Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
الُ (٢٢) - فَظ: ٣٥ / ١٢-١٤
والقادر المقتدر، المالك للعالم، والمتصرف فيه. ﴿ وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن
دُونِهِ﴾ أي تعبدون من غيره وهم الأصنام. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن فِطْمِيرٍ﴾
القطمير: لِفافة النواة، أي القشرة البيضاء الرقيقة التي تكون على النواة -
البزرة. وهذا دليل التفرد بالألوهية والربوبية.
﴿لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ﴾ لأنهم جماد. ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ﴾ على سبيل الفرض. ﴿مَا
اُسْتَجَابُواْ لَكُمْ﴾ ما أجابوكم ﴿ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يجحدون بإشراككم
إياهم مع الله، وعبادتكم لهم، والمعنى: يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم.
﴿ وَلَا يُنَبِئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي ولا يخبرك بالأمر، ويعلمك بأحوال الدارين
مخبر مثل الخبير العالم به، وهو الله تعالى.
المناسبة:
بعد إيراد أدلة إثبات البعث، أورد الله تعالى الأدلة والبراهين الدالة على
وحدانيته وعظيم قدرته، بخلقه أشياء متحدة الجنس، لكنها مختلفة المنافع، من
الماء الواحد، والليل والنهار، والشمس والقمر. وأردفه بالرد على عبدة
الأصنام التي لا تملك شيئاً، ولا تسمع دعاء، ولا تجيب نداء، وتتبرأ من
عابديها يوم القيامة.
التفسير والبيان:
نَبَّه الله تعالى على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة، فقال عن
اختلاف البحرين :
﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَابِعٌ شَرَابُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ أكثر
المفسرين على أن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان، أو الكافر
والمؤمن، فالإيمان لا يتساوى مع الكفر في الحسن والنفع، كما لا يتساوى
البحران العذب الفرات، والملح الأجاج، وقال الرازي: والأظهر أن المراد

٥٨٢
لُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ١٢-١٤
منه ذكر دليل آخر على قدرة الله تعالى، وذلك من حيث إن البحرين يستويان في
الصورة، ويختلفان في الماء، فإن أحدهما عذب فرات، والآخر ملح أجاج.
والمعنى: لا يتساوى ولا يتشابه البحران في الحقيقة، فأحدهما عذب الماء
شديد العذوبة، سائغ الشراب، يجري في الأنهار بحسب الحاجة إليها في
الأقاليم والأمصار، وثانيهما ملح شديد الملوحة، وهو البحر الساكن الذي
تسير فيه السفن الكبار.
وبعد اختلافهما في هذا يتشابهان في أمور: مثل أخذ اللحم الطري والحلية
منهما، والذي يوجد في المتشابهين اختلافاً وفي المختلفين تشابهاً لا يكون إلا
قادراً مختاراً، فقال تعالى:
﴿وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًا وَسْتَخْرِجُونَ حِيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ أي يصاد
السمك من كل منهما، وتستخرج الحلية الملبوسة منهما، وهو اللؤلؤ
والمرجان، كما قال عز وجل: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ أ
٣٣
فَبِأَقِّ ءَالَآءِ
رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
﴾ [الرحمن: ٢٢/٥٥-٢٣].
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِنَبْتَغُواْ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي تبصر
أيها الناظر السفن في البحر شاقّة الماء، مقبلة مدبرة، حاملة المؤن والأقوات
وأنواع التجارة من قطر إلى آخر، لتطلبوا بأسفاركم بالتجارة بين البلدان من
فضل الله، لتشكروا الله أو شاكرين ربكم على تسخيره لكم هذا البحر
العظيم، وعلى ما أنعم به عليكم من النعم، فإنكم تتصرفون في البحر كيف
شئتم، وتذهبون أین أردتم دون عائق ولا مانع، بل بقدرته تعالى قد سخر لكم
جميع ما في السماوات والأرض من فضله ورحمته.
ثم ذكر تعالى دليلاً آخر على قدرته التامة وهو اختلاف الأزمنة، فقال:
﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِىِ الَّيْلِ﴾ أي يدخل أحدهما في

٥٨٣
الُرُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ١٢-١٤
الآخر فيكون أطول منه، فيزيد في زمن كل منهما بالنقص من الآخر، فيطول
هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفاً وشتاء.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِى لِأَجَلِ مُسَقَّىَ﴾ أي سَيَّر
الشمس والقمر وبقية الكواكب السيّارة، والثوابت الثاقبة بإرادته وقدرته،
يجري كل منهما بمقدار معين، ومنهاج مقنن، ومدة محددة هي زمن مدارها أو
لاجل
یجری
كَلّ
منتهاها، لتعلموا عدد السنين والحساب، وقيل:
جـ
مُسَتَّىَ﴾ أي إلى يوم القيامة.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ﴾ أي الذي فعل هذا من خلق
السماوات والأرض وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك هو الرب العظيم،
الذي لا إله غيره، وهو صاحب الملك التام، والقدرة الشاملة، والسلطان
المطلق، وكل من عداه عبدٌ له.
ثم أبان تعالى في مقابل ذلك ما ينافي صفة الألوهية، فقال:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ أي والذين
تعبدونهم من الأصنام والأوثان التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة
المقربين، لا يملكون شيئاً من السماوات والأرض، ولو كان حقيراً بمقدار
هذا القطمير، وهو قشرة النواة الرقيقة.
ثم أبطل ما يقولون: إن في عبادة الأصنام عزة، وأبان عجزها وضعفها
وحقارتها، فقال :
﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ﴾ أي إن
تدعوا هذه الآلهة من دون الله تعالى لا تسمع دعاءكم؛ لأنها جماد لا تدرك
شيئاً، ولو سمعوا لم يقدروا أن ينفعوكم بشيء مما تطلبون منها، لعجزها عن
ذلك، فهي لا تضر ولا تنفع ولا تغني شيئاً، فكيف تعبدونها؟!

٥٨٤
لٌمُ (٢٢) - فَطِل: ٣٥ / ١٢-١٤
﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي وفي اليوم الآخر يجحدون كون ما
فعلتموه حقاً، وينكرون أنهم أمروكم بعبادتهم أو أقروكم عليها، ويتبرؤون
منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّ يَسْتَجِبُ لَهُو
إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَبِهِمْ غَفِلُونَ (٢) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ
[الأحقاف: ٦٠٥/٤٦] وقال تعالى: ﴿وَأَتَّخَذُواْ مِن دُونِ
٦
بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا
اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
[مريم: ٨١/١٩-٨٢].
وتقريراً عاماً لهذه المعاني، وتأكيداً لهذه الأخبار، قال تعالى:
﴿ وَلَا يُنَبِتْكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي ولا يخبرك عن أمر هذه الآلهة وعن أمر
عبدتها يوم القيامة، أو لا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها إلا خبير بصير بها،
وهو الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية في الحال أو في الاستقبال، وقد أخبر
بالواقع لا محالة.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - من أدلة القدرة الإلهية العظيمة الدالة على وحدانية الخالق خلق الأشياء
المتفاوتة، التي منها خلق البحرين: العذب الزلال وهو الأنهار، والملح
الأجاج وهو البخار، ومع اختلافهما وتمايزهما حينما يتجاوران، فيهما تشابه
بوجود الأسماك في كل منهما، واستخراج الحلية وهي اللؤلؤ والمرجان منهما ،
أي من اختلاطهما وتمازجهما ونزول مطر السماء، وإن كانت الحلية من
البحر المالح.
أَ - في قوله تعالى: ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ دليل على أن لباس كل شيء بحسبه،
فالخاتم يجعل في الإصبع، والسوار في الذراع، والقلادة في العنق، والخلخال
في الرِّجْل.

٥٨٥
الجُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ١٢-١٤
◌َ - من نعم الله تعالى ودليل قدرته: تسيير السفن في البحر، لتبادل
التجارات بين الأقطار البعيدة في مدة قريبة، وكسب الأرزاق، الذي يستدعي
الشكر على ما آتانا الله من فضله وعلى تسخيره البحر للانتقال فيه، وحرية
الحركة في أنحائه.
٤ - ومن أدلة القدرة الإلهية أيضاً: اختلاف الأزمنة بتعاقب الليل
والنهار، واختلاف الفصول، وتفاوت زمن الليل والنهار صيفاً وشتاء،
وتسيير الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة والثابتة في مدة دوران معينة
تنتهي في اجتياز مدارها، وبقائها على هذا النحو الدقيق إلى يوم القيامة.
٥ - إن صانع كل ما ذكر من خلق السماوات والأرض، وإنزال الغيث،
وخلق الإنسان من تراب، وإيجاد الماء العذب والماء الملح وما يحققان من ثروة
مائية ومعدنية ونفطية وحلي، ودورة الأرض واختلاف الليل والنهار بين
نصفي الكرة الأرضية، وفي النصف الواحد في مدار السنة وغير ذلك، إن هذا
الصانع هو الخالق المدبر، والقادر المقتدر، والمالك القاهر، فهو الذي يستحق
أن يُعْبَد.
أَ - ما أقل عقول الوثنيين وما أبسطها حين يعبدون الأصنام الصماء من
الحجارة والمعادن وغيرها، وهي لا تقدر على شيء ولا على خلقه، ولا تنفع
ولا تضر، ولا تبصر ولا تسمع، فلا تغيث أحداً إذا استغاث بها؛ لأنها
جمادات، ولا تجيب إن ناداها عبّادها؛ لأنها لا تنطق. والداهية العظمى أنها
يوم القيامة تتبرأ من عابديها، وتنكر أفعالهم، وتتنصل من تبعة المسؤولية
الموجهة إليهم، والله أصدق مخبر بذلك.

٥٨٦
لِزُرُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ١٥-١٨
سبب العبادة والمسؤولية الشخصية
وانتفاع العابدين بالإنذار
يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
إِن
١٥
﴿ وَلَا تَزِرُ
يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ ﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَنَّ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا
قُرْبَيْ إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَمَّهُم بِالْغَيْبِ وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَمَن تَزََّ فَإِنَّمَا
يَتَزَّكَى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
١٨
البلاغة:
﴿ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ﴾ بينهما طباق.
﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ بينهما جناس الاشتقاق، وكذا ﴿حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ
شَىْءٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿ أَنْتُمُ اٌلْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ﴾ المحتاجون إليه في جميع أمور الدين والدنيا، وفي
كل حال على الإطلاق. وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة
افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء. ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ﴾ على الإطلاق عن
خلقه . ﴿اٌلْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد من عباده بإحسانه إليهم، المحمود في صنعه
بهم.
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ حَدِيدٍ ﴾﴾ إن يشأ يفنكم، ويأت بقوم
آخرين من جنسكم بدلكم، أطوع منكم، أو من جنس آخر غير ما تعرفونه.
﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾﴾ أي وما ذلك الإذهاب لكم والإتيان بآخرين
بمتعذر ولا بمتعسر على الله تعالى.

٥٨٧
الجُرعُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ١٥-١٨
﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ أي لا تحمل نفس آثمة ذنب أو إثم نفس
أخرى . ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾ أي وإن تدع نفس مثقلة بالذنوب نفساً
أخرى، لتحمل عنها بعض الذنوب التي تحملها . ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ﴾ لم
تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئاً. ﴿ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِيٌ﴾ أي ولو كان
المدعو قريباً لها في النسب كالأب والابن، فكيف بغير القريب؟! وهذا حكم
مبرم من الله تعالى . ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم بِالْغَيْبِ﴾ يخافونه غائباً
عنهم؛ لأنهم المنتفعون بالإنذار. ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ احتفلوا بأمرها،
وأداموها، ولم يشتغلوا عنها بشيء مما يلهيهم . ﴿وَمَن تَزَّكَ فَإِنَّمَا يَتَزَّكَ
لِنَفْسِهِ،﴾ ومن تطهر من الشرك وغيره من المعاصي، واستكثر من العمل
الصالح، فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك مختص به، کما أن وزر من تدنس
بالذنب لا يكون إلا عليه . ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ إلى الله المرجع والمآل، فيجزي
على تزكيهم وعملهم في الآخرة.
المناسبة:
بعد بيان كون العبادة واجبة لله تعالى؛ لأنه المالك المطلق، والأصنام لا
تملك شيئاً، أبان الله تعالى حكمة العبادة للرد على الكفار القائلين بأن أمر
العبادة أمر بالغ، وللتهديد الشديد على تركها، لا لحاجته إلى عبادتنا. ثم
أوضح أن كل إنسان مسؤول عن نفسه فقط، وأرشد إلى أن البشارة والإنذار
إنما ينفع الذي يخشى الله بالغيب وأقام الصلاة.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن غناه المطلق عمن سواه، وافتقار جميع المخلوقات إليه،
فقال :
يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
١٥

٥٨٨
الُهُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ١٥-١٨
أي يا أيها البشر جميعاً، أنتم المحتاجون إلى الله تعالى على الإطلاق، في منح
القدرة على الحياة والبقاء، وفي جميع الحركات والسكنات، وفي جميع أمور
الدين والدنيا، لذا فاعبدوه وحده؛ لأن ثمرة العبادة عائدة إليكم وحدكم،
والله هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له عن عبادتكم وغيرها، وهو المحمود
المشكور على نعمه وعلى جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه. وذكر
﴿ اٌلْحَمِيدُ﴾ ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه، الجواد المنعم عليهم،
المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه.
ثم أبان غناه وقدرته التامة بإمكانه استبدالكم، وأنه غير محتاج إليكم،
فقال :
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
١٧
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
١٦
أي لو شاء لأفناكم أيها الناس، وأتى بقوم غيركم، يكونون أطوع منكم،
وأجمل وأحسن وأتم، وما ذلك بصعب عليه ولا ممتنع، بل هو يسير هيِّن
علیه.
وفي هذا تهديد ووعيد وتبديد لأوهامكم أنه لو أذهب البشر لزال ملكه
و عظمته.
ثم دعاهم إلى النظر والتأمل في المستقبل، وأخبرهم بمسؤولية كل إنسان
يوم القيامة عن نفسه فقط دون غيره، فقال:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ أي ولا تحمل نفس آثمة أو مذنبة إثم أو ذنب
نفس أخرى. وهذا لا يمنع مضاعفة الإثم للمضلين القادة، كما قال تعالى:
﴿ وَلَيَحْمِلُونَ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالَا مَّعَ أَنْقَاِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١٣/٢٩].
﴿ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَّ﴾ أي وإن

٥٨٩
الُرُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ /١٥-١٨
طلبت نفس مثقلة بالأوزار والذنوب مساعدة نفس أخرى في حملها، لتحمل
عنها بعض الذنوب، لم تحمل تلك المدعوة من تلك الذنوب شيئاً، ولو كانت
قريبة لها في النسب كالأب والابن؛ لأن كل امرئ مشغول بنفسه وحاله، وله
من الهموم ما يغنيه.
ونظير الآية: ﴿لَّا يَجْزِى وَالِدَّ عَن وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ،
شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣/٣١] وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِيهِ ﴿ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
٣٥
[عبس: ٣٤/٨٠-
٤
جَ لِكُلِّ آمْرِيٍ مِّنْهُمْ بَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
وَصَحِئِهِ، وَبِهِ
٠،٣٧
قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾: هو الجار يتعلق
بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب سل هذا لم كان يُغلق بابه دوني، وإن الكافر
ليتعلّق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إن لي عندك يداً، قد عرفتَ
كيف كنتُ لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم، فلا يزال المؤمن يشفع له
عند ربه، حتى يرده إلى منزل دون منزله، وهو في النار، وإن الوالد ليتعلق
بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً، فيقول
له: يا بني، إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى،
فيقول له ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف،
فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً، ثم يتعلق بزوجته، فيقول: يا فلانة أو يا هذه،
أي زوج كنت لك؟ فتثنّي خيراً، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة
تهبينها لي لعلي أنجو بها مما ترين، قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا
أطيق أن أعطيك شيئاً، إني أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله تعالى: ﴿وَإِن
تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية.
ثم أبان الله تعالى من يجدي عنده الإنذار، فقال:
﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُم ◌ِالْغَيْبِ وَأَقَمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أي إنما يتعظ
ج

٥٩٠
لِجُزْءُ (٢٢) - فَظّم: ٣٥ / ١٥-١٨
بما جئت به أيها الرسول أولو البصيرة والعقل الذين يخافون من عذاب ربهم
قبل معاينته أو في خلواتهم عن الناس، ويفعلون ما أمرهم به، ويقيمون
الصلاة المفروضة عليهم على النحو الأتم المشروع، إقامة فيها احتفال بأمرها،
وبعد عن الاشتغال بغيرها.
ثم ذكر الله تعالى أن فائدة العبادة تعود عليهم، فقال:
﴿وَمَنْ تَزَكَّ فَإِنَّمَا يَتَزَّكَ لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي ومن تطهر من
الشرك والمعاصي، وعمل صالحاً، فإنما يتطهر لنفسه؛ لأن نفع ذلك يعود على
نفسه، لا غيره، وإلى الله المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل
عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اَ - الناس قاطبة فقراء محتاجون إلى ربهم الخالق الرازق في بقائهم وكل
أحوالهم، والله هو الغني عن عباده، المحمود على جميع أفعاله وأقواله ونعمه
الكثيرة التي لا تحصى.
وغنى الله لا يعود عليه، وإنما ينفع به عباده، فاستحق الحمد التام والشكر
الكامل من أعماق النفوس.
أَ - الله قادر على إفناء الخلق والإتيان بخلق جديد آخر أطوع منهم وأزكى،
وليس ذلك بممتنع عسير متعذر على الله تعالى.
◌َّ - من مفاخر الإسلام مبدأ ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾ أي مبدأ
المسؤولية الشخصية في الدنيا والآخرة، فلا يسأل إنسان عن جريمة غيره، ولا
يتحمل امرؤ عقوبة جان آخر: ﴿قُل لَّا تُسْئَلُونَ عَمَّ أَجْرَقْنَا وَلَا نُسْئَلُ عَمَّا
[سبأ: ٣٤ /٢٥] .
تَعْمَلُونَ

٥٩١
الجُرَحُ (٢٢) - فَظِم: ٣٥ / ١٩-٢٦
٤ - كل إنسان في الآخرة مشغول بنفسه، فلا يستطيع أن يتحمَّل شيئاً من
آثام غيره، ولو كان أقرب الناس إليه، كالأب والابن وغيرهما.
هَ - إنما يقبلُ إنذار النبي ◌َّ وإنذارات القرآن الكريم: من يخشى عقاب الله
تعالى في السرّ والعلن وقبل معاينة العذاب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ
أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١/٣٦].
٩ - من تطهر من أدناس المعاصي فإنما يتطهر لنفسه، ومن اهتدى فإنما
يهتدي لنفسه، وتظهر الفائدة في الآخرة؛ إذ إلى الله مرجع جميع الخلق،
فيحاسبهم على ما فعلوا.
مثل المؤمن والكافر وإرسال الرسل في الأمم
﴿ وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿ وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَ النُّورُ ﴿ وَلَا الظِّلُّ
وَلَا الْحَرُوُرُ ﴿ وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَحّْةُ وَ الْأَمْوَتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ
مح مو
بِمُسْمِعِ مَّن فِى الْقُبُورِ
إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًّاً
) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ أَ
٢٢
وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيْرٌ ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ وَبِالزُّبْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴿٣ ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
٢٦
فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
القراءات:
وقرأ أبو عمرو (رسْلهم).
البلاغة:
﴿اَلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿الظُّلُمَتُ﴾ و﴿النُّورُ﴾ ﴿الظِّلُ﴾ و﴿الْحُرُورُ
﴿اَلْأَحْيَاءُ﴾ و﴿ الْأَمْوَتُ﴾ بين كلِّ طباق.

٥٩٢
الُرُ (٢٢) - فَظِّم: ٣٥ /١٩-٢٦
®) استعارة تصريحية، استعار المشبه به
١١٩
﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ
وهو الأعمى للكافر، لعدم الاهتداء إلى الطريق الصحيح، واستعار البصير
للمؤمن لاهتدائه إلى منهج الاستقامة ووضوح الطريق أمامه.
وزيادة ﴿ وَلَا﴾ في الآيات [٢٠-٢٢] في المواضع الثلاثة للتأكيد.
﴿نَذِيرٌ﴾ ﴿وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرٍ﴾ توافق الفواصل ذو
التأثير في جمال الكلام والوقع على النفس.
المفردات اللغوية:
(اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ الأول: فاقد البصر، والثاني له ملكة البصر، والمراد
تشبيه الكافر بالأعمى، وتشبيه المؤمن بالبصير . ﴿الظَّلُمَتُ وَلَا النُّورُ﴾ شبه
الباطل بالظلمات، وشبه الحق بالنور. ﴿ وَلَا اَلِظِلُّ وَلَ الْحُرُورُ ([®َ﴾ أراد
بالظل الجنة وأراد بالحرور النار. و﴿اَلْحُرُورُ﴾ السموم، إلا أن السموم
بالنهار، والحرور بالليل والنهار. ﴿اَلْأَحْيَاءُ وَ الْأَمْوَتُ﴾ شبه المؤمنين
بالأحياء، وشبه الكافرين بالأموات . ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ﴾ هدايته،
فيجيب بالإيمان . ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعِ مَن فِ الْقُبُورِ﴾ أي الكفار، شبههم بالموتى
الذين لا يجيبون.
﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ ﴾﴾ أي ما أنت إلا منذر لهم، أو ما عليك إلا
الإنذار والتبليغ، أما الإسماع فليس إليك، ولا قدرة لك عليه؛ لأن الهدى
والضلالة بيد الله عز وجل. ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ أي إرسالاً مصحوباً
بالحق، وهو الهدى، فيشمل المرسِل والمرسَل، فكلاهما محق. ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًاً﴾
مبشراً من أجابك بالجنة، ومنذراً من لم يحبك بالنار . ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ﴾ أي ما
من جماعة كثيرة أو أهل عصر . ﴿إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ سلف ومضى فيها منذر
مخوف من نبي أو عالم ينذر عنه، واكتفى بالنذير؛ لأن الإنذار قرين البشارة،
ولا سيما وقد قرن به من قبل، أو لأن الإنذار هو المقصود الأهم من البعثة.

٥٩٣
الجُرُ (٢٢) - فَطلم: ٣٥ / ١٩-٢٦
﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي إن يكذبك أهل مكة فقد
كذبت الأمم الماضية أنبياءهم . ﴿ ◌ِالْبَيِّنَتِ﴾ المعجزات الدالة على صدقهم في
نبوتهم. ﴿ وَبِالزُّبْرِ﴾ أي الكتب المكتوبة، كصحف إبراهيم، جمع زبور: أي
كتاب، والكتاب: ما فيه شرائع وأحكام . ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بتكذيبهم.
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك.
المناسبة:
بعد بيان طريق الهدى وطريق الضلالة، واهتداء المؤمن الذي يخاف ربه،
وجحود الكافر المعاند، ضرب الله تعالى الأمثال للكافر والمؤمن، وللباطل
والحق، وللجنة والنار، وللمؤمنين والكافرين، وعدَّد الأمثلة، للتعريف بأن
المؤمن بصير الطريق، والكافر أعمى الطريق، وأن الإيمان نور فلا يخفى على
المؤمن، والكفر ظلمة فيزيد الأعمى حيرة، ثم ذكر مآلهما ومرجعهما، فالمؤمن
بإيمانه في ظل وراحة، والكافر بكفره في حر وتعب، ثم جعل الكافر أسوأ
حالاً من الأعمى فشبهه بالميت؛ لأنه غير مدرك إدراكاً نافعاً، فهو كالميت،
أما الأعمى فقد يدرك شيئاً ما كالبصير. ثم أوضح تعالى أن الهداية بيده يمنحها
من يشاء، ولكنه لم يترك سبيلاً لأحد بالاعتذار، فقد أرسل الرسل والأنبياء
في كل أمة من الأمم، فمن آمن نجا، ومن عصى عذب في النار.
التفسير والبيان:
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ﴿ وَلَ الظُّلُمَتُ وَلَا النُّورُ (٥َ وَلَا الْظِّلُّ
وَلَ الْخَرُورُ ﴾﴾ هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وللكافرين، فكما لا
تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة في حقيقتها وفائدتها، كذلك لا يتساوى
الكافر الذي عمي عن دين الله، والمؤمن الذي عرف طريق الرشاد فاتبعه
وانقاد له، ولا تتساوى ظلمات الكفر ونور الإيمان، أو الباطل والحق، ولا
يتساوى الثواب والعقاب أو الجنة والنار.

٥٩٤
الجزرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ١٩-٢٦
فالمؤمن سميع بصير يمشي في نور على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة،
حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال الوارفة والعيون المتدفقة، والكافر
أصم أعمى يمشي في ظلمات لا خروج له منها، بل يتيه في غيّه وضلاله في
الدنيا والآخرة، حتى ينتهي به الأمر إلى الحرور والسموم والحميم.
ج
﴿وَمَا يَسْتَوِى الْأَحَّْةُ وَلَ الْأَمَوَتُ﴾ أي ولا يتساوى المؤمنون أحياء القلوب
والنفوس والمشاعر، والكافرون أموات القلوب والحواس.
فهذه أمثال للمؤمن والإيمان والعاقبة، والكافر والكفر والمصير، كما قال
تعالى: ﴿مَثَلُ اُلْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعَّ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾
[هود: ٢٤/١١] وقال عز وجل: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا
يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِىِ اُلُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: ٦/
١٢٢]. قال قتادة: هذه كلها أمثال؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء، كذلك
لا يستوي الكافر والمؤمن.
ثم بَيَّن تعالى مصدر الهداية، فقال:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَن فِ اٌلْقُبُورِ﴾ أي إن الله يهدي
من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها، وكما لا ينتفع الأموات بعد
موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، وهم كفار، بالهداية والدعوة إليها، كذلك
هؤلاء المشركون لا تستطيع أيها النبي هدايتهم؛ لأن الكفر أمات قلوبهم.
وأما مهمة الرسول فهي:
﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ ﴾﴾ أي ما أنت إلا رسول منذر عذاب الله، ليس
عليك إلا الإنذار والتبليغ، أما الهدى والضلالة فهي بيد الله عز وجل.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاً﴾ أي أرسلناك أيها الرسول إرسالاً
مصحوباً بالحق، والمرسِل محق، وكذا المرسَل محق، مبشراً المؤمنين أهل الطاعة
بالجنة، ومنذراً الكافرين أهل المعصية بالنار.

٥٩٥
الجُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ١٩-٢٦
والإرسال منهج عام في البشرية، فقال تعالى:
﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ أي ما من أمة من بني آدم سبقت إلا وقد
بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى
كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ إِلَّهَ وَأَحْتَنِبُواْ الطّغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ﴾ [النحل: ٣٦/١٦].
ثم آنس رسوله ول# عما يلقاه من صدود قومه وتكذيبهم وإعراضهم عن
دعوته، فقال:
﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَآءَتَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ
﴾﴾ أي وإن يكذبك أيها الرسول قومك فقد
وَبِالزُّبْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيِ ﴿
كذبت الأمم الماضية من قبلهم أنبياءهم، جاءتهم رسلهم بالمعجزات الواضحة
والأدلة القاطعة، وبالكتب المكتوبة كصحف إبراهيم، وبالكتاب الواضح
البَيِّن، كالتوراة والإنجيل. وكرر الزبر والكتاب، وهما واحد، لاختلاف
اللفظين.
ثم هدّد مخالفيه وأوعدهم بالعقاب، فقال:
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ (®) أي ومع كل هذه الأدلة
كذب أولئك رسلهم فيما جاؤوهم به، فأخذتهم بالعقاب والنكال، فكيف
رأيت إنكاري عليهم شديداً بليغاً؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اَ - لا مساواة بين الكافر والمؤمن والجاهل والعالم، ولا بين الكفر
والإيمان أو الحق والباطل، ولا بين الثواب والعقاب أو الجنة والنار، ولا بين
العقلاء والجهال أو أحياء القلوب وأموات القلوب.

٥٩٦
الزُ (٢٢) - فَظِل: ٣٥ / ١٩-٢٦
أَ - إن الله يسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته، ويهدي أحباءه لطاعته، ولن
يستطيع النبي إسماع الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم؛ أي كما لا يُسمع من
مات، كذلك لا يُسمع من مات قلبه. والمراد بالآية: أن الكفار الذين حجبوا
نور الهداية عن قلوبهم هم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه
ولا يقبلونه ..
◌َّ - ما الرسول إلا مجرد رسول منذر، فليس عليه إلا التبليغ، ليس له من
الهدى شيء، إنما الهدى بيد الله تبارك وتعالى.
٤ - أرسل الله رسوله وَ ل﴿ بالهدى ودين الحق، بشيراً بالجنة أهل طاعته،
ونذيراً بالنار أهل معصيته.
٥ - لم تخل أمة من نبي أو رسول ينذرها ويبشرها.
أَ - آنس الله رسوله صل عما يلقاه من تكذيب كفار قريش، بأن الأمم
السابقة كذبوا أنبياءهم، بالرغم من تأييد صدقهم بالمعجزات الظاهرات
والشرائع الواضحات، وبالكتب المكتوبة، وبالكتاب المنير، وكانت نتيجة
التكذيب عقوبة الاستئصال.

٥٩٧
الُعُ (٢٢) - فَطل: ٣٥ / ٢٧ -٣٠
العلوم العملية الطبيعية
دليل آخر على وحدانية الله وقدرته
وحال العلماء أمام مشاهد الكون
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتِفًا أَلْوَانُهَاْ وَمِنَ
الْجِبَالِ جُدَدًا بِيِضُ وَحُمْرٌ تُخْتَلِفُ أَلْوَتُهَا وَغَيِبُ سُوءٌ ﴿ وَمِنَ النَّاسِ
وَالدَّوَابِ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوَأْ
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ
وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّنْ تَبُّورَ
١٣٠
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ: إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
الإعراب:
﴿ُخْتَلِفَ أَلْوَنُ﴾ هاء ﴿أَلْوَنُ﴾ تعود على موصوف محذوف، تقديره: خَلْق
مختلف ألوانه، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، هي في موضع رفع
بالابتداء، والجار والمجرور قبله: خبره. و﴿أَلْوَنُ﴾ فاعل مختلف؛ لأنه اسم
فاعل يعمل عمل الفعل.
﴿يَرْجُونَ تِجَرَةً﴾ خبر إن. و﴿لَّنْ تَبُّورَ﴾ صفة للتجارة.
البلاغة:
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، بدلاً من
((أخرج)) للدلالة على كمال قدرة الله وحكمته.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ استفهام تقريري، فيه معنى
التعجب.

٥٩٨
الُعُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٢٧ -٣٠
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأَ﴾ قصر صفة على موصوف، قصر
الخشية على العلماء.
ج
﴿يَرْجُونَ تِجَرَةً لَّن تَبُورَ﴾ استعارة، استعار التجارة للمعاملة مع الله
لنيل ثوابه، وشبهها بالتجارة الدنيوية، وأيدها بقوله: ﴿لَّن تَبُورَ﴾ وهو
الذي يسمى ترشيحاً.
﴿عَزِيزُ غَفُورُ﴾ ﴿لَّنْ تَبُورَ﴾ ﴿غَفُورُ شَكُورُ﴾ توافق الفواصل من
عناصر جمال الكلام.
المفردات اللغوية:
﴿أَمْ تَرَ﴾ تعلم فهذه رؤية القلب والعلم ﴿ تُخْتِفَا أَلْوَانُهَا﴾ أجناسها أو
أصنافها أو هيئاتها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض وأسود ونحو ذلك.
﴿جُدَدٌ﴾ أي ذو جدد، أي طرائق وخطوط في الجبال وغيرها، جمع جُدَة:
وهي الخطة أو الطريقة المختلفة الألوان في الجبل ونحوه .﴿بِيضُ وَحُمْرٌ﴾ أي
وصفر ونحوها .﴿ مُخْلِفَا أَلْوَانُهَا﴾ بالشدة والضعف . ﴿وَغَرَبِيبُ سُودٌ﴾ معطوف
على جدد، أي صخور شديدة السواد، وأصل اللفظ: وسود غرابيب،
والعرب تقول كثيراً للشديد السواد المشابه لون الغراب: أسود غِرْبيب،
وقليلاً: غربيب أسود.
﴿ُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ﴾ كاختلاف الثمار والجبال. ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِرْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُّأْ﴾ بخلاف الجهال كأهل مكة؛ إذ شرط الخشية معرفة المخشي
والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أختى منه، ولذلك قال وليه
فيما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس: ((إني لأخشاكم لله وأتقاكم
له)) ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب قاهر. ﴿عَفُورُ﴾ لذنوب عباده التائبين المؤمنين.
والجملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورُ﴾ تعليل لوجوب الخشية.

٥٩٩
لُرُ (٢٢) - فَظلم: ٣٥ / ٢٧ -٣٠
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ﴾ يستمرّون على تلاوة القرآن الكريم.
﴿ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ أداموا إقامتها في أوقاتها، مع كمال أركانها وأذكارها.
﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ فيه حثّ على الإنفاق كيفما تهيأ، لكن
السر أفضل من العلانية. ﴿يَرْجُونَ تِجَرَةً﴾ أي تحصيل ثواب الطاعة .﴿لَّن
تَبُورَ﴾ لن تكسد ولن تهلك بالخسران.
سبب نزول الآية (٢٩):
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن
عباس أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي نزلت فيه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِنَبَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الضَّلَوَةَ﴾ الآية.
المناسبة:
هذا دليل آخر على وحدانية الله وقدرته من مشاهد الكون المختلفة الأجناس
والألوان، ضمَّنه أن العلماء في العلوم الكونية أقدر الناس على إدراك عظمة
الكون. فيكونون هم أخشى الناس لله، ثم أردفه ببيان حال العلماء العاملين
بكتاب الله، فهم الذين يرجون ثواب الله على طاعتهم.
التفسير والبيان:
ينبه الله تعالى على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة من الشيء الواحد،
وهو الماء الذي ينزله من السماء، فيخرج به ثمرات مختلفاً ألوانها، فقال:
﴿أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، ثَمَرَتٍ تُخْتَلِفًا أَلْوَنُهَا﴾ أي
ألم تشاهد أيها الإنسان أن الله تعالى خلق الأشياء المختلفة من الشيء الواحد،
فأنزل الماء من السماء، وأخرج به ثماراً مختلفة الأجناس والأنواع والطعوم
والروائح والألوان من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض وأسود ونحو ذلك، كما
قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَاتٌ وَجَنٌَّ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ

٦٠٠
لُ (٢٢) - فَظ: ٣٥ / ٢٧-٣٠
وَخِيْلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِىِ
[الرعد: ١٣/ ٤] .
٤
اَلْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ حُدَدُأْ بِيضُ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفُّ أَلْوَانُهَا وَغَِبُ سُودٌ﴾ أي
وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو مشاهد من بيض وحمر، وفي
بعضها طرائق وهي الجدد مختلفة الألوان أيضاً.
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالذَّوَآبِّ وَالْأَنْعَمِ مُخْتَلِفَّ أَلْوَنُهُ كَذَلِكَ﴾ أي وخلق
أيضاً خلقاً آخر من الناس والدواب والأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم
مختلفة الألوان في الجنس الواحد، بل وفي النوع الواحد، وفي الحيوان
الواحد، كاختلاف الثمار والجبال. وقوله: ﴿مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ﴾، أي خَلْق
مختلف ألوانه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ
أَلْسِنَئِكُمْ وَأَلْوَيْكُمْ﴾ [الروم: ٢٢/٣٠]. والدواب: كل ما دبَّ على القوائم،
و﴿ وَالْأَنْعَمِ﴾ من باب عطف الخاص على العام. وكلمة ﴿كَذَلِكَ﴾ هنا تمام
الكلام، أي كذلك تختلف أحوال العباد في الخشية.
وإنما ذكر سبحانه اختلاف الألوان والأصباغ في هذه الأشياء؛ لأن هذا
الاختلاف من أعظم الأدلة على قدرة الله وبديع صنعه، فذكر أولاً اختلاف
الألوان في ثمار النبات، ثم ذكر اختلاف الألوان في الجمادات، ثم في الناس
والحيوان.
أخرج الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء
رجل إلى النبي وَّر، فقال: أيصبغ ربك؟ قال ◌َله: ((نعم صبغاً لا يَنْفُضُ،
أحمر وأصفر وأبيض)).
ثم ذكر مستأنفاً من يعرف جمال ذلك ودقائقه وهم العلماء فقال:
﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزُ غَفُورُ﴾ أي إنما