Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الُعُ (٢١) - الأَجْزَان: ٣٣ /٩-٢٧ ﴿مَسْطُورًا﴾ ﴿بَصِيرًا﴾ ﴿غُرُورًا﴾ ﴿فِرَارًا﴾ ﴿يَسِيرًا﴾ ﴿كَثِيرًا﴾ توافق الفواصل في الحرف الأخير. ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُمُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌُ﴾ إطناب بتكرار اسم الله والرسول وسيلة للتعظيم والتشريف. ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ استعارة، استعير النحب وهو النَّذْر للموت نهاية كل حي؛ كأنه نذر لازم في رقبة کل إنسان. ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قوله: ﴿إِن شَآءَ﴾ اعتراض للدلالة على أن العذاب أو الرحمة بمشيئة الله تعالى. المفردات اللغوية: ﴿إِذْ جَآءَتَكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني الأحزاب وهم قريش بقيادة أبي سفيان، وغَطَفان بقيادة عُيَيْنَة بن حصن، وبنو أسد بإمرة طُلَيْحة، وبنو عامر بزعامة عامر بن الطُّفَيْل، وبنو سُلَيم يقودهم أبو الأعورِ السُّلَمي، وبنو النَّضير من اليهود برئاسة حُبَيّ بن أخْطب وأبناء أبي الُْقَيقِ، وبنو قُرَيظة من اليهود أيضاً وسيدهم كعب بن أسد، وقد نقض هؤلاء اليهود عهدهم مع النبي م# وتواطؤوا مع قريش. وبلغ مجموع الأحزاب عشرة آلاف، أو زهاء اثني عشر ألفاً. ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ريح الصبا ﴿وَحُنُودًا لَّمْ نَرَوْهَا﴾ هم الملائكة ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق، وعلى قراءة: (يعملون) تحزیب المشركين ومحاربتهم ﴿بَصِيرًا﴾ رائياً مطلعاً تمام الاطلاع ﴿مِّن فَوْقَكُمْ﴾ أي من أعلى الوادي، من جهة المشرق ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من أسفل الوادي من جهة المغرب ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَرُ﴾ مالت عن مستوى نظرها، فلم تلتفت إلا إلى عدوها حيرة ودهشة ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ المراد أنها فزعت فزعاً ٢٨٢ الجُ (٢١) - الأُخْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧ شديداً، والحناجر: جمع حَنْجرة: وهي منتهى الحلقوم وهو مدخل الطعام والشراب والتنفس، وتصوير ذلك: أن الرئة تنتفخ من شدة الرعب، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ﴿ وَنَظُنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ أي تظنون مختلف الظنون من نصر ويأس، فالمؤمنون المخلصون خافوا الزلل وضعف الاحتمال، والمنافقون ومرضى القلوب كذبوا بوعد الله، وتشككوا فيه، وأعلنوا بطلانه. (أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختُبروا وامتحنوا، فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا﴾ اضطربوا كثيراً من شدة الفزع وكثرة العدو ﴿ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ﴾ ضعف اعتقاد، وهم قوم كان المنافقون يستميلونهم بالإغراءات وزرع الشُّبَه في قلوبهم، لحداثة عهدهم بالإسلام ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بالنصر أو الظفر وإعلاء دينه ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ إلا وعداً باطلاً لا حقيقة له، أو خداعاً. ﴿َائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي المنافقون ﴿يَتَأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ أهل المدينة ممنوع من الصرف للعلميةِ ووزن الفعل ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي لا إقامة ولا مكانة لكم هاهنا ﴿فَارْجِعُواْ﴾ إلى منازلكم في المدينة هاربين، وذلك بعد أن خرجوا مع النبيِ وَّه إلى ((سَلْع)): جبل خارج المدينة للقتال ﴿ وَيَسْتَغْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَِّ﴾ في الرجوع ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قاصية غير حصينة، يخشى عليها الاقتحام من الأعداء ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينة ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي ما يريدون إلا هروباً من القتال مع المؤمنين. ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم﴾ المدينة ﴿مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ نواحيها وجوانبها ﴿ثُمَّ سُچِلُواْ اٌلْفِتْنَةَ﴾ طلب منهم الداخلون الشرك والردة، ومقاتلة المسلمين ﴿لَتَوَّهَا﴾ لأعطوها وفعلوها، وقرئ: لأتوها أي لجاؤوها ﴿ وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ ما أخّروها، أو ما أخروا إعطاء الفتنة إلا لوقت يسير ﴿لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ﴾ المراد لا ينهزمون ولا يفرون من الزحف. والأدبار: جمع دُبُر وهو ما قابل ٢٨٣ لِلُ (٢١) - الأَجْزَا: ٣٣ /٩-٢٧ القُبُل، ويطلق على الظهر ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاء به، ومجازى عليه. وهم بنو حارثة عاهدوا رسول الله و ﴿ يوم أحد حين فشلوا، ثم تابوا ألا يعودوا لمثله. ﴿وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ﴾ إذا فررتم لا تتمتعون في الدنيا بعد فراركم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعاً أو زماناً قليلاً ﴿يَعْصِفُّكُ﴾ يمنعكم أو يجيركم ﴿إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءًا﴾ هلاكاً وهزيمة ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾ فيه محذوف أي: أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم خيراً، فقد يكون المصاب خيراً ﴿مِّن دُونِ اللهِ﴾ غيره ﴿وَلِيًّا﴾ موالياً ينفعهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ناصراً يدفع الضر عنهم. ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ﴾ المثبطين منكم عن رسول الله بَّرَ، وهم المنافقون ﴿وَالْقَائِلِنَ لِإِخْوَذِهِمْ﴾ من ساكني المدينة ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ تعالوا، وأقبلوا إلينا، أو قرِّبوا أنفسكم إلينا ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لا يأتون الحرب والقتال إلا إتياناً أو زماناً قليلاً، رياءً وسمعة ﴿أَشِخَةً عَلَيْكُمْ﴾ بخلاء عليكم بما ينفعكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله، جمع شحيح ﴿عَلَى الْخَيْرِ﴾ حريصين على مال الغنائم، يطلبونها ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ تدير أعينهم أحداقهم ﴿كَالَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ أي كنظر أو دوران عين المغشي عليه من سكرات الموت خوفاً ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ زالت حالة الخوف وحيزت الغنائم ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ آذوكم بالكلام ورموكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي ألسنة ذَربة سليطة قاطعة كالحديد يطلبون الغنيمة ﴿لَمَّ يُؤْمِنُواْ﴾ حقيقة ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ﴾ أبطل ثمرة أعمالهم ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي وكان ذلك الإحباط هيناً سهلاً على إرادة الله، فإذا أراد شيئاً كان، ولم يمنعه عنه أحد. ﴿يَحْسَبُونَ اُلْأَحْزَابَ﴾ من صِىلے الكفار ﴿لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ إلى مكة، لخوفهم منهم، المعنى: يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا، وقد انهزموا، ففروا إلى داخل المدينة ﴿وَإِن يَأَتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرة أخرى ﴿يَوَدُّواْ﴾ يتمنوا ﴿بَادُونَ فِ اَلْأَعْرَابِ﴾ كائنون معهم في البادية يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ أخباركم مع الكفار، وما جرى عليكم ﴿وَلَوْ ٢٨٤ اِلُزُرُ (٢١) - الأخْزَابَ: ٣٣ /٩-٢٧ كَانُواْ فِكُمْ﴾ هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة ﴿مَّا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ما كان قتالهم إلا قتالاً ظاهرياً قليلاً، رياء وخوفاً من التغيير. ﴿أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ قدوة صالحة، يتأسى به، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ﴿ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوْ اَللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ أي يرجو ثواب الله أو لقاءه، ونعيم الآخرة ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قرن بالرجاء كثرة ذكر الله المؤدية إلى ملازمة الطاعة، فإن المؤتسي بالرسول ◌َل # من كان كذلك، بخلاف غيره. ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ من الكفار الذين تجمعوا لحرب النبي وَّلـ والقضاء عليه ﴿ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اُللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر، بقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرآءُ﴾ [البقرة: ٢١٤/٢] وقوله ◌َّ: ((إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر)) ((سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم)). ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ﴾ في الوعد والابتلاء ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك الذي رأوه من الخطب أو البلاء ﴿إِلَّ إِيَمَنَا﴾ تصديقاً بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره ومقاديره. ﴿صَدَقُوْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع الرسول وَله والمقاتلة لإعلاء الدين ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قتل في سبيل الله شهيداً، ووفَّى نذره، كحَمْزة ومُصْعب بن عمير وأنس بن النضر، والنحب: النذر، فجعل كناية عن الموت ﴿مَّن يَنْتَظِرٌ﴾ الشهادة، كعثمان وطلحة ﴿وَمَا بَدَّلُواْ﴾ العهد ولا غيروه، بخلاف حال المنافقين ﴿لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ اُلْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ تعليل للمنطوق وهم المؤمنون المخلصون، وللمعرَّض به وهم المنافقون، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء، كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى، لكن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم، والمراد به التوفيق للتوبة ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن تاب. ٢٨٥ اِلُرُ (٢١) - الأجْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧ ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الأحزاب ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ متغيظين ﴿لَمْ يَنَالُواْ خَيراً﴾ غير ظافرين ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالريح والملائكة ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ على إيجاد ما يريد ﴿عَزِزًا﴾ غالباً على كل شيء ﴿ظَهَرُوهُم﴾ ظاهروا الأحزاب أي عاونوهم ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ يعني من بني قريظة ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ من حصونهم، جمع صِيصَة وهي كل ما يتحصن به ﴿ وَقَذَفَ﴾ ألقى ﴿الرُّعْبَ﴾ الخوف الشديد ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ منهم وهم المقاتلة ﴿ وَتَأْسِرُونَ) فريقاً منهم وهم الذراري: أي النساء والأطفال. ﴿ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد، وهي خيبر، أخذت بعد قريظة. سبب النزول: نزول الآية (٩): ﴿وَأَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: أخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب، ونحن صافون قعوداً، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة أسفل منا، نخاف على ذرارينا، وما أتت قط علينا ليلة أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً منها، فجعل المنافقون يستأذنون النبي وَلقة إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة، فما يستأذن أحد منهم إلا أُذن له، فيتسللون، إذ استقبلنا النبي ◌َّ رجلاً رجلاً حتى أتى علي، فقال: ائتني بخبر القوم، فجئت، فإذا الربح في عسكرهم، ما تجاوز عسكرهم شبراً، فوالله، إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفُرُشهم، الريح تضربهم، وهم يقولون: الرحيل الرحيل، فجئت، فأخبرته خبر القوم، وأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُدٌ﴾ الآية. ٢٨٦ المُرُ (٢١) - الأُخْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧ نزول الآية (١٢): ﴿وَإِذْ يَقُولُ اٌلْمُنَفِقُونَ﴾: أخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عمرو المزني قال: خطّ رسول الله وَالر الخندق عام الأحزاب، فأخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فأخذ رسول الله وَله المعول، فضربها ضربة، صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتي المدينة(١)، فكبّر، وكثّ المسلمون، ثم ضربها الثانية، فصدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لا بتيها، فكبَر وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة، فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، فكبَّر، وكبّر المسلمون، فسئل عن ذلك، فقال: ضربت الأولى، فأضاءت لي قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم، ثم ضربت الثانية، فأضاءت لي قصور الحمر من أرض الروم، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثالثة، فأضاءت لي قصور صنعاء، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ ويحدّثكم، يُمنِّيكم ويَعدُكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفَرَق(٢) لا تستطيعون أن تَبْرُزوا، فنزل القرآن: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا نزول الآية (٢٣): ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾: أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر، فكبر عليه، فقال: أول مشهد قد شهده رسول الله وَله غِبتُ عنه، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله وَ﴿ ليريَنَّ الله ما أصنعُ، فشهد يوم أحد، فقاتل حتى قُتل، فوجد في جسده بضع وثمانون بين (١) جانبي المدينة. (٢) الفَرَق: الخوف. ٢٨٧ لِلُُّ (٢١) - الأَخْتَابَ: ٣٣ /٩-٢٧ ضربة وطعنة ورمية، ونزلت هذه الآية: الآية. ﴿رِجَالَ صَدَقَواْ مَا عَهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى بالتقوى بحيث لا يبقى في نفس المؤمن خوف من أحد، ذكر مثالاً واقعياً من وقعة الأحزاب، حيث تجمع المشركون من قريش ومن عاونوهم من اليهود والأحباش عشرة آلاف حول المدينة بقصد القضاء على النبي وصحبه، فدفع الله القوم عن المؤمنين من غير قتال وآمنهم من الخوف، مما يدل على أنه لا يخاف العبد غير ربه، فإنه سبحانه القادر على كل شيء، الكافُ أمره. أضواء من السيرة على غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق: في شوال من السنة الخامسة للهجرة اجتمع حول المدينة عشرة آلاف، أو اثنا عشر ألفاً، أو خمسة عشر ألفاً من الكفار الوثنيين وأهل الكتاب، للقضاء على النبي ◌َّر، وكان المشركون من قريش والأحباش في أربعة آلاف بقيادة أبي سفيان، وبني أسد بقيادة طُلَيْحة، وغَطَفان في ستة آلاف بزعامة عيينة بن حصن، وبني عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وسُلَيم يقودهم أبو الأعور السُّلَمي، وكان يهود بني النضير برئاسة حُيَّيّ بن أخْطَب وابني أبي الْخُقَيْق، ويهود بني قريظة وسيدهم كعب بن أسد الذي كان بينه وبين الرسول القادم عهد، فنبذه بسعي حيي بن أخطب. وكان سبب الوقعة اليهود، فقد خرج نفر من بني النضير وبني قريظة، فقدموا على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله وَّر، وقالوا لهم: إن دينكم خير من دينه، ثم جاؤوا غطّفان وقيساً وعَيْلان وبني مرة وأشجع، فدعوهم إلى الحرب في المدينة، فتوافق المعسكران: الوثني والكتابي على تكوين جيش موحد بقيادة أبي سفيان، فنزلوا أمام المدينة. ٢٨٨ المُرُ (٢١) - الأحزاب: ٣٣ / ٩-٢٧ وخرج رسول الله وَّر والمسلمون في ثلاثة آلاف، حتى نزلوا بظهر سَلْع. ولما سمع الرسول وَله بمسير فئات الأحزاب، أمر بحفر خندق حول المدينة بمشورة سلمان الفارسي، وعمل في حفره الرسول وّل# والمسلمون، في السهل الواقع شمال غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يخاف منه اقتحام العدو، وأما الجوانب الأخرى فكانت محصنة بالجبال. وبلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، وعمقه سبعة أذرع إلى عشرة، وعرضه تسعة فأكثر. فلما رأى المشركون وأحزابهم الخندق قالوا: والله هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، فوقعت مصادمات، وحاول بعض المشركين اقتحام الخندق، فرمي بالحجارة، واقتحمه بعضهم بفرسه فهلك أو قتل، منهم الفارس المشهور عمرو بن وُدّ العامري الذي تبارز مع علي رضي الله عنه، فقتله، وفرَّ صاحباه عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، ومن فوارسهم نوفل بن مغيرة. واستشهد سعد بن معاذ رضي الله عنه في غزوة بني قريظة. ثم وقعت مكيدة محكمة بين الأحزاب، فبينما رسول الله و آله وأصحابه في خوف وشدة، إذ جاءه نُعيم بن مسعود الغَطَفاني، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال رسول الله ﴿ حور: ((إنما أنت فينا رجل واحد، فخذُّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعَة)). فأتى بني قُرَيظة، وقال لهم: لا تحاربوا مع قريش وغطفان إلا إذا أخذتم منهم رُهُناً من أشرافهم يكونون بأيديكم تَفِيَّةً لكم على أن يقاتلوا معكم محمداً؛ لأنهم رجعوا وسئموا حربه، وإنكم وحدكم لا تقدرون عليه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي. ثم أتى قريشاً وغطفان، فقال لهم: إن اليهود يريدون أن يأخذوا منكم رُهُناً يدفعونها لمحمد، فيضرب أعناقهم، ويتّحدون معه على قتالكم؛ لأنهم ندموا على ما فعلوا من نقض العهد وتابوا. ٢٨٩ الجُرُ (٣٢) - الأخْزَان: ٣٣ / ٩-٢٧ ولما أراد أبو سفيان وقادة غطفان خوض معركة حاسمة مع المسلمين، تباطأ اليهود، وطلبوا منهم رهائن من رجالهم، فامتنعوا وصدَّقوا حديث نعيم بن مسعود، وتحقق اليهود من صدق حديث نعيم أيضاً، فتخاذل اليهود والعرب، وتفرقت الكلمة. ودبَّ الضعف في الأحزاب، وزاد من قلقهم واضطرابهم أن أرسل الله عليهم ريحاً شديدة البرد في ليلة شاتية، فأكفأت قدورهم، وطرحت آنيتهم. فرجع أبو سفيان مع قريش إلى بلادهم، وتبعته غطفان، وأرسل رسول الله وَالرّ حذيفة بن اليمان حتى يأتي بخبرهم، ومكث النبي وَّر قائماً يصلي، ودعا لحذيفة بالسلامة والحفظ حتى يعود، كما دعا رافعاً يديه ويقول: ((يا صريخ المكروبين، ويا مجيب المضطرين، اكشف همّي وغمي وكربي، فقد ترى حالي وحال أصحابي)» فنزل جبريل وقال: إن الله قد سمع دعوتك، وكفاك هول عدوك، فخرَّ رسول الله وَليل على ركبتيه، وبسط يديه، وأرخى عينيه، وهو يقول: شكراً شكراً كما رحمتني ورحمت أصحابي. وصدق الله إذ يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تَّكُمُ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبِحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب: ٩/٣٣] ويقول: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥/٣٣]. وانتهت الحرب بين المسلمين والمشركين، قال رسول الله وقاليقول: ((لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم)). واستشهد من المسلمين يوم الخندق سبعة، وقتل من المشركين أربعة. التفسير والبيان: تضمنت الآيات في مجال التذكير بنعمة الله وإحسانه إلى عباده المؤمنين ٢٩٠ الْجُرُ (٢١) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٩-٢٧ بنصرهم في غزوة الخندق موضوعات خمسة: هي وصف الغزوة (الآيات: ٩- ١١) وموقف المنافقين واليهود من المسلمين (الآيات: ١٢-٢١) وموقف المؤمنين في التضحية والفداء (الآيات: ٢٢-٢٤) ونصر المؤمنين وهزيمة الكافرين (الآية: ٢٥) وتأديب يهود بني قريظة (الآيتان: ٢٦-٢٧). أولاً - وصف الغزوة: ◌َيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُوْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيِحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٣)﴾ أيها المؤمنون بالله ورسوله اذكروا بالشكر والحمد نعم الله التي أنعم بها عليكم حين وقعتم في حصار جنود وحشود هائلة من قريش وغطفان واليهود الذين جاؤوا لإبادتكم واستئصال شوكتكم وإنهاء وجودكم، فبعثنا عليهم ريحاً باردة في ليلة شاتية، وملائكة لم تروها زلزلتهم وألقت الرعب في قلوبهم، فأكفأت القدور، وقلبت البيوت والأواني، حتى بادر رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان، النجاءَ النجاءَ، وقال طُلَيْحة بن خُوَيْلد الأسدي: إن محمداً قد بدأكم بالسحر، فالنجاءَ النجاءَ، وقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مُقام، لقد هلك الكُراغ (الخيول) والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قِدْر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحِلوا، فإني مرتحل. ثم قام إلى ◌َله، وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فما أطلق عِقاله إلا وهو قائم. وكان الله مطلعاً عليماً على جميع أعمالكم من حفر الخندق ومقاساة الشدائد، والاستعداد للقتال، والتحرز من العدو، وهو يجازيكم عليها، ولا يبخس منها شيئاً. ثم ذكَّرهم بإحكام حصار الأحزاب عليهم، فقال: ٢٩١ الجُ (٢١) - الأَخْزَاءُ: ٣٣ /٩-٢٧ ﴿إِذْ جَاءُوَكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي واذكروا حين جاءتكم الأحزاب من أعلى الوادي من جهة المشرق، ومن أسفل الوادي من جهة المغرب، الأولون من قريش والأحباش وبني كنانة وأهل تهامة، والآخرون من بني قريظة، كما ذكر حذيفة. وقيل: الأولون من أهل نجد وبني أسد وبني نصر، والآخرون: من قريش، وأما يهود بني قريظة فمن وجه الخندق. ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظْنُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ أي وإذ مالت الأبصار عن سَنَنها، فلم تلتفت إلى العدو لكثرته، وبلغت القلوب الحناجر كناية عن شدة الخوف والفزع، وتظنون مختلف الظنون، فمنكم مؤمن ثابت الإيمان لا يتزحزح عن موقفه، واثق بنصر الله وبوعده، ومنكم منافق مريض الاعتقاد، ظن أن محمداً وأصحابه يستأصلون، وينتصر المشركون، ويسودون المدينة. قال الحسن البصري: ظن المنافقون أن المسلمين يُستأصلون، وظن المؤمنون أنهم يُنصرون. أي حينئذ اختبر الله ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَلَا شَدِيدًا المؤمنين، فظهر المخلص من المنافق، وحركوا واضطربوا اضطراباً شديداً من الفزع وتهديد العدو، فمن ثبت منهم هم المؤمنون حقاً، ومن استبد القلق بهم هم المنافقون. والامتحان من الله ليس لاستبانة الأمر له، بل لحكمة أخرى، هي أن الله تعالى عالم بما هم عليه، لكنه أراد إظهار الأمر لغيره من الأنبياء والملائكة. ثانياً - موقف اليهود والمنافقين من المسلمين: ثم أعلن الله تعالى موقف المنافقين ومؤيديهم، فقال: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا أي واذكروا حين قال المنافقون الذين أسلموا في الظاهر ولم تؤمن ٢٩٢ الُرُ (٢١) - الأُخْزَاني: ٣٣ / ٩-٢٧ قلوبهم، وضعفاء العقيدة لحداثة عهدهم بالإسلام: ما وعدنا الله ورسوله من النصر على العدو إلا وعداً باطلاً لا وجود ولا حقيقة له. والقائل: جماعة من اليهود والمنافقين نحو من سبعين رجلاً، مثل مُعَتِّب بن قُشَيْر وطُعْمة بن أُبَيْرِق، فقال مُعَتب حين رأى الأحزاب: يَعِدُنا محمد فتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرّر فَرَقاً (خوفاً) ما هذا إلا وعد غرور(١). وأما مريض الاعتقاد فتحدث بما توسوس به نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. ﴿ وَإِذْ قَالَت ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ﴾ أي واذكروا ج أيضاً حين قالت طائفة من المنافقين، وهم أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه، أو عبد الله بن أُبَّ وأصحابه: يا أهل المدينة، لا وجه لإقامتكم مع محمد وعسكره، ولا مسوغ لها مع هذه الحال من الذل والهوان، ولا قرار لكم هاهنا، ولا مكان تقيمون فيه، فارجعوا إلى بيوتكم ومنازلكم في المدينة، لتسلموا من القتل والفناء. ويثرب: اسم للبقعة التي هي المدينة أو طيبة أو طابة. والطائفة: تطلق على الواحد فأكثر. ﴿ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي وبسبب إشاعة الفتنة وبثّ روح الضعف عزم جماعة من المنافقين على الرجوع وهم بنو حارثة بن الحارث، وطلبوا الإذن من النبي ◌َّ في العودة إلى بيوتهم وترك القتال قائلين: إن بيوتنا سائبة ضائعة ليست بحصينة، أي فيها خلل يخاف منه دخول العدو والسارق ليأخذ المتاع ويفزع النساء والأولاد، فكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ﴾ أي ليس فيها خلل أو ثغرة، بل هي حصينة وليست كما يزعمون، وإنما قصدهم الفرار بسبب الخوف، والهرب من الزحف مع جيش المؤمنين الصادقين. ثم بيَّن الله تعالى مدى ضعف الإيمان ورقّته في قلوبهم وأن ذلك الفرار ليس لحفظ البيوت، فقال: (١) الكشاف: ٥٣٣/٢، البحر المحيط: ٢١٧/٧ ٢٩٣ الُرُ (٢١) - الأختزائ: ٣٣ / ٩-٢٧ ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَوَّهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلََّ يَسِيرًا ﴾﴾ أي ولو دخل الأعداء عليهم من كل جانب من جوانب المدينة، أو البيوت، ثم طلب منهم الردة والعودة صراحة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، لجاؤوها أو لأعطوها من أنفسهم ولفعلوا ذلك سريعاً، ولم يحافظوا على الإيمان ولم يستمسكوا به، وما مكثوا في استجابتهم وعطائهم ما طلب منهم إلا زمناً يسيراً من أدنى خوف وفزع، وهو مقدار ما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو ما تلبثوا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلاً حتى يهلكوا. وهذا دليل واضح على ضعف الإيمان في نفوسهم، فلا عجب إذا بادروا إلى التراجع والتسلل من المعركة. وهذه سمة المترددين الجبناء الذين اعتادوا على الهرب من مواقف الصمود ولقاء الشجعان، لذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَانُوْ عَدَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ١٥ ) أي ولقد كان هؤلاء وهم بنو حارثة عاهدوا الله يوم أُحُد من قبل هذا الخوف ألا يولوا الأدبار، ولا يفرون من الزحف، ثم تابوا وعاهدوا الله ألا يعودوا لمثل ذلك. ثم هددهم تعالى وأوعدهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي إن الله سيسألهم عن ذلك العهد والوفاء به يوم القيامة، ويجازيهم على نقضه وخيانة رسول الله وَ ل*، وذلك أمر لا بُدّ منه. وقوله: ﴿مَسْئُولًا﴾ معناه: مطلوباً مقتضى حتى یوفی به. ثم بيَّن الله تعالى لهم عدم جدوى فعلهم، ووبخهم، فقال: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ أي أخبرهم أيها الرسول أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطوّل أعمارهم، فلن ينفعهم الهرب من لقاء الموت أو القتل في ميدان المعركة، فإن المقدّر كائن لا محالة، وربما كان فرارهم سبباً في تعجيل أخذهم غِرَّة، وإذا ظلوا أحياء ونفعهم الفرار ونجوا من الموت كما يظنون، لم يكن ٢٩٤ الجُزءُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧ تمتعهم بالتأخير بمتع الدنيا بعد هربهم وفرارهم إلا تمتيعاً قليلاً أو زماناً يسيراً: ﴿قُلّ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اَنَّغَى﴾ [النساء: ٧٧/٤]. قال الربيع ابن خيثمة: وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي إن فررتم من الموت أو القتل لا ينفعكم الفرار؛ لأن مجيء الأجل لا بدّ منه. ثم أبان الله تعالى ما تقدم معرِّفاً لهم قدرته الكاملة عليهم، فقال: ﴿قُلّ مَن ذَا الَّذِى يَعْصِمُّكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾ أي وقل لهم أيضاً أيها الرسول: لا أحد يستطيع أن يمنعكم من مراد الله بكم، أو دفع السوء عنكم إذا قدره الله عليكم، أو تحقيق النفع والخير إذا أراده لكم. وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ﴾ معناه: أو يصيبكم بسوء إن أرادٍ بكم رحمة، فاختصر الكلام. وقوله: ﴿سُوءًا﴾ أي هلاكاً، وقوله: ﴿رَحْمَةً﴾ أي خيراً ونصراً وعافية. وأكد هذا بقوله : ﴿ وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي ولا يجد هؤلاء المنافقون ومؤيدوهم من ضعفاء العقيدة ولا غيرهم مجيراً ولا مغيئاً ولا نصيراً ينصرهم أو يشفع لهم. ثم حذرهم بدوام علمه بالخائنين، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ قد: هنا للتحقيق وليس للتقليل، والمعنى: إن الله ليعلم علماً محيطاً شاملاً الذين يثبطون المسلمين عن شهود الحرب، تخذيلاً ونفاقاً، ويعلم القائلين لأصحابهم وخلطائهم من أهل المدينة: تعالوا إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وقرِّبوا أنفسكم إلينا، واتركوا محمداً والحرب معه. وهلمَّ: لغة أهل الحجاز، يسوّون فيه بين الواحد والجماعة، وأما تميم فيقولون: هلم يا رجل، ٢٩٥ لُ (٢١) - الأُخْزَالَ: ٣٣ / ٩-٢٧ وهلموا يا رجال، وهلمن يا نساء. والذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً، وإنما هو مركب مختلف في أصل تركيبه، فقيل: هو مركب من ها التي للتنبيه ولم، وهو مذهب البصريين، وقيل: من هل وأم، وهو متعد ولازم، فالمتعدي كقوله: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠/٦] أي أحضروا شهداءكم، واللازم كقوله: هلم إلينا، وأقبلوا إلينا، وقوله: ﴿وَاَلْقَائِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ إما المنافقون قالوا للمسلمين: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس(١)، وهو هالك ومن معه، فهلم إلينا، وإما يهود بني قريظة قالوا لإخوانهم من المنافقين: تعالوا إلينا وفارقوا محمداً، فإنه هالك، وإن أبا سفيان إن ظفر لم يُبق منكم أحداً. وإما رجل من أصحاب النبي ◌َّ قال لشقيقه في قلب المعركة: هلم إلي، قد تُبع بك وبصاحبك، أي قد أحيط بك وبصاحبك. ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ولا يأتي المنافقون القتال إلا زمناً قليلاً أو شيئاً قليلاً إذا اضطروا إليه، خوفاً من الموت، كقوله تعالى: ﴿مَّا قَثَلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠/٣٣]. ثم ذكر الله تعالى صفات أخرى لهم، فقال: اً - ﴿أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ﴾ هذه صفة البخل، أي بخلاء بأنفسهم وأحوالهم وأموالهم، فلا يعاونونكم في الحرب بنفس ولا بمال ولا بمودة وشفقة، وكذا عند قسمة الغنيمة. وأشحة: جمع شحيح على غير القياس، والقياس: أشحاء، مثل خليل وأخلاء. والصواب: أن يعمَّ شحهم كل مافيه منفعة المؤمنین. ◌َّ - ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ (١) أي هم قليل يشبعهم رأس واحد، وهو جمع آكل. ٢٩٦ الُرُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٩-٢٧ اُلْمَوْنِ﴾ وهذه صفة الجبن والخوف، والبخل شبيه الجبن، فلما ذكر البخل بَيَّن سببه وهو الجبن، والمعنى: فإذا بدأ حدوث الخوف ببدء المعركة والقتال، رأيتهم ينظرون إليك أيها النبي في تلك الحالة، كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوراً وضعفاً، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال. ◌َّ - ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةِ حِدَادٍ﴾ وهذه صفة سلاطة اللسان والإيذاء بالكلام والتفاخر الكاذب، والمعنى: فإذا تحقق الأمن غلبوكم باللسان وآذوكم بالكلام، وتفاخروا بأنهم أهل النجدة والشجاعة، وهم في ذلك كاذبون. وسبب هذه الصفة، كما قال تعالى: ﴿ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي وهم مع ذلك ليس فيهم خير، قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم قليلو الخير في الحالتين، كثيرو الشر في الوقتین، يبخلون أولاً وآخراً، أي أنهم حين البأس جبناء، وحين الغنيمة بخلاء، قال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوؤه مقاسمة، يقولون: أعطونا أعطونا، قد شهدنا معكم، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق. ثم ذكر الله تعالى سبب مرضهم وجميع صفاتهم وهو ضعف الثقة بالله، فقال : ﴿ أُوْلَتِكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي إن أولئك المنافقين هم في الواقع غير مصدقين بالله ورسوله، ولم يؤمنوا حقيقة، وإن أظهروا الإيمان لفظاً، فأبطل الله أعمالهم التي كانوا يأتون بها مع المسلمين، وكان ذلك الإحباط سهلاً هيناً عند الله، بمقتضى عدله وحكمته. وتساءل الزمخشري بقوله: هل يثبت للمنافق عمل، حتى يرد عليه ٢٩٧ الُرُ (٢١) - الأخْوَان: ٣٣ / ٩-٢٧ الإحباط؟ فأجاب: لا، ولكنه تعليم لمن عسى يظن أن الإيمان باللسان إيمان، وإن لم يواطئه القلب، وأن ما يعمل المنافق من الأعمال يجزى عليه، فبين أن إيمانه ليس بإيمان، وأن كل عمل يوجد منه باطل(١). ثم ذكر الله تعالى أن صفاتهم القبيحة في الجبن والبخل والخوف ملازمة لهم على الدوام، وليست مجرد أمر عارض مؤقت، فقال: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي يظنون من شدة الخوف والفزع أن أحزاب الكفر من قريش وغطفان وبني قريظة لم يرحلوا ولم ينهزموا، وأن لهم عودة إلى الحصار والحرب؛ فكأنهم عند حضورهم غائبون عن الساحة حيث لا يقاتلون، مع أن الأحزاب رحلوا وانهزموا ولن يعودوا. ﴿ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِى الْأَعْرَبِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ أي وإن يعُد الأحزاب إلى قتالكم، يتمنوا أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة وبين المقاتلين بل يكونون في البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم للشماتة بكم، وانتظار وقوع السوء بكم، وجبناً وخوراً في العزائم. ﴿ وَلَوْ كَانُواْ فِكُمْ مَّا قََلُواْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي ولو كان هؤلاء المنافقون معكم في ساحة المعركة لما قاتلوا إلا قتالاً يسيراً وزمناً قليلاً، لاستيلاء الجبن والضعف عليهم. ثم لفت نظرهم ونظر غيرهم إلى ضرورة التأسي بالقائد رسول الله وَاخيه، فقال : ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ (١) الكشاف: ٥٣٤/٢ ٢٩٨ الجُزُ (٢١) - الأخْزَان: ٣٣ /٩-٢٧ ) هذا أمر من الله تعالى بالتأسي بالنبي وَل يوم الأحزاب وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا وغيره في أقواله وأفعاله وأحواله، وصبره ومصابرته ومجاهدته وانتظار الفرج من ربه عز وجل، والمعنى: لقد كان لكم أيها المؤمنون قدوة صالحة ومثل أعلى يحتذى به، فهلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله وَّر، فهو مثل أعلى في الشجاعة والإقدام والصبر والمجالدة، إذا كنتم تريدون ثواب الله وفضله، وتخشون الله وحسابه، وتذكرونه ذكراً كثيراً في الليل والنهار، حباً به وتعظيماً له، وخوفاً من عقابه، وطمعاً في ثوابه وجزائه، فإن ذِكْره دافع إلى طاعته، والتأسي برسوله. وهذا عتاب للمتخلفين، وإرشاد للناس جميعاً أن يتأسوا برسول الله وَله في السراء والضراء وحين البأس ولقاء الشجعان ونزال الأبطال. ثالثاً - موقف المؤمنين: ثم بعد بيان حال المنافقين أبان الله تعالى حال المؤمنين عند لقاء الأعداء، فقال : ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اُللَّهُ وَرَسُولٌّ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا (®﴾ أي ولما شاهد المؤمنون المصدقون بوعود الله لهم، المخلصون في القول والعمل الأحزاب المتجمعة حول المدينة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار بمجابهة الأعداء ثم النصر القريب، وصدق الله ورسوله الوعد بالنصر، وما زادهم تجمع الأعداء وتلك الحال من الشدة والضيق إلا إيماناً بالله، وتصديقاً لرسوله وَلَه، وتسليماً لقضائه وقدره وانقياداً لأوامره وطاعة رسوله وَّله، واعتقاداً جازماً أن النصر من عند الله تعالى بعد أن يتخذ العباد الأسباب، ويستعدوا للحرب، ويقاتلوا فعلاً؛ لأن الجهاد تكليف من الله لعباده، وتعطيل التكليف معصية، ومجرد الاعتماد على قدرة الله وإمداده بالعون والنصر دون عمل من عباده: سوء فهم وجهل وتمنيات شيطانية خادعة. ٢٩٩ الُعُ (٢١) - الأَجْزَابِ: ٣٣ / ٩-٢٧ ﴿أَمْ والتحذير من هذه المفاهيم المخطئة متكرر في القرآن، قال تعالى: حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اُللَّهِ قَرِبُ [البقرة: ٢١٤/٢] وقال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَاْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [العنكبوت: ٢/٢٩]. وعن ابن عباس قال: قال النبي ◌َل ر لأصحابه: ((إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً)) أي في آخر تسع ليال أو عشر. وقال ◌َله أيضاً: ((سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم، والعاقبة لكم عليهم)). وفي الآية دلالة على وجوب الثقة بوعد الله ورسوله، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيمَنَا وَتَسْلِيمًا﴾ دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص. وبعد بيان حال المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف الله تعالى المؤمنين الذين استمروا على العهد والميثاق، فوفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله أنهم لا يفارقون نبيه إلا بالموت، فقال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُوْ تَبْدِيلًا ﴾﴾ أي وهناك في مقابلة المنافقين جماعة من المؤمنين المخلصين الصادقين، صدقوا العهد مع الله، ووفوا بما عاهدوا عليه من الصبر في حال الشدة والبأس، فمنهم من انتهى أجله واستشهد كيوم بدر وأحد، ومنهم من ينتظر قضاء الله والشهادة وفاء بالعهد، وما بدلوا عهدهم وما غيّروه، بخلاف المنافقين الذين قالوا: لا نولي الأدبار، فبدلوا قولهم وولوا أدبارهم. وقوله: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ معناه قاتل فوفى بنذره، والنحب: النذر. روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾ ٣٠٠ الجُزُ (٢١) - الأجْزَابَ: ٣٣ / ٩-٢٧ وروى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس قال: ((غاب عمي أنس ابن النضر عن بدر، فشقّ عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله وَّر غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله وَ ﴿ لَيَرَيَنَّ الله عز وجل ما أصنع، قال أنس: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ◌َ﴾ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال له أنس رضي الله عنه: یا أبا عمرو، أين؟ واهاً لريح الجنة، إني لأجده دون أحد، فقاتلهم حتى قُتل رضي الله عنه. فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فنزلت هذه الآية: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية. وذكر في الكشاف: نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لَقُوا حرباً مع رسول الله ◌َّ﴿ ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا، وهم عثمان بن عفان، وطلحة بن عُبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، وحمزة، ومُصْعَب بن عمير وغيرهم رضي الله عنهم. ثم ذكر تعالى علة ابتلاء المؤمنين وغيرهم وإيلامهم في الحرب، فقال: ﴿ لَيَجْزِىَ اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي إنما يختبر الله عباده بالخوف ولقاء الأعداء ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر كل واحد منهما بالفعل، ويكافئ الصادقين في إيمانهم بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه، وصدق ما وعدهم في الدنيا والآخرة كما صدقوا وعودهم، ويعذب المنافقين الذين. كذبوا ونقضوا العهد وأخلفوا أوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه. والكل تحت مشيئة الله في الدنيا، إن شاء بقوا على ما هم عليه حتى يلقوه، فيعذبهم، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى الإقلاع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، أي إن الهداية إلى الإيمان والتوبة بمراد الله ومشيئته.