Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
لُعُ (٢٢) - سَبّا: ٣٤ / ١٢-١٤
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ اٌلْمَوْتَ﴾ أي حكمنا على سليمان، بأن مات ومكث
قائماً متكئاً على عصاه، وبقي الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة على عادتها،
لا تشعر بموته، حتى أكلت الأرَضة عصاه، فخرّ ميتاً. ﴿مَا دَّمْ عَلَى مَوْتِ إِلَّا
دَآبَّةُ اُلْأَرْضِ﴾ أي ما دلّ الجن على موته إلا الأرَضة: وهي التي تأكل
الأخشاب ونحوها، مأخوذة من أُرضيت الخشبة: أكلتها الأرضة، ويقال:
أرضيت الأرضة الخشبة أرضاً . ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَكُ﴾ عصاه؛ لأنها ينسأ بها،
أي يطرد ويزجر بها. ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط ميتاً. ﴿نَيَنَتِ الْجِنُّ﴾ انكشف لهم. ﴿أَنْ
لَّوْ كَانُواْ﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، أي أنهم. ﴿يَعْلَمُونَ اُلْغَيْبَ﴾ كما
زعموا، لعلموا بموته. ﴿مَا لَبِتُواْ فِ اٌلْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ ما أقاموا في الأعمال
الشاقة التي كُلِّفوا بها، لظنهم حياته. قيل: وقد أرادوا أن يعرفوا وقت موته،
فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يوماً وليلة مقداراً، فحسبوا ذلك،
فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة، وملك وهو ابن
ثلاث عشرة سنة، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. وقال
كما ذكر الماوردي بعد الانتهاء من بناء المسجد الأقصى: ((اللهم إني أسألك لمن
دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرتَ له
وتبت عليه، ولا خائف إلا أمَّنته، ولا سقيم إلا شفيته، ولا فقير إلا أغنيته،
والخامس: ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه إلا من أراد إلحاداً أو
ظلماً، يا ربّ العالمين)).
المناسبة:
بعد بيان ما أنعم الله به على داود عليه السلام من النبوة والملك، ذكر تعالى
ما أنعم به على سليمان من تسخير الريح له، حيث كانت تجري من الغداة إلى
منتصف النهار مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر، وإذابة
النحاس كإذابة الحديد لأبيه داود، وتسخير الجن لبناء القصور الشامخة
وصناعة الجفان الكبيرة كالأحواض، والقدور الثابتة التي لا تتحرك لسعتها
٤٨٢
الجُ (٢٢) - شَبا: ٣٤ / ١٢-١٤
وكبرها. وهذه الأشياء الثلاثة تقابل الثلاثة في حقّ داود وهي تسخير الجبال
الذي هو من جنس تسخير الريح لسليمان، وتسخير الطير الذي هو من جنس
تسخير الجن لسليمان، وإلانة الحديد كإلانة النحاس لسليمان.
التفسير والبيان:
ذكر الله تعالى في هذه الآيات نعماً ثلاثاً كبرى أنعم بها على سليمان عليه
السلام وهي :
اً - تسخير الريح: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أي
وسخّرنا لسليمان الريح التي كانت تحمل بساطاً له غدوها (أي سيرها وقت
الغداة من أول النهار إلى منتصف النهار) مسيرة شهر، ورواحها (جريانها
وقت الرواح من منتصف النهار إلى الغروب) مسيرة شهر.
قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل بإضْطَخْر
يتغدى بها، ويذهب رائحاً من إصطخر فيبيت بكابُل (في أفغانستان) وبين
دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل
للمسرع.
أَ - إذابة النحاس: ﴿ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ﴾ أي وأذبنا له عين النحاس
كما ألنا الحديد لداود، فكان يصنع منه ما يشاء دون نار ولا مطرقة. وسمي
عيناً، لأنه سال من معدنه سيلان الماء من الينبوع.
◌َّ - تسخير الجن: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ
مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقُهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي وسخرنا له من الجن من يعمل
لديه من المحاريب وغيرها، بأمر ربِّه وقدرته وتیسیره وتسخيره إياهم لسليمان،
ومن يعدل ويخرج منهم عن طاعة سليمان نذقه عذاباً أليماً من الحريق في
الدنيا، أو من عذاب النار في الآخرة.
٤٨٣
الزُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٢-١٤
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن ◌َّحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ
زَّاسِيَتٍ﴾ أي يعمل الجن لسليمان ما يريد من الأبنية الرفيعة والقصور العالية
والمساجد والصور المجسمة المصنوعة من النحاس أو الزجاج أو الرخام
ونحوها، والصحاف أو القصاع الكبيرة التي تكفي لعدد كبير من الناس وتشبه
حياض الإبل، والقدور الثابتات في أماكنها، لا تتحرك ولا تتحول عن
مواضعها لعظمها وثقلها.
﴿ أَعْمَلُوْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًّاً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ أي وقلنا: اعملوا يا
آل داود بطاعة الله، شكراً له على ما آتاكم من النعم في الدين والدنيا، وقليل
من عبادي من يشكرني، فيستعمل جميع جوارحه فيما خلقت له من المنافع
المباحة. والشكور: هو الذي يشكر في جميع أحواله من الخير والضرّ. كما قال
تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ وَقَلِيلٌ مَا هُمٌّ﴾ [ص: ٢٤/٣٨] وهذا
إخبار عن الواقع.
ورد في الصحيحين عن رسول الله هلال أنه قال: ((إنّ أحبَّ الصلاة إلى الله
تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحبّ
الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوماً، ويُفطر يوماً، ولا يَفِرُّ إذا
لاقى)) .
وأخرج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ((أن رسول الله وَ له
كان يقوم من الليل حتى تَفَطّر قدماه، فقلت له: أتصنع هذا، وقد غفر الله لك
ما تقدَّمَ من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً)).
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ صعِد المنبر، فتلا هذه الآية،
ثم قال: ((ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود، فقلنا: ما هنّ؟
فقال: العدل في الرِّضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في
السّرّ والعلانية)).
٤٨٤
الُهُ (٢٢) - شَكَبًا: ٣٤ / ١٢-١٤
ومع هذه النعم وعظمة سليمان عليه السلام ذكر تعالى كيفية موته وتعميته
على الجن المسخرين له في الأعمال الشاقة، فقال:
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَّمْ عَلَى مَوْنِهِ: إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ
مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَّوْ كَانُوْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِىِ اْلْعَذَابِ
اُلْمُهِينِ ﴾﴾ أي فلما حكمنا على سليمان بالموت وألزمناه إياه، مات، وهو
قائم متكئ على عصاه، ولم تعلم الجن بموته، وبقوا يعملون خوفاً منه، ولم
يدلّم على موته إلا الأرَضة التي أكلت عصاه من الداخل، فلما سقط بعدما
وقعت عصاه، ظهر للجن أنهم لا يعلمون الغيب كما زعموا، ولو صحّ ما
يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب، لعلموا بموته وهو أمامهم، ولم يلبثوا بعد
موته مدة طويلة في العمل الشاق الذي سخرهم فيه، ظانين أنه حيّ. أما المدة
التي مكث فيها سليمان متكئاً على عصاه فلم يرد خبر صحيح في شأنها، ونترك
الأمر في تقديرها لله عزّ وجلّ، وربما يستأنس بالحديث المرفوع الذي رواه
إبراهيم بن طهمان عن ابن عباس وفيه: ((أن سليمان نحت عصا الخرنوبة،
فتوكأ عليها حولاً لا يعلمون، فسقطت، فعلم الإنس أن الجنّ لا يعلمون
الغيب، فنظروا مقدار ذلك، فوجدوه سنة))(١).
قال الرازي: وقوله: ﴿مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ دليل على أن المؤمنين
من الجن لم يكونوا في التسخير؛ لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب
المهين (٢).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
(١) تفسير القرطبي: ٢٧٩/١٤
(٢) تفسير الرازي: ٢٥٠/٢٥
٤٨٥
للزُعُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ١٢-١٤
اً - امتنّ الله تعالى على سليمان عليه السلام بما أنعم عليه من النعم الجليلة
أهمها ثلاث: تسخير الريح، وإذابة النحاس، وتسخير الجنّ للعمل بأمره.
أما تسخير الريح فكانت تحمل بساطه تنقله من مكان إلى آخر، فتقطع
مسافة في نصف يوم تقدر بمسيرة شهر للمسافر العادي، وهذا معنى:
غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾
٠
اً - والنعمة الثانية هي إذابة النحاس في يده.
قال القرطبي: والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل
كعيون المياه، دلالة على نبوته(١)
◌َّ - والنعمة الثالثة هي تسخير الجنّ له شَغَلة عَمَلة لمختلف الحرف
والصناعات الثقيلة، من المساجد والقصور الشامخة، والقصاع الكبيرة
كحياض الإبل وقدور النحاس الثوابت التي لا تحرك لعظمها. والتماثيل:
وهي كل ما صُوِّر على مثل صورة من حيوان أو غيره. ذكر أنها صور الأنبياء
والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادةً واجتهاداً،
قال ◌َله: ((إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنَوْا على قبره
مسجداً، وصوروا فيه تلك الصُّوَر)) أي ليتذكروا عبادتهم، فيجتهدوا في
العبادة.
والآية صريحة في أن نبي الله سليمان عليه السلام كان يتخذ التماثيل. وهذا
يدلّ على أن التصوير كان مباحاً في ذلك الزمان، ونسخ جوازه بشرع محمد
وَله. وعلة النسخ سد الذّرائع ومحاربة ما كانت العرب تفعله من عبادة الأوثان
والأصنام، كما أن التعظيم لا يكون لغير الله تعالى.
(١) تفسير القرطبي ١٤/ ٢٧٠
٤٨٦
إِلُ (٢٢) - ◌َبإ: ٣٤ / ١٢-١٤
ذكر ابن العربي خمسة أحاديث في منع التصوير، منها ما رواه مسلم عن أبي
طلحة عن النبي وقالير: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه کلب ولا صورة) زاد زید بن
خالد الْجُهَني: ((إلا ما كان رَقْماً في ثوب)) ثم ثبتت كراهية الرَّقْم أيضاً ونسخه
المنع منه في أحاديث أخرى، فاستقرّ الأمر فيه على المنع كما ذكر القرطبي،
ومنها: ما رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود وابن عباس: ((أشدّ الناس
عذاباً يوم القيامة المصوِّرون)) ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت: كان لنا
سِتْر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله وَاليه :
((حَوِّلي هذا، فإني كلما دخلت، فرأيته ذكرت الدنيا)) وعنها قالت: دخل عليّ
رسول الله وَ﴾ وأنا مستترة بقِرام(١) فيه صورة، فتلوَّن وجهه، ثم تناول السّتر
فهتكه، ثم قال: ((إنّ من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهون بخلق الله
عزّ وجلّ)).
هذا ما يراه ابن العربي والقرطبي(٢) في أن المنع من التصوير عام، ثم
استثنيت منه أشياء، مثل لُعَب البنات، بالحديث الذي رواه مسلم عن عائشة
رضي الله عنها. واستبعد جماعة من العلماء هذا الاتجاه؛ لأن النسخ يشترط فيه
العلم بالتاريخ، والأولى في الجمع بين الأحاديث: أن يقال: تحمل النصوص
التي فيها الحظر بإطلاق على ما كان منها مجسداً لذي روح، بدليل حديث:
((أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون خلق الله)) ومن طريق آخر:
(يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) فيكون المنع متجهاً إلى صور الأجسام ذات
الروح إذا كانت على حالة بحيث يمكن أن يقال: إن صاحبها يضاهي بها خلق
الله، وذلك إذا كانت كاملة الخَلْق، بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح.
(١) القرام: السّتر الرقيق.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي: ١٥٨٩/٤ - ١٥٩٠، تفسير القرطبي: ٢٧٢/١٤ - ٢٧٤
٤٨٧
الزُُّ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٢-١٤
وأما حديث الأمر بتحويل السّتر الذي فيه تمثال طائر، فلاستقبال المارة
له، مما يشعر بتعظيمه، فإذا وضع للاستعمال فلا بأس.
أما تصوير الجمادات، كالجبال والأنهار، والأشجار ونحوها، فليست مما
يتناولها النص بإشارة: ((يشبّهون خلق الله)) وبإشارة ((يقال لهم: أحيوا ما
خلقتم)) .
وكذلك كل ما وضع في حالة لا تشعر بالتعظيم كالاستعمال في الأرض لا
يكون ممنوعاً.
هذا وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري شرح البخاري آراء العلماء في اتخاذ
الصور، نقلاً عن ابن العربي، وهي أن اتخاذ الصور ذات الأجسام أو ذات
الظل لكل ما فيه روح من إنسان أو حيوان حرام بالإجماع إلا لعب البنات.
أما الرَّقْم على الثياب ففيه أربعة أقوال:
الأول - يجوز مطلقاً، عملاً بحديث: ((إلا رقماً في ثوب)).
الثاني - المنع مطلقاً.
الثالث - إن كانت الصورة باقية الهيئة، قائمة الشكل، حرم، وإن كانت
مقطوعة الرأس أو تفرقت الأجزاء، جاز، قال: وهذا هو الأصح.
الرابع - إن كانت مما يمتهن جاز، وإلا لم يجز.
وأجاز جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب اتخاذ الصور إذا
كانت مما يوطأ ويداس أو يمتهن بالاستعمال كالمخاد والوسائد.
أما التصوير الشمسي أو الفوتوغرافي فحكمه حكم الرقم في الثوب، وهذا
مستثنى بالنّص، بل إن هذا في الحقيقة ليس تصويراً بالمعنى الذي جاءت به
الأحاديث بل حبس للصورة أو الظل، فيكون مثل الصورة في المرآة أو الماء،
وليس فيه محاكاة صنع الخالق أو تشبيه خلق الله تعالى.
٤٨٨
لُ (٢٢) - ◌َبًّا: ٣٤ / ١٢-١٤
٤ - أمر الله آل داود بشكره، وأخبر أن الشاكرين من عباده قلة قليلة، مما
يدل على وجوب شكر الله تعالى على ما أنعم على الإنسان، وحقيقة الشكر:
الاعتراف بالنعمة للمنعم، واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في
المعصية.
وظاهر القرآن والسُّنّة: أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل
اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.
٥ - ليس لأحد من الملائكة والجنّ والأنبياء والناس ادعاء العلم بالغيب،
وإنما ذلك مختص بالله تعالى، كما قال: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْسِهِ:
أَحَدًا ﴿٩َ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦/٧٢ -٢٧].
وفي قصة موت سلیمان متكئاً على عصاه، دون أن تعلم الجن بموته، بدلیل
استمرارهم بما كُلِّفوا به من الأعمال الشاقة: مثل واقعي فذّ لجهلهم بالغيب،
فإنه ظلّ مدة متكئاً على عصاه، ثم سقط بسقوط العصا التي تآكلت بفعل
الأرضة، وحينئذٍ علموا أنه ميِّت.
٤٨٩
الزُعُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
قصة سبا وسيل العرم
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ
١٥
رَبِكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ
الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِجَنََّهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَرِىٌ إِلَّ الْكَفُورَ ◌ََّـ
الْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا قُرَّى ظَهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ
وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ (
أَحَدِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ وَلَقَدْ
صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ
عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَئِ وَرَبُّكَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ حَفِيْظُ
القراءات:
﴿لِسَبَإٍ﴾: قرئ:
١- (لسَبأً) وهي قراءة البزي، وأبي عمرو.
٢- (لسَبأ) وهي قراءة قنبل.
٣- (لسبأٍ) وهي قراءة الباقين.
﴿ مَسْگنِهِمْ﴾ : قرئ:
١- (مسْكَنهم) وهي قراءة حفص، وحمزة.
٢- (مسْكِنهم) وهي قراءة الكسائي، وخلف.
٤٩٠
لِلُعُ (٢٢) - سَبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
٣- (مساكِنهم) وهي قراءة الباقين.
﴿أُكُلٍ خَطٍ﴾ : قرئ:
١- (أُكْلِ) وهي قراءة نافع، وابن كثير.
٢- (أُكُلٍ) وهي قراءة أبي عمرو.
٣- (أُكُلٍ) وهي قراءة الباقين.
﴿وَهَلْ تُجَرِىٌ إِلَّ اَلْكَفُورَ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (وهل يُجازى إلا الكفورُ).
﴿رَبَّنَا بَعِدْ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (ربَّنَا بَعِّدْ).
﴿صَدَّفَ﴾: قرئ:
١- (صَدَّق) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (صَدَق) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿ لِسَبٍَ﴾ من قرأ بالتنوين جعله منصرفاً، وقال: هو اسم بلد أو حي،
وليس فيه تأنيث، ومن لم ينونه، جعله غير منصرف للتعريف (العلمية)
والتأنيث، وقال: هو اسم بلدة أو قبيلة .﴿فِي مَسْكِّنِهِمْ﴾ من قرأ بالإفراد ففيه
لغتان بفتح الكاف وكسرها، والفتح على القياس؛ لأن مضارعه ((يسكُن)).
والكسر على خلاف القياس، مثل: مطلعٍ ومغرِب ومسجد ومسقِط ومنبت
ومجزر. ومن قرأ بالجمع جعله جمع مسكن.
٤٩١
لُ (٢٢) - ◌َبَإٍ: ٣٤ / ١٥-٢١
صف
﴿جَّتَانِ﴾ إما بدل من قوله ﴿ءَايَةٌ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي هي
جنتان، أو مبتدأ على تقدير: هنا جنتان، أو هناك جنتان.
﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ خبر مبتدأ أي هذه بلدة طيبة، وكذلك: ﴿ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾
أي وهذا رب غفور.
﴿لَيَالِىَ وَأَيَّامًا﴾ منصوبان على الظرف. والليالي جمع (ليلة) على خلاف
القياس. وأيام جمع يوم.
﴿ءَامِنِينَ﴾ حال.
﴿أُكُلٍ خَطٍ﴾ من قرأ بالتنوين جعل (الخمط) عطف بيان على (الأكل)
ولا يجوز أن يكون صفة؛ لأنه اسم شجرة بعينها، ولا بدلاً: لأنه ليس هو
الأول ولا بعضه. ومن لم ينون أضاف (الأكُل) إلى الخمط؛ لأن الأكل هو
الثمرة، والخمط هو الشجرة، فأضاف الثمرة إلى الشجرة، مثل تمر نخل،
وعنب كرم.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: في موضع نصب لأنه مفعول ثانٍ لـ
﴿جَزَيْنَهُم﴾ والمفعول الأول: الهاء والميم، وما: مصدرية أي بكفرهم.
{وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾ من قرأ ﴿صَدَّقَ﴾ بالتخفيف، كان
﴿ظَنَّهُ﴾ إما منصوب انتصاب الظرف، أي في ظنه، وإما منصوب انتصاب
المفعول به على الاتساع، وإما منصوب على المصدر. ومن قرأ بالتخفيف
ونصب إبليس ورفع ظنه، جعل الظن فاعلاً وإبليس مفعولاً. ومن قرأ
بالتشديد نصب ﴿ظَنَّهُ﴾ لأنه مفعول ﴿صَدَّقَ﴾.
البلاغة:
﴿يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ بينهما طباق.
٤٩٢
لِلُ (٢٢) - شَبَإٍ: ٣٤ / ١٥-٢١
﴿ وَقَذَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرٌ سِيرُواْ﴾ بين الكلمتين الأخيرتين جناس اشتقاق.
﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صيغة مبالغة على وزن فعّال وفعول.
﴿ وَهَلْ تُجَرِىّ إِلَّ اُلْكَفُورَ﴾ و﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
بينهما ما يسمى بمراعاة الفواصل، من أنواع الجمال في اللفظ.
المفردات اللغوية:
﴿ لِسَبَإٍ﴾ اسم قبيلة من قبائل العرب العاربة في بلاد اليمن، وتعد أصلاً
تفرع منها عدة فروع في جزيرة العرب. وقد سميت باسم جدّ لهم من العرب:
هو سبأ بن يشجُب بن يعرُب بن قَحْطان . ﴿فِى مَسْكَّنِهِمْ﴾ موضع السكنى
وهو مأرب في بلاد اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام . ﴿ءَايَةٌ﴾ علامة
دالة على وجود الله ووحدانيته وقدرته على إيجاد أمور عجيبة .﴿جَنَّتَانِ﴾
بستانان. ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ عن يمين واديهم وشماله. ﴿كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ)
أي قيل لهم ذلك، والرزق: ثمار الجنتين. ﴿وَأَشْكُرُواْ لَهُمْ﴾ على ما رزقكم من
هذه النعم في أرض سبأ، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه . ﴿بَلْدَةٌ طَيِبَةٌ
وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ استئناف للدلالة على موجب الشكر، أي هذه البلدة التي فيها
رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور. وكون
البلد طيبة: أنه ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب
ولا حية؛ لطيب هوائها.
﴿فَأَعْرَضُواْ﴾ انصرفوا عن شكر هذه النعم وكفروا بالله. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
سَيْلَ اُلْعَرِمِ﴾ أي دمَّره الله، وفتَق عليهم سد مأرب حتى انتقض، فدخل الماء
بساتينهم فغرقها، ودفن السيل بيوتهم، فهذا هو سيل العرم. والعرم: جمع
عَرِمة: وهي الحجارة المركومة والمباني القائمة، وسيل العرم: هو السيل الذي
لا يطاق لقوته وشدّته. ﴿أُكُلٍ خَمَطٍ﴾ مُرّ، والأُكل بمعنى المأكول: الثمر،
والخمط: كل شجرة مُرَّة ذات شوك وليس له ثمر. ﴿وَأَثَلٍ﴾ هو الشجر
٤٩٣
الُرُ (٢٢) - شَبإ: ٣٤ / ١٥-٢١
المعروف الشبيه بالطرفاء، ولا ثمر له . ﴿سِدْرٍ﴾ شجر النبق له ثمر يؤكل. أهلك
الله أشجارهم المثمرة، وأنبت بدلها الأراك والطرفاء والسدر، ووصف السدر
بالقلة؛ لأن ثمره مما يطيب أكله.
﴿ذَلِكَ﴾ التبديل. ﴿جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي بكفرانهم النعمة، أو
بكفرهم بالرسل، إذ بعث إليهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم .﴿وَهَلْ تُجَزِىّ إِلَّا
اُلْكَفُورَ﴾ أي لا نجازي بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في كفران النعم أو الكفر
بالرسل. وقرئ: يجازي.
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ سبأ باليمن. ﴿وَبَيِّنَ اُلْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ بالماء
والشجر وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة . ﴿قُرَُّ ظَهِرَةً﴾ مرتفعة
على الآكام، متواصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون
بأخرى حتى يرجعوا .﴿ وَقَدَّرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ﴾ أي كانت القرى على مقادير
للمسافر، بحيث يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى، إلى انتهاء سفرهم
ووصولهم إلى الشام، دون أن يحتاجوا في الطريق إلى حمل زاد وماء . ﴿سِيرُواْ
فِيهَا﴾ أي وقلنا: سيروا فيها. (لَيَالِىَ وَأَيَّامًا﴾ متى شئتم من ليل أو نهار.
{ ءَامِنِينَ﴾ لا تخافون في ليل ولا في نهار.
﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ﴾ وفي قراءة: بعِّد. ﴿ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ إلى الشام؛ فإنهم
بطروا النعمة كبني إسرائيل، فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز
ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد. ﴿ وَظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾
بالكفر وبطر النعمة . ﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لمن بعدهم في ذلك، جمع أحدوثة:
وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب، فإن الله أجابهم بتخريب
القرى المتوسطة .﴿ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍّ﴾ فرقناهم في البلاد غاية التفريق . ﴿إِنَّ
فِي ذَلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَيَتٍ﴾ عبراً ودلالات واضحات. ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ كثير
الصبر عن المعاصي وعلى الطاعات . ﴿شَكُورٍ﴾ كثير الشكر على النعم.
٤٩٤
الُ (٢٢) - شَبَإٍ: ٣٤ / ١٥-٢١
﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ﴾ أي صدق إبليس على الكفار ومنهم سبأ
ظنه، والمعنى: ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه . ﴿فَأَتَّبَعُوهُ﴾ أي فصَدَق في ظنه،
أو صدَّق ظنه بأن وجده صادقاً. ﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ بمعنى لكن. ﴿مِّنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾
أي لكن فريقاً هم المؤمنون لم يتبعوه، و﴿مِّنَ﴾: للبيان.
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي لم يكن له على المتبعين تسلط
واستيلاء بوسوسة واستغواء. ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ علم ظهور وانكشاف. ﴿مَن يُؤْمِنُ
بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍ﴾ أي لنتعرف ونتميز المؤمن بالآخرة من
الشاك . ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَظُ﴾ محافظ رقيب.
سبب النزول:
أخرج ابن أبي حاتم أن فَرْوة بن مُسَيْك الغطفاني رضي الله عنه قدم على
رسول الله وَلّ، فقال: يا نبي الله، إن سبأ قوم كان لهم في الجاهلية عز، وإني
أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: ما أمرت فيهم بشيء بعد،
فأنزلت هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الآيات.
المناسبة:
بعد بيان حال الشاكرين لنعم الله المنیبین إليه، وهم داود وسليمان عليهما
السلام، بَيَّن الله تعالى حال الكافرين بأنعمه، بحكاية قصة أهل سبأ، تحذيراً
لقريش، ووعيداً لكل من يكفر بنعم الله تعالى.
أضواء على سبأ وسد مأرب:
كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس صاحبة
سليمان عليه السلام من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم
واتساع أرزاقهم وثمارهم، وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن
٤٩٥
الُعُ (٢٢) - ◌َبَإٍ: ٣٤ / ١٥-٢١
يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى،
ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال سيل العرم، والتفرق في البلاد(١).
روى الإمام أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير والترمذي عن ابن عباس
يقول: إن رجلاً سأل رسول الله وَ ◌ّر عن سبأ ما هو، أرجل أم امرأة أم
أرض؟ قال وَله: ((بل هو رجل، ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة،
والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون: فَمَذْحِج، وكِنْدة، والأَزْد،
والأشعريون، وأنمار، وحْيَر، وأما الشامية: فلَخْم، وجُذام، وعاملة،
وغَسَّان» وإسناده حسن.
قال علماء النسب كمحمد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب
بن يَعْرُب بن قَحْطان، وإنما سمي سبأ؛ لأنه أول من سبأ - أي تفرق - في
العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه،
فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشاً ورياشاً.
وأرض سبأ: طيبة الثمار والهواء، كثيرة الخيرات والبركات، أنعم الله على
أهلها بنعم كثيرة ليوحدوه ويعبدوه. والسبئيون: قوم سكنوا اليمن، وأقاموا
المدن العظام ذات الحصون والقلاع والقصور الشامخة.
واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: أحدها - أنه من سلالة إرم بن سام
بن نوح، والثاني - أنه من سلالة عابر وهو هود عليه السلام، والثالث - أنه
من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام .
وأما سد مأرب: فكأن الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضاً سيول
أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سداً عظيماً محكماً،
حتى ارتفع الماء، وبلغ حافة الجبلين، فغرسوا الأشجار، واستغلوا الثمار.
(١) تفسير ابن كثير: ٥٣٠/٣
٤٩٦
الجُزُ (٢٢) - ◌َبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف
بسد مأرب. وقد جدّد بناؤه عام ١٩٨٧ م.
التفسير والبيان:
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبٍَ﴾(١) ﴿فِي مَسْكِنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن
رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُواْ لَهُمْ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ كان لقبيلة سبأ باليمن التي
كان منها ملوك اليمن في مسكنهم: مأرب آية هي بستانان عن يمين واديهم
وشماله، وكانت مساكنهم في الوادي، وفي البستانين جميع الثمار، فقيل لهم:
كلوا من رزق ربكم، أي من ثمار الجنتين، والقائل لهم نبيهم، أو القول بلسان
الحال أو الدلالة؛ لأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك. وقيل لهم أيضاً:
واشكروا ربكم على ما رزقكم من هذه النعم، ووحدوه واعبدوه، وأطيعوه
واجتنبوا معاصيه، فهذه بلدة طيبة لكثرة أشجارها، وطيب ثمارها، واعتدال
هوائها، وصحة مناخها، والله المنعم عليكم بهذه النعم رب غفور لذنوبكم إن
استمررت على التوحيد والطاعة.
﴿ فَأَعْرَضُواْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَّْنَهُمْ بِحَنََّيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ
خَطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (1) أي فأعرضوا عن توحيد الله،
وعبادته وطاعته، وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس
من دون الله، كما حكى القرآن عن قول الهدهد لسليمان عليه السلام:
﴿ وَجِئْتُكَ مِن سَبٍَ بِنٍَ يَقِينٍ ، إِى وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ
شَىْءٍ وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ ﴿ وَجَدَتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ
(g)) [النمل: ٢٧ /
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ
٢٢-٢٤] .
(١) منصرف على أنه اسم حي، وهو في الأصل اسم رجل، كما تقدم بيانه.
٤٩٧
الجُزُعُ (٢٢) - ◌َخَبِّ: ٣٤ / ١٥-٢١
فأرسل الله عليهم سيل العرم، أي المياه الكثيرة الغزيرة، بأن تحطم سد
مأرب، فملأ الماء الوادي، وغرّق البساتين الخضر ثم يبست، ودفن البيوت،
ولم يُبْق منهم إلا شراذم قليلة تفرقت في البلاد، وأعطوا بدل تلك الجنان
والبساتين المثمرة الأنيقة النضرة بساتين لا خير فيها ولا فائدة منها، وإنما
أشجار ذات ثمر مُرّ هي الأراك، وأثل هو الطرفاء، والسدر ذي الشوك الكثير
الذي لا ثمر له وهو شجر الضَّال.
قال القشيري: وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستاناً، ولكن لما وقعت
الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَزَّقُأْ سِيْئَةٍ
سَبَِّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢] ..
وسبب هذا العقاب كما قال تعالى:
أي إن ذلك
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُّجَرِىٌ إِلَّ الْكَفُورَ
التبديل من الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال الوارفة والأنهار الجارية
إلى أشجار ذات أشواك وثمار مُرَّة، كان بسبب كفرهم وشركهم بالله،
وتكذيبهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، لقد عاقبناهم بكفرهم، ولا
يعاقب الله إلا المبالغ في كفران النعم، والكفر بالرسل.
وبعد تعداد نعم الله على السبئيين في مساكنهم، ذكر تعالى باقة أخرى من
النعم أثناء تنقلهم في البلاد، ومتاجرتهم مع بلاد الشام، فقال:
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اٌلْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَهِرَةً﴾ أي وجعلنا
بين قراهم وقرى الشام التي باركنا فيها بالمياه والأشجار والخيرات الكثيرة
قرى مرتفعة معروفة، متواصلة، متقارب بعضها من بعض، مع كثرة
أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل ماء ولا
زاد، بل حيث نزل وجد ماء وثمراً، وهي قرى ظاهرة، أي بينة واضحة
يعرفها المسافرون، لبنائها على هضاب عالية.
٤٩٨
الُزُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
( وَقَذَرْنَا فِيَهَا السَّيْرِّ﴾ أي جعلناها محطات متعاقبة ذات مقادير متناسبة
بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، فيقيلون في بلد، ويبيتون في آخر، إلى أن
يصلوا إلى الشام.
[سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالَِ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾ أي وقيل لهم بلسان المقال أو الحال:
سيروا في تلك القرى ليالي وأياماً آمنين مما تخافون في السير ليلاً ونهاراً، لا
تخشون جوعاً ولا عطشاً ولا عدواً يهددكم.
ثم بطروا تلك النعمة، فقال تعالى:
﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي سئموا النعمة، فتمنوا
طول الأسفار والتباعد بين الديار، وقالوا: ربنا اجعل بيننا وبين البلاد التي
نسافر إليها مفاوز وقفاراً، ليركبوا فيها الرواحل، والتزود بالزاد والماء،
إظهاراً للتمايز الطبقي والتكبر والتفاخر على الفقراء والعاجزين، كما طلب
بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها
وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد بالمن والسلوى وما
يشتهون من مآكل ومشارب وملابس، كما طلبوا أن يفصل بين القرى بمفاوز
وقفار لأغراض حربية، وهذا غاية الانتكاس على الفطرة، والإمعان في تدمير
مظاهر الحضارة والتمدن والحياة الهانئة، لذا وصفهم الله بأنهم ظلموا أنفسهم
إذ عرضوها للسخط والعذاب، وعاقبهم الله على بطرهم النعمة وكفرهم بالله،
فقال :
﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي جعلناهم عبرة لمن يعتبر،
وحديثاً للناس يَسْمُرون به في مجالسهم، وفرقنا شملهم بعد الاجتماع والألفة
والعيش الهنيء، وفرقناهم في البلاد كل تفريق، فصارت العرب تضرب بهم
المثل، فتقول: ((تفرق القوم أيدي سبأ)) وأيادي سبأ، أي مذاهب سبأ
وطرقها، فنزلت الأوس والخزرج بيثرب، وغسان آل جفنة بن عمرو بالشام،
٤٩٩
المَعْ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
والأزْد بُعُمان والشَراة، وخزاعة بتهامة، فمزقهم الله كل ممزق، وهدم السيل
بلادهم.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في هذا الذي حلّ بهؤلاء
من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة، وتحويل العافية، عقوبة على ما ارتكبوه
من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب، شكور على
النعم.
وفي هذا إشادة بالصبر، روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَل: ((عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن: إن أصابه
خير حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل
شيء حتى اللقمة يرفعها إلى في امرأته)) . وروي في الصحيحين عن أبي هريرة
رضي الله عنه: ((عجباً للمؤمن، لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيراً له،
إن أصابته سَرَّاء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرَّاء صبر، فكان خيراً
له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن)) .
وكان مُطَرِّف بن الشِّخِّير يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أُعطي
شكر، وإذا ابْتُلَ صبر.
وبعد بيان قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباع الهوى والشيطان، أخبر
تعالى بأنهم وأمثالهم هم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالفوا الرشاد والهدى،
فقال :
﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي
ظن إبليس بهؤلاء السبئيين أنه إذا أغواهم اتبعوه، فكان كما ظن بوسوسته،
فانقادوا لإغوائه وعصوا ربهم وعبدوا الشمس من دون الله، إلا فريقاً مؤمناً
منهم قاوموا وسوسة الشيطان وعصوا أمره، وثبتوا على طاعة الله تعالى.
٥٠٠
لُ (٢٢) - شَبًا: ٣٤ / ١٥-٢١
﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ
مِنْهَا فِىِ شَائِّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظُ ﴾﴾ أي لم يكن لإبليس على هؤلاء
القوم من حجة وبرهان لإضلالهم، ولم يقهرهم على الكفر، وإنما كان منه
الوسوسة والتزيين، قال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم
على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها، فأجابوه.
ولكن ابتليناهم بوسوسته وسلطانه عليهم لنعلم علم ظهور - وإلا فالله بكل
شيء عليم - أمر من يؤمن بالآخرة وقيامها، والحساب فيها، والجزاء بالثواب
والعقاب، ممن هو منها في شك، فلا يؤمن بحدوثها ولا بما اشتملت عليه
من ثواب وعقاب. وربك أيها الرسول محافظ ورقيب على كل شيء، ومنه
أعمال هؤلاء الكفار، وسيجازيهم عليها يوم الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لقد كان لقبيلة سبأ باليمن بساتين خضر ومناظر رائعة حسناوات،
وخيرات وفيرة عن يمين واديهم التي يسكنون فيها وعن شمالهم في مأرب،
وتلك علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقاً خلقهم، وأن كل
الخلائق لو اجتمعوا على أن يُخرجوا من الخشبة ثمرة، لم يمكنهم ذلك، ولم
يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها،
وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر.
٣ - كان جديراً بهم أن يشكروا نعم الله وما رزقهم بالطاعة، فضلاً عن أن
الرسل قالت لهم ذلك، فهذه أي مأرب بلدة طيبة، أي كثيرة الثمار، معتدلة
المناخ، لطيفة الهواء، بعيدة عن المؤذيات، والمنعم بهذه النعم عليهم ربّ غفور
يستر ذنوبهم، فجمع الله تعالى لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم، ولم يجمع
ذلك لجميع خلقه.