Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
الزُُ (٢١) - الجنكتُوت: ٢٩ /٦٤-٦٩
وهذا تسفيه آرائهم وتقريع لهم، وتبيين سوء مصيرهم، بطريق الاستفهام
التقريري الذي هو أبلغ في إثبات العقاب المنتظر لهم.
وبعد بيان عاقبة الكافرين، أبان الله تعالى عاقبة المؤمنين فقال:
﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦) أي من
جاهد بالطاعة، ونصر دين الله، وقاتل أعداء الله المكذبين بكتابه ورسوله،
هداه الله ووفقه إلى طريق الجنة وطريق السعادة والخير في الدنيا والآخرة، كما
﴾ [محمد: ١٧/٤٧] وجاء
١٧
قال: ﴿ وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدًى وَءَائَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ
في الحديث الثابت: ((من عمِل بما علِم، ورَّثه الله عِلْم ما لم يَعْلَم)).
والله مع المحسنين أعمالهم بالنصرة والإعانة، والتأييد والحفظ والرعاية
والتوفيق، روى ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال عيسى بن مريم عليه
السلام: ((إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن
إلى من أحسن إليك)).
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
ا - الحياة الدنيا بما فيها من المال والجاه والملبس ملهاة وملعب، أو شيء
يُلهى به ويُلعب، وليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل
ويزول، كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات.
اً - ما يعمل في الدنيا لله من القرب والطاعات هو من الآخرة، وهو الذي
يبقى، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْجَلِ وَالْإِكْرَاءِ
[الرحمن: ٥٥/
١٣٧
٢٧] أي يبقى ما ابتغي به ثواب الله ورضاه.
٣ - إن الدار الآخرة هي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها،

٤٢
الزُعُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩ /٦٤-٦٩
وهي الحياة الصحيحة، فلا حياة إلا حياة الآخرة، وعبَّر عنها بالحيوان: وهو
الحياة؛ لأن فيها مبالغة ليست في الحياة.
٤ - المشركون قوم متناقضون، فتراهم في وقت الشدة المستعصية، كما إذا
ركبوا في السفن وخافوا الغرق، يدعون الله صادقين في نياتهم، ويتركون دعاء
الأصنام وعبادتها، فإذا وصلوا إلى برّ الأمان دعوا معه غيره، مما لم ينزِّل به
سلطاناً أو حجة، وما لا حقيقة لألوهيته أصلاً، فهم يشركون في البر، ولا
يشركون في البحر.
٥ - إن عاقبة الشرك أو ثمرته أن يجحد المشركون نعم الله ويتمتعوا بالدنيا،
والله يهددهم ويوعدهم ويقول لهم: اكفروا بما أعطيناكم من النعمة والنجاة
من البحر وتمتعوا.
٤ - جعل الله البيت الحرام مثابة للناس وأمناً: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾
[آل عمران: ٩٧/٣] وتلك نعمة تستحق الشكر والحمد لله والإذعان له بالطاعة،
ولا سيما إذا قورنت مكة بما عليه أحوال أهل البلاد الأخرى المجاورة، حيث
يقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، ويغير بعضهم على بعض.
ولكن المشركين كما تقدم تتناقض أحوالهم، فهم بالشرك أو بإبليس يؤمنون
وبنعمة الله وعطائه وإحسانه يكفرون ويجحدون.
لاً - لا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكاً وولداً، وإذا فعل فاحشة قال:
﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَبَآَنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨/٧] وكذَّب بالقرآن أو
بتوحيد الله، وأنكر رسالة محمد رَله، وعاقبتهم الثَّواء في نار جهنم.
٨ - إن المجاهدين جهاداً عاماً في دين الله وطلب مرضاته يوفقهم ربهم إلى
سبل الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ((إنما
قصَّر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما

٤٣
الجُزُ (٢١) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ /٦٤-٦٩
علمنا، لأوْرَثَنا علماً لا تقوم به أبداننا)) قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ
وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢/٢].
قال ابن عطية في آية: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا﴾: هي قبل الجهاد العرفي،
وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته.
وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو
نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وأعظمه: الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر.
ـة - إن الله لمع المحسنين بالنصرة والمعونة، والحفظ والهداية، ومع جميع
الناس بالإحاطة والقدرة. فتكون فائدة المجاهدين في طاعة الله أمرين: التوفيق
للخير والإيمان والسعادة، والعون والتأييد والحفظ.

٤٤
الُ (٢١) السورة (٣٠) المُوفِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
سُؤَدَّةُ التُّؤْمِنْ
مڪية، وهي ستون آية
تسميتها:
سميت سورة الروم لافتتاحها بخبر غلبة الروم، والإخبار عن نصرهم بعدئذ
في بضع سنين، وتلك إحدى معجزات القرآن العظيم بالإخبار عن المغيبات في
المستقبل ووقوع الشيء كما أخبر به.
موضوعها:
هو موضوع سائر السور المكية التي تبحث في أصول العقيدة الإسلامية
وهي التوحيد وصفات الله تعالى، والإيمان بالرسالة النبوية، وبالبعث والجزاء
في الآخرة.
مناسبتها لما قبلها:
تتشابه سورة الروم وسورة العنكبوت التي قبلها في المطلع، فإن كلاً منهما
افتتح بـ ﴿الَّمَ (4) غير مقرون بذكر التنزيل والكتاب والقرآن، على خلاف
القاعدة الخاصة في المفتتح بالحروف المقطعة، فإنها كلها قرنت بذلك إلا هاتين
السورتين وسورة القلم. وقد ذكر في أول هذه السورة ما هو معجزة وهو
الإخبار عن الغيب، فقدمت هذه الحروف الهجائية لتنبيه السامع والإقبال
بقلبه وعقله وروحه على الاستماع.

٤٥
اِلُ (٢١) السورة (٣٠) المُوفِْ
وهناك تشابه آخر بين السورتين من وجوه ثلاثة:
الأول - إن السورة السابقة بدئت بالجهاد وختمت به: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وبدئت هذه السورة بوعد المؤمنين بالغلبة والنصر، وهم
يجاهدون في سبيل الله تعالى.
الثاني - إن الاستدلال في هذه السورة على أصول الاعتقاد وأهمها التوحيد
جاء مفصلاً للمجمل في السورة السابقة مثل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ
يُبْدِىُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ
﴾ [العنكبوت: ١٩/٢٩]
﴿فَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠/٢٩].
الثالث - ترتب على التفرقة بين المشركين وأهل الكتاب في السورة المتقدمة
أن أبغض المشركون أهل الكتاب، وتركوا مراجعتهم في الأمور، وكانوا من
قبل يراجعونهم في الأمور، وسبب البغضاء أن المشركين في جدالهم نسبوا إلى
عدم العقل: ﴿بَلْ أَكْثُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٣/٢٩] وطُلب مجادلة أهل
الكتاب بالحسنى ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ اَلْكِتَبِ إِلَّا بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
[العنكبوت: ٤٦/٢٩] وكان أهل الكتاب يوافقون النبي في الإله، كما قال تعالى:
﴿ وَإِلَاُنَا وَإِلَ هُكُمْ وَحِدٌ﴾ [العنكبوت: ٤٦/٢٩].
فلما غُلب أهل الكتاب حين قاتلهم الفرس المجوس، فرح المشركون
بذلك، فأنزل الله تعالى أوائل سورة الروم لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق،
وإنما قد يريد الله تعالى مزيد ثواب في المحب، فيبتليه ويسلط عليه الأعادي،
وقد يختار للمعادي تعجيل العذاب الأدنى، دون العذاب الأكبر يوم القيامة.
مشتملات السورة:
افتتحت السورة بإثبات النبوة بالإخبار بالغيب، وهو انتصار الروم على
الفرس في حرب تقع بينهما في غضون بضع سنوات (من ٣-٩ سنوات) ووقع

٤٦
إِلُ (٢١) السورة (٣٠) المُؤْفِرْ
الخبر كما أخبر القرآن، وتلك معجزة القرآن تثبت صدق النبي ◌َّ، وتتضمن
البشارة نصر جند الرحمن على حزب الشيطان.
ثم ذكرت أدلة الوحدانية وعظمة القدرة الإلهية بالتأمل في صفحة الكون
والنظر في خلق السماوات والأرض، والاعتبار بمأساة المكذبين الغابرين
وعاقبتهم السيئة، وأردف بعدها أدلة البعث، والأمر بعبادة الله وحده، وذلك
مقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها.
ونوقش فيها المشركون وضربت لهم الأمثال في أن الشركاء ضعفاء
عاجزون لا يملكون لأنفسهم يوم القيامة نفعاً، ولا يتمكنون دفع الضر عن
أحد، ولا يستطيعون خلق شيء وإيجاده ولا إمداد أحد بالرزق. وكشف
القرآن حقيقة حال المشركين كما ذكر في السورة المتقدمة وهي لجوءهم إلى الله
وقت الضر، وإشراكهم به وقت الرخاء، وأميط اللثام عن طبيعة الإنسان
وهي الفرح بالنعمة، والقنوط حين الشدة إلا من آمن وعمل صالحاً.
ونهى الله تعالى عن اتباع المشركين وغيرهم الذين فرقوا دينهم وكانوا
شيعاً، ثم أمر تعالى بالتصدق على ذوي القربى والمساكين وابن السبيل،
واجتناب أكل الربا، وتنمية المال بوجوه الحلال وتطهيره بالزكاة.
ثم قارنت السورة بين مصير المؤمنين في روضات الجنان فضلاً من الله
تعالى، ومصير الكافرين في نيران الجحيم جزاء أعمالهم وكفرهم، وحينئذ
تظهر فائدة الإيمان والخير، وظلام الكفر والشر.
وأعقب ذلك إيراد بعض الأدلة الكونية الناطقة بقدرة الله والدالة على
وحدانيته من إرسال الرياح مبشرات بالرحمة، وتسيير السفن في البحار،
وتمكين المسافرين من التجارة وابتغاء فضل الله في أقطار الأرض، والدلائل
الملحوظة في الأنفس من خَلْق ثم رزق، ثم إماتة، ثم إحياء.

٤٧
اِلُ (٢١) - المُؤْمِنْ: ٣٠ /١-٧
وختمت السورة بتسلية الرسول و 8# عن إعراض قومه عن الإيمان برسالته
بأنهم أغلقوا منافذ الهداية، وعطلوا طاقات الفكر والعقل عن النظر في وسائل
الوصول إلى الإيمان بالله، فهم صُمّ عُمْيٌ لا يسمعون ولا يبصرون، وأنهم
مهما رأوا من الآيات، وشاهدوا من البراهين والمعجزات، لن يؤمنوا بسبب
العناد، والتشبث بمواقع الكفر، والحفاظ على مراكز الزعامة والنفوذ بين
العرب.
وهذا يقتضي الصبر على أذى المشركين حتى يأتي النصر، ومتابعة القيام
بواجب تبليغ الرسالة، فإنه قد يهتدي بعضهم أو غيرهم، وسيكون النصر في
جانب الرسول وَل#، والخذلان لمن كذب به، ولن يؤثر في مسيرة دعوته كفر
الذين لا يوقنون بالبعث بعد الممات.
الإخبار بالغيب في المستقبل
٣
﴿الَّمَ ﴿﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿ فِ أَدْنَ الْأَرْضِ وَهُم مِّنَ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
فِي بِضْعِ سِنِينَُ لِلَّهِ اُلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَؤْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ
٤
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا
يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ
٧
الذُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ
الإعراب:
﴿مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ غَلَب: مصدر مضاف إلى المفعول، وتقديره: وهم
من بعد أن غُلبوا سيغلبون.
﴿مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ ظرف مبني على الضم؛ لأنه مقطوع عن الإضافة:
لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة كلمة واحدة، فلما اقتطع عن الإضافة، نُزِّل
:

٤٨
لُ (٢١) - المُوفِنْ: ٣٠ /١-٧
منزلة بعض الكلمة، وبعض الكلمة مبني. والبناء على الضم تعويضاً عن
المحذوف؛ لأنه أشرف الحركات، ولئلا تلتبس حركة الإعراب بحركة البناء،
فلو بني على الفتح أو الكسر، لالتبست حركة الإعراب بحركة البناء.
﴿ِنَصْرِ اللَّهِ﴾ في موضع نصب، متعلق بـ ﴿يَفْرَحُ﴾.
﴿ وَعْدَ اللَّهِ﴾ منصوب على المصدر المؤكد لما قبله، والمصدر مضاف إلى
الفاعل.
البلاغة:
﴿غُلِبَتِ﴾ و﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بينهما طباق، وكذا بين ﴿قَبْلُ﴾ و﴿بَعْدٌ﴾.
﴿لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ بينهما طباق السلب.
(اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ صيغة مبالغة، أي البالغ نهاية العزة وغاية الرحمة.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ تكرار الضمير لإفادة الحصر، والتعبير
بالجملة الاسمية للدلالة على استمرار الغفلة.
المفردات اللغوية:
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (3) الروم: أمة ذات مدنية وحضارة وقوة، من ولد روم
ابن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، كانوا نصارى، غلبتهم فارس الذين كانوا
يعبدون الأوثان، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا للمسلمين: نحن نغلبكم كما
غلبت فارس الروم ﴿فِيِّ أَدْنَ اُلْأَرْضِ﴾ أقرب أرض الروم إلى فارس بالجزيرة،
· وأقرب مكان إلى أرض العرب من جهة الشام، فيها التقى الجيشان، وكان
الفرس هم البادئين بالغزو﴿وَهُمْ﴾ الروم ﴿مِّنْ بَعْدِ غَلِهِمْ﴾ أضيف المصدر
إلى المفعول، أي غلبة فارس إياهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس.

٤٩
الُعُ (٢١) - التُّوْفِرْ: ٣٠ /١-٧
﴿فِي بِضْعِ سِنِينٌَ﴾ البضع: ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى العشر، وقد
تمّ لقاء الجيشين فعلاً في السنة السابعة من اللقاء الأول، وغلبت الروم فارس
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ أي من قبل غلب الروم ومن بعده، والمعنى
أن غلبة الفرس أولاً وغلبة الروم ثانياً تمّ بأمر الله، أي إرادته ﴿ وَيَوْمَیٍِ﴾ يوم
تغلب الروم.
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أي نصر أهل الكتاب على من لا كتاب له ﴿اُلْعَزِيزُ﴾
الغالب ﴿الرَّحِيمُ﴾ الواسع الرحمة بالمؤمنين ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد للفعل،
أي وعدهم الله النصر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ كفار مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعده
تعالى بنصرهم لجهلهم وعدم تفكيرهم ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَوَةِ الذُّنْيَا﴾ أي ما
يشاهدونه منها من المعايش في التجارة والزراعة والبناء والغرس وغير ذلك.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾ أي إنهم غافلون عن الغاية والمقصود من الحياة،
لا تخطر ببالهم، وإعادة ﴿هُمْ﴾ تأكید.
سبب النزول:
أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم
على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت ﴿الَّمَ ( عُلِبَتِ الزُّومُ
٢
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب الزهري قال: بلغنا أن المشركين كانوا
يجادلون المسلمين، وهم بمكة، قبل أن يخرج رسول الله وَّر، فيقولون: الروم
يشهدون أنهم أهل كتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم
ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم، فكيف غلب المجوس الروم، وهم
أهل كتاب؟! فسنغلبكم كما غلب فارس الروم، فأنزل الله: ﴿الَّمَ ا غُلِبَتِ
الرُّومُ
وأخرج الترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي: أن فارس
غَزَوا الروم، فوافَوْهم بأذْرِعات وبُصرى من أرض الشام، فغلبوا عليهم،

٥٠
لُ (٢١) - المُرُوفِزْ: ٣٠ /١-٧
وبلغ ذلك النبي ◌َّ وأصحابه وهو بمكة، فشق ذلك عليهم، من قِبَل أن
الفرس مجوس، والروم أهل كتاب، وفرح المشركون بمكة وشمتوا، ولَقُوا
أصحاب النبي وَّر وهم فرحون، وقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل
كتاب، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب،
وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرَنَّ عليكم، فأنزل الله هذه الآيات.
فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى المشركين، فقال: أفرِخْتم بظهور إخوانكم
على إخواننا؟ فلا تفرحوا، ولا يَقَرَّنَّ الله أعينكم(١)، فوالله لتَظْهَرَنَّ الروم على
فارس، كما أخبرَنا بذلك نبينا وَّهَ، فقام إليه أبيّ بن خلَف؛ فقال: كذبت،
فقال: أنت أكذب يا عدو الله، اجعل بيننا أجلاً أناحِبِك عليه(٢) على عشر
قلائص مني (٣) وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرِمتَ،
وإن ظهرت فارس غرمتُ إلى ثلاث سنين، فناحبه، ثم جاء إلى النبي ◌َّ
فأخبره، فقال ◌َّ: ((زايده في الخَطَر(٤) وماده في الأجل)) فخرج أبو بكر،
فلقي أبياً، فقال: لعلك ندمت، فقال: لا، تعال أزايدك في الخطر، وأمادّك
في الأجل، فاجعلها مئة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت، فلما أراد
أبو بكر الهجرة، طلب منه أُبَي كفيلاً بالخطر إن غُلب، فكفل به ابنه عبد
الرحمن، فلما أراد أُبَيّ الخروج إلى أحد، طلبه عبد الرحمن بالكفيل، فأعطاه
كفيلاً، ومات أُبيّ من جرح جرحه إياه النبي ◌َّ في الموقعة، وظهرت الروم
على فارس لما دخلت السنة السابعة، فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبيّ، وجاء
به إلى النبي ◌َِّ، فقال النبي ◌َّ: ((تصدّقْ به)). وقد كان هذا قبل تحريم القمار؛
(١) لا يسرَّنَّكم.
(٢) أراهنك.
(٣) جمع قلوص وهي الناقة الشابة الفتية.
(٤) الخَطَر: السَّبَق الذي يتراهن عليه أي الرهن الذي يخاطر عليه.

٥١
الُ (٢١) - الرُّومِنْ: ٣٠ /١-٧
لأن السورة مكية، وتحريم الخمر والميسر بالمدينة. واستدل به الحنفية على جواز
العقود الفاسدة في دار الحرب.
والآية من دلائل النبوة؛ لأنها إخبار عن الغيب.
التفسير والبيان:
هذه الحروف المقطعة التي تقرأ هكذا: ((ألف، لام، ميم))
لم
للتنبيه على إعجاز القرآن، كما تقدم في أمثالها، وتنبيه السامع على الاستماع
بقلبه لما یلقی إليه بعدها.
﴿ غُلِبَتِ الزُّوُ جَ فِيَّ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
٣
أي غلبت فارس قوم الروم في أقرب أرض الروم إلى بلاد العرب في مشارف
الشام، بين الأردن وفلسطين: في قول مقاتل، أو في الجزيرة في قول مجاهد
وهو أولى، وستغلب الروم فارس في بضع سنين (ما بين الثلاث إلى العشر من
السنين) من تاريخ الوقعة الأولى، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
وهذا إخبار بالغيب عن أمر في المستقبل، أيده الواقع، وقد نزلت الآيات
كما بينا حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد
الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، فاضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى
القسطنطينية، وحاصره فيها مدة طويلة، ثم عادت الدولة لهرقل. فبعد نزول
سورة الروم سنة ٦٢٢ م ببضع سنين في سنة ٦٢٧ م أحرز هرقل أول نصر
حاسم للروم على الفرس في نينوى على نهر دجلة، وانسحب الفرس لذلك من
حصارهم القسطنطينية، ولقي كسرى أبرويز مصرعه سنة ٦٢٨ م على يد ولده
(شیرویه).
ولقد كانت هاتان الدولتان مسيطرتين على العالم القديم: فارس في الشرق،
والروم في الغرب، وكانتا تتنازعان السيادة على بلاد الشام وغيرها.

٥٢
الُزُ (٢١) - المُروفِزْ: ٣٠ /١-٧
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ أي الأمر كله من قبل الغلبة ومن
بعدها، فتغلب إحدى الدولتين على الأخرى بقضاء الله وقدره، فهو يقضي في
خلقه بما يشاء: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠/٣]
فليس الانتصار دائماً عن قوة مادية ذاتية، وإنما القوة إحدى وسائل النصر،
والمعول في النهاية إرادة الله وقدرته، فقد يتغلب الضعيف على القوي، والقليل
على الكثير: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ
مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩/٢].
﴿ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أي ويوم ينتصر الروم
النصارى أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى الوثنيين
المجوس، يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الدين والكتاب على من لا دين له ولا
کتاب.
﴿يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي ينصر الله من يريد على
الأعداء، فهو الفعال لما يريد، وهو القوي الذي لا يغلب، المنتقم من
أعدائه، المعِزُّ أولياءه بقوته وقدرته، الرحيم بعباده المؤمنين، فلا يدع القوي
يتحكم بالضعيف، ولا يعاجل بالانتقام على الذنوب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ
يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآَبَّةٍ وَلَكِنْ
يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّىٌ﴾ [فاطر: ٤٥/٣٥].
روى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار عن أبي سعيد الخدري
قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين،
ففرحوا به، وأنزل الله: ﴿وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ
يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
وقال جماعة آخرون: بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية. والمهم
أنه لما انتصرت الروم على الفرس، فرح المؤمنون بذلك؛ لأن الروم أهل كتاب

٥٣
لِلُ (٢١) - الحروفِزْ: ٣٠ /١-٧
في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَ
أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَّهُم
مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَأْ إِنَّا نَصَدَرَى﴾ [المائدة: ٨٢/٥].
﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (4)
آي
هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنا سننصر الروم على فارس وعد حق من
الله، وخبر صدق، والله لا يخلف الميعاد، ولا بدّ من وقوعه، لأن سنة الله أن
ينصر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بحكم
الله وأفعاله القائمة على العدل، لجهلهم بالسنن القائمة في الكون.
﴿يَعْلَمُونَ ظَِهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ أي أكثر
الناس لهم علم ظاهري بالدنيا وعلومها المادية كتدبير شؤون المعيشة، وتحصيل
الأموال والمكاسب من تجارة وزراعة وصناعة وغيرها، ولكنهم غافلون عن
أمور الدين والآخرة، كأنهم عديمو الفكر والنظر، لا ينظرون إلى المستقبل وما
ينتظرهم من نعيم مقيم إن آمنوا وعملوا الصالحات، أو عذاب مهين إن كفروا
وعصوا أوامر ربهم، فلا يعملون أبداً لما ينفعهم في الآخرة، وعلمهم منحصر
في الدنيا، بل لا يعلمون الدنيا على حقيقتها، وإنما يعلمون ظاهرها، وهي
ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها وهي مضارها ومتاعبها، فهم عن
الآخرة غافلون.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إثبات صدق النبي ◌َّ في دعواه النبوة والرسالة، وإعلام قاطع بأن
القرآن كلام الله الذي يعلم وحده الغيب في السماوات والأرض. وتلك .
معجزة واضحة بالإخبار عن مغيبات المستقبل، وقد وقع الأمر كما أخبر
القرآن الكريم.

٥٤
الجُزءُ (٢١) - الروفِزْ: ٣٠ /١-٧
أَ - الله تعالى متفرد بالقدرة الشاملة النافذة، فكل ما في العالم من غلبة
وغيرها إنما هي منه، وبإرادته وقدرته، فلله الأمر، أي إنفاذ الأحكام سواء
قبل هذه الغلبة وبعدها، والله دائماً هو القوي العزيز في نقمته، الرحيم لأهل
طاعته.
ءَّ - يبشر الله تعالى المؤمنين بنصر أهل الكتاب المتعاطفين مع المسلمين،
لاجتماعهم على الإيمان بالإله والإيمان باليوم الآخر، على الفرس المجوس
الوثنيين الذين لا يؤمنون بشيء من الكتب السماوية، ولا بالله تعالى ولا
بالآخرة.
٤ - وعد الله لا يُخلف؛ لأن كلامه حق وصدق، ولكن أكثر الناس وهم
الكفار لا يعلمون وعده، ولا أنه لا خلف في وعده.
٥ - إن أكثر الناس ولا سيما الكفار عالمون بظواهر الأمور الدنيوية من
اكتساب الأموال والمعايش ومعرفة شؤون الزراعة والتجارة والصناعة
والعلوم المادية، ولكنهم غافلون عن العلم بالآخرة وعن العمل بها.
قال الزمخشري: أفاد قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أن
للدنيا ظاهراً وباطناً، فظاهرها: ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها،
والتنعم بملاذها؛ وباطنها وحقيقتها: أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها
بالطاعة والأعمال الصالحة(١).
(١) الكشاف: ٥٠٣/٢

٥٥
الُ (٢١) - الْرُوفِزْ: ٣٠ / ٨-١٠
الحث على التفكر في المخلوقات الدالة
على وجود الله ووحدانيته
﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّ إِلََّّ بِالْحَقِّ
وَأَجَلِ تُسَنَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي
اُلْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ
اُلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ ثُقَّ كَنَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَّ
أَنْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ
القراءات:
رُسُـ
هُمْ}
وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم).
﴿ِثُمَّ كَانَ عَدِقِبَةَ الَّذِينَ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ثم كان عاقبةُ الذين).
الإعراب:
﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىِّ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾: حرف نفي، و﴿ يَنَفَكَّرُواْ﴾
قد عُدّي إلى ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ كما عُدِّي في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥/٧].
﴿ِثُمَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَى أَنْ كَذَّبُواْ﴾ ﴿عَقِبَةَ﴾
خبر﴿ كَانَ﴾، و﴿السُّوَ﴾ اسمها، ومن قرأ (عَقِبَةُ) بالرفع، فهي اسم

٥٦
لُ (٢١) - التُوفِزْ: ٣٠ / ٨-١٠
كَانَ﴾، و﴿السُّوَى﴾ خبر كان. و﴿الشُّوَى﴾ على وزن (فُعلى)) تأنيث
للاستواء، كالحسنى تأنيث الأحسن. و﴿أَنَ كَذَّبُواْ﴾ مفعول لأجله، أي لأن
كذبوا، ويجوز كونه في موضع رفع؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أن
كذبوا، أو بدل من ﴿الشُّوَىَ﴾ رفعاً ونصباً. ﴿السُّوَأَىَ﴾ منصوب بأساؤوا
انتصاب المصادر، لأنه مصدر.
البلاغة:
﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ إنكار وتوبيخ.
﴿أَسْئُواْ السُّوَأَىّ﴾ جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي أو لم يحدثوا التفكر فيها، أو: أو لم
يتفكروا في أمر أنفسهم، فإنها أقرب إليهم من غيرها، فبالتفكر يرجعون عن
غفلتهم ﴿مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمٌَّ﴾ ﴿مَا
خَلَقَ﴾ متعلق بقول محذوف معناه: أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول، وقيل:
معناه: فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه. ومعنى قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ
تُسَقَّىٌ﴾ معناه: ما خلقها باطلاً وعبثاً بغير غرض صحيح وحكمة بالغة،
وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بدّ لها
من الانتهاء إليه، وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب . ﴿ وَإِنَّ
كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ مثل كفار مكة ﴿بِلِقَآٍ رَيِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ أي لا يؤمنون
بالبعث بعد الموت، أي جاحدون يحسبون أن الدنيا بداية وأن الآخرة لا
تكون.
﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ اُلْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ حضّ
على السير في أقطار الأرض، والنظر في آثار المدمرين من قبلهم من الأمم،

٥٧
الُ (٢١) - الُوفِزْ: ٣٠ / ٨-١٠
وهي إهلاكهم بتكذيبهم رسلهم ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾ كعاد وثمود
﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾ حرثوها وقلبوها للزرع والغرس ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا
عَمَرُوهَا﴾ أي عمروا الأرض أكثر من عمارة أهل مكة إياها، فإنهم أهل واد
غير ذي زرع. وفیہ تهکم بهم من حیث إنهم مغترون بالدنيا، مفتخرون بها،
وهم أضعف حالاً فيها ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَنِنَتِّ﴾ بالمعجزات، والآيات
الواضحات، والحجج الظاهرات ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ليفعل بهم ما
يفعل بالظلمة، فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير ﴿ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ حيث عملوا ما أدّى إلى تدميرهم.
﴿ثُمَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَئُواْ السُّوَى﴾ أي ثم كان عاقبتهم العقوبة
السوأى، والمراد بها جهنم، والسوأى: تأنيث الأسوأ أي الأقبح، أو مصدر
كبشرى ﴿أَنْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ﴾ أي كانت إساءتهم بأن كذبوا بالقرآن.
المناسبة:
هذه الآيات مرتبطة بما قبلها، تتضمن تهديد المشركين وحثهم على التفكر
والنظر في المخلوقات الدالة على وجود الله وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره،
ولا ربّ سواه، بعد بيان ما صدر منهم من إنكار الإله بإنكار وعده، وإنكار
البعث، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾.
التفسير والبيان:
﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ
وَأَجَلٍ تُسَمَّىٌ﴾ أي أو لم يحدثوا التفكر في عقولهم، أو يفكروا في أمر أنفسهم
بأن يحيلوا فيه الفكر، فيقولوا: إن الله لم يخلق الكون من السماء والأرض وما
فيهما من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات الكثيرة المتنوعة
والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدى ولا عبثاً ولا باطلاً، بل كان

٥٨
الُ (٢١) - المُؤْفِرْ: ٣٠ / ٨-١٠
خلقها مقروناً بالحق، مصحوباً بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بدّ لها من أن
تنتهي إليه، وهو قيام الساعة ووقت الحساب والثواب والعقاب، فإذا حلّ
الأجل بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لحساب الله الواحد
القهار.
وهذا حثّ لهم على إعمال الفكر السليم الموصل إلى معرفة الله ووحدانيته
بالنظر في أنفسهم وما حولهم من مشاهد الكون، والمراد أن أسباب العلم
الصحيح ومفاتيح الهداية تعتمد على العقل وأنه متوافر لديهم، لكنهم عطلوه
ولم يُعملوه فيما يجب إعماله.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ﴾ أي وإن أكثر الناس ولا
سيما الكفار الجاحدون منكرون وجود البعث والحساب؛ لأنهم لم يتفكروا في
أنفسهم، ولو تفكروا لأيقنوا بمعادهم إلى ربِّهم بعد الموت.
ثم نبّه الله تعالى على صدق رسله فيما جاؤوا به عن ربهم بما أيَّدهم به من
المعجزات الباهرات، والدلائل الواضحات المحسوسات من إهلاك من كفر
برسالتهم، ونجاة من صدَّقهم فقال:
﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ
أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم
بِالْبَغِنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي أو
لم يتنقل هؤلاء المنكرون للنبوات، المكذبون بالآخرة في بلاد الأرض، فينظروا
بعقولهم وأفهامهم، ويبحثوا في آثار الله، ويسمعوا أخبار الماضين ويتأملوا
بمصير المكذبين رسلهم من الأمم الماضية، علماً بأنهم كانوا أشدّ قوة من أهل
مكة وأمثالهم، وأكثر أموالاً وأولاداً، وحرثوا الأرض وقلبوها للزراعة
والغرس أكثر مما فعل المكيون وسائر العرب لقحط بلادهم، واستغلوا
الأرض أكثر من استغلال هؤلاء.

٥٩
اِلُ (٢١) - التروفِزْ: ٣٠ /٨-١٠
ثم أهلكهم الله بذنوبهم وكفرهم وتكذيبهم رسلهم الذين جاؤوهم
بالمعجزات والأدلة المحسوسة والشواهد الناطقة بقدرة الله وتوحيده، فما كان
عقابهم ظلماً، وما كان من شأن الله أن يظلمهم وغيرهم فيما حلَّ بهم من
العذاب والنكال، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بتكذيبهم بآيات الله
واستهزائهم بها وذنوبهم السالفة.
فالعاقل من اتَّعظ بغيره، وعرف أن زخارف الدنيا ومتاعها من أموال
وأولاد لا تغني عنه شيئاً يوم القيامة، وقد أكد الله تعالى ذلك بقوله:
﴿ثُمَّ كَانَ عَقِبَةً أُلَّذِينَ أَسْئُواْ السُّوَ أَنْ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا
يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ أي ثم كان مصير المسيئين العذاب ﴿السُّوَى﴾ في الدنيا
بالهلاك وفي الآخرة بالخلود في نار جهنم، بسبب تكذيبهم بآيات الله ودلائله
الدالة على وجوده ووحدانيته، واستهزائهم بها وسخريتهم منها. فقوله ﴿أَسَُّواْ
الشُّوَى﴾ معناه: كانت السوأی عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، وکانوا بها
يستهزئون. والإساءة: التكذيب والاستهزاء، وعبر عن العقاب بالجريمة
الصادرة من الكفار، على سبيل المشاكلة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - الحثّ على التفكر في الكون وإيجابه، فإن التأمل في خلق السماوات
والأرض والأنفس البشرية المخلوقة لحكمة ومصلحة وعدل، والمؤقتة بأجل
مسمى تنتهي إليه، دليل على وجود الخالق وتوحيده وقدرته وعلى حدوث
الحشر، فقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يدل على الوحدانية لأن إحكام الخلق والتنزه
عن الفساد يمنع من تعدد الآلهة، ففي وجود آلهة فساد وخلل وتعثر، وقوله:
﴿ وَأَجَلٍ تُسَتَّىٌّ﴾ دليل على الحشر؛ لأنه يدل على فناء العالم وتخريب الكون،
وبما أن الله تعالى قادر على كل شيء فهو قادر على الإعادة؛ ولأن الخلق بالحق

٦٠
الْجُرُ (٢١) - الروفِزْ: ٣٠ /٨-١٠
يوجب أن يكون بعد هذه الحياة حياة أخرى باقية؛ لأن هذه الحياة ليست إلا
لعباً ولهواً، كما أخبر القرآن.
أَ - دلّ قوله: ﴿وَأَجَلِ تُسَقٌَّ﴾ وهو يوم القيامة على حدوث الفناء في نهاية
عمر الدنيا، وعلى أن لكل مخلوق أجلاً، وعلى ثواب المحسن وعقاب المسيء.
◌َّ - كثير من الناس كافرون بالبعث بعد الموت، وهذا نقص في التفكير،
وقلة في العقل، فالعاقل من فكر بالمستقبل، وعمل لما بعد الموت، ولم تغره
الحياة الدنيا.
٤ - التبصر بعبر الماضي درس وعظة، فمن سمع بأخبار الأمم الماضية
المكذبة رسلها، وأدرك مصيرهم، وعرف سبب هلاكهم وتدميرهم، بادر إلى
الإيمان بالله عزّ وجلّ، وصدَّق رسله الذين جاؤوهم بالمعجزات الدالة على
صدقهم.
٥ - الاعتماد على قوة الجسد وسعة المال، ووفرة الثروة والأولاد خطأ
محض، فإن كل الأموال والمدنيات وتقدم الحضارات لا تغني أصحابها شيئاً
يوم القيامة.
أَ - لقد كان إهلاك الأمم الماضية الجاحدة بربها ورسله وأنبيائه حقاً
وعدلاً، ولم يكن الهلاك بغير ذنب ولا بغير سابق إنذار بالرسل والحجج،
وإنما كان بظلمهم أنفسهم بالشرك والعصيان، والتكذيب بآيات الله الدالة على
وجوده وتفرده بالألوهية، وتكذيب القرآن والرسول ومعجزاته، واستهزائهم
بها.