Indexed OCR Text
Pages 601-620
٦٠١
الزعُ (٢٠) - العنكبوت: ٢٩ / ٢٨-٣٥
١- (النُنْجِيَنَّه) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (النُنَجِّيَنَّه) وهي قراءة الباقين.
﴿ مُنَجُوكَ﴾ : قرئ:
١- (مُنَجُوك) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص.
٢- (مُنْجُوك) وهي قراءة الباقين.
﴿مُنْزِلُونَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (مُنَزِّلون).
الإعراب:
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ﴾ إما منصوب بالعطف على هاء (أَنْجَيْناهُ) أو عطفاً
على (نوح) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ أي وأرسلنا لوطاً، أو منصوب
بفعل مقدر، أي واذكر لوطاً، وعامل (إذا) هو العامل في (لوط) والأولى
عطفه على (إبراهيم).
﴿إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ﴾ كاف ﴿مُنَجُوكَ﴾ في موضع جرّ بالإضافة.
و﴿ وَأَهْلَكَ﴾ منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك.
البلاغة:
(إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ﴾ ﴿أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْرِجَالَ﴾ تأكيد بعد
مؤكدات، وإطناب بتكرار فعل ﴿لَتَأْتُونَ﴾ لتقبيح عملهم وتوبيخهم.
﴿ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ استهزاء وسخرية،
وجواب الشرط محذوف دل عليه ما سبق، أي إن كنت صادقاً فائتنا به.
٦٠٢
الجزءُ (٢٠) - الجِنْكُبُوتِ: ٢٩ /٢٨-٣٥
﴿رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ التنكير لإفادة التهويل، أي عذاباً عظيماً شديداً.
﴿اَلْعَلَمِينَ﴾ ﴿الصَّدِقِينَ﴾ ﴿ظَلِمِينَ﴾ ﴿الْغَيِينَ﴾ وكذا
يَفْسُقُونَ﴾ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ توافق الفواصل
المفردات اللغوية:
﴿ وَلُوطًا﴾ أي واذكر ﴿اُلْفَحِشَةَ﴾ الفعلة القبيحة التي تنفر منها النفوس
الكريمة، وهي إتيان أدبار الرجال. ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ
اَلْعَلَمِينَ﴾ استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع
السليمة . ﴿اَلْعَلَمِينَ﴾ الإنس والجن. ﴿وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ﴾ الطريق على
المارة، بالقتل وأخذ المال أو الفاحشة، حتى انقطعت الطرق . ﴿فِي نَادِيكُمْ﴾
مجالسكم الخاصة أو متحدثكم. ﴿الْمُنكَرِّ﴾ الأمر المخالف للشرع، المنفر
للطبع السليم كفعل قوم لوط وأنواع الفحش . ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾
في استقباح الفاحشة وأن العذاب نازل بفاعليه.
﴿ أَنصُرْنِىِ﴾ في إنزال العذاب. ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ العاصين بإتيان
الرجال أو بابتداع الفاحشة، فاستجاب الله دعاءه.
{بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارة بإسحاق ويعقوب بعده. ﴿هَذِهِ اٌلْقَرْيَةِ﴾ هي
سدوم، قرية لوط. ﴿ظَالِمِينَ﴾ كافرين. ﴿وَقَالُواْ﴾ أي الملائكة الرسل.
﴿اَلْغَبِرِينَ﴾ الباقين في العذاب. ﴿سِىّءَ بِهِمْ﴾ جاءته المساءة والغم بسببهم
مخافة أن يقصدهم قومه بسوء . ﴿ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي ضاق بشأنهم وتدبير
أمرهم؛ لأنهم حسان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومه،
فأعلموه أنهم رسل ربه. وضاق ذَرْعه أي قصرت طاقته أو قدرته، وضده:
طال ذرعه وذراعه، ورَحْب الذارع: إذا كان قادراً على الشيء؛ لأن طويل
الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع. ﴿رِجُزًا﴾ عذاباً شديداً، سمي بذلك؛
لأنه يقلق المعذِّب، من قوله: ارتجز أو ارتجس أي اضطرب. ﴿بِمَا كَانُواْ
٦٠٣
الُعُ (٢٠) - العنكبوت: ٢٩ /٢٨-٣٥
يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم. ﴿ءَايَةً بِيْنَةً﴾ ظاهرة، وهي آثار خرابها.
﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون أو يستعملون عقولهم في الاستبصار.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله قصة إبراهيم ذكر قصة لوط عليهما السلام؛ لأنه كان
معاصراً له في زمن إبراهيم، ولم يذكر في قصته هنا دعوته إلى التوحيد كسائر
الأنبياء، وإنما اقتصر على ما اختص به لوط وهو المنع من الفاحشة، وذكر
ذلك عنه في موضع آخر حيث قال: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ [هود: ٧٨/١١] و[الشعراء: ٢٦/
١٦٣] ﴿وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ [الحجر: ٦٩/١٥] وكان قد أتى به إبراهيم وسبقه إليه.
واختص لوط بالمنع من عمل قومه الفاحش، فلما يئس من ردعهم وتطهرهم
من فاحشتهم، استنصر بربه، فاستجاب له وأهلك قومه، ونجاه مع من آمن به
بسبب فحشهم وكفرهم بالله وبرسوله وقطعهم الطرق.
التفسير والبيان:
﴿ وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُنَ اُلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ
أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ (﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك للعبرة والعظة قصة
نبي الله لوط عليه السلام حين أرسله الله إلى أهل قرية ((سدوم)) فأنكر عليهم
صنيعهم وقبيح أعمالهم التي ابتدعوها، وقال منكراً عليهم أو محذراً أو موبخاً
ومقرعاً لهم: أتأتون الفعلة الفاحشة المتناهية في القبح شرعاً وطبعاً سليماً؟
ثم كرر الإنكار عليهم ووضح تلك الفاحشة فقال:
١ - ﴿أَبِتِّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾؟ أي تأتون الذكران بشهوة كإتيان النساء،
ما سبقكم أحد قبلكم من بني آدم إلى هذه الفعلة.
أَ - ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ أي تقفون في طريق الناس، وتتعرضون للمارة
بقتلهم وأخذ أموالهم وفعل الفاحشة بهم.
٦٠٤
الجُرُ (٢٠) - العنكبوت: ٢٩/ ٢٨-٣٥
◌َ- ﴿وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ أي وتفعلون ما لا يليق من
الأقوال والأفعال في مجالسكم الخاصة، دون أن ينكر بعضكم على بعض شيئاً
من ذلك فهم ذوو أخلاق سوء. والنادي: المجلس.
روى الإمام أحمد والترمذي والطبراني والبيهقي وابن جرير وابن أبي حاتم
عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله وَّله عن قوله تعالى:
﴿ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيَكُمُ الْمُنكَرِّ﴾ فقال: ((يخذفون(١) أهل الطريق،
ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه)).
وروي عن ابن عباس قال: إن قوم لوط كانت فيهم ذنوب غير الفاحشة،
منها أنهم يتظالمون فيما بينهم، ويشتم بعضهم بعضاً، ويتضارطون في
مجالسهم، ويخذفون، ويلعبون بالتَّرْد والشِّطْرّنج، ويلبسون المصبغات،
ويتناقرون بالديكة، ويتناطحون بالكباش، ويطرِّفون أصابعهم بالحنّاء،
وتتشبه الرجال بلباس النساء، والنساء بلباس الرجال، ويضربون المكوس (٢)
على كل عابر، ومع هذا كله كانوا يشركون بالله، وهم أول من ظهر على
أيديهم فعل قوم لوط والسِّحاق.
وفسر مجاهد المنكر: بأنه الصفير، ولعب الحمام، والجُلَاهِقِ(٣) والسؤال
في المجلس، وحل أزرار القباء.
فكان جوابهم :
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَن قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ
مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ أي فما كان جوابهم بعد نهيم عن الفاحشة وغيرها إلا قولهم
(١) الحذف أو الخذف: الرمي بالحصى.
(٢) رسوم المرور الظالمة.
(٣) كعلابط البندق الذي يرمى به.
٦٠٥
الجُرُ (٢٠) - الچنکتُوُٹ: ٢٩/ ٢٨-٣٥
بسبب كفرهم واستهزائهم وعنادهم: عجل علينا العذاب الذي توعدنا به إن
كنت صادقاً فيما تهددنا به. وهذا كان في بداية وعظه لهم، فلما ألح عليهم في
الإنكار قالوا كما جاء في آية أخرى: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ
يَنَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢/٧].
ولما يئس لوط من استجابة قومه طلب من الله النصرة عليهم فقال:
﴾ أي قال لوط داعياً:
٣٠
﴿قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
رب انصرني على هؤلاء القوم المفسدين في الأرض بإبتداع الفاحشة.
ومن المعلوم أنه ما طلب نبي من الأنبياء هلاك قوم إلا إذا علم أن عدمهم
خير من وجودهم، كما قال نوح: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرُهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوّأْ
إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (9)﴾ [نوح: ٧١/ ٢٧] أي لا مصلحة ولا خير يرتجى فيهم لا
حالاً، ولا مآلاً في المستقبل.
فاستجاب الله دعاءه، وبعث ملائكة العذاب لنصرته:
﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ اٌلْقَرْيَةٌ
إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ (3) أي بعث الله ملائكة، فمروا على إبراهيم
عليه السلام في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للأضياف، فلما رأى أنه لا
رغبة لهم في الطعام خاف منهم، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بولد صالح من
امرأته ((سارة)) وهو إسحاق، ومن بعده يعقوب، ثم أخبروه بأنهم أرسلوا
لهلاك قوم لوط؛ لأنهم قوم ظالمون أنفسهم بكفرهم وتكذيبهم رسولهم
وتماديهم في الفساد والفحش.
فأخذ إبراهيم يدافع، لعلهم يمهلونهم، ولعل الله يهديهم، وأشفق على ابن
أخيه لوط، فقال :
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوْطَأْ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيَّا لَمُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا
٦٠٦
الجزء (٢٠) - العنكبوت: ٢٩/ ٢٨-٣٥
﴾ أي قال إبراهيم مشفقاً على لوط: إن في
أُمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ
القرية لوطاً، وهو غير ظالم، وهو رسول، فقالت الملائكة الرسل: نحن أعلم
منك بمن فيها من المؤمنين والكافرين، وإنا لننجي لوطاً وأهله وأتباعه
المؤمنين به من الهلاك إلا امرأته، فهي من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئ القوم
علی کفرهم وبغیھم وخبائتهم.
ثم قدموا على لوط فدخلوا عليه في صورة شبان حسان، فلما رآهم ضاق
بهم، كما حكى تعالى:
﴿ وَلَمَّ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىَّ بِهِمْ وَضَافََ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوْ لَا تَخَفُ
وَلَا تَحْزَنُّ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ (٢) أي
ولما جاءت الملائكة الرسل إلى لوط على صورة بشر حسان الوجوه، اغتم
بأمرهم، وخاف عليهم من قومه، فقالوا له معرضين بحالهم: لا تخف علينا،
ولا تحزن بما نفعله بقومك الأخباث، وإنا جئنا لتعذيبهم، وإنا منجّوك
وأتباعك المؤمنين من العذاب، إلا امرأتك، فإنها من الهالكين؛ لتواطئها
معهم على الفساد، فكانت تدلهم على ضيوفه، وكانت تدافع عنهم، وترضى
بأفعالهم.
ثم وصفوا العذاب بقولهم: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا
مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ أي إننا سنزل على أهل قرية ((سدوم))
عذاباً شديداً عظيماً من السماء، تضطرب له نفوسهم، بسبب فسقهم.
وكان العذاب هو الزلزلة التي خسفت بهم الأرض، وصار مكان قريتهم
بحيرة لوط (البحر الميت) فاقتلع جبريل عليه السلام قراهم من قرار الأرض،
ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم، وأرسل الله الحميم وحجارة من
سجيل منضود، مسوّمة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد، وهم من أشد
الناس عذاباً يوم المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةً بَيْنَةً
٦٠٧
الُرُ (٢٠) - الجِنكُوتِ: ٢٩ / ٢٨-٣٥
لِقَوْمِ يَعْقِلُونَ (9﴾ أي ولقد تركنا من القرية بعض آثار منازلهم الخربة أو
أخبارهم علامة ظاهرة واضحة، وعبرة أو عظة لقوم يتدبرون ويستبصرون
بعقولهم الأمور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَّمُونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينٌ ([١٨) وَيِلَّيْلِ
أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
[١٣٨ ﴾ [الصافات: ١٣٧/٣٧-١٣٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآية ما يأتي:
ا - أنكر نبي الله لوط على قومه الذين أرسل إليهم في ((سدوم)) إنكاراً
شديداً مع التوبيخ والتحذير فعل ثلاثة أمور: ارتكاب الفاحشة (فعل قوم
لوط) وقطع الطريق لأخذ الأموال والفاحشة والاستغناء عن النساء، وفعل
المخازي في مجالسهم الخاصة.
أَ - لقد قابل القوم هذا الإنكار بالاستهزاء والعناد والتكذيب واللجاج،
فطلبوا إنزال العذاب الذي يهددهم به إن كان صادقاً فيما يقول ظناً منهم أن
ذلك لا يكون ولا يقدر عليه، ثم هددوه في آية أخرى بالطرد والإخراج من
قریتهم.
◌َّ- تدل الآية على وجوب الحد في اللواطة؛ لأنها فاحشة كالزنى، وقد قال
الله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢/١٧] واشتراكهما
في الفاحشة يناسب الزجر عنه، فما شرع زاجراً في الزنى، يشرع زاجراً في
اللواطة. وهذا وإن كان قياساً إلا أن علة القياس مستفادة من الآية، فتكون
منصوصاً عليها، والقياس المنصوص العلة متفق على العمل به.
٤- ما طلب نبي هلاك قوم إلا إذا يئس من هدايتهم، وعلم أن عدمهم
خير من وجودهم، لذا دعا لوط عليه السلام ربه أن ينصره على القوم
المفسدين، فأجاب الله دعاءه.
٦٠٨
لُزْءُ (٢٠) - الجنكبُوتِ: ٢٩ / ٢٨-٣٥
٥- إذا نزل العذاب بقوم نَجّى الله الصالحين المؤمنين منهم كما نَجَّى لوطاً
وأهله الذين اتبعوه، وأهلك الظالمين المفسدين مرتكبي الفاحشة كما فعل بقوم
لوط وامرأته التي كانت راضية بأفعالهم، وتدلهم على ضيوف لوط، فكان
حكمها حكمهم؛ لأن الدال على الشر كفاعله، كما أن الدال على الخير
کفاعله.
أَ- ترك الله تعالى بعض آثار منازلهم الخربة للعبرة والعظة لمن يتأمل من
العقلاء بمصير الظالمين ومآل الكافرين في الدنيا، ولعذاب الله أشد وأنكى في
الآخرة.
لاً- اشتملت مهمة الملائكة الرسل في ضيافة إبراهيم أمرين:
الأول - البشارة التي هي أثر الرحمة، والإنذار بالإهلاك الذي هو أثر
الغضب، ورحمته تعالى سبقت غضبه، فقدم البشارة على الإنذار.
الثاني - لم يعلل الملائكة البشرى بشيء، فلم يقولوا مثلاً: لأنك رسول
مخلص أو لأنك مؤمن، أو لأنك عادل، وعللوا الإهلاك بقولهم: ﴿إِنَّ
أَهْلَهَا كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ لأن صاحب الفضل المطلق لا يكون فضله
بعوض، والعادل لا يكون عذابه إلا على جرم.
٢٠٠
الُهُ (٢٠) - الجُنْكُتُوتِ: ٢٩ /٣٦-٤٠
٦٠٩
قصص شعيب وهود وصالح
وموسى عليهم السلام مع أقوامهم
﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَنِقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ
٣٦
اُلْأَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن
فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ
مَّسَكِنِهِمَّ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ
وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَآءَهُم ◌ُوسَى بِالْبَيْنَتِ
مُسْتَبْصِرِينَ
فَاسْتَكْبُواْ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانُواْ سَبِقِينَ ﴿ فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَتْبِةٍ، فَمِنْهُم ◌َنْ
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم ◌َنْ أَخَذَتْهُ الضَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ
اَلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَاً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
القراءات:
﴿ وَتَهُودَا﴾ : قرئ:
١- (وثمودَ) ممنوعة من الصرف، وهي قراءة حفص، وحمزة، ووقفا
بالدال.
٢- (وثموداً) مصروفة، وهي قراءة الباقين. ووقفوا بالألف المبدلة من
التنوين.
الإعراب:
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ ﴿مَدْيَنَ﴾: ممنوع من الصرف للعلمية
والتأنيث. و﴿شُعَيْبًا﴾: منصوب بفعل مقدر، تقديره: أرسلنا إلى مدين
أخاهم شعيباً . ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لعاملها.
٦١٠
لُزُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٣٦-٤٠
﴿وَعَادًا وَتَهُودَا﴾ عطف على ﴿اَلَّذِينَ﴾ في آية ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمٌ﴾ أو منصوب بفعل مقدر، تقديره: وأهلكنا عاداً وثموداً، بدلالة:
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ﴾ لأنه في معنى الإهلاك، وكلمة ﴿ وَثَمُودَا﴾ هنا
مصروف لأنه اسم للحي، وورد في مكان آخر ممنوعاً من الصرف؛ لأنه
بمعنى القبيلة.
﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ﴾ كلها أسماء منصوبة بالعطف على
﴿ وَعَادًا﴾ في جميع الأوجه التي ذكرت، ولا ينصرف للعجمة والتعريف
(العلمية).
البلاغة:
﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِهِ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ تقديم المفعول
للاهتمام به، وفي الآية إجمال ثم تفصيل.
المفردات اللغوية:
﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين، وأصلها: أبو القبيلة. ﴿وَأَرْجُواْ
اَلْيَوْمَ الْأَخِرَ﴾ افعلوا ما ترجون به ثواب اليوم الآخر، فأقيم المسبب مقام
السبب. وقيل: إنه من الرجاء بمعنى الخوف، أي واخشوا يوم القيامة . ﴿ وَلَا
تَعْثَوْأ﴾ لا تفسدوا من عَني: أفسد، ومفسدين حال مؤكدة لعاملها.
﴿ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة، وقيل: صيحة جبريل؛ لأن القلوب ترجف
بها . ﴿جَثِمِينَ﴾ باركين على الركب ميتين، أي ماتوا.
﴿ وَعَادًا وَثَهُودَا﴾ أي وأهلكنا. ﴿وَقَد تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ
أي تبين لكم بعض مساكنهم، أو إهلاكهم من جهة مساكنهم بالحجر واليمن
إذا نظرتم إليها عند مروركم بها، فكانت قبيلة عاد تسكن الأحقاف قرب
اليمن، وثمود تسكن الحِجْر قرب وادي القُرى. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ
٠.
٦١١
لُعُ (٢٠) - الجِنكُتُوتِ: ٢٩ /٣٦-٤٠
أَعْمَلَهُمْ﴾ من الكفر والمعاصي. ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ السوي، سبيل الحق
الذي بيَّن الرسل لهم . ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ذوي بصائر، متمكنين من النظر
والاستبصار، ولكنهم لم يفعلوا.
﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ﴾ أي وأهلكنا، وتقديم قارون لشرف
نسبه ﴿يَاَلْبَيْنَتِ﴾ الحجج الواضحات. (سَبِقِينَ﴾ فائتين عذابنا غير
مدرَكين، بل أدركهم أمر الله، مأخوذ من سبق طالبه: إذا فاته.
فَكُلَّا﴾ من المذكورين. ﴿أَخَذِّنَا بِذَئِهِ﴾ أي عاقبنا بذنبه. ﴿حَاصِبًا﴾
ريحاً عاصفاً فيها حصباء، كقوم لوط، يقال: حصبه يحصبه: إذا رماه
بالحصباء: وهي الحجارة الصغيرة. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ الصرخة الشديدة، كمدين
وثمود . ﴿مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأَ﴾ كقوم
نوح وفرعون وقومه . ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعذبهم بغير ذنب.
﴿ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بارتكاب الذنب والتعرض للعذاب.
المناسبة:
بعد أن قص الله تعالى قصص نوح وإبراهيم ولوط، أردفه بقصص شعيب
وهود وصالح وموسى بإيجاز، لفائدة العظة والاعتبار بأحوال هؤلاء الأنبياء
مع أقوامهم.
ويلاحظ أن هذه القصص هنا ذكر فيها القوم جرياً على الأصل أن يذكر
القوم ثم يذكر رسولهم، ولأن قوم شعيب وهود وصالح كان لهم نسب معلوم
اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله، مثلما ذكر قارون وفرعون
وهامان؛ لاشتهارهم بالطغيان. أما قوم نوح وإبراهيم ولوط فلم يكن لهم
اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالنبي فقيل: قوم نوح
وقوم لوط.
٦١٢
الُعُ (٢٠) - الْجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٣٦-٤٠
التفسير والبيان:
قصة شعيب:
﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ
﴾ ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين نبي الله
اُلْأَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
شعيباً الذي كان من أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده، وإخلاص العبادة
له، وفعل ما يرجون به ثواب اليوم الآخر، والخوف من بأس الله ونقمته يوم
القيامة، ونهاهم عن الإفساد في الأرض، والبغي على أهلها، بإنقاص المكيال
والميزان، وقطع الطريق على الناس، وغير ذلك من المعاصي التي تجب التوبة
منها، وأخطرها الكفر بالله ورسوله، كما قال:
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ (4﴾ أي
فقابلوه بالتكذيب والعناد، والإصرار على الكفر والعصيان، فأهلكهم الله
بزلزلة (رجفة) عظيمة، قوضت أركان ديارهم، وصيحة هزت جنبات
نفوسهم، وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان
عذاب يوم عظيم، أدى إلى إماتتهم، فأصبحوا في ديارهم ميتين لا حَرَاك
بهم، ألقي بعضهم على بعض.
وقد تقدم بيان قصتهم في سور: الأعراف، وهود، والشعراء.
قصة هود وصالح:
﴿وَعَادًا وَثَهُودَاْ وَقَدْ تَبَّنَ لَكُم مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ (®﴾ أي وأهلكنا
عاداً قوم هود عليه السلام الذين كانوا يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من
حضرموت في بلاد اليمن، وأهلكنا ثمود قوم صالح عليه السلام الذين كانوا
يسكنون الحِجْر قربياً من وادي القُرى، بين الحجاز والشام، ومدائن صالح
ظاهرة إلى اليوم، وكانت العرب تعرف مساكنهم جيداً، وتمر عليهم كثيراً.
ب
٦١٣
لُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٣٦-٤٠
فأنتم يا أهل مكة ويا مشركي العرب قد تبين لكم إهلاكهم من آثار
مساكنهم، واطلعتم على معالم عذابهم، فإن الشيطان قد زين لهم أعمالهم من
عبادة غير الله، وكفرهم بربهم، واقترافهم المعاصي، وصدهم الناس عن
الدين الحق والسبيل الأقوم، وكانوا عقلاء متمكنين من النظر والاستبصار،
فلا عذر لهم في ترك الإيمان بربهم، إلا أنهم لم ينتفعوا بطاقات فكرهم ونظرهم
في عواقب الأمور.
:
أفلا يكون جديراً بكم أن تتعظوا بهؤلاء، فالعاقل من اتعظ بغيره؟!
قصة موسى:
﴿وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنَّ وَلَقَدْ جَاءَهُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ فَلْسْتَكْبَرُوا
فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوْ سَِقِينَ ﴾ أي وأهلكنا أيضاً قارون صاحب
الأموال الوفيرة والكنوز العظيمة، وفرعون ملك مصر في زمن موسى، ووزيره
هامان. وكان موسى قد جاءهم من عند ربه بالحجج الواضحات الدالة على
صدق رسالته، فاستكبروا في الأرض وأبوا تصديقه والإيمان به، وكذبوه
وكفروا بالله تعالى وبرسوله، وكانوا خاطئين آثمين عالين مفسدين، ولكنهم لم
يكونوا فائتين الله، ولا هاربين من عذابه، بل أدركهم أمر الله وبطشه، فإنه
القادر القاهر العزيز الغالب.
٠٠.
أنواع عقوبات الأقوام المكذبين:
﴿ فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ، فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ
اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾﴾ أي فلقي كل قوم ما
يناسبه من العقاب، وأهلكهم الله بسبب تكذيبهم الرسل، وكانت عقوباتهم
أربعة أنواع:
٦١٤
الزُ (٢٠) - الجُنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٣٦-٤٠
اَ- الريح العاصفة: أرسل الله على بعضھم کقوم عاد حاصباً، أي ريحاً
صرصراً باردة عاتية شديدة الهبوب جداً، تحمل الحصباء (الحجارة الصغيرة)
فتلقى عليهم، وتقتلعهم من الأرض، وترفعهم إلى عنان السماء، ثم تصرعهم
على الأرض، فيصبحون جثثاً هامدة، وذلك لكفرهم وقولهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥/٤١]؟!
أَ - الصيحة: وأرسل الله على قوم ثمود الصيحة (أو الرجفة) حين أصروا
على كفرهم فلم يؤمنوا، واستمروا على طغيانهم، وهددوا نبي الله صالحاً عليه
السلام ومن آمن معه وتوعدهم بالإخراج والرجم، فجاءتهم صيحة أخمدت
أصواتهم وحركاتهم، ومثلهم أهل مدین.
٣ - الخسف: عاقب الله قارون الذي طغى وبغى، وعتا وعصى الرب
الأعلى، وتكبر وتجبر واختال في مشيته، فخسف به وبداره الأرض، ليكون
عبرة لكل عاتٍ جبار.
٤- الإغراق: أغرق الله قوم نوح بالطوفان لكفرهم وعبادتهم الأصنام،
كما أغرق فرعون وهامان وجنودهما في صبيحة يوم واحد، فلم ينج منهم
أحد.
وكل عقوبة مما ذكر كانت جزاءً وفاقاً على ظلمهم وآثامهم، وليس ظلماً
لهم، كما قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي وما كان
ينبغي لله أن يظلمهم أبداً فيما فعل بهم، ولكنه أهلكهم بذنوبهم وبظلمهم
أنفسهم وکفرهم بالله ربهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
هناك سبب مشترك في عقاب الأمم المتقدمة وإهلاكهم وهو الكفر بالله كفر
تحدٍ وعنادٍ، مع الإفساد في الأرض بالمعاصي الكبائر.
٦١٥
◌ِلُ (٢٠) - الْجَنْكُبُوتِ: ٢٩ / ٣٦-٤٠
فقوم مدين: رفضوا دعوة نبيهم شعيب عليه السلام الذي قال لهم: الله
تعالى واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد بالكفر والظلم والمعصية
محرم فلا تقربوه، فكذبوه فيما دعاهم إليه وأخبرهم به.
فعاقبهم الله كما ذكر هنا وفي الأعراف بالرجفة، وفي هود بالصيحة،
والأمر واحد، فإن الصيحة كانت سبباً للرجفة، أي زلزلة الأرض، إما
بسبب صيحة جبريل، وإما بسبب رجفة الأفئدة التي ارتجفت منها، ولما كانت
الصيحة عظيمة أحدثت الزلزلة في الأرض، فأصبحوا جاثمين ميتين في
دیارهم.
وقبيلتا عاد وثمود: أهلكهما الله تعالى بظلمهم، أما عاد قوم هود عليه
السلام فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥/٤١]؟ فأنكروا وجود الله الإله
الخالق القادر، وعتوا وبغوا وتعالوا على الناس، فدمر الله ديارهم بمن فيها
﴿بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ، سَخََّهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةَ أَيَّامِ حُسُومًا﴾
[الحاقة: ٦/٦٩-٧]. وأما ثمود قوم صالح فكذبوا رسولهم وأعلنوا كفرهم وهددوا
نبيهم بالطرد والإخراج من بلدهم، وعقروا الناقة التي أرسلها الله إليهم
معجزة لنبيهم صالح، وكان عقابهم كعقاب أهل مدين بالصيحة أو الزلزلة أو
الطاغية، وبقيت آثار ثمود وعاد بالحِجْر والأحقاف شاهدة على ظلمهم، وآية
بينة مؤثرة للمعتبرين المتعظين.
ورؤوس الطغيان والبغي في مصر: قارون وفرعون وهامان، استكبروا في
الأرض، وظنوا أن الله غير قادر عليهم، فخسف الله بقارون وبداره
الأرض، وأغرق فرعون وهامان وجنودهما في البحر.
ولم يكن العقاب بالهلاك ظلماً، فكل فئة أخذت بجريرة ذنبها العظيم، وما
كان الله ليظلمهم؛ لأنه أنذرهم وأمهلهم وبعث إليهم الرسل وأزاح العذر،
وإنما ظلموا أنفسهم.
٦١٦
المُعُ (٢٠) - الجَنْكُوتِ: ٢٩ /٤١-٤٣
تشبيه حال عبدة الأصنام بحال العنكبوت
﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ اَلْعَنْكَبُونِ أَتَّخَذَتْ
إِنَّ اللَّهَ
بَيْتًا وَإِنَّ أَوَهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الشَّ
يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ
اُلْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ
٤٣
القراءات:
﴿اَلْبُيُوتِ﴾: قرئ:
١- (الْبُيُوت) وهي قراءة: ورش، وأبي عمرو، وحفص.
٢- (البِيُوت) وهي قراءة الباقين.
﴿يَدْعُونَ﴾: قرئ:
١- (يدعون) وهي قراءة: أبي عمرو، وعاصم.
٢- (تدعون) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ الكاف: في موضع رفع؛ لأنها خبر المبتدأ: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ: أَتَّخَذُواْ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ ﴿مَا﴾: إما بمعنى (الذي)) في موضع نصب بـ
﴿يَعْلَمُ﴾ وتقديره: إن الله يعلم الذين يدعون من دونه من شيء، فحذف
العائد تخفيفاً. وإما أن تكون استفهامية في موضع نصب بـ ﴿يَدْعُونَ)
وتقديره: أي شيء تدعون من دونه، وهو قول الخليل وسيبويه.
٠
٦١٧
الُرُ (٢٠) - الجِنْكُبُوتِ: ٢٩ /٤١-٤٣
البلاغة:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ أَتَّخَذَتْ
بَيْتًا﴾ تشبيه تمثيلي، شبه الكفار في عبادتهم الأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتاً
ضعيف النسج قابلاً للاختراق والزوال بنفخة هواء. والتشبيه التمثيلي: هو ما
كان وجه الشبه فيه منتزعاً من متعدد.
المفردات اللغوية:
﴿مَثَلُ﴾ المثل: الصفة التي تشبه المثل في الغرابة . ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ أصناماً
يرجون نفعها . ﴿اَلْعَنْكَبُوتِ﴾ حشرة معروفة. ﴿اَتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ لنفسها تأوي
إليه مما نسجته من شبكة واهنة ضعيفة .﴿أَوْهَنَ﴾ أضعف البيوت، لا يدفع
عنها حراً ولا برداً، كذلك الأصنام لا تنفع عابديها. ﴿لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ﴾ ذلك ما عبدوها.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ﴾ على إضمار القول، أي قل للكفرة: إن الله
يعلم الذي يعبدون، والكلام تجهيل لهم وتأكيد للمثل.﴿مِن دُونِهِ﴾ غيره.
﴿وَهُوَ اُلْعَزِيزُ اُلْحَكِيمُ﴾ الغالب القوي في ملكه، الحكيم في صنعه، وهو
تعليل لما سبق، فإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعدّ شيئاً بمن هذا شأنه،
فالجماد بالنسبة إلى القادر القاهر على كل شيء، البالغ النهاية في العلم وإتقان
الفعل كالمعدوم .
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ﴾ يعني هذا المثل نظائره. ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ﴾ نجعلها مثلاً
تقريباً لأفهامهم ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآَ﴾ يفهمها. ﴿إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾ المتدبرون الذين
يتدبرون الأشياء على ما ينبغي، روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه تلا هذه
الآية فقال: ((العالم: من عقل عن الله، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه)).
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى أنه أهلك من أشرك بعاجل العقاب، وسيعذبه
٦١٨
الُرءُ (٢٠) - الجِنْكُبُوتِ: ٢٩ /٤١-٤٣
بشديد العذاب، دون أن ينفعه معبوده في الدارين، شبّه حال هذا المشرك
الذي اتخذ معبوداً دون الله بحال العنكبوت التي اتخذت بيتاً لا يحميها من
الأذى، ولا يمنع عنها الحر أو البرد.
ثم أكد ذلك فأوضح أن ما يدعونه ليس بشيء، فكيف يعبد وتترك عبادة الله
القادر القاهر الحكيم المتقن؟ ثم لفت النظر إلى فائدة ضرب الأمثال وهي
التقريب للأفهام وإدراك العقلاء لمغزاها.
التفسير والبيان:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُونِ أَتَّخَذَتْ
بَيْتًا﴾ أي صفة المشركين في اتخاذهم الأصنام آلهة من دون الله، طمعاً في
نصرهم ورزقهم ونفعهم، والتمسك بهم في الشدائد، كصفة العنكبوت في
ضعفها اتخذت لنفسها بيتاً يقيها الأذى والحر والبرد، فلم يفدها شيئاً، وإذا
هبت ريح يصير هباء منثوراً.
فكذلك هؤلاء المشركون لا تفيدهم أصنامهم، ولا تدفع عنهم سوءاً، ولا
تجديهم شيئاً، وتصبح أعمالهم للأوثان مبددة ذاهبة الأثر، كما قال تعالى:
﴾ [الفرقان: ٢٣/٢٥].
١٣٣
﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآءَ مَنْشُورًا
ثم بيّن الله تعالى مدى ضعف هذا البيت، فقال:
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُونِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أي وإن
أضعف البيوت بيت العنكبوت؛ لأنه يخرب بأدنى شيء، ولا يبقى منه أثر،
فكذلك عملهم لا أثر له، فلو كانوا يعلمون علماً صحيحاً أن أصنامهم
وعبادتهم لها لا تنفعهم شيئاً، ما فعلوا ذلك، إلا أنهم في الواقع في غاية
الجهل، لا يعلمون شيئاً من عواقب الأمور، فتراهم يظنون بذلك النفع.
ثم أكد الله تعالى كون تلك المعبودات ليست بشيء، فقال متوعداً عابديها:
٦١٩
اِلُحُ (٢٠) - الجَنْكُبُوتِ: ٢٩ /٤١-٤٣
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
(@) أي إن الله يعلم أن الذي يعبدونه من غيره من الأصنام والجن والإنس
ليس بشيء، وهو القوي الغالب القادر على الانتقام ممن كَفَر به، وأشرك في
عبادته معه غيره، الحكيم في صنعه وتدبير خلقه، يعلم ما هو عليه من
الأعمال، ويعلم ما یشرکون به من الأنداد، وسیجزیهم وصفهم، إنه حكيم
علیم.
ثم أبان تعالى فائدة ضرب الأمثال، فقال:
﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ ﴾﴾ أي
هذا المثل وأشباهه في القرآن الكريم، يضربها للناس تقريباً لأفهامهم،
وتوضيحاً لما التبس عليهم، وما يفهمها ويدركها ويتدبر حقيقتها إلا العلماء
الأثبات، المتضلعون في العلم، المتأملون في القضايا والمسائل.
روى جابر أن النبي ◌َّ تلا هذه الآية، فقال: ((العالم من عقل عن الله
تعالى، فعمل بطاعته، واجتنب سخطه)).
فقه الحياة والأحكام:
تدل الآيات على ما يأتي:
ا - إن عبادة الأصنام والأوثان فارغة المحتوى، لا مضمون فيها، ولا
هدف لها، وما مثلها في عدم النفع إلا كمثل بيت العنكبوت، قال الفراء: هذا
مثل ضربه الله سبحانه لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره، كما أن بيت
العنكبوت لا يقيها حراً ولا برداً.
◌َ- شبَّه الله تعالى حال عبدة الأوثان بحال العنكبوت التي تتخذ أضعف
البيوت، ولو علموا أن عبادة الأوثان كاتخاذ بيت العنكبوت التي لا تغني
عنهم شيئاً، وأن هذا مثلهم أو صفتهم، لما عبدوها، لا أنهم يعلمون أن بيت
۔
.
٦٢٠
◌ِلُ (٢٠) - الجَنْكُتِ: ٢٩ /٤١-٤٣
العنكبوت ضعيف. أما قتل العنكبوت فروي عن سيدنا علي جوازه قائلاً: إن
تركه في البيوت يورث الفقر، وهذا صحيح لأن العناكب من الحشرات
السامة.
◌َ- إن الله يعلم ضعف كل ما يعبدون من دونه من ملائكة وكواكب
وأصنام وجن وإنس، فرأى لحالهم، وعجب عن صنعهم، فنبههم على سطحية
تفكيرهم، وسوء اعتقادهم، وأن جميع تلك المعبودات مثل بيت العنكبوت؛
لأن كل ما عدا الله لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله، فلا معبود بحق إلا الله، ولا
إله سواه.
٤- إن ضرب الأمثال أي بيانها وعقد المقارنة بين المتشابهات أمر مفيد
للناس، لمعرفة حقائق الأمور، ولكن لا يفهم تلك الأمثال إلا العالمون بالله
تعالى.
قال أبو حيان: وكان جهلة قريش يقولون: إن رب محمد يضرب المثل
بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، وما علموا أن الأمثال
والتشبيهات طرق إلى المعاني المحتجبة، فتبرزها وتصورها للفهم، كما صور
هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد(١).
٥- حقاً إن المشرك في غاية الجهل في الاعتقاد، ولذا كانت هذه الآيات
تجهيلاً للمشركين، حيث عبدوا ما ليس بشيء، لأنه جماد، لا علم لديه، ولا
قدرة أصلاً عنده، وتركوا عبادة القادر القاهر، الحكيم الذي لا يفعل شيئاً إلا
لحكمة.
أما المسلم المؤمن قلبه بالله فهو واع لما يفعل، مقدر ما يعبد، يبغي الخير في
عبادته، ويحسن العمل في اتباع الشرّع، لأن فيه نجاته وإنقاذه، ويصل إلى
مبتغاه فعلاً بجلب النفع والخير، ودفع الضرر والشر.
(١) البحر المحيط ١٥٣/٧.