Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الُءُ (٢١) - الأَجْزَابَّ: ٣٣ /٤-٥
وهو ردٌّ أيضاً على المنافقين الذين هم على درجة من النفاق، متوسطة بين
الإيمان والكفر؛ إذ ليس هناك إلا قلب واحد فيه إيمان أو كفر.
٣ - أبطل الله تعالى في هذه الآية حكم الظهار الجاهلي، وهو قول الرجل
لامرأته: أنتِ علي كظهر أمي، فتصبح محرمة على التأبيد، أما في الإسلام
فالحرمة مؤقتة تنتهي بالكفارة.
◌َّ - التبني حرام في الإسلام؛ لأنه يصادم الحقيقة، والأولى والأعدل أن
يُنسب الرجل إلى أبيه نَسَباً، ويحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير
أبيه، على النحو الذي كان في الجاهلية. فإن لم يكن كذلك، كما يقول الكبير
للصغير تلطفاً أو تحنناً وشفقة: يا ابني أو يا بُنيّ، فالظاهر عدم الحرمة، لكن
أفتى بعض العلماء بكراهته سداً لباب التشبه بالكفار.
٤ - نسبة الإنسان إلى أبيه من التبني خطأ، بأن يسبق اللسان إليه من غير
قصد، لا إثم ولا مؤاخذة فيها، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ
أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
كذلك لا إثم في نسبة شخص كان في الأصل منسوباً إلى أبيه بالتبني،
وجرى الإطلاق على سبيل الشهرة، كالحال في المِقْداد بن عمرو، فإنه غلب
عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود؛ فإن الأسود بن
عبد يغوث كان قد تبنَّاه في الجاهلية وعرف به، فلما نزلت الآية، قال المقداد:
أنا ابن عمرو؛ ومع ذلك فبقي الإطلاق عليه، ولم يحكم أحد بعصيان من
ناداه بذلك، وكذلك سالم مولى أبي حذيفة، كان يدعى لأبي حذيفة، وغير
هؤلاء.
وذلك بخلاف الحال في زيد بن حارثة؛ فإنه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن
محمد؛ إذ لم يشتهر به بعد التحريم والنهي، فإن قاله أحد متعمداً عصى؛ لقوله
تعالى: ﴿وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)

٢٦٢
الُ (٢١) - الأَخْزَانَ: ٣٣ /٤-٥
٥ - وكما يحرم التبني، يحرم انتساب الشخص إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه
غير أبيه، بل هو من الكبائر إذا كان على النحو الجاهلي، فقد كان الرجل منهم
ينتسب إلى غير أبيه وعشيرته، وجاء في السنة الوعيد الشديد عليه، أخرج
الشيخان وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي ◌َّ قال: ((من
ادَّعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام)).
وأخرج الشيخان أيضاً: ((من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه،
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صَرْفاً ولا عَدْلاً))
وأخرجا أيضاً عن أبي ذرّ أنه سمع النبي ◌َّل يقول: ((ليس من رجل ادّعى لغير
أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر)). والكفر: إذا اعتقد إباحة ذلك، فإن لم يعتقد
إباحته، فمعنى كفره: أنه أشبه فعله فعل الكفار أهل الجاهلية، أو أنه كافر
نعمة الله والإسلام عليه.
٩ - هناك فرق بين التبني المنهي عنه والاستلحاق الذي أباحه الإسلام،
فالتبني: هو ادعاء الولد مع القطع بأنه ليس ابنه، وأما الاستلحاق الشرعي:
فهو أن يعلم المستلحِق أن المستلحَق ابنه أو يظن ذلك ظناً قوياً، بسبب وجود
زواج سابق غير معلَن. فإن كان من زنى فلا يجوز الاستلحاق.
لاً - يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد
الأخوة في الدين والولاية فيه، وكان المدعو تقياً. فإن كان فاسقاً فلا يدعى
بذلك، ويكون حراماً؛ لأننا نهينا عن تعظيم الفاسق.
٨ - دلَّ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ على أنه ينبغي أن يكون قول
الإنسان إما عن حقيقة يقرها العقل السليم أو عن شرع ثابت، فمن تزوج
بامرأة فولدت لستة أشهر ولداً، وكانت الزوجة سابقاً زوجة شخص آخر
يحتمل أن يكون الولد منه، فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش أي رابطة
الزوجية.

٢٦٣
المُعُ (٢١) - الأَخْزَالَ: ٣٣ / ٦-٨
- قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يدل على أنه سبحانه يغفر
الذنوب للمستغفر، ويرحم المذنب التائب.
صَكَلَ الله
وَسَّلم
ومهمته
مكانة النبي
وتشريع الميراث بقرابة الرحم
﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ
أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَ
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ
أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا
النَّبِيِّئِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحِ وَإِنْزَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَبْنِ مَرْمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم
مِّشَقًا غَلِيظًا ﴿ لِيَسْتَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًاً
٨
القراءات:
﴿ النَِّىُّ أَوْلَى﴾ :
وقرأ نافع (النبيء أولى) مع إبدال الهمزة الثانية واواً خالصة.
﴿ اَلْنَِّنَ﴾ :
وقرأ نافع (النبيئين).
الإعراب:
﴿ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمُّ﴾ مبتدأ وخبر، أي إنهن بمنزلة الأم في التحريم، فلا
يجوز لأحد أن يتزوج بهن، احتراماً للنبي وَّه.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُواْ﴾ أن وصلتها: في موضع نصب على الاستثناء المنقطع.

٢٦٤
الزُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٦/٣٣-٨
البلاغة:
تشبيه بليغ، حُذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، أي
﴿وَأَزْوَجُ: أُمَّهَمُهُمُّ)
وأزواجه مثل أمهاتهم في الحرمة والتعظيم.
﴿أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ مجاز بالحذف، أو أولى بميراث بعض.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْئِنُ مِثَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾ عطف الخاص على العام
للتشريف والتنويه بشأنهم، بالرغم من دخول محمد ونوح وإبراهيم وموسى
وعيسى عليهم الصلاة والسلام في جملة النبيين.
﴿مِِّثَقًا غَلِيظًا﴾ استعارة، استعار الغلظ في الأجسام الحسية للشيء
المعنوي، وهو بيان حرمة الميثاق وخطورته وعِظَمه، للوفاء به.
﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ﴾ التفات من التكلم للغيبة لتبكيت المشركين وتقبيح
فعلهم.
المفردات اللغوية:
﴿ النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمِّ﴾ في الأمور كلها في الدين والدنيا، فإنه
لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم، فهو أرأف بهم
وأعطف عليهم فيما دعاهم إليه مما دعتهم أنفسهم إليه إذ هو يدعو إلى النجاة
وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك. ﴿ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَمُهُمُ﴾ أي مُنَزَّلات منزلة الأمهات
في حرمة زواجهن واستحقاق التعظيم، وفيما عدا ذلك فكالأجنبيات،
ولذلك قالت عائشة: لسنا أمهات النساء . ﴿ وَأُوْلُوْ اُلْأَرْحَامِ﴾ ذوو القرابات.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التوارث من الإرث بالحِلْف والمؤاخاة، وهو
نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين . ﴿فِى
كِتَبِ اللَّهِ﴾ فيما فرض الله تعالى وشرع أو في اللوح المحفوظ. ﴿مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ بيان لأولي الأرحام، أو صلة الأولي، أي أولو الأرحام

٢٦٥
الدُّعُ (٢١) - الأحزاب: ٣٣ / ٦-٨
بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين، والمهاجرين بحق الهجرة،
وبعبارة أخرى: الإرث بقرابة الرحم مقدم على الإرث بالإيمان والهجرة الذي
كان أول الإسلام، فنسخ. ﴿كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾ أي كان
المذكور في الآيتين ثابتاً في اللوح المحفوظ، أو في القرآن.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ أي واذكر. ﴿مِثَقَهُمْ﴾ أي عهودهم بتبليغ الرسالة والدعوة
إلى الدين القويم، والميثاق: العهد المؤكد. ﴿ وَمِنْكَ وَمِن نُوْجِ وَإِبْرَهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمٌ﴾ أي بأن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادته، وذكر هؤلاء الأنبياء
الخمسة من عطف الخاص على العام؛ لأنهم مشاهير أصحاب الشرائع وأولو
العزم من الرسل. وقدم نبينا تعظيماً له . ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِِّشَقًّا غَلِظًا﴾ ميثاقاً
شديداً عظيم الشأن بالوفاء بواجب التبليغ لما أنزل إليهم من ربهم. وقيل:
ميثاقاً مؤكداً باليمين.
﴿ لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمٌ﴾ أي فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة
أولئك الأنبياء الصادقين الذين صدقوا عهدهم عن صدقهم في تبليغ الرسالة
وعما قالوه لقومهم، تبكيتاً للكافرين برسالاتهم . ﴿ وَأَعَذَّ﴾ تعالى، معطوف
على ﴿أَخَذْنَا﴾ والمعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه، لأجل إثابة
المؤمنين، وتبكيت الكافرين، وأعد للكافرين بهم عذاباً مؤلماً.
المناسبة:
بعد أن أبطل الله تعالى حكم التبني الخاص وأن محمداً وَ ل﴿ ليس أباً لزيد بن
حارثة، أبان تعالى أن أبوة محمد سليم عامة لكل الأمة، وأزواجه بالنسبة
للرجال في حكم حرمة الأمهات، وهي أشرف من أبوة النسب؛ لأنها إنقاذ
أبدي من الهلاك، قال مجاهد: كل نبي أبو أمته. ثم أردف ذلك بعلو منزلته
وسمو مهمته وهو تبليغ دعوة الله، وفاء بالميثاق (العهد المؤكد) الذي أخذه الله
عليه وعلى سائر الأنبياء من قبله.

٢٦٦
للزُعُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٦-٨
التفسير والبيان:
﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ﴾ أي إن النبي محمداً وَلِّ أرأف بجماعة
المؤمنين من أمته وأعطف عليهم من أنفسهم؛ إذ هو يدعوهم إلى النجاة،
وأنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، كما قال ◌َله: ((أنا آخذٌ بُحُجَزِكم عن النار،
وأنتم تقتحمون فيها تَقتُّم الفَراش)) (١) ولأنه ينزَّل لهم منزلة الأب، فالنفس
قد تأمر بالسوء، وأما محمد ◌َ له فهو لا يأمر إلا بالخير ولا ينطق إلا بالوحي.
فإذا كان زيد يعتز بدعوته لمحمد وَلو؛ لأنها تكسبه جاهاً كبيراً في الدنيا
والآخرة، فإن المؤمنين أصبحوا جميعاً يعتزون بأبوة محمد بَلّر العامة لهم، وقد
نزلت الآية تسلية لزيد، وبياناً للانتقال من الأبوة الخاصة لزيد إلى الأبوة
العامة، والرأفة الشاملة التي تعم المسلمين جميعاً، لا فرق فيها بين الابن
الصلبي وغيره فهو يرعاهم حق الرعاية ويهديهم الطريق المستقيم.
وجعلت الولاية مطلقة لتشمل جميع الأمور الدينية والدنيوية.
وما دام محمد رَّ أولى من النفس، فهو أولى من جميع الناس بطريق
الأولى، وحكمه مقدَّم على اختيارهم لأنفسهم، ومحبته مقدمة أيضاً على حب
النفس التي بين الجنبين، كما قال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
﴾ [النساء: ٤ /٦٥].
١٦٥
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
وثبت في صحيح البخاري وغيره: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى
أكونَ أحبَّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين)) وروى البخاري في
صحيحه أيضاً عن أبي هريرة قال: إن رسول الله وَالإله قال: ((ما من مؤمن إلا
(١) نص الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة: ((إنما مَثَلي ومَثَل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً،
فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، وأنا آخِذ ◌ُحُجَزكم وأنتم تَفَحَّمون فيه)). قال العلماء:
الْحُجْزة للسراويل، والمعْقِد للإزار.

٢٦٧
الُ (٢١) - الأَجْزَانَ: ٣٣ / ٦-٨
وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ
مِنْ أَنْفُسِهِمَّ﴾ فأُما مؤمن ترك مالاً، فلترثه عصبته من كانوا، ومن ترك دَيْناً أو
ضَياعاً - عيالاً - فليأتني، فأنا مولاه)).
وفي الصحيح أيضاً أن عمر رضي الله عنه قال: ((يا رسول الله، والله لأنت
أحبُّ إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال ◌َّر: لا، يا عمر، حتى أكون
أحبَّ إليك من نفسك، فقال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل
شيء حتى من نفسي، فقال ◌َار: الآن يا عمر)).
ومبعث هذا ما علم الله تعالى من توافر شفقة النبي ولار على أمته، ونصحه
لهم، فجَعَله أولى بهم من أنفسهم.
﴿ وَأَزْوَجُهُ: أُمَّهَُهُمْ﴾ أي إن أزواج النبي ◌َّ منزلات منزلة الأمهات في
الحرمة والاحترام، أي في تحريم زواجهن بعد النبي ◌َّر، واستحقاق التكريم
والتعظيم والتوقير، وأما في غير ذلك فهن أجنبيات، فلا يقال لبناتهم أخوات
المؤمنين، ولا يحرمن على المؤمنين، ولا يحل النظر إليهن ولا الخلوة بهن، ولا
إرثهن ونحو ذلك.
وهذا بالنسبة إلى الرجال، فهم كأمهاتهم، وأما النساء فلا يقال لهن عند
البعض: أمهات المؤمنات، لذا قالت عائشة رضي الله عنها لمن قالت لها: يا.
أمه: أنا أم رجالکم، لا أم نسائكم. وسيأتي بیان الخلاف.
ويثبت هذا الوصف لجميع أزواج النبي وَلّ، حتى المطلّقة، لكن صحح
إمام الحرمين وغيره قصر التحريم على المدخول بها فقط. واختار الرازي
والغزالي القطع بحل المرأة التي اختارت الدنيا من أزواج النبي واليوم بعد نزول آية
التخيير الآتية.
ثم بَيَّن الله تعالى بقوله: ﴿ وَأَوْلُوْ اُلْأَرْحَامِ﴾ حكم الميراث، وبقوله: ﴿إِلَّ أَنْ

٢٦٨
لُرُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٦-٨
تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ﴾ حكم الوصية، ليبين الفرق بين ولاية النبي وَّل
للمؤمنين، وولاية المؤمنين لأقاربهم، فالنبي ◌َّ- لا يورث، فلا توارث بينه
وبين أقاربه، لولايته العامة، والمؤمنون يرث بعضهم من بعض إذا كانوا ذوي
قرابة، وهم أولى ببعضهم في النفع بميراث وغيره، إلا في حال برّ صديق أو
محتاج بالوصية، فيصير أولى من قريبه، فتقطع الوصية الإرث، فقال:
﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ أي وذوو القرابات مطلقاً، سواء أكانوا أصحاب فروض أم
عصبات أم ذوي أرحام أولى بمنافع بعضهم بالتوارث وغيره من بقية المؤمنين
المهاجرين والأنصار، أي بحق الدِّين وهو الإيمان، أو بحق الهجرة، وذلك في
فرض الله وشرعه وما كتبه على عباده، أو في القرآن، أو في اللوح المحفوظ.
وقوله: ﴿مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ كما ذكر الزمخشري إما بيان راجع لأولي
الأرحام (أي الأقرباء) والمعنى: وأولو القرابة من المؤمنين والمهاجرين بعضهم
أولى بنفع بعض أو بميراثه من الأجانب. وإما لابتداء الغاية، والمعنى: وأولو
الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية في الدِّين، ومن
المهاجرين بحق الهجرة (١) وعلى هذا المعنى الثاني وهو المشهور تكون الآية
إبطالاً لما كان في بدء الإسلام من التوارث بالخِلْف والمؤاخاة بين المسلمين،
فكان المهاجري يرث الأنصاري، دون قراباته وذوي رحمه، بسبب الأُخوَّة
التي آخى بينهما رسول الله وَ ل﴿، فقد آخى بين أبي بكر رضي الله عنه وخارجة
ابن زيد، وآخى بين عمر وشخص آخر، وآخى بين عثمان ورجل من بني
زُرَيق، وآخى بين الزبير وكعب بن مالك(٢)
ويؤكد هذا المعنى قول النبي نَّير فيما رواه الشيخان عن ابن عباس: ((لا
(١) الكشاف: ٥٣١/٢
(٢) فسیر ابن كثير: ٤٦٨/٣

٢٦٩
لُرُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٦-٨
هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)) والمراد: بطل حكم الهجرة وزالت
الأحكام المترتبة عليها کالتوارث بها.
﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾ أي ذهب الميراث بالتّآخي، وبقي
حكم الوصية والنصر والبر والصلة والإحسان، أي إلا أن توصوا إلى
أصدقائكم الذين توالونهم وتودونهم من المؤمنين والمهاجرين وصية،
والمعروف هنا: الوصية، ومن المعلوم أن الدَّين والوصية مقدّمان شرعاً على
الميراث، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١/٤]
ومعنى الآية: إن أوصيتم فغير الوارثين أولى، وإن لم توصوا فالوارثون
أولى بميراثكم وبما تركتم.
(كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾ أي إن هذا الحكم (وهو أن أولي
الأرحام بعضهم أولى ببعض) حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول
الذي لا يُبدّل ولا يغير، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت ما، لمصلحة
مؤقتة، وحكمة بالغة، وهو يعلم أنه سيغيره إلى ما هو جارٍ في قدره الأزلي،
وقضائه القدري التشريعي.
وبعد بيان مكانة النبي ◌ّلول بين المؤمنين، أبان الله تعالى سمو مهمته وعلو
منزلته في تبليغ الشرائع، والدعوة إلى دين الله ورسالة ربه، ووفائه بتلك
المهمة، عملاً بمقتضى ميثاق النبيين في أنهم يبلغون رسالات الله، وكأنه تعالى
من بداية السورة إلى هنا قال لنبيه تعليماً للأمة، اتق الله، ولا تخف أحداً،
واذكر أن الله أخذ ميثاق النبيين في أنهم يبلغون شرائع الله، ولا يمنعهم من
ذلك خوف ولا طمع، فقال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْئِنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِِّتَقًّا غَلِيِظًا ﴾﴾ أي واذكر أيها الرسول أننا أخذنا
العهد المؤكد على جميع الأنبياء ولا سيما أولو العزم منهم وهم الخمسة

٢٧٠
الْجُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٦-٨
المذكورون في الآية في أنهم يبلغون رسالة الله إلى أقوامهم، ويقيمون دين الله
تعالى، ويتناصرون ويتعاونون فيما بينهم بإكمال بعضهم رسالة من تقدمه،
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اُللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَدٍ وَحِكْمَةٍ
ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ
وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَأْ مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ
AD
﴾ [آل عمران: ٨١/٣] أي أخذ عليهم أن يعلنوا أن محمداً رسول الله وَالخير ،
ويعلن محمد وَيقر أن لا نبي بعده.
ثم أكد الله تعالى ذلك الميثاق بعينه، فوصفه بالشدة والغلظ مبالغة في حرمته
وعظمته وثقل تبعته (مسؤوليته) والمعنى: وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقاً
غليظاً، فالميثاق الثاني هو الأول مؤكداً باليمين، أو مكرراً لبيان صفته، من
طريق استعارة الغلظ من صفة الأجسام المادية إلى الأشياء المعنوية، مبالغة في
بیان حرمته وعظمه وخطورته، کما بینت.
وقد خصَّ الله تعالى بالذكر خمسة رسل هم أولو العزم، تنويهاً بشأنهم،
وتبيان أهمية رسالاتهم، من باب عطف الخاص على العام، كما في آية أخرى:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ.
إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَّ أَنْ أَقِيمُواْ الْذِينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيْهِ﴾ [الشورى:
ثم ذكر الله تعالى أنه سائل الأنبياء عن التبليغ والمؤمنين عن الإجابة
والمكذبين عن التكذيب، فقال:
﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ وَأَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (ج) اللام
في ﴿لِيَسْئَلَ﴾ قيل: إنها لام الصيرورة، أي أخذ الميثاق على الأنبياء، ليصير
الأمر إلى السؤال عما فعلوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَسْئَلَنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
[الأعراف: ٦/٧]. قال الرازي: يعني أرسل الرسل، وعاقبة المكلفين إما حساب

٢٧١
اِلُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ / ٦-٨
وإما عذاب؛ لأن الصادق محاسب، والكافر معذب(١). والظاهر - كما قال
أبو حيان - أنها لام التعليل، لام كي، أي بعثنا الرسل، وأخذنا عليهم
المواثيق في التبليغ، لكي يجعل الله خلقه فرقتين: فرقة يسألها عن صدقها، على
·معنى إقامة الحجة، فتجيب بأنها قد صدقت الله في إيمانها وجميع أفعالها، فيئيبها
على ذلك؛ وفرقة كفرت، فينالها ما أعدَّ لها من العذاب، فالصادقون
المسؤولون على هذا المعنى: هم المؤمنون، والهاء في ﴿صِدْقِهِمْ﴾ عائدة
عليهم، ويجوز أن يراد: وليسأل الأنبياء، أو ليسأل عن الوفاء بالميثاق الذي
أخذه عليهم أو ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، وفي هذا تنبيه:
أي إذا كان الأنبياء يسألون فكيف بمن سواهم؟(٢) أو ليسأل المبلَّغين الذين
بلغتهم الرسل. وعلى هذا، يكون المعنى: وأخذنا من الأنبياء ميثاقهم في تبليغ
الدعوة إلى دين الله، لكي نسأل المرسلين عن قيامهم بواجب التبليغ، ومعرفة
ما أجابتهم به أممهم، ولأجل إثابة المؤمنين على إيمانهم وصدقهم، وعقاب
الكافرين من أممهم المكذبين رسلهم الذين أعدَّ الله لهم عذاباً شديداً مؤلماً
موجعاً هو عذاب جهنم. فقوله تعالى: ﴿وَأَعَذَّ لِلْكَفِرِينَ﴾ معطوف على قوله:
﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِعِنَ﴾
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - النبي ◌َّ أرأف وأعطف وأشفق على المؤمنين من أنفسهم؛ لأن
أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة.
◌َ - آية ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌّ﴾ أزال الله تعالى بها أحكاماً كانت
(١) تفسير الرازي: ١٩٧/٢٥
(٢) البحر المحيط: ٢١٣/٧

٢٧٢
الجُُّ (٢١) - الأحزاب: ٣٣ / ٦-٨
في صدر الإسلام؛ منها: أنه ◌َ ﴿ كان لا يُصلّي على مَيِّت عليه دَيْن، فلما فتح
الله عليه الفتوح قال كما جاء في الصحيحين: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم،
فمن تولّي وعليه دين فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)). وفي الصحيحين
أيضاً: ((فأيكم ترك ديناً أو ضَياعاً فأنا مولاه)) والضياع: مصدر ضاع، ثم
جعل اسماً لكل ما يتعرض للضياع من عيال وبنين لا كافل لهم، ومال لا قيِّم
له. وسميت الأرض ضَيْعة؛ لأنها معرضة للضياع، وتجمع ضِياعاً.
قال بعض العلماء: يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء
اقتداءً بالنبي ◌َّ؛ فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه، حيث قال: ((فعلي
قضاؤه)).
◌َّ - جعلت أزواج النبي وَ لّ أمهات المؤمنين في وجوب التعظيم والبِرّ
والإجلال، وحرمة النكاح على الرجال، وتحريم النظر إليهن، وحجبهن عن
الرجال، بخلاف الأمهات. وهذه الأمومة لا توجب ميراثاً كأمومة التبني،
وجاز تزويج بناتهن، ولا يجعلن أخوات للناس، ولا أخوالهن أخوال المؤمنين
وخالاتهم، فقد تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي أخت عائشة،
ولم يقل: هي خالة المؤمنين. ولا يقال لمعاوية وأمثاله خال المؤمنين.
وهن في قول أمهات الرجال خاصة، لا أمهات الرجال والنساء، عن
عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لها: يا أمّه؛ فقالت لها: لست لك بأمّ،
إنما أنا أمُّ رجالكم. قال ابن العربي: وهو الصحيح(١).
وقال القرطبي: لا فائدة في اختصاص الحصر في الإباحة للرجال دون
النساء، والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء؛ تعظيماً لحقّهن على
الرجال والنساء. يدل عليه صدر الآية: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ﴾
(١) أحكام القرآن: ١٤٩٧/٣

٢٧٣
لُ (٢١) - الأَجْزَاب: ٣٣ / ٦-٨
وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورةً؛ فيكون قوله: ﴿وَأَزْوَجُ: أَمَّهَدُهُمْ﴾ عائداً
إلى الجميع(١)
٤ - قوله تعالى ﴿ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ﴾ ناسخ للتوارث بالحِلْف والمؤاخاة في الدين، وللتوارث
بالهجرة؛ لأن المراد بأولي الأرحام ذوي القرابة مطلقاً أياً كان نوعهم، والمراد
بالمؤمنين الأنصار، وبالمهاجرين قريشاً، وقد فسر الإمام الشافعي رضي الله
عنه الآية بذلك، وتبعه في هذا أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية. إلا أن
الجصاص يرى فيها دليلاً للحنفية على توريث ذوي الأرحام، لا من حيث إن.
الآية قد أريد منها هذا النوع الخاص من الوارثين، بل من حيث إن الآية
اقتضت أن ذا القرابة مطلقاً أولى من غيره، وأما تقديم بعض ذوي القرابة على
بعض، فهذا له أدلته الخاصة.
ويقتضي ذلك أن يكون ذو الرحم (هو الصنف الذي يدلي إلى الميت بواسطة
الأنثى) أولى من بيت المال، فتكون الآية حجة على من قدم بيت المال عليهم.
وظاهر الآية يدل على أن ذا الرحم أولى من مولى العتاقة، ويرى بعضهم أن
مولى العتاقة مقدم على ذوي الأرحام، وهو أولى من الرد؛ لأنه من
العصبات، والعصبات أولى بالميراث من غيرهم، وقد روي أن ابنة حمزة
أعتقت عبداً، ومات وترك بنتاً، فجعل النبي وَلِّ نصف ميراثه لابنته ونصفه
لابنة حمزة. ونوقش هذا بأنه لم يقل لنا الرواة: هل كان للميت ذو رحم، حتى
يتم الدليل. وقال النبي ◌َّر فيما رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر: ((الولاء
لحمة كلحمة النسب)) ونوقش هذا أيضاً بأن التشبيه يقتضي مطلق الاستحقاق،
ولكنه لا يدل على تقديمه على غيره.
(١) تفسير القرطبي: ١٢٣/١٤

٢٧٤
◌ِلُعُ (٢١) - الأَخْزَالَ: ٣٣ /٦-٨
ة - قال قوم: لا يجوز أن يُسمَّى النبي ◌َّل أباً؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ
مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ ولكن يقال: مثل الأب للمؤمنين؛ كما قال وَلِلّه
فيما رواه أبو داود: ((إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم)). وقال القرطبي:
والصحيح أنه يجوز أن يقال: إنه أبٌ للمؤمنين، أي في الحرمة لا في النسب،
وأما قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ فهو في النسب. وقرأ
ابن عباس: ((من أنفسهم، وهو أب لهم، وأزواجه أمهاتهم)) وهي في مصحف
أُبّ.
٩ - لا مانع من الإحسان لغير الوارثين في الحياة، والوصية عند الموت
لهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾ أي إن ذلك جائز.
وقال محمد بن الحنفية: ((إنها نزلت في جواز وصية المسلم لليهودي
والنصراني))(١) أي إنه تجوز الوصية للقريب والوليّ وإن كان كافراً؛ لأن الكافر
ولي في النسب لا في الدين، فيوصى له بوصية. ويكون معنى الآية: وأولو
الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى بميراث بعض، إلا إذا كان لكم
أولياء من غيرهم، فيجوز أن توصوا إليهم.
لاً - رسالات الأنبياء في الأصول العامة كأصول الاعتقاد والأخلاق
واحدة، وهم متناصرون متعاونون فيما بينهم، ويكمّل بعضهم رسالة
بعضهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّئِنَ مِثَقَّهُمْ﴾ الآية، أي أخذنا
عهدهم على الوفاء بما أوحي إليهم، وأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدّق
بعضهم بعضاً، وذلك حكم قديم مسطور حين كتب الله ما هو كائن، وحين
أخذ الله تعالى المواثيق من الأنبياء، وهو عهد وثيق عظيم على الوفاء بما
التزموا من تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضاً.
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٣٥٥/٣

٢٧٥
اِلُ (٢١) - الأَخْتراء: ٣٣ / ٦-٨
وقد خصَّ الله تعالى خمسة أنبياء بالذكر (وهم محمد ونوح وإبراهيم وموسى
وعيسى). تفضيلاً لهم؛ لأنهم أولو العزم من الرسل وأئمة الأمم، ولأنهم
أصحاب الشرائع والكتب. وقدَّم محمداً بِ له في الذكر؛ لما رواه ابن أبي حاتم
عن أبي هريرة أن رسول الله وَ له سئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِعِنَ
مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾ فقال: ((كَبَتُ أولَهَم في الخَلْق، وآخرهم في البعث،
فبدأ بي قبلهم))(١)
٨ - قوله تعالى: ﴿لِيَسَْلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه(٢)
أحدها - ليسأل الأنبياء عن تبليغهم الرسالة إلى قومهم، وفي هذا تنبيه؛ أي
إذا كان الأنبياء يُسألون، فكيف مَنْ سواهم؟
الثاني - ليسأل الأنبياء عما أجابهم به قومهم.
الثالث - ليسأل الأنبياء عن الوفاء بالميثاق الذي أخذه عليهم.
الرابع - ليسأل الأفواه الصادقة عن القلوب المخلصة، كما قال تعالى:
٢٦﴾ [الأعراف: ٦/٧].
◌ِفَلَنَسْتَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَّ الْمُرْسَلِينَ
وفائدة سؤال الأنبياء: توبيخ الكفار، كما قال تعالى لعيسى عليه السلام:
﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦/٥].
(١) لكنَّ فيه راوياً ضعيفاً.
(٢) تفسير القرطبي: ١٢٨/١٤

٢٧٦
الُءُ (٢١) - الأَجْزَابَ: ٣٣ /٩-٢٧
غزوة الأحزاب أو الخندق وبني قريظة
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ الَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتَّكُمْ جُدٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيِحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوَهَاْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ
هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوْ زِلْزَلَا شَدِيدًا ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ
اُلْفُونَا
وَإِذْ قَالَتْ قَائِفَةٌ
١٣
وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا غُرُورًا (
مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ
بُوَتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَتِهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا
وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ
ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَلِتَثُواْ بِهَا إِلَّ يَسِيرًا )
مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَذْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
﴿ قُل لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن
قُلْ مَن ذَا الَّذِى
١٦
فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَ يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ
﴿ ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَايِنَ لإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ
اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
أَشِخَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ
١٨
إِلَيْنًا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا
إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ
بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِّ أُوْلَئِكَ لَمَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ
﴿ يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ
عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا
أَنَّهُم بَادُونَ فِ اُلْأَعْرَادِ يَسْتَلُونَ عَنْ أَنْبَابِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُمُ مَا فَغَلُواْ
إِلَّا قَلِلًا جَ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ
وَاُلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿ وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا
اللَّهُ وَرَسُولُمُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِمًا ﴿﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَن يَنَظِرِّ وَمَا
بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ﴿ لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ

٢٧٧
المُرُ (٢١) - الأجزاء: ٣٣ / ٩-٢٧
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ
٢٤
يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا
﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ
يَنَالُواْ خَيراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا
تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ﴿ وَأَوْرَنَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّْ
تَطَُوهَاً وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا
(٢٧
القراءات:
﴿تَعْمَلُونَ﴾
وقرأ أبو عمرو (يعملون).
﴿اَلُونَأْ﴾: قرئ:
١- (الظنونا) وهي قراءة نافع، وابن عامر، بإثبات الألف وصلاً ووقفاً.
٢- (الظنون) بحذف الألف وصلاً ووقفاً قرأ أبو عمرو، وحمزة.
٣- وقرأ الباقون بإثبات الألف وقفاً وحذفها وصلاً.
﴿لَا مُقَامَ﴾:
وهي قراءة حفص وقرأ الباقون: (لا مَقَام).
بيوتنا﴾: قرئ:
١- (بُيُوتنا) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (بُيُوتنا) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿لَنَوَهَا﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير (لأتوها).

٢٧٨
الُعُ (٢١) - الأَجْزَا: ٣٣ /٩-٢٧
البَأْسَ﴾ :
وقرأ السوسي، ووقفاً حمزة (الباس).
﴿يَحْسَبُونَ﴾ قرئ:
١- (يَحْسَبُون) وهي قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة.
٢- (يَحْسِبُون) وهي قراءة الباقين.
﴿ أُشْوَةُ»:
وهي قراءة عاصم، وقرأ الباقون (إِسوة).
﴿فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: قرئ:
١ - (في قلوبهِمِ الرُّعُب) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (في قلوبُهُمُ الرُّغْب) وهي قراءة حمزة، وخلف.
٣- (في قلوبهُمُ الرُّعُب) وهي قراءة الكسائي.
٤- (في قلوبِهِمُ الرُّعُب) وهي قراءة ابن عامر.
٥- (في قلوبِهِمُ الرُّغْب) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِذْ جَاءُوَكُم مِّن فَوْقِكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: في موضع نصب على البدل من ﴿إِذْ﴾ في
قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتَكُمْ جُودٌ﴾ و﴿إِذْ﴾ هذه منصوبة بـ ﴿أَذَكُرُواْ﴾.
﴿وَتَظُنُونَ بِاللَّهِ القُنُونَاْ﴾ يقرأه القُنُونَ﴾ بإثبات الألف، لأنها فاصلة،
وفواصل الآيات تشبه رؤوس الأبيات. ويقرأ بترك الألف على الأصل.

٢٧٩
الُُ (٢١) - الأَخْزَانَ: ٣٣ /٩-٢٧
﴿وَإِذْ يَقُولُ﴾ و﴿ وَإِذْ قَالَتِ﴾: ﴿وَإِذْ﴾ فيهما منصوب بفعل مقدر، أي
اذكر.
﴿وَيَسْتَئْذِنُ﴾ الواو: واو الحال، والجملة بعدها في موضع نصب على
الحال من (الطائفة) المرفوعة بـ ﴿قَالَت﴾. وقال بعضهم تم الكلام عند قوله:
﴿فَأَرْجِعُواْ﴾ وليست الواو واو الحال.
و﴿إِنَّ بُوْتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي ذات عورة، فحذف المضاف.
﴿عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ﴾ ﴿عَهَدُواْ اللَّهَ﴾: بمنزلة
القسم، و﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ﴾: جوابه.
﴿ أَشِخَةً عَلَيْكُمْ﴾ : إما منصوب على الحال من واو ﴿يَأْتُونَ﴾ أو منصوب
على الذم.
يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَّدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ ﴿يَنْظُرُونَ
إِلَيْكَ﴾: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾
من رؤية العين. و﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾: إما حال من واو ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أو حال بعد
حال. و﴿ كَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ﴾ تقديره: تدور أعينهم دوراناً كدوران
عين الذي يغشى عليه من الموت، فحذف المصدر وهو ((دوراناً)) وما أضيفت
الكاف إليه وهو دوران، وما أضيف ((دوران)) إليه وهو ((عين)) وأقيم ((الذي))
مقام ((عين)) وإنما وجب هذا التقدير ليستقيم معنى الكلام؛ لأن تشبيه الدوران
بالذي يغشى عليه تشبيه العَرَض بالجسم، والأعراض لا تشبه بالأجسام،
و﴿مِنَ الْمَوْنِّ﴾ أي من حذر الموت.
﴿أَشِخَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾: ﴿أَشِخَّةً﴾ منصوب على الحال من واو،
﴿ سَلَقُوكُمْ﴾ وهو عامله.

٢٨٠
لِلُ (٢١) - الأُخْزَالَ: ٣٣ /٩-٢٧
﴿بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ﴾ : الجار والمجرور إما مرفوع على أنه خبر بعد
خبر، أي كائنون في جملة الأعراب، وإما منصوب على الحال من ضمير
﴿ بَادُونَ﴾.
﴿لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ﴾: الجار والمجرور بدل من لكم أو في موضع رفع؛
لأنه صفة بعد صفة لـ ﴿أُشْوَةُ﴾ أي أسوة حسنة كائنة لمن كان. ولا يتعلق بـ
﴿أُسْوَةُ﴾ إذا جعل مصدراً بمعنى التأسي؛ لأنها وصفت والمصدر إذا وصف لم
يعمل.
﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا﴾ أي ما زادتهم الرؤية إلا إيماناً، وإنما جعل الفعل
﴿زَادَهُمْ﴾ بالتذكير؛ لأن الرؤية بمعنى النظر.
﴿مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: ﴿مَا﴾ هنا: مصدرية، في موضع نصب بـ
﴿صَدَقُواْ﴾ أي صدقوا الله في العهد، أي وقَوا به.
البلاغة:
﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ و﴿أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ بينهما طباق.
﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه
منتزع من متعدد
﴿وَبَلَغَتِ اُلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ مبالغة في التمثيل، صور القلوب في
خفقانها واضطرابها، كأنها وصلت إلى الحلقوم.
﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ﴾ كناية عن الفرار من الزحف.
﴿ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ استعارة مكنية، شبه اللسان بالسيف المصلت،
وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السلق أي الضرب، بطريق
هذه الاستعارة، و﴿حِدَادٍ﴾ ترشيح.