُ﴾ إلخ. وقال آخرون: الآتي كلام مستقل، وهو ما
أرجحه، لكثرة الفوائد.
أى سلام منا على موسى
أَ - ﴿سَلَمُ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ اللَّ
وهارون، ومن الملائكة والإنس والجن أبد الدهر.
والسبب ما قاله تعالى:
٣٣
﴾ أي
إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
مثل هذا الجزاء نجزي بالخلاص من الشدائد والمحن كل من أحسن عمله فأطاع
الله وانقاد له، وعلة الإحسان: أنهما من زمرة عباد الله المؤمنين إيماناً صحيحاً
کاملاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - أنعم الله على موسى وهارون بنعم كثيرة دينية ودنيوية، أرفعها درجة
النبوة، ثم ذكر تعالى هذه النعم وهي:
١٤٥
الُءُ (٢٣) - القَنَا فَاتِ: ٣٧ / ١١٤-١٢٢
أ - نجاهما وقومهما بني إسرائيل من الرق الذي لحق بني إسرائيل واستعباد
فرعون لهم، وقيل: من الغرق الذي لحق فرعون.
ب - نصرهما وقومهما على أعدائهم قبط مصر.
جـ - أنزل عليهما التوراة الكتاب المنير الواضح البليغ في بيانه الشامل
المصالح الدنيا والآخرة.
د - هداهما إلى الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام
بالمعنى العام القائم على التوحيد، وأرشدهما إلى طريق الحق
والصواب، وأمدهما بالتوفيق والعصمة.
هـ - أبقى عليهما الثناء الحسن بين الأمم، وتلك نعمة عظمى.
و - حظيا بالسلام من الله تعالى ومن الملائكة والإنس والجن أبد الدهر.
أَ - إن سنة الله تعالى الدائمة الجزاء الحسن للمحسنين أعمالهم بالخلاص
من الشدائد، والسلامة من المحن، وذلك يشمل موسى وهارون عليهما السلام
وأمثالهما.
س٣ - إن سبب هذه الفضائل: الإيمان الذي هو أشرف وأعلى وأكمل من كل
الفضائل.
١٤٦
الُعُ (٢٣) - القَّافَاتَ: ٣٧ / ١٢٣-١٣٢
قصة إلياس عليه السلام
أَنَدْعُونَ بَعْلَاً
١٢٤٦)
إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَتَّقُونَ
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ
١٢٥
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ
١٢٦
فَكَذَبُوهُ
١٢٩
وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الْآَخِرِينَ
١٨
فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
سَلَمُ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
١٣٢
القراءات: ﴿اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ﴾: قرئ:
١- (الله ربّكم وربَّ) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (الله ربُّكم وربُّ) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ اَلْمُخْلَصِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (المخلِصين).
﴿إِّ يَاسِينَ﴾ :
وقرأ نافع، وابن عامر (آل ياسين).
الإعراب:
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ ﴿اَللَّهَ﴾: منصوب على أنه بدل من قوله تعالى: ﴿أَحْسَنَ
اْخَلِقِينَ﴾ ويقرأ بالرفع على الابتداء، و(ربُّكم): الخبر.
﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِىِ الْآَخِرِينَ (٣٩)﴾ مفعول ﴿وَتَرَكْنَا﴾ محذوف، تقديره: وتركنا
عليه في الآخرين الثناء الحسن، ثم ابتدأ فقال: ﴿سَلَمُ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ
١٤٧
لِجُ (٢٣) - الصَّافَاتَِ: ٣٧ / ١٢٣-١٣٢
@: مبتدأ، وخبره الجار والمجرور بعده،
﴿سلم
﴿سَلَمُ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ
والجملة في موضع نصب ب﴿ وَتَرَّكْنَا﴾. و﴿إِلَّ يَاسِينَ﴾: إما لغة في إلياس كميكال
ومیکائیل، وإما جمع (إلیاسي) فحذف ياء النسب، كالأعجميين والأشعریین،
وإنما حذفت لثقلها وثقل الجمع، وقد تحذف هذه في جمع التكسير، وفي جمع
التصحيح مثل المهالبة جمع المهالچيّ.
البلاغة:
﴿أَنَدْعُونَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿إِلْيَاسَ﴾ أحد أنبياء بني إسرائيل، وهو إلياس بن ياسين سبط هارون
أخي موسى، بعث بعده، أرسل إلى قوم في بعلبك ونحوها. ﴿إِذْ﴾ منصوب
بفعل مقدر هو: اذكر . ﴿قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَنَّقُونَ﴾ أي تتقون الله، فتعبدونه،
وتتركون ما ينهاكم الله عنه من الشرك والمعاصي، فتأمنون عذاب الله. ﴿أَنَدْعُونَ
بَعْلًا﴾ أي أتعبدون بعلاً وهو اسم لصنم من ذهب، كان لأهل بعلبك، وبه
سمي البلد أيضاً مضافاً إلى (بك) في لبنان. ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اْخَلِقِينَ﴾
تتركون عبادة الله تعالى الذي هو أحسن المصورين الخالقين.
﴿اَللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ الذي يربيكم بنعمه بعد أن أوجدكم من العدم، أنتم
وأجدادكم، فهو الذي تحقّ له العبادة. ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٣٨)﴾ الذين
اصطفاهم الله للطاعة، وأخلصوا لله العبادة، فهم ناجون من العذاب . ﴿ وَتَرَكْنَا
أبقينا عليه ثناء حسناً.
٢٩
عَلَيْهِ فِى الْآَخِينَ
﴾ أي سلام منا على إلياس، أو عليه وعلى قومه
{سَلَمُّ عَ إِلَ يَاسِينَ (
الذين آمنوا معه، فجمعوا تغليباً، كقولهم للمهلب وقومه: المهلبون. وقرئ:
)) أي
آل ياسين بالمد، والمراد به أهل إلياس. ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
١٤٨
لُعُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ / ١٢٣-١٣٢
مثل ذلك الجزاء نجزي كل من أحسن عمله لله . ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
علة الإحسان المتقدم
المناسبة:
هذه هي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، والمقصود بها
بيان جهود النبي إلياس عليه السلام أحد أنبياء بني إسرائيل في الدعوة إلى
توحيد الله، ومقاومة الشرك وعبادة الأصنام، كمن تقدمه من الأنبياء مثل
نوح وإبراهيم عليهما السلام.
التفسير والبيان:
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ هو إلياس بن ياسين بن فِنْحاص بن
العيزار بن هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام، بعثه الله في بني
إسرائيل بعد حِزْقيل عليه السلام، وكانوا قد عبدوا صنماً يقال له (بعل)
فدعاهم إلى توحيد الله تعالى، ونهاهم عن عبادة ما سواه.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَلَا نَنَّقُونَ ﴾ أي اذكر حين قال لقومه: هلا تخافون الله
عز وجل في عبادتكم غيره، وتتركون ما ينهاكم عنه من الشرك والمعاصي.
اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ
﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اْخَلِقِينَ (
أى أتعبدون صنما أنتم صنعتموه، وتتركون عبادة المستحق
١٣٩
الْأَوَّلِينَ
للعبادة وحده لا شريك له؟ فهو الذي صوَّركم وأنشأكم، وهو أحسن
المصورين الخالقين، ولا خالق سواه، وهو الذي يربيكم بنعمه بعد أن
أوجدكم من العدم، أنتم وأجدادكم. ويلاحظ الترتيب أنه لما عابهم على عبادة
غير الله، صرح بالتوحيد ونفي الشركاء.
﴿فَكَذَّبُهُ فَإِنَهُمْ لَمُحْضَرُونَ (9) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٣)﴾ أي فكذبوا
دعوته ونبوته، فصاروا بسبب تكذيبه لمحضرون في العذاب يوم القيامة،
ويجازون على ما قدموا من سوء الأعمال.
١٤٩
الُزُ (٢٣) - الصَّافَاتَ: ٣٧ / ١٢٣-١٣٢
ثم استثنى الله تعالى من كان مؤمناً من قومه، الذين وحدوا الله توحيداً
خالصاً وعبدوه، وأخلصوا العمل لله، فهؤلاء ناجون من العذاب، مثابون
ثواباً حسناً على صالح أعمالهم، لا يحضرون العقاب المقرر للمشركين.
ثم ذكر الله تعالى ما أنعم به على النبي إلياس، فقال:
﴾ أي أبقينا عليه ثناء جميلاً في الأمم المتتالية.
٢٩
﴿ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِ اُلْآَخِرِينَ
﴿سَلَمُ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ (٣)﴾ أي سلام من الله وملائكته وإنسه وجِنّه على
إلياس الذي آمن بكتاب الله، وقاوم الشرك والوثنية. وفي قراءة ﴿آَل يَاسِينَ﴾
أي عليه وعلى أهل دينه الذين آمنوا برسالته، واتبعوا الحق.
أي كما
إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
وَإِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
جازيناه بالتخلص من الشدة والمحنة، نجازي كل محسن عمله لله تعالى، وعلة
الجزاء الحسن: أنه مؤمن من جملة عباد الله المصدقين بوجود الله وتوحيده
واتصافه بالصفات الحسنى.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن إلياس عليه السلام أحد الأنبياء المرسلين إلى قومه الذين عبدوا
الأصنام، وتركوا عبادة الله تعالى.
◌َ - لقد حذَّرهم إلياس من عذاب الله، وعابهم على عبادة الأصنام،
وأمرهم بما فيه ترغيب وتعقل أمراً بعبادة الله الخالق الرازق المنعم، الذي
يربيهم بنعمه، هم وأجدادهم المتقدمون، وكذا الأجيال اللاحقة إلى يوم
القيامة.
◌َّ - أخبر الله تعالى عن قوم إلياس أنهم كذبوه فاستحقوا الإحضار إلى
عذاب جهنم في الآخرة.
١٥٠
الجُزُ (٢٣) - القَنَافَاتِيَ: ٣٧ /١٣٣-١٣٨
٤ - نَّى الله من العذاب الذين آمنوا بالله من قومه.
٥ - أبقى الله على إلياس الثناء الجميل في الأمم المتعاقبة والأجيال
المتلاحقة.
أَ - سلام من الله وملائكته وإنسه وجِنَّه على إلياس على مدى الحياة.
لاً - يجزي الله الجزاء الأوفى كل من أحسن عمله لله تعالى، وسبب الجزاء
لإلياس ومن آمن معه: أنه مؤمن بالله إيماناً صادقاً خالصاً من أي شائبة.
قصة لوط عليه السلام
﴿ إِلَّا عَجُوزًا فِ
إِذْ نَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌَ
١٣٣١
وَإِنَّ لُوطَاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ
الْغَبِرِينَ ﴿١٣) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ
وَبِلَيْلُ أَفَلاَ
١٣٧
وَإِنَّكُمْ لَمُونَ عَلَيَّهِم مُّصْبِحِينَ
١٣٦
١٣٨
تَعْقِلُونَ
المفردات اللغوية:
﴿وَإِنَّ لُوطًا﴾ هو لوط بن هاران أخي إبراهيم عليه السلام ابن تارح، آمن
بإبراهيم، وأرسله الله إلى أهل سَدُوم أهل المنكرات والمعاصي والفواحش.
(الْغَيِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿دَمَّرْنَا﴾ أهلكنا. ﴿اَلَْخَرِينَ﴾ كفار قومه.
﴿ وَإِنَّكُمْ لَنَّهُونَ عَلَيَّهِم﴾ وإنكم يا أهل مكة لتمرون على منازلهم وآثارهم في
أسفاركم ومتاجركم إلى الشام، فإن (سدوم) في طريقه. ﴿قُّصْبِحِينٌ﴾ وقت
الدخول في الصباح، أي أول النهار. ﴿وَبِأَلَيْلِ﴾ أي وفي المساء. ﴿أَفَلاَ
تَعْقِلُونَ﴾ أفليس فيكم عقل تعتبرون به يا أهل مكة؟
المناسبة:
هذه هي القصة الخامسة من قصص هذه السورة، ذكرها تعالى ليعتبر بها
١٥١
الُعُ (٢٣) - القَنَافَاتَ: ٣٧ / ١٣٣-١٣٨
مشركو العرب، فإن الذين كفروا وعصوا من قوم لوط عليه السلام هلكوا،
والذين آمنوا نجوا.
التفسير والبيان:
﴿وَإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ أي وإن لوطاً من الأنبياء الذين أرسلهم
الله إلى قومه (أهل سَدُوم) لارتكابهم الفواحش، فنصحهم فأبوا نصحه،
فأهلكهم الله بالزلزال أو بالصيحة والحجارة المحرقة، فجعل بلادهم عاليها
سافلها، ونجاه وأهله الذين آمنوا به إلا امرأته، كما قال تعالى:
﴿إِذْ نَخَيْنَهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينٌ (٤) إِلَّا عَجُوزًا فِ الْغَبِينَ (٢٩)﴾ أي نجينا لوطاً
وأهله المؤمنين به جميعاً، إلا امرأته، فإنها هلكت وبقيت في العذاب؛ لرضاها
بفعل القوم، وتواطئها معهم على القوم الذين يأتون إلى لوط عليه السلام.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْأَخَرِينَ (٣)﴾ أي ثم أهلكنا قومه الذين كذّبوا برسالته وهم
أهل الفاحشة (فعل قوم لوط) عدا من نجيناهم.
وهنا نبَّه الله تعالى مشركي مكة إلى الاعتبار بمصير هؤلاء المكذبين العصاة،
فقال :
وَ بِلَيْلِّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (٣٨)﴾ أي وإنكم
٣٧
﴿ وَإِنَّكُمْ لَنَهُّونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينٌ
يا أهل مكة تمرون على منازلهم التي فيها آثار العذاب في وقت الصباح، أي
بالنهار ذهاباً إلى الشام، وفي الليل أثناء رجوعكم من الشام أفلا تتدبرون
بعقل واع، وتتعظون بما تشاهدونه في ديارهم من آثار التدمير وعقوبة الله
النازلة بهم، فتخافوا من أن يحلّ بكم العذاب نفسه، وتصيروا إلى مثل
المصير، لمخالفتهم رسولهم.
وأشار الله تعالى إلى الصباح والليل؛ لأن المسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في
الليل وفي أول النهار.
١٥٢
لُعُ (٢٣) - الصَّافَاتَ: ٣٧ / ١٣٩-١٤٨
فقه الحياة أو الأحكام:
يقص الله تعالى قصص الأنبياء السابقين للعظة والعبرة، ومن هذه
القِصص: قصة لوط عليه السلام مع قومه أهل سَدُوم، فأرشدهم إلى عبادة
الله تعالى، وترك عبادة الأصنام، واجتناب الفواحش والمنكرات، ومنها إتيان
الرجال، فكذبوه وعصوا أمر ربهم، فعاقبهم الله بالزلزال، فدمر ديارهم
وأهلكهم، وفَجَّى الله لوطاً وأهله الذين آمنوا برسالته إلا زوجته التي كانت
راضية بأفعال القوم، وتدلهم على ضيوف لوط عليه السلام.
هذه عبرة وأي عبرة، لذا حذّر تعالى مشركي مكة الذين يرون في أسفارهم
ومتاجرهم إلى الشام آثار ذلك الدمار، ونبههم إلى ضرورة العظة والاعتبار
بمصير هؤلاء الذين كذبوا رسولهم، حتى لا يحل بهم ما حلَّ بغيرهم.
قصة يونس عليه السلام
فَسَاهَمَ فَكَانَ
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
١٣٩
﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
١٤١
مِنَ الْمُدْحَضِينَ
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ
١٤٣
لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ
١٤٤
فَنَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
١٤٥
وَأَنْبَتْنَا عَلَّهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ
١٤٨
فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
٤٧
وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
الإعراب:
﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿أَوْ﴾: إما للتخيير، أي يتخير الرائي في أن يعدهم مئة
ألف أو يزيدون، وإما للشك من الرائي، إذا رآهم شك في عدتهم لكثرتهم،
وإما بمعنى (بل) وإما بمعنى الواو، والوجهان الأولان مذهب البصريين،
والوجهان الآخران مذهب الكوفيين.
١٥٣
الُ (٢٣) - القَنَافَاتَ: ٣٧ / ١٣٩-١٤٨
البلاغة:
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ (٣)﴾ في ﴿أَبَقَ﴾ استعارة تصريحية، شبه
خروج يونس عليه السلام بغير إذن ربه بإباق العبد، أي هربه من سيده.
المفردات اللغوية:
﴿ وَإِنَّ يُونُسَ﴾ هو نبي الله يونس بن متى، من أنبياء اليهود بني إسرائيل في
الظاهر أرسله الله عقيب نبوته إلى مدينة كبرى ليدعو أهلها (هم أهل نينوى)
إلى توحيد الله، وترك الوثنية . ﴿أَبَقَ﴾ أصل الإباق: الهرب من السيد، والمراد
هنا أنه ترك البلد بغير إذن ربه . ﴿اَلْفُلَكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة في صورة
المغاضب لربه، وهو في الحقيقة غاضب من قومه، لمّا لم يُنزل بهم العذاب الذي
وعدهم به، فركب السفينة، فوقفت في لجَّة البحر، فقال الملاحون: هنا عبد
أَبَقَ (هرب) من سيده، تظهره القرعة.
﴿فَسَاهَمَ﴾ فقارع من في الفلك، أي اقترع أهل السفينة. ﴿اُلْمُدْخَضِينَ﴾
المغلوبين بالقرعة، فقال: أنا الآبق، فألقوه في البحر . ﴿فَالْنَقَمَهُ﴾ ابتلعه.
﴿ مُلِيمٌ ﴾ آتٍ بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر، وركوبه السفينة بلا إذن من
ربه . ﴿اَلْمُسَبِّحِينَ﴾ الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح مدة عمره، وفي بطن الحوت
بقوله: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢١/
٨٧]. ﴿لَبِثَ فِى بَطْنِهِ، إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ (19﴾ أحياء، أي لصار بطن الحوت
قبراً له إلى يوم القيامة.
﴿فَبَذْنَهُ﴾ ألقيناه من بطن الحوت، بأن حملنا الحوت على لفظه.
﴿بِالْعَرَآءِ﴾ بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت، في الساحل، في يومه
أو بعد أيام، والله أعلم، روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس
فيه يونس ويسبح، حتى انتهوا إلى البر، فلفظه. ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ عليل مما ناله،
قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يولد. ﴿ وَأَبْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾ أي فوقه. (شَجَرَةً مِّن
١٥٤
الجُزُ (٢٣) - الصَنَّا فَاتِ: ٣٧ / ١٣٩-١٤٨
يَقْطِينٍ﴾ وهو الدُّبّاء أو القَرْع المعروف، غّته بأوراقها عن الذباب، وظلَّلته
بساق على خلاف العادة في امتداد القرع على الأرض، معجزة له، وقيل: هو
الْمَوْز يتغطى بورقه، ويستظل بأغصانه، ويفطر على ثماره، وقيل: التين. قيل
لرسول الله وَله: إنك لتحب القرع؟ قال: ((أجل، هي شجرة أخي يونس)).
ويقال: وكانت تأتيه وعلة صباحاً ومساء يشرب من لبنها حتى قوي.
﴿ وَأَرْسَلْنَهُ﴾ بعد ذلك إلى قوم هم أهل نينوى من أرض الموصل .﴿إِلَى
مِأْتَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ في مرأى الناظر، إذا نظر إليهم قال: هم مئة ألف أو
أكثر، والمراد: الوصف بالكثرة . ﴿فَامَنُواْ﴾ عند معاينة أمارات العذاب
الموعودين به . ﴿فَمَّعْنَهُمْ﴾ أبقيناهم ممتعين بما لهم في الدنيا. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى
أجلهم المسمى ومنتهى أعمارهم.
المناسبة:
هذه هي القصة السادسة والأخيرة في هذه السورة، وإنما جعلت خاتمة
للقصص؛ لأن يونس عليه السلام لما لم يصبر على أذى قومه، وأبق إلى
الفلك، وقع في تلك الشدائد، وفي هذا عبرة ودرس وتعليم للنبي وَّ ليصبر
على أذى قومه. جاء في الصحيحين عن رسول الله ويقول أنه قال: ((ما ينبغي لعبد
أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)) ونسبه إلى أمه، وفي رواية: إلى أبيه.
التفسير والبيان:
ذكر الله يونس في القرآن باسمه أربع مرات(١)، وذكره بوصفه مرتين، في
سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا﴾ [٨٧] وفي سورة القلم: ﴿وَلَا
تَكُن كَصَاحِبٍ اُلْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [٤٨].
(١) في سورة النساء (١٦٣) والأنعام (٨٦) ويونس (٩٨) والصافات (١٣٩).
١٥٥
الزُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ /١٣٩-١٤٨
﴾ إن يونس بن متى وهو ذو النون أحد
٣٩
﴿ وَإِنَّ يُؤنُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
الأنبياء المرسلين إلى قومه أهل نينوى بالموصل. قال المفسرون: كان يونس قد
وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب، خرج عنهم وقصد البحر،
وركب السفينة، فكان كالفارّ من مولاه، فوصف بالإباق.
فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْخَضِينَ (4) أي
﴿ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ اٌلْمَشْحُونِ
اذكر حين هرب من قومه مغاضباً قومه إلى السفينة المملوءة بغير إذن ربه،
فقارع أهل السفينة، فكان من المغلوبين في القرعة التي اقترعوها ليلقوا بعضهم
في البحر، خوفاً من غرق السفينة الثقيلة الحمولة، فألقوه في البحر بعد أن
وقعت القرعة عليه ثلاث مرات.
وأصل الإباق: هرب العبد من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن
ربه، وصف به.
فابتلعه الحوت، وهو مليم نفسه على ما
(فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ
فرط منها أو هو آت ما يلام عليه، من ترك قومه بغير إذن ربه، وكان عليه أن
يصبر على أذى قومه. والخروج بغير إذن الله كبيرة على الأنبياء؛ لأن حسنات
الأبرار سيئات المقربين.
١٤٤
(1) لَلِثَ فِى بَطْنِهٍِ إِلَى يَوْمِ يُّبْعَثُونَ
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌ
أي لولا أنه كان في حياته من الذاكرين الله كثيراً، المسبحين بحمده، المصلين
له، للبث ميتاً في بطن الحوت، وصار له قبراً إلى يوم القيامة؛ لأن العادة أن
يُهضم كسائر أنواع الغذاء.
جاء في الحديث الصحيح الذي ذكره النووي في الأربعين النووية عن ابن
عباس في رواية غير الترمذي: ((تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة))
و کما کان مسبّحاً ربه في حياته، سبح الله في بطن الحوت، كما قال عز وجل:
﴿فَنَادَى فِىِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
١٥٦
لِزُعُ (٢٣) - القَنَافَاتَ: ٣٧ / ١٣٩-١٤٨
، فَأُسْتَجَبْنَا لَهُ وَنََّهُ مِنَ الْغَدَّ وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ
٢١ /٨٧-٨٨] .
[الأنبياء:
ألقيناه، بأن جعلنا الحوت يلقيه،
٤٥
فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ
في مكان خال ليس فيه شجر ولا نبت ولا بناء، على جانب دجلة، وهو عليل
الجسم ضعيف البدن، كهيئة الصبي حين يولد.
أي أنبتنا عليه شجرة فوقه تظلل
﴿ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ (
عليه هي شجرة الدُّبَّاء وهو القرع، وهذا سريع النمو، وقدرة الله تجعل الشيء
كن فيكون. ذكر بعضهم في القرع فوائد: منها سرعة نباته، وتظليل ورقه لكبره
ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمرته، وأنه يؤكل نيئاً
ومطبوخاً بلُبّه وقشره أيضاً. وقد ثبت أن رسول الله وَ له كان يجب الدباء،
ويتبعه من حواشي الصَّحْفة. وقد مكث يونس في هذه الحالة حتى اشتد لحمه
ونبت شعره، ثم جاءه الأمر الإلهي:
١٤٨
فَشَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
١٤٧
﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِْتَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
أي أرسله الله عائداً إلى القوم الذين هرب منهم إلى البحر، وهم أهل نِينَوى
من أرض الموصل، وعددهم مئة ألف، بل أكثر من ذلك، فهم يزيدون عن
هذا العدد، فدعاهم إلى ربه مرة أخرى، فصدقوه كلهم وآمنوا به، بعدما
شاهدوا أعلام نبوته، وأمارات العذاب، فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء
آجالهم ومنتهى أعمارهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَاَ
إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَقَّآ ءَامَنُوْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
(٩٨)﴾ [يونس: ٩٨/١٠].
وَمَنَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت قصة یونس إلى ما يأتي:
١٥٧
لُعُ (٢٣) - الصَّافَاتِ: ٣٧ / ١٣٩-١٤٨
راً - وقعت حادثة التقام الحوت يونس عليه السلام بعد أن صار رسولاً؛
(٣) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
١٤٠
أي إنه كان من المرسلين حينما أبق إلى الفلك.
أَ - لا يصح لنبي المهاجرة عن بلد القوم الذين أرسل إليهم إلا بإذن ربه،
فلما ذهب يونس عليه السلام بغير إذن ربه، وصف فعله بالإباق. قال
العلماء: إنما قيل ليونس: أبق عن العبودية؛ لأنه خرج بغير أمر الله عز
وجل، مستتراً من الناس. وإنما العبودية: ترك الهوى، وبذل النفس عند أمور
الله عز وجل، فلما آثر هواه لزمه اسم الآبق.
ولم يبين لنا القرآن الكريم سبب إباقه، وقد فهم ذلك بالأمارات.
ءَّ - القرعة جائزة شرعاً، وملزمة الأثر كالقسمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ
(٤). لكن المستقر في تشريعنا أنه لا يجوز الاقتراع على
فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
إلقاء الآدمي في البحر، وإنما تطبق عليه الحدود والتعزيرات على مقدار جنايته.
وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه.
٤ - أتى يونس عليه السلام بما يلام عليه، فأصابته القرعة ثلاث مرات،
فألقوه في البحر، تخفيفاً لحمولة السفينة، فالتقمه الحوت، وهو آتٍ بما يلام
علیه.
٥ - لم يبين القرآن الكريم مدة لُبْثه في بطن الحوت، لذا اختلف العلماء في
تعيين المدة، فقيل: بعض يوم، أو ساعة واحدة، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل:
سبعة أيام، وقيل: عشرين يوماً، وقيل: أربعين يوماً(١). والمعول عليه أن الله
أبقاه حياً في بطن الحوت، فجعله عسير الهضم عليه، في مدة قليلة أو كثيرة،
معجزة له.
(١) تفسير القرطبي: ١٢٣/١٥
١٥٨
لُ (٢٣) - القَنَافَاتَّ: ٣٧ /١٣٩-١٤٨
أَ - لقد نجى الله تعالى يونس عليه السلام؛ لأمرين: أنه كان من المسبحين
الذاكرين الله كثيراً طوال عمره، ومن تعرف على الله وقت الرخاء عرفه وقت
الشدة، وأنه أعلن توبته في بطن الحوت الذي حماه الله من هضمه، فقال:
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. لذلك قيل: إن
العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر. وقال الحسن البصري: ما كان له صلاة
في بطن الحوت، ولكنه قدم عملاً صالحاً في حال الرخاء، فذكّره الله به في
حال البلاء، وإن العمل الصالح ليرفع صاحبه، وإذا عثر وجد متكأ.
ومن هذا المعنى قوله عليه فيما رواه الضياء عن الزبير: ((من استطاع منكم
أن تكون له خب (أي خبيئة) من عمل صالح فليفعل)) أي فليجتهد العبد،
ويحرص على خصلة من صالح عمله، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم
فاقته وفقره، ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه.
أما تسبيحه فقال القرطبي: الأظهر أنه تسبيح اللسان الموافق للجنان. جاء
في كتاب أبي داود عن سعد بن أبي وقاص عن النبي وَّ قال: ((دعاء ذي النون
في بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ سُبْحَنَكَ إِنِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، لم
يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له)).
٧ - كان من تتمة نعمة الله على يونس عليه السلام أنه بعد أن ألقاه
الحوت، وهو في حال من الضعف، بساحل قرية من الموصل، أنبت عليه
لحمايته وتظليله شجرة من يقطين. روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: طرح
يونس بالعراء، وأنبت الله عليه يقطينة؛ قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟
قال: شجرة الدُّبَّاء؛ هيأ الله له أُرْوية(١) وحشية تأكل من خَشاش الأرض -
أو هشاش الأرض - فَتَفْشِج (٢) عليه، فترويه من لبنها، كل عشية وبكرة حتى
نبت.
(١) الأروية: الأنثى من الوعول.
(٢) تفشج: تفرج ما بين رجليها.
١٥٩
الْجُ (٢٣) - القَنَا فَاتِيَ: ٣٧ / ١٤٩ -١٧٠
٨ - بعد أن اشتد لحمه ونبت شعره، أعاده الله إلى قومه الذين يزيد عددهم
عن مئة ألف، فدعاهم إلى ربه، فآمنوا لما رأوا أعلام نبوته، ليظهر الله إرادته
وقدرته له في الإيمان، ولما آمنوا أزال الله الخوف عنهم، وآمنهم من العذاب،
ومتعهم الله بمتاع الدنيا إلى منتهى أعمارهم.
تفنيد عقائد المشركين
فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (٢٦) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَانًا
﴿ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
وَهُمْ شَهِدُونَ ﴿ أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ
(١٥٢
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحْكُمُونَ
١٥٤
) أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ (
١٥٥)
أَمْ
لَكُمْ سُلْطَنٌ مُِّيرٌ
٢َ فَأَتُواْ بِكِنَبِكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
١٥٧
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اُلِنَّةِ
نَسَبَّ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ
١٥٨
اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
إِلَّا مَنْ هُوَ صَالٍ
مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَئِنِينَ
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ
١٦٤
وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومُ
١٦٣
الْجَحِيمِ
وَإِنَّا لَنَحْنُ
١٦٥
اٌلْسَبِّحُونَ
وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ ﴿ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْرًا مِّنَ الْأَوَّلِينَ
(١٦٨)
لَكُنَّا عِبَادَ
٧٠
فَكَفَرُواْ بِّ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
١٩٩
اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
القراءات:
نَذَّكَّرُونَ﴾ : قرئ:
١- (تَذَكَّرون) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (تَذَّكَّرون) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ اَلْمُخْلَصِينَ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (المخلِصين).
١٦٠
الُ (٢٣) - القَنَا فَاتَّ: ٣٧ /١٤٩-١٧٠
الإعراب:
﴿أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌَ ﴿َ﴾﴾ ﴿إِنَّهُم﴾ مكسورة بعد ﴿ أَلَّ
لأنها مبتدأة، ولولا اللام في ﴿لَيَقُولُونٌَ﴾ لجاز فتحها على أن تكون ﴿أَلَّ
بمعنى: حقاً، تقول: أحقاً أنك منطلق.
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ قرئ بهمزة من غير مد، أصله ((اصطفى)) بهمزة وصل،
فأدخلت عليه همزة الاستفهام، فاستغني بها عن همزة الوصل، فحذفت، مثل
((أستغفرت)). ومن قرأه بالمد أبدل من همزة الوصل مدة كإبدال همزة لام
التعريف، نحو: الرجل عندك، ونحو ﴿ءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩/١٠].
﴾ ﴿مَنْ﴾: في موضع نصب ب﴿ بِفَتِنِينَ﴾
﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ
وقرئ ﴿صَالُ الْجَحِيمٍ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: إما حذف لام ﴿صَالِ﴾ وهي الياء،
وإما قلب اللام التي هي الياء من ((صالي)) إلى موضع العين، فصار ((صايل)) ثم
حذف الياء، فبقيت اللام مضمومة، وفيه بُعْد، وإما أصله ((صالون)) جمع
صال، حملاً على معنى ((من) فحذفت النون منه للإضافة، وحذف الواو لالتقاء
الساكنين.
تقديره: وما منا أحد إلا له مقام معلوم.
﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومُ
إن: مخففة من الثقيلة، وتقديره: وإنْهم كانوا
﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ
ليقولون، ودخلت اللام فرقاً بين المخففة والثقيلة.
البلاغة:
﴿الْبَنَاتُ﴾ ﴿الْبَنِينَ﴾ بينهما طباق.
﴿أَلِرَبِكَ الْبَنَاتُ﴾ ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَاثًا﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَّحْكُمُونَ
١٥٤
(٤): تتابع الاستفهام للتوبيخ.
◌ِ﴾ ﴿أَمَّ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
﴿أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ