Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
إِلُزُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٧١-٧٥
الله، وبعد أن أبان أنه المستحق للحمد على ما تفضل به من النعم، أردفه
بإيراد بعض الأدلة والبراهين الدالة على عظمته وسلطانه وهي النعم التي لا
يقدر عليها سواه، لتذكير الناس بما يجب عليهم من الحمد له، وشكر المنعم
المتفضل به. ثم كرر قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيْهِمْ﴾ على جهة الإبلاغ والتأكيد، ثم ذكر
شهادة نبي كل أمة على أعمالهم في الدنيا، زيادة في الغم وإثباتاً للجرم.
التفسير والبيان:
يمتن الله على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم
بدونهما فقال :
﴿قُلْ أَرََّيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ
اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (4﴾؟ أي قل أيها الرسول للمشركين
بالله: أخبروني إن جعل الله وقتكم كله ظلاماً، فجعل الليل عليكم دائماً
متتابعاً إلى يوم القيامة، فيحصل لكم السأم والضجر والضرر، كالمناطق
القطبية التي يكون فيها الزمن كله ليلاً لمدة ستة أشهر، ثم يكون مثلها نهاراً،
فمن الإله غير الله الذي يتمكن من الإتيان بضياء النهار، أفلا تسمعون ذلك
سماع تدبر وتفهم وتفكر، فتقلعوا عن الإشراك بالله؛ لأن كل من سوى الله
عاجز عن ذلك وغيره؟ ثم ذكر العكس فقال:
﴿قُلْ أَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْهَدًا إِلَى بَوْرِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ
؟ أي وقل لهم أيضاً أيها
الَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاَءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٨َ
الرسول: أخبروني إن جعل الله زمنكم كله نهاراً، فجعل النهار دائماً متصلاً
إلى يوم القيامة دون أن يعقبه ليل، فتتعب الأبدان وتكل الأجسام من كثرة
الحركات والأشغال، فمن ذلك الإله غير الله يستطيع الإتيان بليل تستقرون
وتستريحون فيه من عناء التعب، أفلا تبصرون هذه الظاهرة والحقيقة الدالة
على القدرة الإلهية التامة، فتعلموا أن المستحق للعبادة والتأليه هو الله المنعم
بهذه النعم؟

٥٢٢
الجُزءُ (٢٠) - القصص: ٧١/٢٨-٧٥
- ﴿ وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (®﴾ أي ومن رحمته بكم أيها الخلق تعاقب الليل والنهار
وتفاوتهما، فجعل لكم الليل ظلاماً للراحة والسكن والاستقرار وهدوء
النفس من عناء العمل النهاري، وجعل لكم النهار مضيئاً لتبصروا فيه
منافعكم، وتحصلون فيه معايشكم، وتنتقلوا فيه بالأسفار من بلد لآخر،
ويمتلئ بالحركات والأشغال، بحثاً عن موارد الرزق، وقضاء الحاجات بأنس
ومتعة لا يتوافران في العمل الليلي، فتشكروا لله بأنواع العبادات ليلاً ونهاراً
على ما أنعم به عليكم من هذه النعم دون أن يشاركه فيها شريك؟
دلَّ هذا بحق على أن تعاقب الليل والنهار من أعظم النعم على المخلوقات،
بل ومن البراهين الدالة على كمال القدرة الإلهية، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَ اُلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
[الفرقان: ٦٢/٢٥] ونحو ذلك من الآيات الكثيرة. وهذا التعاقب لأغراض
ثلاثة: أن تسكنوا في أحدهما وهو الليل، ولتبتغوا من فضل الله في الآخر،
وهو النهار، ولإرادة شكركم على المنفعتين معاً.
ويلاحظ أنه تعالى قرن قوله: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ بالليل، لمناسبته له، ففي
سكون الليل وظلامه يكون إعمال السمع أفيد، ففيه يدرك الإنسان ما لا
يدركه بالبصر من منافع وفوائد. ثم قرن قوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ بالنهار،
لمناسبته له، ففي ضوء النهار يكون إعمال البصر أوقع، ففيه يدرك الإنسان
بعينه من المنافع والفوائد والعظات ما لا يدركه السمع أثناء الضجة والحركة،
وعلى هذا كان التذييل بما هو الأليق بكل من الليل والنهار.
وأما سبب التذييل بكل منهما فهو الحث على الانتفاع بما يسمعون
ويبصرون تأملاً وتدبراً، فلما لم ينتفعوا بالسمع والبصر نزّلوا منزلة من لا
يسمع ولا يبصر.

٥٢٣
لالُ (٢٠) - القَضَض: ٢٨/ ٧١-٧٥
ثم أعاد الله تعالى النداء لمن عبد مع الله إلهاً آخر على رؤوس الأشهاد على
سبيل التوبيخ والتقريع فقال:
{وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (®)﴾؟ أي
واذكر أيها الرسول للمشركين يوم يناديهم ربك، فيقول لهم: أين شركائي
الذين كنتم تزعمون في دار الدنيا أنهم شركائي، ليخلِّصوكم مما أنتم فيه.
والقصد من تأكيد هذا النداء مرة ثانية التنبيه على أنه لا شيء أجلب لغضب
الله تعالى من الإشراك به، كما أنه لا شيء أدعى لمرضاته من توحيده تعالى.
قال القرطبي: والمناداة هنا ليست من الله؛ لأن الله تعالى لا يكلم الكفار؛
لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: ١٧٤/٢] لكنه تعالى يأمر
من يوبخهم ويبكّتهم، ويقيم الحجة عليهم مقام الحساب(١).
ويترتب على هذا النداء التوبيخي زيادة غمهم وفرط حزنهم وألمهم، وقد
أكد ذلك بالإشهاد عليهم، ليعلم أن التقصير منهم، فيكون ذلك زائداً في
غمهم، فقال :
﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ فَعَلِّمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ
وَضَلَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (19)﴾ أي وأخرجنا أو أحضرنا من كل أمة
شاهداً عليهم وهو نبيهم أو رسولهم، كما قال تعالى: ﴿وَجِأْىَّ بِالنَّبِنَ
وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩/٣٩] وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أَمَِّ بِشَهِيدٍ
وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا
﴾ [النساء: ٤١/٤] فكل رسول يشهد على
قومه بأعمالهم في الدنيا، ويشهد محمد بَّه على الأنبياء جميعاً.
وقلنا لهم: أحضروا برهانكم على صحة ما ادعيتموه من أن لله شريكاً، فلم
(١) تفسير القرطبي: ٢٠٩/١٣

٥٢٤
الُزُ (٢٠) - القَضَص: ٧١/٢٨-٧٥
يتمكنوا ولم يجيبوا، وعلموا علم اليقين حينئذ أن الحق في الألوهية لله وحده،
فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا شريك له في ملكه وسلطانه، وذهب عنهم
أو تبدد باطلهم وافتراؤهم، وتضليلهم وكذبهم الذي كان منهم في الدنيا بنسبة
الشريك الله، فلم ينفعهم شيئاً، كما غابت عنهم آلهتهم غيبة الشيء الضائع،
فلم ينفعوهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
اً - إن تعاقب الليل والنهار دليل على عظمة الله وقوة سلطانه وتوحيده،
وهو أيضاً نعمة ورحمة بالمخلوقات جميعاً من إنسان وحيوان ونبات وجماد، أما
بالنسبة للإنسان ففي الليل دعة وهدوء، وسكون وراحة من عناء العمل، وفي
النهار حركة وعمل وتكسب وطلب لرزق الله تعالى.
وتلك النعمة تستوجب الشكر، وتستحق حمد الله على الدوام، ويكون
الشكر بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه
بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل.
أَّ - تتكرر مناداة الآلهة المزعومة من أصنام وغيرها أمام الله تعالى يوم
القيامة، ففي المرة الأولى لا يستجيبون، فتظهر حيرة أتباعهم وعابديهم، وفي
المرة الأخرى يسكتون، وذلك كله توبيخ وتقريع للمشركين وزيادة خزي
وتحقير أمام الخلائق قاطبة.
◌َّ - يزاد غم المشركين وتتضاعف حسرتهم وكمدهم وألمهم حين يشهد
عليهم بأعمالهم نبيهم المبعوث إليهم في الدنيا لدعوتهم إلى توحيد الله وعبادته،
ويطلب منهم إحضار حجتهم على صحة أو صدق ادعائهم، ولكنهم
يعجزون، ويدركون إدراكاً جازماً أن الأنبياء صادقون فيما جاؤوا به،" وأن
الله وحده هو الإله الحق، ويذهب عنهم ويبطل كل ما كانوا يختلقونه من
الكذب على الله تعالى من أن معه آلهة أخرى تعبد.

٥٢٥
الزُعُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٧٦-٧٨
قصة قارون
- ١ -
بغيه على قوم موسى واغتراره بماله
﴿ إِنَّ قَدْرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى فَغَى عَلَيْهِمَّ وَءَانَيْلَهُ مِنَ الْكُوزِ مَّآ إِنَّ
مَفَاتِحَهُ لَشَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَجٌ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ
اَلْفَرِحِينَ
) وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَئِكَ اللَّهُ النَّارَ الْآَخِرَةٌّ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الذُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ اُلْفَسَادَ فِ اُلْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا
قَالَ إِنَّمَا أُوْقِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْئَلُ عَن
٧٨
ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ
القراءات:
◌ِندِيَّ أَوَلَمْ﴾
وقرأ نافع، وقنبل، وأبو عمرو (عنديَ أو لم).
﴿ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: قرئ:
١- (ذنوبهم) وهي قراءة أبي عمرو.
٢- (ذنوبهُمُ) وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف.
٣- (ذنوبِهِمُ) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿مَآَ إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ﴿مَّآ﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب

٥٢٦
الجُرُ (٢٠) - القَضَض: ٧٦/٢٨-٧٨
بـ﴿ وَءَانَيْنَهُ﴾ وصلته: ﴿إِنَ﴾ وما عملت فيه. وكسرت ﴿إِنَّ﴾ لأنها متى وقعت
في موضع يصلح اسماً وفعلاً، كانت مكسورة، والاسم الموصول يدخل على
الجملة الاسمية والجملة الفعلية. و﴿أُوْلِى﴾ واحدها (ذو) من غير لفظها.
﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِىّ﴾ في موضع الحال.
البلاغة:
﴿لَا تَفْرَحْ﴾ ﴿اَلْفَرِحِينَ﴾ وكذا ﴿اُلْفَسَادَ﴾ ﴿اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ بين كلٍ جناس
اشتقاق.
المفردات اللغوية:
﴿قَرُونَ﴾ هو قارون بن يَصْهر بن قاهَث بن لاوى بن يعقوب عليه السلام.
﴿مِن قَوْيِ مُوسَى﴾ كان ابن عمه؛ لأن موسى هو ابن عمران بن قاهَث، وكان
أيضاً ابن خالته، وممن آمن به . ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمّ﴾ تكبر عليهم وتجبر بكثرة المال
وظلمهم وطلب أن يكونوا تحت أمره . ﴿اُلْكُرِ﴾ جمع كنز: وهو المال
المدخر، يقال: كنز المال: جمعه وادخره. ﴿مَفَاتِحَهُ لَنَنُوْأُ﴾ تثقل خزائنه أي
صناديقه، جمع مفتح، أو مقاليده، أي مفاتيحه جمع مفتح وهو ما يفتح به.
﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ الجماعة الكثيرة. ﴿أُوْلِى الْقُوَّةِ﴾ أصحاب الشدة. ﴿فَوْمُهُ﴾
المؤمنون من بني إسرائيل . ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ بكثرة المال، أي لا تبطر وتتمسك
بالدنيا دون الآخرة.
﴿وَأَبْتَغِ﴾ اطلب. ﴿فِمَآ ءَاتَنْكَ اَللَّهُ﴾ من المال. ﴿الذَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ أي
ثوابها، بأن تنفقه في طاعة الله. ﴿ وَلَا تَنسَ﴾ تترك ترك المنسي. ﴿نَصِيبَكَ
مِنَ الذُّنْيَا﴾ أي حظك منها بأن تأخذ منها ما يكفيك أو أن تعمل فيها
للآخرة. ﴿وَأَحْسِنِ﴾ للناس بالصدقة. ﴿وَلَا تَبْغِ﴾ تطلب. ﴿اُلْفَسَادَ فِى
اُلْأَرْضِّ﴾ بأمر يكون علة للظلم والبغي أي بعمل المعاصي . ﴿لَا يُحِبُّ
اُلْمُفْسِدِينَ﴾ أي يعاقبهم.

٥٢٧
لِلُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٧٦-٧٨
﴿أُوِيِتُّهُ﴾ أي المال. ﴿عَى عِلْمٍ عِندِىٌّ﴾ أي معرفة مني ومهارة في اكتساب
المال، قيل: إنه علم التجارة. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الأمم. ﴿ وَأَكْثَرُ جَمْعَاً﴾
للمال. ﴿ وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤال استعلام، فإنه تعالى مطلع
عليها، معاقبهم عليها لا محالة.
المناسبة:
بعد تقريع المشركين وتوبيخهم، ذكر الله تعالى قصة قارون لبيان عاقبة
الكافرين والمتجبرين في الدنيا والآخرة، فقد أُهلك قارون بالخسف والزلزلة،
وهو في الآخرة كالمشركين من أهل النار.
أضواء من التاريخ على قصة قارون:
عرفنا أن قارون هو ابن يصْهُر بن قاهَثَ جدّ موسى، فهو ابن عمه، وقال
ابن عباس: وكان أيضاً ابن خالته. وكان يسمى المنوِّر لحسن صورته، وكان
أحفظ بني إسرائيل للتوراة وأقرأهم، فنافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي
لكثرة ماله.
فهو رجل من بني إسرائيل، آتاه الله مالاً كثيراً، حتى إن مفاتيح خزائنه كان
تنوء بحملها عصبة من الرجال. نصحه أهل الوعظ والإرشاد من قومه بالبعد
عن البطر والتجبر والإفساد في الأرض، وأن يستعمل ماله في مرضاة الله، مع
الانتفاع ببعضه في مصالح الدنيا بقدر الكفاية، وألا ينفقه فيما يغضب الله
تعالى، حتى لا يتعرض لزوال النعمة، فأبى الامتثال لنصح الناصحين، وقال
في ماله: ﴿إِنَّمَآ أُوِيَتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ والظاهر أنه جمعه بما لديه من ذكاء
وخبرة في شؤون التجارة، ولكنه غفل عن بطش الله بالمتجبرين من أمثاله في
الأمم الغابرة الذين كانوا أشد منه قوة وأكثر جمعاً للمال.
وقد استبد به الكبر والخيلاء أن كان يخرج في موكب مهيب وزينة فاخرة

٥٢٨
الجزءُ (٢٠) - القضَص: ٧٦/٢٨-٧٨
باهرة، فافتتن بعض الناس بمظاهره، وتمنّوا أن يؤتوا مثله من المال، فقال لهم
أهل العلم والبصر والحمكة: لا تفتتنوا به ولا تطمعوا، فثواب الله خير
للمؤمن الذي يعمل الصالحات، فكان عاقبة طغيانه وظلمه وجحوده نعمة الله
أن خسف الله به وبداره الأرض، دون أن يجد له نصيراً أو معيناً.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمٍ مُوسَى فَغَى عَلَيْهِمَّ﴾ أي إن قارون الذي أصبح
مضرب المثل والغنى والثروة والظلم والعتو كان من بني إسرائيل، فتجبر وتكبر
بكثرة ماله، وتجاوز الحد في ظلمهم، وطلب منهم أن يكونوا تحت إمرته، مع
أنه قریبھم:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهنّد
﴿وَءَانَيَْهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِ الْقُوَّةِ﴾ أي
وأعطيناه من الأموال النقدية والعينية المدخرة التي يثقل بحمل مفاتيح خزائنها
العصبة (الجماعة الكثيرة) القوية من الناس. قال ابن عباس: إن مفاتيح
خزائنه كان يحملها أربعون رجلاً من الأقوياء.
فنصحه الوعاظ بمواعظ خمس قائلين:
اَ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُ لَا تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي قال له جماع،
من بني إسرائيل من النصحاء، حينما أظهر التفاخر والتعالي: لا تبطر ولا
تفرح بما أنت فيه من المال، فإن الله لا يحب الأشرين البطرين الذين لا
يشكرون الله على ما أعطاهم، ولا يستعدون للآخرة، أي یبغضهم ويعاقبهم،
كقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا نَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنْكُمْ وَاللَّهُ لَا
يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (®َ﴾ [الحديد: ٢٣/٥٧].
٣ - ﴿وَأَبْتَغْ فِيمَآ ءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَّ﴾ أي استعمل ما وهبك الله

٥٢٩
المُعُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٧٦-٧٨
من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع
القُرُبات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة، فإن الدنيا مزرعة
الآخرة.
◌َّ - ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيِبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾ أي لا تترك حظك من لذات
الدنيا التي أباحها الله من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والزواج، فإن
لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزَوْرك
(زوارك) عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. وهذه هي وسطية الإسلام في
الحياة، قال ابن عمر: ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك
كأنك تموت غداً)).
٤ - ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ أي وأحسن إلى خلقه كما أحسن
الرب إليك، وهذا أمر بالإحسان مطلقاً بعد الأمر بالإحسان بالمال، ويدخل
فيه الإعانة بالمال والجاه، وحسن اللقاء، وحسن السمعة، أي إنه جمع بين
الإحسان المادي، والإحسان الأدبي أو الخلقي.
هَ - ﴿ وَلَا تَبْغِ اُلْفَسَادَ فِ اُلْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تقصد
الإفساد في الأرض بالظلم والبغي والإساءة إلى الناس، فإن الله يعاقب
المفسدين، ويمنعهم رحمته وعونه وودّه.
ولكن قارون أبى النصح فقال:
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ﴾ أي قال قارون لقومه حين نصحوه
وأرشدوه إلى الخير: أنا لا أحتاج لما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا
المال، لعلمه بأني أستحقه، ولمعرفتي وخبرتي بكيفية جمعه، فأنا له أهل، كما
قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرٌ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا
أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩/٣٩] أي على علم من الله بي، وقال سبحانه:
﴿وَلَيِنْ أَذَقْنَهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدٍ ضَرَّةَ مَسَّتَّهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِ﴾ [فصلت: ٥٠/٤١]
أي هذا أستحقه.

٥٣٠
الُ (٢٠) - القضَص: ٧٦/٢٨-٧٨
فأجابه الله بقوله :
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَ اَللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمَعَا وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي أو لم يدر في جملة ما عنده
من الدراية والعلم حتى لا يغترّ بكثرة ماله وقوته أنه قد كان من هو أكثر منه
مالاً، وما كان ذلك منا عن محبة له، أو أنه أهل له، وقد أهلكهم الله مع ذلك
بكفرهم وعدم شكرهم، ولا يسأل المجرمون عن كثرة ذنوبهم، أي إذا عاقب
الله تعالى المجرمين فلا حاجة به إلى أن يسألهم عن أنواع ذنوبهم ومقدارها؛ لأنه
تعالى عالم بكل المعلومات، فلا حاجة به إلى السؤال. فالمراد بذلك سؤال
الاستفسار والاستعلام، كقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل
عمران: ١٥٣/٣] ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣/٢] وسؤال
الاستعتاب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَكُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ
وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغْنَذِرُونَ
٣٥
يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤/١٦]. ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ
﴾ [المرسلات: ٣٥/٧٧-٣٦].
ونظير الآية: ﴿فَوَمَِّذٍ لَّا يُشَكَلُ عَن ذَلِهِ إِنْسٌ وَلَا جَآَنَّ (®َ﴾ [الرحمن: ١٥٥
٣٩] .
ولا يتنافى هذا مع سؤالهم في وقت آخر سؤال توبيخ وإهانة، كما في قوله
١٩٣ @ [الحجر:
﴿﴿ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
١٥/ ٩٢-٩٣] .
فقه الحياة أو الأحكام:
يفهم من الآيات ما يأتي:
اً - البغي مرتعه وخيم، والظلم مؤذن بخراب العمران والديار.
أَ - إن كثرة المال محنة وبلاء، وسبب للطغيان والفساد.

٥٣١
الخُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٧٦-٧٨
◌َّ - الجاهل الذي لا علم لديه، أو علمه ناقص هو الذي يغترُّ بماله،
ويبطر عند النعمة، فإن الله تعالى يعاقب الأشرين البطرين الذين لا يشكرون
نعمة الله تعالی علیھم.
٤ - إن أصول الحضارة الإسلامية أربعة: العمل الصالح ابتغاء ثواب
الآخرة، وعمارة الدنيا بإتقان دون أن تستولي على مشاعر الإنسان،
والإحسان إلى الناس إحساناً مادياً ومعنوياً أو خلقياً، وقمع الفساد والعصيان
والخراب.
فمن حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة، لا في التجبر
والبغي، وألا يضيع عمره في غير العمل الصالح في دنياه؛ إذ الآخرة هي التي
يعمل لها، فنصيب الإنسان: عمره وعمله الصالح فيها، بأن يطيع الله ويعبده
كما أنعم عليه، وألا يعمل بالمعاصي والإفساد، فإن الله يجازي المفسدين.
٥ - الله تعالى مصدر الخير والرزق، وما العبد إلا وسيلة، يجب عليه أن
يعمل ويكتسب، والله هو الرازق الميسر له أسباب الرزق، المانح له الثراء
والمال، فيكون هو المستحق للشكر على تلك النعمة.
فمن الغباء والجهل أن ينسب الإنسان الخير والفضل لنفسه ومواهبه، أو
يدعي أنه الحقيق الجدير بما أعطي، أو ينخدع بأن ما أعطيه دليل على محبة الله
ورضاه عنه، فقد يكون العطاء فتنة واستدراجاً، وليس قرينة الرضا والمودة.
لذا كان اغترار قارون بكثرة ماله، وادعاؤه أنه أهل له عبئاً باطلاً.
٩ - أهلك الله كثيراً من الأمم الخالية الكافرة، وهم أشد قوة من قارون،
وأكثر جمعاً للمال منه، ولو كان المال يدل على فضل لما أهلكهم.
لاً - لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم سؤال استعلام واستعتاب، فالله عليم
بكل شيء، ولا يقبل اعتذارهم ولا عتبهم، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ
کما بيّنا.

٥٣٢
الُرُ (٢٠) - القَضَص: ٧٩/٢٨-٨٢
- ٢ -
بعض مظاهر بغي قارون وكبريائه
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا
مِثْلَ مَا أُوِى قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًاْ وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الصَبِرُونَ
◌َسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اُلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
٨٠
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾
اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌ لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّأَ
وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ
١٨٣
القراءات:
﴿ لَخَسَفَ بِنَا﴾: قرئ:
١- (لَخَسَفَ بنا) وهي قراءة حفص.
٢- (لُسِف بنا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ أراد: وقال الذين، فحذف الواو
كما حذفت من قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ
سَادِسُهُمْ
﴾ [الكهف: ٢٢/١٨] أي ورابعهم.
﴿وَيْكَأَنَ اَللَّهَ﴾ ﴿وَيْكَأَنَ﴾ (وي)): منفصلة من ((كأن)) بمعنى أعجب،
وهي كلمة يقولها المتندم إذا أظهر نذامته. وكأن الله: بلفظ التشبيه، لكن ليس
بمعنى التشبيه، أي إن الله.

٥٣٣
الُعُ (٢٠) - القَضَض: ٢٨/ ٧٩-٨٢
﴿لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ﴾ أن مخففة من الثقيلة من غير عوض، وإن كانت قد
دخلت على الفعل، وتقديره: لولا أن الأمر والشأن منَّ الله علينا لخسف بنا.
وقرئ (لُسف) و(خُسْفَ) و(لا يُخْسَفُ بنا). فعلى القراءة الأولى: معناه:
(لخسف الله بنا) والجار والمجرور في موضع نصب بالفعل، وعلى القراءة
الثانية: الجار والمجرور في موضع رفع، لقيامه مقام نائب الفعل، وعلى القراءة
الثالثة حذفت الكسرة تخفيفاً، والقراءة الرابعة كقراءة (لُسف بنا) للبناء
للمجهول.
البلاغة:
﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ تأكيد الجملة بإن واللام؛ لأن السامع شاك
متردد.
﴿تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ كناية، كَتَّى عن الزمن الماضي القريب بلفظ
(الأمس).
(يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴿وَيَقْدِرٌ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿فَخَرَجَ﴾ قارون ﴿عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ﴾ في موكب مهيب يتبعه الركبان
متحلين بملابس الذهب والحرير على خيول وبغال متحلية، وكانوا أربعة
آلاف. (يا) للتنبيه ﴿مِثْلَ مَا أُوتِى قَرُونُ﴾ في الدنيا، تمنوا مثله، لا عينه حذراً
من الحسد، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍ﴾ لصاحب نصيب ﴿عَظِيمٍ﴾ وافٍ في الدنيا
﴿أُوْتُواْ الْعِلْمَ﴾ بأحوال الآخرة وما وعد الله فيها، فالمراد بالعلم: علم الدين
وأحوال المتقين ﴿وَيْلَكُمْ﴾ الويل: الهلاك أو العذاب، والمراد هنا: الزجر
عما لا ينبغي ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة بالجنة(خَيْرٌ﴾ مما أوتي قارون في الدنيا
﴿وَلَا يُلَقَمُهَا﴾ أي لا يتلقى الجنة المثاب بها ﴿إِلَّ الضَّبِرُونَ﴾ على الطاعات
وعن المعاصي.

٥٣٤
الجُزءُ (٢٠) - القضَص: ٧٩/٢٨-٨٢
﴿فَسَفْنَا بِهِ،﴾ أي بقارون، وخسف: غار في الأرض، والمراد: جعلنا
عاليها سافلها ﴿فِئَةٍ﴾ جماعة أعوان ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره، بأن يمنعوا عنه
الهلاك ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ الممتنعين من عذاب الله تعالى ﴿بِالْأَمْسِ﴾
من قريب ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ أي ألم تر أن الله، وكلمة ((وي)) اسم فعل بمعنى
أتعجب، وكأنَّ: للتشبيه في الأصل، وليس المراد بها هنا التشبيه، وإنما المراد:
بل إن الله ﴿ يَبْسُطُ﴾ يمدُّ ويعطي ﴿وَيَفْدِزٌ﴾ يضيق ويقتر بمقتضى مشيئته، لا
لكرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يوجب القبض.
المناسبة:
هذا فصل آخر من قصة قارون، فبعد أن ذكر الله تعالى بغيه على بني
إسرائيل وتجبره عليهم، أعقبه ببيان بعض مظاهر بغيه وكبريائه، فقام
باستعراض عظمته وقوته وأبهته، تعالياً على الناس، وإذلالاً للنفوس، وكسراً
للقلوب، فعاقبه الله بالخسف والزلزال، وأصبح المعجبون بحاله متعجبين مما
حلَّ به، وأدركوا أن الإمداد بالرزق الإلهي لا لكرامة ومنزلة للإنسان عند
الله، كما أن حجب الرزق لا لهوان وسخط.
التفسير والبيان:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَتِ﴾ أي فخرج قارون يوماً على قومه في زينة
عظيمة وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى حاشيته، بقصد التعالي
على الناس، وإظهار العظمة والأبهة. قال الرازي: وليس في القرآن إلا هذا
القدر(١)، يعني أن وصف الزينة كما يذكر بعض المفسرين لا دليل عليه.
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوْنِى قَرُونُ إِنَّهُ
لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ أي فلما خرج في مظاهر الأبهة كان طبيعياً أن يفتتن بعض
(١) تفسير الرازي: ١٧/٢٥

٥٣٥
الجُزءُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٧٩-٨٢
الناس به، وهم السُّنّج والجهال الذين يريدون الحياة الدنيا، ويميلون إلى
زخارفها وزينتها، فتمنوا أن لو كان لهم مثل ما أُعطي، وقالوا: يا ليت لنا
من الأموال والثروات والأوضاع ما لقارون، لنتمتع بها مثله، فإنه ذو نصيب
وافر من الدنيا. وهذه نزعة جِبِّيّة في الإنسان، فهو دائماً يطمع في السعة
)﴾ [العاديات: ٨/١٠٠].
واليسار: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدُ
وفي مقابلة هذا الفريق يوجد فريق آخر هم أهل الحكمة والعلم وبعد
النظر: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَمَنَ وَعَمِلَ
صَلِحَاً وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الضَبِرُونَ ﴾﴾ أي وقال علماء الدين وأهل العلم
النافع: ويلكم أي انزجروا وارتدعوا عن هذه التمنيات والأقوال، فإن جزاء
الله ومثوبته لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون وما
تتمنون، ولكن لا يتلقى الجنة أو المثوبة ولا يوفق لها إلا الصابرون على
الطاعات وعن المعاصي، الراغبون في الدار الآخرة، الراضون بقضاء الله في
كل ما قسم من المنافع والمضار، المترفعون عن محبة الدنيا، وذلك كما جاء في
الحديث الصحيح: ((يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ
رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلَا
١١٧))) [السجدة:
تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٢ / ١٧] .
ثم ذكر تعالى عقاب قارون فقال:
﴿َسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اُلْأَرْضَ﴾ أي بعد أن اختال قارون في زينته وفخره
على قومه وبغيه عليهم، زلزلنا به وبداره الأرض، فابتلعته وغاب فيها جزاء
بطره وعتوه، كما ثبت في صحيح البخاري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول
الله وَ لَه قال: ((بينما رجل يجرُّ إزاره، إذ خَسَف الله به، فهو يتجلجلُ في
الأرض إلى يوم القيامة)) .

٥٣٦
الجزءُ (٢٠) - القَضَص: ٧٩/٢٨-٨٢
﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ أي
ما أغنى عنه ماله ولا حاشيته، ولا دفعوا عنه نقمة الله ونكاله، ولا كان هو في
نفسه منتصراً لها، فأصبح لا ناصر له من نفسه ولا من غيره.
ولا داعي لبيان أسباب الخسف المروية في التفاسير، فإنها كما ذكر الرازي
في أكثر الأمر متعارضة مضطربة، والأولى طرحها، والاكتفاء بما دلَّ عليه
نص القرآن، وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب(١).
وحينئذ ظهرت العبرة للمعتبر، وتبين المفتونون بما قال قارون حقيقة
الأمر:
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اللّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ
لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِزٌ﴾ أي صار الذين رأوه في زينته وتمنوا في الماضي
القريب أن يكونوا مثله يقولون: ألم تر أن الله يمدُّ الرزق لمن يشاء من خلقه
ويضيقه على من يشاء، وليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله
يعطي ويمنع، ويضيق ويوسِّع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة
البالغة، كما جاء في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: ((إن الله قَسَم بينكم
أخلاقَكم كما قَسَم أرزاقَكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا
يعطي الإيمان إلا من يحب)).
﴿لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّ وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ أي لولا
لطف الله بنا، وإحسانه إلينا، لخسف بنا الأرض، كما خسف بقارون؛ لأنا
وددنا أن نكون مثله، وألم تر أن الله لا يحقق الفوز والنجاح للكافرين به،
المكذبين رسله، المنكرين ثواب الله وعقابه في الآخرة، مثل قارون.
(١) تفسير الرازي: ١٨/٢٥

٥٣٧
الدُّعُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٧٩-٨٢
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لقد استبد البغي والغرور والبطر والكبر بقارون، فتعالى على قومه بني
إسرائيل، وأراد إظهار أبهته وعظمته أمامهم، فخرج عليهم في يوم عيد في
موكب مهيب مزدان بمتاع الحياة الدنيا من الثياب والتجمل والدواب.
أَ - انقسم الناس في شأن قارون بعد هذا الاستعراض فريقين: فريق ينبهر
بسطحيات الأمور، فأعجب بهذا المظهر، وتمنى أن يكون مثل قارون في الثروة
والمال والعزة والجاه، وهؤلاء هم الماديون في كل زمان.
وفريق نوَّر الله بصيرته، ولم يغتر بمظاهر الدنيا وزخارفها، وإنما نظر إلى
الحقائق، وأدرك أن الدنيا فانية، وأن السعادة بالفوز في الآخرة، وهؤلاء هم
العلماء المؤمنون العارفون بمصير العالم والإنسان وهم أحبار بني إسرائيل،
فقالوا لأصحابهم الفريق الأول: ويلكم (كلمة زجر) ثواب الله أي الجنة
ونعيمها خير من مال قارون وجاهه، وهي لمن آمن وعمل الأعمال الصالحة،
ولا يؤتى الجنة في الآخرة إلا الصابرون على طاعة الله. ويلاحظ أن الضمير في
قوله: ﴿وَلَا يُلَقَّمُهَا﴾ يراد به الجنة؛ لأنها المعنية بقوله تعالى: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾
٣ - كان عقاب قارون في الدنيا الخسف به وبداره الأرض، فَأَصبح كأن لم
يكن، وله في الآخرة عذاب النار، ولم يكن له في الحالين جماعة ينصرونه
ويمنعونه من عذاب الله، وما كان من المنتصرين الممتنعين من العذاب.
٤ - إن في ذلك لعبرةً للمتأمل، فقد ندم الذين تمنوا أن يكونوا مثله،
وتنبهوا إلى حقيقة الأمر، وتعجبوا من تعجيل العقاب، وأدركوا أن سعة
الرزق ليست دليلاً على رضوان الله، كما أن تقتير الرزق ليس علامة على
سخط الله، وحمدوا الله على فضله ورحمته وعصمته من مثل ما كان عليه قارون
١

٥٣٨
الجُرُ (٢٠) - القصص: ٨٣/٢٨-٨٤
من البغي والبطر وما نزل به من العقاب، وأيقنوا أن لا فلاح ولا فوز عند الله
للكافرین به، المكذبين رسله، الجاحدین نعمته.
٥ - إن عاقبة الكبر والتعالي وخيمة، وإن الاعتزاز بالأموال والأوصاف
نذير سوء، ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب ((العجائب الغريبة)) عن نوفل
ابن مساحق قال: رأيت شاباً في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه، وأتعجب
من طوله وتمامه وجماله، فقال: مالك تنظر إلي؟ فقلت: أتعجب من جمالك
وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال: فما زال ينقص حتى صار بطول
الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه، وذهب به.
وهذا واضح اليوم حين يفترس السرطان جسد الإنسان، فيتآكل عظمه من
الداخل تدريجياً، ويضمر ويصيبه الهزال الشديد، حتى يصبح قَزَماً صغيراً، ثم
يموت.
- ٣ -
محل الجزاء ومقداره والعبرة من قصة قارون
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوًّا فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ
لِلْمُنَّقِينَ ﴿٨ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ
(٨٤
عَمِلُواْ السَِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الإعراب:
﴿ِّكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، و﴿الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾: إما خبر،
فيكون قوله تعالى: ﴿نَجْعَلُهَا﴾ في موضع نصب على الحال أو في موضع رفع
خبر بعد خبر، وإما عطف بيان، فيكون قوله: ﴿نَجْعَلُهَا﴾ خبر المبتدأ.

٥٣٩
الْجُزْعُ (٢٠) - القَضَض: ٨٣/٢٨-٨٤
البلاغة:
﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾
بينهما مقابلة.
﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ وضع الظاهر وهو السيئات موضع
الضمير أي ((عملوها)) تهجيناً لحالهم، بتكرير إسناد السيئة لهم.
المفردات اللغوية:
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ أي الجنة، وتلك: إشارة تعظيم، كأنه قال: تلك
التي سمعت خبرها وبلغك وصفها ﴿عُلُوَّ فِ اُلْأَرْضِ﴾ قهراً وتكبراً وغلبة ﴿ وَلَا
فَسَادًا﴾ ظلماً على الناس، كما أراد فرعون وقارون ﴿وَالْعَقِبَةُ﴾ المصير المحمود
﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾ عقاب الله أو ما لا يرضاه الله، بفعل الطاعات.
{بِالْحَسَنَةِ﴾ الفعلة الطيبة ﴿فَلَمُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ذاتاً وقدراً ووصفاً ﴿وَمَنْ جَآءَ
بِالسَّيِّئَةِ﴾ الفعلة المنكرة الخبيثة ﴿إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي إلا مثل ما كانوا
يعملون، فحذف المثل، وأقام مقامه: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ مبالغة في المماثلة.
المناسبة:
بعد بيان قول أهل العلم: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أبان الله تعالى محل هذا الجزاء
وهو الدار الآخرة، وجعله للمؤمنين المتقين المتواضعين الذين لا يتكبرون على
الناس ولا يفسدون فيهم، بظلمهم وأكل حقوقهم، ثم بيَّن بعدئذ مقدار ذلك
الجزاء الذي يحصل لهم: وهو أن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف،
فأكثر، فضلاً من الله ورحمة، وجزاء السيئة مثلها، لطفاً من الله وعدلاً. وذلك
كله عبرة بقصة قارون المتجبر المتكبر الباغي.
التفسير والبيان:
﴿تِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ تَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ عُوَّا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ أي

٥٤٠
الْجُزْءُ (٢٠) - القضَص: ٨٣/٢٨-٨٤
إن الدار الآخرة ونعيمها الدائم الذي لا يحول ولا يزول، ولا عناء فيه ولا
مشقة، يجعلها ربك لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون ترفعاً على
خلق الله وتعاظماً عليهم وتجبراً بهم بغير حق، ولا فساداً بأخذ أموالهم بغير
حق. ولم يعلق الوعد بالنعيم بترك العلو والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل
القلب إليهما. وقال: ﴿تِلْكَ﴾ على جهة التعظيم للجنة والتفخيم لشأنها، يعني
تلك التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها.
قال علي رضي الله عنه - فيما رواه ابن جرير عنه -: إن الرجل ليعجبه من
شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى:
(تِلْكَ الذَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ الآية. قال ابن كثير: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك
الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي
وَ الله أنه قال:
(«إنه أُوحِيَ إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد
على أحد)) .
وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت - فيما روى
مسلم وأبو داود - أن النبي وَ لّه قال: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال
ذرة من كِبْر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة،
قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكِبْر: بطَرُ الحق، وغَمْط الناس)).
﴿ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ أي والمصير المحمود وهو الجنة لمن اتقى عذاب الله
وخاف عقابه، بعمل الطاعات، وترك المحظورات المحرَّمات، ولم يكن
كفرعون الطاغية الجبار الكافر بالله، ولا كقارون الباغية الفاجر المكذب رسل
الله، الذي يريد الفساد في الأرض والاستعلاء.
ثم بين الله تعالى حال الجزاء على الأعمال فقال: