Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ الجُزءُ (٢٣) - يَسّ}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ المفردات اللغوية: ﴿ وَأَمْتَزُواْ﴾ تميزوا وانفردوا عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم، أي ويقال للمجرمين: اعتزلوا في الآخرة عن الصالحين. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أوصي وآمر على لسان رسلي، والعهد: الوصية، وهذا من جملة ما يقال لهم تقريعاً وإلزاماً للحجة . ﴿أَن لَا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ﴾ ألا تطيعوه، والمراد: عبادة غير الله من الآلهة الباطلة، مما زين به الشيطان وأمر به. ﴿عَدُوٌّ ◌ُِّينٌ﴾ بَيِّن العداوة. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِ﴾ وحدوني وأطيعوني، أي ألم أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان، وبعبادتي . ﴿هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي طريق معتدل قويم، وهو دین الإسلام. (جِيلًا﴾ خلقاً وجمعاً عظيماً، جمع جبيل كقديم، وقرئ بضم الباء . ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ عداوة الشيطان وإضلاله لكم. ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ (٣) بها في الدنيا على ألسنة الرسل. ﴿ أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (®) ادخلوها وقاسوا حرها بسبب كفركم بالله في الدنيا، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان. ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَهِهِمْ﴾ أي نمنعها من الكلام، والمراد أفواه الكفار. ﴿ وَتُكَلِّمُنَا أَيَدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم﴾ وغيرها، بأن يخلق الله فيها القدرة على الكلام . ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي يقترفون، فكل عضو ينطق بما صدر منه، قال البيضاوي: أي بظهور آثار المعاصي عليها، ودلالتها على أفعالها، أو بإنطاق الله تعالى إياها . ﴿لَطَمَسْنَا عَلَىَ أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أعميناهم، والطمس: إزالة الأثر بالمحو. ﴿فَأَسْتَبَقُواْ الْصِرَاطَ﴾ أي ابتدروا إلى الطريق المألوف لهم ليمضوا فيه . ﴿فَأَّى يُبْصِرُونَ﴾ أي فكيف يبصرون الطريق والحق حينئذ؟ أي لا يبصرون. ﴿لَمَسَخْنَهُمْ﴾ أي لو شئنا تغيير صورتهم إلى صورة أخرى قبيحة. ﴿عَلَى ٤٢ الجُزُرُ (٢٣) - سن}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ مَكَانَتِهِمْ﴾ أي مكانهم، بحيث يجمدون فيه، وقرئ: مكاناتهم جمع مكانة، بمعنى مكان، أي في منازلهم. ﴿فَمَا أُسْتَطَعُواْ مُضِيًّا﴾ ذهاباً. ﴿وَلَا يَرَجِعُونَ﴾ أي ولا رجوعاً، أي لم يقدروا على ذهاب ولا عودة. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ ومن نطل عمره. ﴿نُنَكِّسْهُ فِ اْخَلْقِ﴾ نغير خلقه ونقلبه فيه، ونجعله على عكس ما كان عليه أولاً من القوة والطراوة، فيصبح بعد قوته وشبابه ضعيفاً هرماً . ﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ والبعث، فيؤمنوا. المناسبة: بعد بيان حال المحسنين في الآخرة، أعقبه تعالى ببيان حال المجرمين في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يميزون عن المؤمنين، ويصلون نار جهنم خالدين فيها أبداً بسبب كفرهم واتباع وساوس الشيطان، وفي الدنيا لم يعاجلهم بالعقوبة رحمة منه، فلم يشأ أن يذهب أبصارهم، أو يمسخ صورهم ويجعلهم كالقردة والخنازير، وأعطاهم الفرصة الكافية من العمر في الدنيا ليتمكنوا من النظر والاهتداء، قبل أن يضعفوا ويعجزوا عن البحث والإدراك، وذلك تحذير واضح لهم. التفسير والبيان: يخبر الله تعالى عن حال الكفار يوم القيامة بتمييزهم عن المؤمنين في موقفهم، فيقول: (ج) أي يقال للمجرمين الكافرين في ﴿ وَأَمْتَزُوْ اَلْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ الآخرة: تميزوا في موقفكم عن المؤمنين، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَلْنَا بَيْنَهُمْ [يونس: ٢٨/١٠] وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ ١٤ ٤٣ الُ (٢٣) - تَسَنٌ}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ [الروم: ١٤/٣٠] ﴿يَوْمَبِذٍ يَصَّذَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣/٣٠] أي يصيرون صدعين فرقتین. أو المراد: يمتاز المجرمون بعضهم عن بعض، فاليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة، والماديون والملحدون فرقة، وهكذا. ثم أبان الله تعالى سبب تمييزهم عن غيرهم، موبخاً ومقرعاً لهم على كفرهم، فقال : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ أي ألم أوصكم وآمركم وأتقدم إليكم على لسان الرسل يا بني آدم مُبِينٌ (٥) ألا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من معصيتي ومخالفة أمري؛ فإن الشيطان ظاهر العداوة لكم، بدءاً من أبيكم آدم عليه السلام. وبعد النهي عن عبادة غير الله أمر تعالى بعبادته، فقال: أي وأن وحّدوني وأطيعوني ﴿ وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَفِيٌ فيما أمرتكم به، ونهيتكم عنه، وهذا المأمور به والمنهي عنه هو الطريق المعتدل القويم، وهو دين الإسلام. ثم أخبر الله تعالى عن مساعي الشيطان في إضلال السابقين، فقال: ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمَ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾؟ أي لقد أغوى الشيطان خلقاً كثيراً، وزين لهم فعل السيئات، وصدهم عن طاعة الله وتوحيده، أفلم تعقلوا عداوة الشيطان لكم، وتبتعدوا عن مثل ضلالات السابقين، حتى لا تعذبوا مثلهم. ثم بيَّن الله تعالى مآل أهل الضلال قائلاً لهم يوم القيامة تقريعاً وتوبيخاً: : ٤٤ اِلُعُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ : أي هذه النار التي وعدتم بها في ﴿هَذِهِ، جَهَنَُّ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( الدنيا وحذرتكم منها على ألسنة الرسل فكذبتموهم، وقد برزت لهم لإرهابهم. ﴿ أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (®﴾ ادخلوها وذوقوا حرّها اليوم، بسبب كفركم بالله في الدنيا، وتكذيبكم بها، وطاعتكم للشيطان، وعبادتكم للأوثان. وفي هذا الكلام إشارة إلى شدة ندامتهم وحسرتهم من وجوه ثلاثة(١): اً - قوله تعالى: ﴿أَصْلَوْهَا﴾ وهو أمر تنكيل وإهانة، كقوله تعالى لفرعون: [الدخان: ٤٤ /٤٩] . ٤٩٦ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أَ - قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ﴾ الذي يدل على أن العذاب حاضر، وأن لذاتهم قد مضت، وبقي العذاب اليوم. ◌َّ - قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ الذي ينبئ عن الكفر بنعمة عظيمة، وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام، كما قال بعضهم: أليس بكاف لذي نعمة حياء المسيء من المحسن ثم أبان الله تعالى مدى مواجهتهم بالجرم الذي ارتكبوه دون أن يستطيعوا إنكاره، فقال: ﴿اَلْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ ﴾ أي في هذا اليوم الرهيب، يختم الله على أفواه الكافرين ٦٥ يَكْسِبُونَ. والمنافقين ختماً لا يقدرون معه على الكلام، ويستنطق جوارحهم بما عملت، فتنطق أيديهم وأرجلهم بما اقترفت، ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت أعواناً لهم على المعاصي، صارت شهوداً عليهم. (١) تفسير الرازي ١٠١/٢٦ ٤٥ الُزُ (٢٣) - تين}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ وجعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل؛ لأن أكثر الأفعال تتم بمباشرة الأيدي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمٌ﴾ [يس: ٣٥/٣٦] وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بَِدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥/٢] أي ولا تلقوا بأنفسكم، والشاهد على العمل ينبغي أن يكون غيره، فجعل الأرجل والجلود من جملة الشهود، لتعذر إضافة الأفعال إليها. روى مسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: ((يقول العبد يوم القيامة: لا أجيز علي إلا شاهداً من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يُخَلَّ بينه وبين الكلام، فيقول: بُعْداً لكُنّ وسُحْقاً، فعنْكُنَّ كنتُ أناضل)). ثم أوضح الله تعالى بعض مظاهر قدرته عليهم من إذهاب البصر والمسخ وسلب الحركة، فقال : ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَأَسْتَبَقُواْ الْصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ٦٦ أي ولو نريد لأذهبنا أعينهم وأعميناهم، فصاروا لا يبصرون طريق الهدى، فلو بادروا إلى الطريق المألوفة لهم ليسلكوها، لم يستطيعوا، وكيف يبصرون الطريق وقد ذهبت أبصارهم؟ ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا أُسْتَطَعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ ؛ أي لو شئنا لبدَّلنا خلقهم، وحولنا صورهم إلى صور أخرى أقبح منها كالقردة والخنازير، وهم في أمكنتهم ومواضعهم التي هم فيها يرتكبون السيئات، فلا يتمكنون من الذهاب والمضي أمامهم، ولا الرجوع وراءهم، بل يلزمون حالاً واحداً، لا يتقدمون ولا يتأخرون. ثم حذرهم من تفويت فرصة الشباب والعمر، فقال تعالى: ٤٦ المُ (٢٣) - يَسْ}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ ﴾ أي ومن نطل عمره، ﴿ وَمَنْ نُعَِّّرُهُ نُنَكِّسْهُ فِىِ الْخَلْقِّ أَفَلَا يَعْقِلُونَ نرده إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، أفلا يدركون ويتفكرون أنهم كلما تقدمت بهم السن، ضعفوا وعجزوا عن العمل؟ وأننا أعطيناهم الفرصة الكافية من العمر للبحث والنظر والتفكير الصحيح، فإذا طالت أعمارهم بعدئذ أكثر من ذلك، فلن يفيدهم طول العمر شيئاً. وفي هذا قطع الأعذارهم بأنه لم تتوافر لديهم الفرصة المواتية للبحث والنظر. ﴿ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً والآية مثل : ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ٥٤ [الروم: ٥٤/٣٠]. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يلي: اً - إن سياسة العزل للمجرمين ستطبق في الآخرة بنحو تام وشامل، فيميز المجرمون عن المؤمنين، تحقيراً لهم، وإعداداً لسوقهم إلى نار جهنم، وذلك حين يؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، فيقال لهم: اخرجوا من جملتهم. وقال الضحاك: يمتاز المجرمون بعضهم من بعض، فيمتاز اليهود فرقة، والنصارى فرقة، والمجوس فرقة، والصابئون فرقة، وعبدة الأوثان فرقة. ٣ - يعاتب الكفار سلفاً في الدنيا قبل أن يعاقبوا في الآخرة، فيقال لهم من جهة الحق: ألم أوصكم وأبلّغكم على ألسنة الرسل ألا تطيعوا الشيطان في معصيتي، وأن توحدوني وتعبدوني، فإن عبادتي دين قويم. ٣٣ - يؤكد تعالى تحذيره من الشيطان قائلاً: لقد أغوى الشيطان بوساوسه خلقاً كثيراً، أفلا تعتبرون بالآخرين، وألا تعقلون عداوته، وتعلموا أن الواجب طاعة الله تعالى. ٤٧ الُهُ (٢٣) - يَسَنَّ}: ٣٦ / ٥٩-٦٨ ٤ - وتقول خزنة جهنم للكفار: هذه جهنم التي وعدتم، فكذبتم بها. روي عن أبي هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة، جمع الله الإنس والجن والأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم أشرف عُنق من النار على الخلائق، فأحاط بهم، ثم ينادي منادٍ: ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ أَصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣)﴾ فحينئذ تجثو الأمم على ركبها، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَرَى النَّاسَ سُكَفَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ج) [الحج: ٢٢ /٢])). ٥ - إن أعضاء الإنسان التي كانت أعواناً في حق نفسه، صارت عليه شهوداً في حق ربّه. والسبب في التعبير بكلام الأيدي وشهادة الأرجل أن اليد مباشرة للعمل، فتحتاج إلى شهادة غيرها. ومن وقائع الشهادة يوم القيامة أن المشركين قالوا كما حكى القرآن عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣/٦] فيختم الله على أفواههم، حتى تنطق جوارحهم. أَ - لو شاء الله لأعمى الكفار عن الهدى، فلا يبصرون طريقاً إلى منازلهم ولا غيرها، ولكنه لم يفعل رحمة بهم، وليتمكنوا من النظر الصحيح المؤدي إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له. لاً - ولو شاء الله لبدل خلقة الكفار إلى ما هو أقبح منها جزاء على كفرهم، ولجعلهم حجراً أو جماداً أو بهيمة، كالقردة والخنازير، وحينئذ لا يستطيعون أن يمضوا أمامهم، ولا يرجعوا وراءهم، كما أن الجماد لا يتقدم ولا يتأخر، ولكنه تعالى أيضاً لم يفعل، لرحمته الواسعة. ٨ - لا حاجة لإطالة أعمار الناس أكثر مما قدر تعالى لهم؛ لأنه كلما طال العمر ازداد الإنسان ضعفاً. والمقصود بالآية ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾ : ٤٨ الُعُ (٢٣) - تتز}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ الإخبار عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال تعالى في ختام الآية: ﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم، ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها، ولا انتقال عنها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة. ثم أفلا يعقلون أن من فعل هذا بهم قادر على بعثهم مرة أخرى؟! إثبات وجود الله ووحدانيته وبيان خواص الرسالة ﴿ وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ﴾ لِيُنذِرَ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ ٧٠ مَن كَانَ حَيَّا وَيَجِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ ٧٢ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ٧١ أَيَدِينَآَ أَنْعَكَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ وَهُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍّ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ VF وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةٌ لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ فَلاَ يَحْزُنكَ ٧٥ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٦ القراءات: ﴿ وَقُرْءَانٌ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (وقران). لِمُنذِرَ﴾: وقرأ نافع، وابن عامر (لتنذر). ﴿فَلَا يَحْزُنكَ﴾: ٠ وقرأ نافع (فلايُحْزِنك). ٤٩ لُرُ (٢٣) - تسرّ}: ٣٦ / ٦٩ -٧٦ الإعراب: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، وقرئ: ركوبهم وركوبتهم، وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة. حذف التاء من الأول، كقولهم: امرأة صبور وشكور، وكلاهما بمعنى مفعول. البلاغة: ﴿لَيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ بين الجملتين ما ٧٠ يسمى بالمقابلة، قابل بين الإنذار والإعذار، وبين المؤمنين والكفار. ﴿مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمًا﴾ استعارة تمثيلية، شبه قيامه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمراً بيديه، ويتقنه بذاته، واستعار لفظ العمل للخلق. ﴿وَهُمْ فِهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌّ﴾ بعد قوله: ﴿فَمِنْهَا رَگُهُمْ﴾ عام بعد خاص، لتعظيم النعمة. ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ استفهام إنكاري للتقريع والتوبيخ. يُسِرُونَ﴾ و﴿ يُعْلِنُونَ﴾ بينهما طباق. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ﴾ تشبيه بليغ، أي كالجند في الخدمة والدفاع. المفردات اللغوية: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ ردّ لقول المشركين في مكة: إن محمداً شاعر، وما أتى به من القرآن شعر، أي ما علمناه الشعر، بتعليم القرآن، فإنه لا يماثله لفظاً ولا معنى؛ لأنه غير موزون ولا مقفّى، والشعر: كلام موزون مقفّى. فالضمير في ﴿عَلَّمْنَهُ﴾ للنبي ◌َِّ. ﴿ وَمَا يَلْبَغِى لَهٌُ﴾ أي ما يصح له الشعر، ولا يتأتى منه، ولا يسهل عليه لو طلبه. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾ أي ما القرآن إلا عظة أو موعظة وإرشاد من الله . ﴿وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ﴾ أي وكتاب سماوي مظهر للأحكام والشرائع وغيرها، يتلى في أثناء العبادة. ٥٠ الدُّوءُ (٢٣) - يستر}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ لِيُنذِرَ﴾ القرآن أو الرسول وَهِ ﴿مَن كَانَ حَيًّا﴾ عاقلاً ما يخاطب به فَهِماً، أو حيّ القلب، مستنير البصيرة. ﴿وَيَحِقَّ اُلْقَوْلُ﴾ يجب العذاب ويثبت. ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ الذين يصيرون إلى الكفر، وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به . ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ﴾ يعلموا، والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة على (لم) للعطف . ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ للناس. ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآَ﴾ مما تولينا إحداثه وعملناه وأبدعناه بلا شريك ولا معين ﴿أَنْعَكَمًا﴾ هي الإبل والبقر والغنم، وخصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع. ﴿فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ﴾ متملكون ضابطون قاهرون، يتصرفون بها كيف شاؤوا، ولو خلقناها وحشية النفرت منهم، ولم يقدروا على ضبطها. ﴿ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ﴾ سخرناها لهم، وجعلناها منقادة لهم. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ مركوبهم. ﴿وَمِنْهَا يَأْكُونَ﴾ ما يأكلون لحمه. ﴿وَهُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ﴾ كأصوافها وأوبارها وأشعارها. ﴿ وَمَشَارِبٌّ﴾ من لبنها، جمع مشرب بمعنى الموضع، أو المصدر . ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ المنعم بها عليهم فيؤمنوا، إذ لولا خلقه لها وتذليله إياها لما حصَّلوا هذه المنافع المهمة. ﴿ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً﴾ من الأصنام ونحوها يعبدونها، ولا قدرة لها على شيء، ولا فائدة منها. ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ رجاء أن ينصروهم في وقت الأزمات والشدائد . ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي لا تستطيع آلهتهم مناصرتهم في شيء ما، وقد نزلوا منزلة العقلاء. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ﴾ أي وهم لآلهتهم من الأصنام جنود يذودون عنهم، ثم هم محضرون في النار معهم . ﴿فَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ﴾ فلا يهمّك قولهم في الله بالإلحاد والشرك، وفيك بالتكذيب، قائلين لك: لست مرسلاً . ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ نعلم السر والجهر، فنجازيهم عليه، وهو تعليل النهي على الاستئناف. ٥١ الجُزُ (٢٣) - بَينَ}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى أصلين من أصول الدين الثلاثة، وهما الوحدانية في (4) والبعث أو الحشر في قوله: قوله: ﴿وَأَنِ أَعْبُدُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمُ أَصْلَوْهَا الْيَّوْمَ﴾ ذكر الأصل الثالث ﴿هَذِهِ، جَهَنَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وهو الرسالة في الآيتين الأوليين: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ الآية. ثم إنه تعالى أعاد الكلام على الوحدانية وأقام الأدلة الدالة عليها في بقية هذه الآيات. التفسير والبيان: ينفي الحق تبارك وتعالى صفة الشعر عن القرآن، وخاصية الشاعرية عن الرسول وال، فيقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهٌُ﴾ أي ليس النبي شاعراً، وما يصح له الشعر، ولا يتأتى منه ولا يسهل عليه لو طلبه، فليس هو في طبعه، ولا يحبه، وقد جعله الله أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وإنما علمه الله قرآناً هو أسمى من الشعر، ونوع آخر غير الشعر. والشعر: كلام عربي له وزن خاص، ينتهي كل بيت منه بحرف خاص يسمى قافية، ولا بدّ في القصيدة من وحدة القافية، أي الحرف الأخير من كل بيت. ويعتمد الشعر على الخيال الخصب، والتصوير الرائع، والعاطفة المشبوبة، ولا يتبع الشاعر فيه ما يمليه العقل والمنطق، ولا يتحرى الصدق والدقة في إرسال أوصاف المديح والهجاء والرثاء والغزل وغير ذلك، ويبالغ الشاعر في التصوير والوصف، وما هُّه إلا انتزاع الإعجاب من السامعين بقوله، لذا وصف تعالى الشعراء بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢) [الشعراء: ٢٢٥/٢٦-٢٢٦] وقال وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ٢٢٥ ٥٢ - الُ (٢٣) - تَسَنّ: ٣٦ / ٦٩-٧٦ العرب: أعذب الشعر أكذبه. قال أبو حيان: والشعر: إنما هو كلام موزون مُقَفَّى، يدل على معنى تنتخبه الشعراء من كثرة التخييل وتزويق الكلام وغير ذلك، مما يتورع المتدين عن إنشاده، فضلاً عن إنشائه(١). أما القرآن الكريم فخبره صدق، وكلامه عظة واقعية، ومنهجه التشريع الذي يسعد البشر، وقصده الترغيب في فضائل الأعمال وغرر الخصال والأخلاق، والترهيب من الانحراف والرذيلة، وتقرير أحكام العبادة الصحيحة والمعاملة الرشيدة. فالآية دلت على نفي كون القرآن شعراً في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾، ونفي كون النبي شاعراً في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَلْبَغِى لَهُ﴾ وإنما علّمه الله القرآن الذي يمتاز بخاصية معينة تختلف عن الشعر المعروف وعن النثر المألوف. وهي ردّ قاطع على قول العرب أهل مكة: إن القرآن شعر أو سحر أو من عمل الكهان، وإن محمداً شاعر، قاصدين بذلك إبطال صفة الوحي به من عند الله، وتكذيب خاصيّة الرسالة. وأما ما ورد على لسان الرسول وَله من أقوال موزونة، فهو مجرد سليقة اتفاقية من غير تكلف ولا صنعة ولا قصد، مثل قوله يوم حنين وهو راكب البغلة البيضاء يقدم بها في نحور العدو: أتا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقوله مَ ل حينما نكبت أصبعه في غار: إن أنتِ إلا أُصبحٌ دَمِيتِ وفي سبيل الله ما لَقيتٍ بل إن الخليل بن أحمد الفراهيدي ما عدَّ المشطور من الرجز شعراً. (١) البحر المحيط: ٣٤٥/٧ ٥٣ الجُزءُ (٢٣) - تَسَنّ}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ ولكنه وَله كان يتمثل أحياناً ببعض الأشعار لشعراء العرب، مثل تمثله ببيت طرفة بن العبد في معلَّقته المشهورة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود وقد صحَّ فيما رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها أنه کان یقول: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس هذا هكذا، فقال ◌َله: ((إني لست بشاعر ولا ينبغي لي)». وروى ابن سعد وابن أبي حاتم عن الحسن: ((أنه ◌َّ كان يتمثل بهذا البيت هكذا : كفى بالإسلام والشيب ناهياً للمرء، والرواية: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً، فقال أبو بكر: أشهد إنك رسول الله، ما علمك الشعر، وما ينبغي لك)». وثبت في الصحيح أنه وَلّ تمثَّل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ولكن تبعاً لقول أصحابه الذين كانوا يرتجزون، وهم يحفرون ويقولون : لا همَّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبِّت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع وَ ل صوته بقوله: أبينا، ومدّها. وعدم تعليمه الشعر؛ لأن الله إنما علّمه القرآن العظيم: ﴿لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ ﴾ [فصلت: ٤٢/٤١]. ٤٢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ٥٤ الُعُ (٢٣) - تسنّ}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ والقرآن ليس بشعر ولا تخيلات، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، وإنما هو دستور للحياة الإسلامية، ومواعظ وإرشادات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُبِينٌ﴾ أي ما القرآن إلا ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ، وکتاب سماوي واضح ظاهر جلي لمن تأمله وتدبره، يتلى في المعابد، ويسترشد في كل شؤون الحياة. لذا قال تعالى محدِّداً مهمة القرآن ومهمة رسول الله وعليه : أي لينذر هذا ﴿لِيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ القرآن المبين كل حي على وجه الأرض، كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦] ولكن إنما ينتفع بنذارته من هو حيّ القلب، مستنير البصيرة، ولكي تثبت به وتجب كلمة العذاب على الكافرين، الممتنعين من الإيمان به، وهذا في مقابلة صفة المؤمنين وهم أحياء القلوب، أما الكافرون فهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أشبه بالأموات في الحقيقة، لعدم تأثرهم بعظات القرآن، وانعدام يقظتهم لاتباع الحق والهدى. والخلاصة: إن الآية دالة على أن القرآن رحمة للمؤمنين، وحجة على الكافرين. ثم أعاد الله تعالى الكلام في الوحدانية وأتى ببعض أدلتها، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمَّا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ أي أو لم يشاهد هؤلاء المشركون بالله عبدة الأصنام وغيرهم أن الله خلق لهم هذه الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) التي سخرها لهم، وأوجدها من أجلهم من غير وساطة ولا شريك، وجعلهم مالكين لها، يقهرونها ويضبطونها ويتصرفون بها كيف شاؤوا، وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، ولو شاء لجعلها مستعصية عليهم، مستوحشة نافرة منهم، فلا يستفيدون منها، فترى الولد الصغير يقود البعير الكبير، بل ولو كان القطار مئة بعير أو أكثر. ٥٥ الُرُ (٢٣) - بسنّ}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ ثم أبان الله تعالى منافعها الملموسة، فقال: ﴿وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (®﴾ أي وجعلناها لهم مسخّرة مذلَّلة منقادة لهم، لا تمتنع مما يريدون منها، حتى الذبح، فمنها مركوبهم الذي يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها ما يأكلون من لحمها. ﴿وَهُمْ فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍّ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ( أي ولهم فيها منافع أخرى ٧٣ غير الركوب والأكل منها، كالاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، وهي لهم مشارب أي يشربون من ألبانها، أفلا يشكرون خالق ذلك ومسخره وموجد هذه النعم لهم، بعبادته وطاعته، وترك الإشراك به غيره. وهذا حثّ صريح على شكر الخالق المنعم بعبادته وطاعته، وهو أبسط ما يوجبه الوفاء، وتقدير المعروف والإحسان. ولكن الكفار تنكروا لهذا الواجب، وكفروا بأنعم الله، واستمروا في ضلالهم وتركوا عبادة الله، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة، فقال تعالى: ، أي واتخذ هؤلاء ﴿ وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (49)) المشركون الأصنام ونحوها آلهة يعبدونها من دون الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى. ولكنها في الواقع لا تقدر على شيء، ولا تحقق فائدة لعبادها، لذا قال تعالى مبيناً خيبة أملهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ تُحْضَرُونَ ( أى لا تقدر هذه ٧٥ الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأذل وأحقر، بل لا تقدر ٥٦ الُ (٢٣) - تسن}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ على نصرة أنفسها، ولا على الانتقام ممن أساء إليها؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل، لذا كان الثابت بطلان ما رجوه منها، وأمّلوه من نفعها. والكفار المشركون جند طائعون للأصنام، يغضبون لها في الدنيا، وهي لا تستطيع نصرهم، ولا تقدم لهم خيراً، ولا تدفع عنهم شراً، إنما هي أصنام. وقوله: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ أي يخدمونهم، ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم، وليس للآلهة استطاعة على شيء، ولا قدرة على النصر. أو إنهم يوم القيامة محضرون لعذابهم؛ لأنهم يجعلونهم وقوداً للنار. ثم آنس الله رسوله عما يلقاه من أذى المشركين، فقال: أي فلا ٧٦ ﴿ فَلَا يَحْزُنِكَ قَوْلُهُمُ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ يهمنك تكذيبهم لك وكفرهم بالله، وأذاهم، وجفاؤهم، وقولهم: هؤلاء آلهتنا، وإنها شركاء لله في المعبودية، أو قولهم لرسول الله وَله: أنت شاعر، أو ساحر، أو كاهن ونحو ذلك. فإنا نحن نعلم جميع ما هم فيه، نعلم سرهم وجهرهم، ونعلم ما يسرون لك من العداوة، وإنا مجازوهم بذلك، ومعاقبوهم عليه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يلي: اً - ليس القرآن شعراً، ولا محمّد ◌َلّ شاعراً، فلا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلاً به، كسر وزنه، وإنما كان هّه فقط الإفادة من المعاني. أَ - إن إصابة النبي ◌َّ الوزن أحياناً لا يوجب أنه يعلم الشعر، فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وليس ذلك شعراً ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ ٥٧ الجُزءُ (٢٣) - تسرّ}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا يُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢/٣] وقوله: ﴿نَصْرٌ مِّنَ اَللَّهِ وَفَنْحٌ ج ے فَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣/٦١] وقوله: ﴿وَجِفَانِ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ [سبأ: ١٣/٣٤] وقوله: ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩/١٨] إلى غير ذلك من الآيات. ◌َّ - روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر، فقال: لا تكثرن منه، فمن عيبه أن الله يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهُ﴾ ٤ - ما ينبغي ولا يصح للنبي وَّل أن يقول الشعر، وذلك من أعلام النبوة، ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول وَّر؛ لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر، ليس بشعر، ولو كان شعراً لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعراً. ٥ - إن الذي يتلوه النبي ◌َّقل على الناس هو ذكر من الأذكار، وعظة من المواعظ، وقرآن بيِّن واضح مشتمل على الآداب والأخلاق، والحِكَم والأحكام، والتشريع المحقق لسعادة البشر. أَ - إن الغرض من إنزال القرآن إنذار من كان حيّ القلب، مستنير البصيرة، وإيجاب الحجة بالقرآن على الكفرة. لاً - من أدلة وجود الله ووحدانيته: خلق الإنسان والحيوان والنبات، فإنه سبحانه خلق كل ذلك، وأبدعه، وعمله من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة. ومن فضله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم في الركوب، وأكل اللحوم وشرب الحليب والألبان، وصنع الأسمان، حتى إن الصبي يقود الجمل العظيم ويضربه ويوجهه كيف شاء، وهو له طائع. وهذا كله وغيره يوجب شكر الخالق المنعم وهو الله على نعمه، بعبادته وطاعته وإخلاص ذلك له. ٥٨ الزُ (٢٣) - لَسَنّ}: ٣٦ / ٦٩-٧٦ ٨ - بالرغم من وجود الآيات الدالة على قدرة الله، اتخذ الكفار المشركون. من دون الله آلهة، لا قدرة لها على فعل، طمعاً في نصرتها وأملاً في مساعدتها لهم إن نزل بهم عذاب. ١ والحقيقة أن تلك الآلهة المزعومة لا تستطيع نصر عابديها، ولا جلب الخير لهم، ولا دفع الشر والضر عنهم، ومع ذلك فإن الكفار جند طائعون لهذه الآلهة، يمنعون عنهم ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم في الدنيا، فهم لها بمنزلة الجند والحرس، وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين يوم القيامة، محضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وفي الخبر: إنه يمثّل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله، فيتبعونه إلى النار، فهم لهم جند محضرون. وهذا المعنى ثبت في صحيح مسلم وكذا في جامع الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ◌َّه قال: ((يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطّلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا لِيَتْبعْ كل إنسان ما كان يعبد، فيمثَّل لصاحب الصليب صليبُه، ولصاحب التصاوير تصاويرُه، ولصاحب النار نارُه، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون)). - سلى الله عز وجل نبيه وَله، فقال له: لا يحزنك قولهم: شاعر، ساحر، روي أن القائل عُقْبة بن أبي مُعَيْط، فنفى الله ذلك عن رسوله. . ١- إن الله تعالى عليم مطلع على ما يسرّ الكافرون ويظهرون من القول والعمل، فيجازيهم بذلك يوم القيامة. ٥٩ الجُزُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٧٧-٨٣ إثبات البعث وَضَرَبَ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةُ، قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَزَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ الشَ بِقَدِرٍ عَّ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُونُ كُلِّ شَىْءٍ ٨٢ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ١٣ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ القراءات: ﴿ فَيَكُونُ﴾: وقرأ ابن عامر، والكسائي، (فيكونَ). الإعراب: ﴿أَوَلَمْ يَرَ اُلْإِنسَانُ﴾ الهمزة للإنكار مع إفادة التعجب، والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكر الإنسان ويعلم. البلاغة: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ﴾ من صيغ المبالغة. ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ استعارة تمثيلية، شبه سرعة إنجازه الأشياء بأمر المطاع من غير امتناع ولا تأخير. ﴿مَلَكُونُ﴾ صيغة مبالغة من الملك، أي الملك الواسع التام كالجبروت والرحموت للمبالغة. ٦٠ لُعُ (٢٣) - تَسَنَّ}: ٣٦ / ٧٧-٨٣ المفردات اللغوية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أو لم يعلم. ﴿اُلْإِنسَنُ﴾ أي إنسان، ويشمل من كان سبب النزول، وهو العاص بن وائل السهمي وأبي بن خلَف . ﴿أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ أنا خلقناه من أضعف الأشياء، والنطفة: الذرة من مادة الحياة وهي المني .﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ الخصيم: الشديد الخصومة لنا، المبالغ في الجدل إلى أقصى الغاية، والمبين: البيِّن في نفي البعث. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ أي أورد في شأننا قصة غريبة هي في غرابتها كالمثل، إذ أنكر إحياءنا للعظام النخرة، ونفى القدرة على إحياء الموتى، مقارناً ذلك بما عجز عنه، وقائساً قدرة الله على قدرة العبد . ﴿ وَنَسِىَ خَلْقَهُ﴾ نسي خلقنا إياه، من المني، وهو أغرب من مثله . ﴿قَالَ مَن يُحِى الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ الرميم: البالية أي ما بلي من العظام، ولم يقل: رميمة لأنه اسم لا صفة، روي أن العاصي بن وائل أو أمية بن خلف أو أبي بن خلف(١) أخذ عظماً رميماً، ففتته، وقال للنبي وََّ: أترى يحيي الله هذا بعدما بلي ورَمَّ؟ فقال ◌َله: (نعم، ويدخلك النار)) وفيه دليل على أن العظم ذو حياة، فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء. ﴿قُلْ يُحِيِهَا الَّذِىَ أَشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ ﴾ أي فإن قدرته كما كانت، لامتناع التغير فيه، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها . ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ﴾ أي وهو بكل مخلوق عليم جملةً وتفصيلاً، قبل خلقه وبعد خلقه، يعلم تفاصيل المخلوقات وأجزاء الأشخاص المتفتتة، ومواقعها وطريق تمييزها، وضمّ بعضها إلى بعض على النمط السابق. (١) قال أبو حيان: أقوال أصحها أنه أبي بن خلف، رواه ابن وهب عن مالك (البحر المحيط ٧٠/ ٣٤٨) ثم أضاف قائلاً: ووهم من نسب إلى ابن عباس أن الجائي بالعظم هو عبد الله بن أبي بن سلول؛ لأن السورة والآية مكية بإجماع، ولأن عبد الله بن أبي لم يهاجر قط هذه المهاجرة.