Indexed OCR Text
Pages 1-20
لاَيُّالذينآمنوا استيوانت والرسول إذادعاكم لكيسيكم الأنفال ٨/ ٢٤ النَّفْسُِّ المِنَُّّ في العقيدة والشريعة والمنتج الأستاذ الدكتور وهبة الأصلى المجلد الحادي عشر الجزءان ٢١ - ٢٢ لفكرة أفاق معرفة متجددة حـ ؟ !! (القدس) دار الفكر - دمشق - البرامكة ٣٠٠١ ٩٧ ٩٤٧ ٠٠٩٦٣ ٣٠٠١ ١١ ٠٠٩٦٣ http://www.fikr.com/ e-mail:fikr@fikr.net التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج أ.د. وهبة الزحيلي المجلد الحادي عشر الرقم الاصطلاحي: ١١ - ١٦٩٠٫٠١١ الرقم الدولي: 5-160-59239-1 :ISBN الرقم الموضوعي: ٢١١ (القرآن وعلومه) ٦٦٠ ص، ١٧ × ٢٥ سم الطبعة العاشرة: ١٤٣٠هـ- ٢٠٠٩م ط٢ / ٢٠٠٣م جميع الحقوق محفوظة لدار الفكر دمشق ٠ > ٠۶٨ ◌َُّالمُُّ م النّفْيَةِ في العقيدة والشريعة والمنهج المجلد الحادي عشر الجزءان ٢١ - ٢٢ ٥ لُُ (٢١) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٤٦-٤٩ طريقة إرشاد أهل الكتاب ، وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ يِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُوَاْ ءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٦جم يُؤْمِنُونَ بِهٌِ وَمِنْ هَكَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَتِنَآ إِلَّ اَلْكَفِرُونَ (١) وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخُ بِيَمِنِكٌَ إِذَا لَّأَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ٤٨ بَلْ هُوَ ءَايَتُ بِّنَتُ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَِنَآ إِلَّا ٤٩ الظَّالِمُونَ القراءات: ﴿وَيَتٌ﴾: قرئ: ١- (آية) وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، والكسائي. ووقف ابن كثير، والكسائي بالهاء. ووقف حمزة بالتاء. ٢- (آيات) وهي قراءة باقي السبعة. المفردات اللغوية: ﴿وَلَا تُحَدِلُواْ﴾ المجادلة والجدل: الحجاج والمناظرة والمناقشة ﴿أَهْلَ اَلْكِتَبِ﴾ اليهود والنصارى أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، يؤمنون بوجود الله واليوم الآخر وبالتوراة والإنجيل ﴿إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أي إلا بالخصلة التي هي أحسن كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم وضبط النفس، والمشاغبة بالنصح، والتنبيه إلى آيات الله وحججه ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ أي لكن الظالمون منهم بالإفراط في الاعتداء والعناد والمحاربة، ٦ الُ (٢١) - الجِنْكُوتِ: ٢٩ / ٤٦-٤٩ فجادلوهم وعاملوهم بالمثل ﴿ وَقُولُواْ﴾ لمن سالمكم وأذعن للحق أو قبل المعاهدة السلمية معكم إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم ﴿ءَمَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ أي صدّقنا بما أنزله الله إلينا وهو القرآن، وما أنزله إليكم في أصوله الصحيحة من التوراة والإنجيل، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم في ذلك، فهذا من المجادلة بالتي هي أحسن. وعن النبي ◌َّ فيما يأتي تخريجه: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فإن قالوا باطلاً لم تصدقوهم، وإن قالوا حقاً لم تكذبوهم). ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ خاضعون مطيعون له خاصة، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله تعالى. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل ذلك الإنزال ﴿ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَّ﴾ أي القرآن، كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها، وكان القرآن وحياً مصدقاً لسائر الكتب الإلهية ﴿ فَلَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ﴾ التوراة كعبد الله بن سلام وأمثاله ﴿يُؤْمِنُونَ بٌِ﴾ بالقرآن ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أهل مكة أو العرب أو الكتابيون الموجودون في عهد الرسول وَّةِ ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَدِنَآ﴾ مع ظهورها وقيام الحجة عليها، والجحد: إنكار الشيء بعد معرفته والعلم به ﴿إِلَّا الْكَفِرُونَ﴾ المتوغلون في الكفر، وهم المشركون وغير المسلمين الذين لا يؤمنون بالإسلام والقرآن والنبي محمد وَلات، بعد أن ظهر لهم أن القرآن حق، ومحمد ◌َّ حق، ثم جحدوا ذلك. ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِينَبٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكٌَ﴾ أي إنك أُمِّي لم تكن تعرف القراءة والكتابة قبل نزول القرآن، فإن هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الذي نزل على أمي لم يعرف القراءة والتعلم أمر خارق للعادة ﴿إِذَا لَّأَرْتَانَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي لو كنت قارئاً كاتباً لشكّ أهل الباطل كاليهود فيك. وإنما سماهم مبطلين لكفرهم وكونهم غير محقين فيما ذهبوا إليه من التنكر لرسالة الإسلام. ٧ لُعُ (٢١) - الْجَنْكُتُوتِ: ٢٩ /٤٦-٤٩ ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي القرآن الذي جئت به ﴿ءَايَتُ بَيْنَتُ فِى صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ اٌلْعِلْمَّ﴾ أي هو آيات واضحات الدلالة على الحق في قلوب أهل العلم وهم المؤمنون فيحفظونه من كل تحريف ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِئَايَئِنَآ إِلَّ الظَّالِمُونَ﴾ أي وما ينكر آيات الله إلا الظالمو أنفسهم الذين جحدوا وجه الحق، بعد وضوح دلائل إعجاز تلك الآيات. المناسبة: بعد بيان الله تعالى طريقة إرشاد المشركين عبدة الأصنام أو غيرها، أبان الله تعالى طريقة إرشاد أهل الكتاب من اليهود والنصارى المنكري نبوة محمد والتر، والقائلين ببقاء شريعتهم وأنها لم تنسخ بشريعة أخرى، مبتدئاً بأمر الرسول وَ له والمؤمنين به أن يعلنوا إيمانهم بالقرآن وبما تقدمه من التوراة والإنجيل، وبإطاعة الإله الواحد، ثم مبيناً إيمان بعض أهل الكتاب وبعض المشركين من أهل مكة بالقرآن، ثم موضحاً دليل الإيمان بما أنزل على محمد وَّله، وهو كونه أمياً لم يقرأ ولم يكتب، وكون القرآن مشتملاً على علوم نافعة فريدة. التفسير والبيان: ﴿ وَلَا تُجَدِّلُواْ أَهْلَ اَلْكِتَبِ إِلَّا بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ﴾ أي ولا تحاججوا، ولا تناقشوا اليهود والنصارى إلا بالطريقة الحسنة وبالأسلوب الهادئ اللطيف، إلا الذين ظلموا أنفسهم، وحادوا عن سبيل الحق، وعَمُوا عن واضح الحجة، وعاندوا وكابروا، ولم ينفع معهم أسلوب المنطق والإقناع العقلي، فهؤلاء يعاملون بالمثل، ويرد على عدوانهم ومكابرتهم بطريقتهم نفسها، فيقاتلون ويردعون بالحرب، وهؤلاء - كما قال مجاهد وسعيد بن جبير - هم الذين نصبوا للمؤمنين الحرب، فجدالهم بالسيف حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وهذا هو العلاج الحاسم كما قال الشاعر: ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى ٨ الُ (٢١) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ / ٤٦-٤٩ أما القسم الأول من الآية، فقال قتادة وآخرون: هذه الآية منسوخة بآية السيف ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف. واحتجوا بأن الآية مكية. والحق كما قال مجاهد وآخرون إن هذه الآية باقية محكمة لمن أراد الاستبصار منهم - من أهل الكتاب - في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ويدعى إلى الله عز وجل وحده لا شريك له، وينبه على حججه وآياته، رجاء إجابته إلى الإيمان، بغير إغلاظ ولا مخاشنة، كما قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِلَتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦] وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولًا (@)﴾ [طه: ٢٠ /٤٤]. واختار هذا القول ابن لَهُ قَوْلاً لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى جرير الطبري. وأما القسم الثاني من الآية فلا خوف في محاربته لعدوانه، فيقاتل بما يمنعه ويردعه، قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ اُلْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسُ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُؤُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ٢٥) @ [الحديد : ٢٥/٥٧]. أسلوب الجدال: اَ - ﴿ وَقُولُواْ ءَامَنَا بِالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي إذا دعوتم أيها الرسول وأتباعه أهل الكتاب إلى الإيمان برسالة الإسلام، وأخبروكم عما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فلا تصدقوهم؛ لأنه قد يكون كذباً أو باطلاً، ولا تكذبوهم لأنه قد يكون حقاً أو صحيحاً، وإنما قولوا لهم: آمنا بالقرآن الذي أنزل إلينا وإليكم وإلى البشر كافة، وآمنا بالتوراة والإنجيل اللذين أنزل إليكم أي نؤمن بالمنزَّل فعلاً على موسى وعيسى عليهما السلام، غير المبدَّل ولا المؤول، ومعبودنا ومعبودكم الحق واحد لا شريك له، ونحن له خاضعون مطيعون أمره ونهيه. ٩ الُعُ (٢١) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ /٤٦-٤٩ أخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله وسلم: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أُنزل إلينا، وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون)). وأخرج الإمام أحمد أن أبا نملة الأنصاري(١) أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله ور جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله وَله: الله أعلم، قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم، فقال رسول الله وَل: ((إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن کان باطلاً لم تصدقوهم)). وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي (وَلخير قال: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم يَهْدُوكم وقد ضَلُّوا، إما أن تُكذِّبوا بحق، وإما أن تصدقوا بباطل)). وأخرج البخاري عن محُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة، وذَكَر كعب الأحبار، فقال: ((إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك، لَنَبْلُو عليه الكذب)». ٢َ - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَبَّ فَالَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِهِّ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمَا يَجْحَدُ بِثَايَتِنَآ إِلَّ اَلْكَفِرُونَ (9)﴾ أي كما أنزلنا الكتب على من قبلك من الرسل أيها الرسول، أنزلنا إليك هذا الكتاب (القرآن) فالذين آتيناهم الكتاب السابق من اليهود والنصارى، إذا أخذوا هذا (١) أبو نملة: هو عمارة، أو عمار، أو عمرو بن معاذ بن زرارة الأنصاري رضي الله عنه. ١٠ لِلُعُ (٢١) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩ / ٤٦-٤٩ القرآن، فتلوه حق تلاوته، كعبد الله بن سَلام وسلمان الفارسي وأشباههما آمنوا وصدقوا بنزوله من عند الله، وكذلك بعض كفار قريش وغيرهم يؤمنون به؛ لأنه - كما عرفوا من لغة البيان - ليس من كلام البشر، وإنما هو من كلام الله الموحى به إلى نبيه. وما يكذّب بآياتنا ويجحد حقها إلا من يستر الحق بالباطل، ويطمس معالم الهداية والنور، ويعاند في كفره ويستكبر، فلا يؤمن بالله وحده، ولا يشكر نعمة الله عليه. وهذا تنفير عما هم عليه من الشرك والباطل. ◌ّ - ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِنَبٍ وَلَا تَخُّهُ بِبَمِينِكٌَ إِذَا لَّأَرْنَابَ اٌلْمُبْطِلُونَ (®﴾ أي وما كنت أيها الرسول في تاريخك مع قومك تقرأ من قبل نزول القرآن من كتاب آخر، ولا تعرف الكتابة ولا تستطيع أن تخط شيئاً من الكتاب؛ إذ لو كنت قارئاً وكاتباً لشك المشركون الجهلة فيما نزل إليك، وقالوا: لعلّ ذلك مأخوذ من كتب سابقة، ولما لم يكن كاتباً ولا قارئاً فلا وجه لارتيابهم. قال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً وَلَّه لا يخطّ ولا يقرأ، فنزلت هذه الآية. وقال النحاس: الدليل على نبوة محمد وَله لقريش أنه لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب، ولم يكن بمكة أهل الكتاب، فجاءهم بأخبار الأنبياء والأمم، وزالت الريبة والشك. وقوله: ﴿مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ﴾ لتأكيد النفي، وكذلك قوله: ﴿ وَلَا تَخُطُ بَِمِينِكٌَ﴾ تأكيد أيضاً، وذكر اليمين خرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَِّرٍ يَطِيْرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨/٦]. والخلاصة: إن صفة النبي محمد رَّله في الكتب المتقدمة وتاريخه المعروف بين قومه: أنه رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَيَّةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧/٧]. ١١ لِلُعُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩ / ٤٦-٤٩ فلا وجه أصلاً للشك في أن هذا القرآن نزل من عند الله، لا بإيحاء بشر ولا مَلَك ولا جانّ، وبالرغم من نصاعة هذه الحقيقة، ومع علم قريش بأن محمداً وَّ أُمّي لا يحسن الكتابة، اتهموه بأخذه عن الكتب المتقدمة، كما حكى تعالى عنهم: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ أَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (®َا) [الفرقان: ٥/٢٥]. وتأكيداً لما سبق أن القرآن منزل من عند الله، قال تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ ءَايَتُ بَيْنَتُ فِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَّ وَمَا يَحْحَدُ بِشَايَئِنَآ إِلَّا الظّلِمُونَ (®) أي بل إن هذا القرآن آيات واضحة الدلالة على الحق، وذلك أمر مستقر في قلوب العلماء من أهل الكتاب وغيرهم، ولكن ما ينكر وما يكذب بآيات الله النيِّرة ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي المعتدون المكابرون الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿﴿ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ [يونس: ٩٦/١٠ -٩٧]. اُلْعَذَابَ الْأَلِيمَ والخلاصة: إن هذا القرآن العظيم ليس من مخترعات البشر، بل هو آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمراً ونهياً وخبراً، يفهمه العلماء ويحفظونه، وقد يسر الله عليهم حفظه وتلاوته وتفسيره، كما قال الله تعالى: [القمر: ١٧/٥٤]. وروى ١٧ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ البخاري في صحيحه أن النبي وَّر قال: ((ما من نبي إلا وقد أُعطي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)». فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على ما يأتي: ١٢ الُ (٢١) - الْجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٤٦-٤٩ اً - فضيلة الجدال والنقاش بالأسلوب الحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة، فذلك أدعى عند العقلاء إلى توفير القناعة، والوصول إلى الإيمان، وتحقيق الهدف المقصود. لاً - إن المعاملة بالمثل واللجوء إلى القتال والعنف واستخدام القوة هو السبيل المتعين في الرد على أهل العصبية والعناد والإصرار على الكفر. ٣ - إن هذه الآية الآمرة بالجدال بالتي هي أحسن والدعوة إلى الله عز وجل بالحجة والمنطق والبرهان آية محكمة، كما قرر أثبات العلماء والمفسرين مثل مجاهد التابعي وغيره، قال القرطبي: وقول مجاهد حسن؛ لأن أحكام الله عز وجل لا يقال فيها: إنها منسوخة إلا بخبر يقطع العذر، أو حجة من معقول(١). وهذا اختيار ابن جرير الطبري وابن العربي. قال ابن العربي: الآية ليست منسوخة، وإنما هي مخصوصة؛ لأن النبي ◌َّل بُعث باللسان يقاتل به في الله، ثم أمره الله بالسيف واللسان، فمن قاتل قتل، ومن سالم بقي الجدال في حقه، ولكن بما يَحْسُن من الأدلة، ويَحْمُل من الكلام، ولين الخطاب(٢). ٤ - بعض أهل الكتاب معتدلون في آرائهم ومعتقداتهم، بعيدون عن الشرك وإثبات الولد والتثليث، وهؤلاء ينفع معهم الجدال والنقاش، فهم يؤمنون بالله وبكتابهم وباليوم الآخر، ولم يبق إلا الإيمان بمحمد وقلقه، كالإيمان بموسى وعيسى عليهما السلام. وبعض أهل الكتاب متعصبون حاقدون خلطوا بين التوحيد والتثليث، وحرفوا في الكتاب وغيروا، ونسبوا الله ولداً أو شريكاً، ثم صيروه هو الإله، وهؤلاء يصعب معهم الجدال وقد لا ينفع معهم النقاش، ومع ذلك ندعوهم (١) تفسير القرطبي: ٣٥٠/١٣ (٢) أحكام القرآن: ١٤٧٥/٣ بتصرف ١٣ لجُ (٢١) - الْجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٤٦-٤٩ إلى الإيمان بالتي هي أحسن؛ لأنه لا إكراه في الدين، والإسلام يقرّ بحرية الرأي والتعبير والاعتقاد، بعد التبليغ والإنذار، والترغيب والترهيب. وأما المشركون عبدة الأوثان ففي جزيرة العرب لا مجال لإقرارهم على وثنيتهم، وأما في غير جزيرة العرب، فكذلك ندعوهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة. ٥ - النبي محمد رَ له قبل نزول القرآن كان أُمِّياً لا يقرأ ولا يكتب بشهادة الكتب السماوية المتقدمة، وبمعرفة قومه الذين عايشوه في مكة مدة أربعين عاماً. وأُمِّية النبي وَ لّ دليل قاطع واضح على أن القرآن كلام الله العزيز الحكيم. ثم ذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي ◌َلـ حتى كتب، وقرأ. وقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي في صلح الحديبية كتب بيده: محمد بن عبد الله، ومحا كلمة رسول الله، حينما أصرّ المشركون على عدم كتابتها. قال القرطبي: الصحيح أنه وَ لّ ما كتب ولا حرفاً واحداً، وإنما أمر من يكتب، وكذلك ما قرأ ولا تهجّى. وقال: ((إنّا أُمة أُمِّية لا نكتب ولا نحسُب)) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر. ٩ - آيات القرآن آيات بيِّنات واضحات، وليس هذا القرآن كما يقول المبطلون: إنه سحر أو شعر، ولكنه علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه. وتلك الآيات يحفظها علماء الأمة ويقرؤونها، وقد وصف الله المؤمنين بالعلم؛ لأنهم ميزوا بأفهامهم بين كلام الله وكلام البشر والشياطين، قال كعب الأحبار في صفة هذه الأمة: إنهم حكماء علماء، وهم في الفقه أنبياء. ١٤ الجُزءُ (٢١) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩/ ٥٠-٥٥ لاً - لا ينكر كون القرآن منزلاً حقاً من عند الله إلا القوم المبطلون الجاهلون وهم المشركون، وإلا الكفار الظالمون الذين جحدوا نبوة محمد ◌َ لزوما جاء به. ٨ - ليس القرآن من مخترعات أحد من الملائكة أو الإنس أو الجن؛ إذ لا يستطيع الكل على الإتيان بمثله أو بمثل عشر آيات أو بمثل سورة من أقصر سوره. وهذا الإعجاز المتحدى به دليل قاطع على كونه كلام الله الموحى به إلى ◌َىاللّه قلب نبيه المصطفى بعض مطالب المشركين التعجيزية الإتيان بمعجزات حسية واستعجال بالعذاب ﴿وَقَالُوْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتُ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَاَ أَنْ نَذِيرٌ مُِّينُ ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ ﴿﴿ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًاً يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابٍ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى ٥٢ لَجَآءَ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَنَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ ٥٢ ٥٤ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ يَوْمَ يَغْشَمُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ٥٥ ذُوقُواْ مَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ القراءات: وَيَقُولُ﴾ : قرئ: ١- (ويقول) وهي قراءة نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي. ٢- (ونقول) وهي قراءة الباقين. ١٥ الجُزءُ (٢١) - الجنكُوت: ٢٩ / ٥٠-٥٥ البلاغة: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتُ مِّن رَّبِّهِ،﴾ تحضيض. ﴿ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُوْ بِاللَّهِ﴾ طباق. ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ لإفادة القصر عليهم لا غيرهم. ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ﴿يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ﴾ إطناب بذكر العذاب مرات بقصد الإرهاب والتشنيع على المشركين. ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ أي بهم، بوضع الظاهر موضع المضمر. المفردات اللغوية: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي قال كفار مكة: هلا أنزل على محمد ﴿ءَايَتُ مِّن رَّبِّهِ،﴾ مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى . ﴿قُلْ إِنَّمَا اُلَيَتُّ عِندَ اللَّهِ﴾ قل يا محمد لهم: إنما الآيات ينزلها الله كيف يشاء، ولست أملكها، فآتيكم بما تقترحونه . ﴿ وَإِنَّمَآ أَنْ نَذِيرٌ قُبِينٌ﴾ أي ليس من شأني إلا إنذار أهل المعصية بالنار بما أُعطيت من الآيات. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ آية لما طلبوا أو اقترحوا. ﴿اُلْكِتَبَ﴾ القرآن. ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ تدوم تلاوته عليهم، فهو آية ثابتة مستمرة لا انقضاء لها، يتحداهم، بخلاف سائر الآيات . ﴿إِنَ فِى ذَلِكَ﴾ الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة مبينة. ﴿لَرَحْمَةً﴾ لنعمة عظيمة. ﴿وَذِكْرَى﴾ عظة وتذكرة. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن همهم الإيمان دون التعنت. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ يشهد بصدقي. ﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ أي ويعلم حالي وحالكم. ﴿وَالَّذِيِنَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ﴾ وهو ما يعبد من دون الله. ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْخَسِرُونَ﴾ في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. ١٦ الجُزءُ (٢١) - الجِنكُونِ: ٢٩ / ٥٠-٥٥ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨]. ﴿ وَلَوْلَا أَجْلُ تُسَمَّى﴾ معلوم محدد لكل عذاب أو قوم. ﴿وَجَّءَ هُ الْعَذَابُّ﴾ عاجلاً. ﴿ وَلَيَأْنِيَنَّهُمْ بَغْنَةً﴾ فجأة، في الدنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عند نزول الموت بهم. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقت إتيانه. ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ في الدنيا. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب. ﴿يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ﴾ ظرف لكلمة (محيطة) و﴿يَغْشَنُهُمُ﴾ يصيبهم. ﴿مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي من جميع جوانبهم. ﴿وَيَقُولُ﴾ الله أو الْمَلَك الموكل بالعذاب . ﴿ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي جزاءه، فلا تفوتونا. سبب النزول: نزول الآية (٥١): ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارمي في مسنده وأبو داود عن يحيى بن جَعْدة قال: جاء ناس من المسلمين بكتب كتبوها، فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ◌َّر: ((كفى بقوم حُمْقاً أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم)) ، فنزلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ اُلْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾. وأخرج البخاري عند تفسير الآية قوله وَاله: ((ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن)) أي يستغني به عن غيره. وأخرج عبد الرزاق عن عبد الله بن الحارث الأنصاري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي ◌َّيه بكتاب فيه مواضع من التوراة، فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله و ﴿ تغيراً شديداً لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر: أما ترى وجه رسول الله وَل﴾؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيّاً، فسُرِّي عن رسول الله وَل ١٧ الجُزُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩ / ٥٠-٥٥ وقال: ((لو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم)». المناسبة: بعد بيان كون القرآن منزلاً من عند الله، وليس من عند محمد ◌َلّر، ذكر الله تعالى شبهة للمشركين وهي أنهم قالوا للنبي وَليقول: إنك تقول: إنه أنزل إليك كتاب كما أنزل إلى موسى وعيسى، أفلا تأتينا بآية أو معجزة مادية محسوسة كما أتى بذلك الأنبياء السابقون كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى؟ فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي ليس من شرط الرسالة الآية المعجزة، والله إن أراد ينزلها، وإن لم يرد لا ينزلها، وكفى بالقرآن آية فهو معجزة ظاهرة باقية، والله شهيد عليم يحكم بين عباده. وبعد بيان الطريقين في إرشاد الفريقين: المشركين وأهل الكتاب، أعلن الله تعالى الإنذار الشامل العام بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ ولما أنذروا بالخسران أوضح تعالى أن العذاب لا يأتيهم بسؤالهم أو استعجالهم، وإنما له أجل مسمى اقتضته حكمته وارتضته رحمته. التفسير والبيان: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي وقال المشركون تعنتاً وتعجيزاً وعناداً: هلا أنزل على محمد آية حسية مادية، مثل الآيات التي أنزلت على الأنبياء المتقدمين، كناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى، تكون دليلاً على صدقه، ومعجزة تثبت أنه رسول من عند الله !! فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآَيَثُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي قل يا محمد لهم: ١٨ الزُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩/ ٥٠-٥٥ إنما أمر إنزال الآيات وإرسال المعجزات إلى الله تعالى، فلو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم؛ لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكنه سبحانه يعلم أنكم قصدتم بطلبكم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى مطلبكم، كما قال: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَنْ تُرْسِلَ بِلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَءَانَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩/١٧]. وإنما بعثت نذيراً لكم بَيِّن الإنذار من عذاب شديد إذا بقيتم على كفركم، لا الإتيان بما تقترحون، فعلي أن أبلغكم رسالة الله تعالى، وليس علي هداكم، إنما الهدى على الله الذي قال: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا قُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧/١٨] وقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢]. ثم أبان الله تعالى كثرة جهلهم وسخافة عقولهم، حيث طلبوا آيات تدل على صدق محمد رَّي فيما جاءهم، مع إنزال القرآن عليه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي أما يكفيهم دليلاً على صدقك أنا أنزلنا عليك الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحَكَمُ ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحداً من أهل الكتاب، وقد جئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، وأبنت الصواب فيما اختلفوا فيه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِنَةُ مَا فِىِ الصُّحُفِ اُلْأُولَى﴾ [طه: ١٣٣/٢٠]. أخرج الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)). ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي قل يا محمد لهم: كفى الله ١٩ الجُزءُ (٢١) - الجِنكُبُوتِ: ٢٩/ ٥٠-٥٥ عالماً وحَكَماً عدلاً بيني وبينكم، فهو أعلم بما صدر منكم من التكذيب، وبما أقول لكم وأبلغكم به من أوامر وإنذارات وبما أرسلني به إليكم، فلو كنت ) لَأَخَذْنَا مِنْهُ ٤٤ كاذباً عليه لانتقم مني، كما قال: ﴿ وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِلِ ٤٧ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِنَ ﴿ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ ٤٥ بالْيَمِينِ [الحاقة: ٤٤/٦٩-٤٧] وإنما أنا صادق فيما أخبرتكم به، ولهذا أيَّدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَنِ وَالْأَرْضُِ﴾ أي إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية، يعلم جميع ما هو كائن ويكون في السماوات والأرض، ومن جملة علمه: أنه يعلم حالي وحالكم، من صدقي وتكذيبكم وإنكاركم. ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْنَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي والذين صدقوا بما يعبد من دون الله من الأوثان والأصنام ونحوها، وجحدوا بوجود الله أو توحيده، مع توافر الأدلة على الإيمان به، أولئك هم الخاسرون في صفقتهم، حيث اشتروا الكفر بالإيمان، وسيجزيهم الله يوم القيامة على ما فعلوا، ويعاقبهم على ما صنعوا من تكذيب برسل الله، مع قيام الأدلة على صدقهم، وإنكار للحق، واتباع للباطل من الإيمان بالطواغيت والأوثان بلا دليل. وقوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ يقتضي الحصر، أي من أتى بالإيمان الباطل والكفر بالله، فهو خاسر، وكل من آمن بالباطل، فقد كفر بالله. ثم أخبر الله تعالى عن جهل المشركين وحماقتهم في استعجالهم إيقاع عذاب الله بهم، فقال: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَهُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا ٤) أي ويتعجل كفار قريش نزول العذاب بهم، كما حكى تعالى ٥٣ يَشْعُرُونَ عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندَِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا [الأنفال: ٨/ ٣٢]. ٣٢ حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلٍِ ٢٠ الجُرُ (٢١) - العنكبوت: ٢٩ / ٥٠-٥٥ ولولا كون العذاب محدداً بوقت معلوم، ولولا ما حتم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة، لجاءهم العذاب قريباً سريعاً كما استعجلوه، وسوف يأتيهم بالتأكيد فجأة، وهم لا يحسون بمجيئه، بل يكونون في غفلة عنه. ثم أكد تعالى طلبهم نزول العذاب بقوله: أي يطلبون يَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَّمَ لَمُحِيطَّةٌ بِالْكَفِينَ (® منك حدوث العذاب، وهو واقع بهم لا محالة، وإن جهنم ستحيط بهم من كل جانب. ثم وصف تعالى كيفية إحاطة العذاب بقوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي يوم يعمهم العذاب من كل الجوانب، ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا من كفر ومعاصٍ، كما قال تعالى: ﴿لَمُ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشِّ﴾ [الأعراف: ٤١/٧] وقال سبحانه: ﴿لَهُم مِّنِ فَوْقِهِمْ تُطَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِمْ ظَلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦/٣٩] وقال عز وجل: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣٩/٢١] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ ﴾ [القمر: ٤٨/٥٤]. ٤٨ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى ما يأتي: ٢ - طلب المشركون من النبي وَل معجزة مادية محسوسة، مثل عصا موسى وناقة صالح ومائدة عيسى، على سبيل العناد والمكابرة، لا على سبيل التوصل بحسن نية إلى الإيمان بالله عز وجل وتوحيده.