Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
الُرُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٥٦-٦١
رِزْقًا مِّن لَّدُنَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي إن هذا الاعتذار كذب
وباطل؛ لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين، وحرم آمن معظّم منذ وجد،
فكيف يكون هذا الحرم آمناً لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمناً لهم
إن أسلموا واتبعوا الحق؟
ومن خصائص الحرم المكي: أنه يحمل إليه من سائر الثمار في كل البلدان،
كما تحمل إليه أصناف المتاجر والأمتعة، تفضلاً بالرزق من عند الله، ولكن
أكثرهم جهلة لا يَفْطُنون (١) لما فيه الخير والسعادة، ولا يتفكرون ليعلموا
الأحق بالعبادة، ويقلعوا عن عبادة ما سواه.
◌َ - التذكير بإهلاك الأمم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا
فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُشْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنِ
٥٨
أي ليعلم هؤلاء المعتذرون من أهل مكة عن الإيمان خوفاً من زوال النعم أن
عدم الإيمان هو الذي يزيل النعم، فكثيراً ما أهلك الله من القرى أي أهلها
التي أبت الإيمان، وكفرت، وبغت وطغت وأشرت، وجحدت بأنعم الله
وأرزاقه المغدقة، فأصبحت مساكنهم خاوية على عروشها، لا يسكن فيها أحد
إلا لمدة قليلة، يبيت فيها المارة يوماً أو بعض يوم، وأصبح الوارث هو الله؛
لأنها رجعت خراباً ليس فيها أحد يخلفهم فيها. ويقال للشيء الذي ترك بلا
مالك: إنه ميراث الله؛ لأنه المالك الحقيقي للكون، والباقي بعد فناء خلقه
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ
[النحل: ١١٢/١٦].
وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
ثم أخبر تعالى عن عدله في إنزال العقاب، فقال:
(١) فَطَن للشيء يفطُن بالضم فطنة، وفَطِن - بالكسر - فِطنة أيضاً.

٥٠٢
الجُرُ (٢٠) - القصص: ٥٦/٢٨-٦١
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ أُمِّهَا رَسُولًا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَكِنَّأَ
وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى اُلْقُرَىَ إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ (®﴾ أي وما كانت عادة
ربك وسنته أن يهلك المدن والقرى بأهلها حتى يرسل في أصلها وعاصمتها
وأكبرها رسولاً يبين لهم الآيات الدالة على وجود الله ووحدانيته وأحقيته
بالعبادة، حتى لا يبقى لهم حجة بالجهل ولا عذر بعدم معرفة الحق، فيهلك
من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولا يهلك أهل القرى أو أحداً من خلقه إلا
وهم ظالمون أنفسهم بتكذيب الرسل وجحود الآيات.
وهذا دليل على عدل الله في خلقه، فلا عقاب إلا بعد بيان، ولا إهلاك مع
إيمان، وإنما العقاب والهلاك حال الظلم واجتراح المعاصي، واقتراف
المنكرات والآثام التي أكبرها الشرك بالله تعالى.
وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:
١٥/١٧] .
وفي الآية دليل على أن النبي الأمي وهو محمد بَّر المبعوث من أم القرى
(مكة) رسول إلى جميع القرى من عرب وعجم، كما قال تعالى: ﴿لِنُذِرَ أُمَّ
اَلْقُرَى وَمَنْ حَوْلَا﴾ [الشورى: ٧/٤٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِ
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨/٧] وقال عز وجل ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ،
وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩/٦].
◌َّ - التدين أو الإيمان لا يضيع منافع الدنيا: ﴿وَمَّا أُوِتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ
أي إن الدنيا
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
وما فيها من زينة وزخرف ومتاع فانية حقيرة بالنسبة لما أعده الله لعباده
الصالحين من المنافع والنعم في الدار الآخرة، فكل ما أعطيتم أيها الناس من
أموال وأولاد وزينة وزخارف، فهو مجرد متاع مؤقت وزينة زائلة، لا يجدي
عند الله شيئاً، وهو زائل وزهيد إذا قيس بنعم الآخرة، فنعيم الآخرة باقٍ دائم

٥٠٣
الُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٥٦-٦١
خير في ذاته من متاع الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَذُ وَمَا عِندَ اللَّهِ.
بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦/١٦] وقال سبحانه: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:
١٩٨/٣] وقال عز وجل: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاَ ﴿٨ وَالْآَخِرَةُ خَيِّرٌ وَأَبْقَىَ
﴾ [الأعلى: ١٦/٨٧-١٧] وقال رسول الله وَ ل في الحديث الثابت: ((والله، ما
الحياةُ الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِس أحدُكم أُصبعه في اليمِّ، فلينظر ماذا
یرجع إليه)) !!
أفلا يعقل ويتفكر من يُقدِّم الدنيا على الآخرة، أفلا يتدبر من يؤثر الفاني
على الباقي !! ألا فليفكر الإنسان في اختيار ما هو الخير الدائم له، ويترك الشر
الذي يصيبه بالأذى.
ثم أكَّد الله تعالى ذلك المعنى فقال:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَفِيهِ كَمَنْ مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوِ الذُّنْيَا ثُمَّ هُوَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾﴾ أي فليقارن الإنسان ليعلم ترجيح ما عند الله
وتفضيله على زينة الدنيا، وكيفية المقارنة: أفمن هو مؤمن بكتاب الله مصدق
بوعد الله وثوابه على صالح الأعمال بالجنة وجزيل النعيم، كمن هو كافر
مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياماً قلائل، ثم
يصير أمره يوم القيامة من المعذبين في نار جهنم؟!
فقولهم: إنا تركنا الدين خشية فوات منافع الدنيا خطأ وقول غير سديد؛
لأن الدين لا يفوت تلك المنافع، فهي حقيرة في ميزان الله، وإنما يكون إيثار
الدنيا مفوتاً لمنافع الآخرة، وسبباً أيضاً للعقاب الدائم في الآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستدل بالآيات على ما يلي:
اً - يخص الله تعالى بعض خلقه بخلق الهداية ومعرفة طريق الجنة، ويمنع

٥٠٤
لُ (٢٠) - القَضَصِ: ٥٦/٢٨-٦١
بعضهم منها، ولا يسأل عما يفعل. وليس معنى الهداية والضلال القسر
والإلجاء عليهما فذلك غير جائز شرعاً وعقلاً، وهو قبيح من الله تعالى في حق
الإنسان المكلف بالتكاليف الشرعية.
ولقد بان من سبب النزول الثابت في الصحيحين أن أبا طالب مات على
غير الإيمان، والله أعلم.
◌َ - الله تعالى هو المختص بعلم الغيب، فيعلم من يهتدي بعد ومن لا يهتدي.
◌ّ - قال مشركو مكة للنبي وُّل معتمدين على شبهة واهية وتعلل مرفوض أو
عذر غير واقعي ولا منطقي: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع
الهدى معك، ونؤمن بك، مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا (مكة)
لاجتماعهم على خلافنا، ولا طاقة لنا بهم. قال ابن عباس: قائل ذلك من
قريش الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي.
٤- أجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بأجوبة ثلاثة:
الأول - أنه سبحانه جعل حرم مكة ذا أمن، فكانت العرب في الجاهلية
يغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضاً، وأهل مكة آمنون حيث كانوا
بحرمة الحرم، فقد أمَّنهم بحرمة البيت، ومنع عنهم عدوهم، فلا يخافون أن
تستحل العرب حرمة في قتالهم، فما الذي يمنعهم من الإيمان بعد توافر
الأمان؟!
ومن مزايا الحرم المكي بعد الأمن أنه يجمع إليه ثمرات كل أرض وبلد،
فضلاً ورزقاً من عند الله، ولكن أكثر المكيين لا يعقلون، أي هم غافلون عن
الاستدلال، وأن من رزقهم وأمَّنهم فيما مضى حال كفرهم يرزقهم لو أسلموا
ويمنع الكفار عنهم في إسلامهم.
وخلاصة هذا الجواب: إنه تعالى لما جعل الحرم آمناً، وأكثر فيه الرزق

٥٠٥
الُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٥٦-٦١
حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى، مقبلين على عبادة الأوثان، فلا
حرج في إيمانهم؛ إذ لو آمنوا لكان بقاء هذه الحالة أولى.
فهذا رد أول على تعللهم بترك الإيمان.
الثاني - بعد أن بيَّن تعالى ما خص به أهل مكة من النعم، أتبعه ببيان ما
أنزله على الأمم الماضية بنعم الدنيا بسبب تكذيب الرسل، فإذا وهموا أنه لو
آمنوا لقاتلتهم العرب، فذلك وَهْم باطل؛ لأن الخوف في ترك الإيمان أكثر.
فكم من قوم كفروا، ثم حلّ بهم الدمار، ولما قالوا: إنا لا نؤمن خوفاً من
زوال نعمة الدنيا، بيَّن الله تعالى لهم أن الإصرار على عدم قبول الإيمان هو
الذي يزيل هذه النعم، لا الإقدام على الإيمان. والدليل أنه تعالى أهلك كثيراً
من الأقوام بسبب البطر وهو ألا يُحفظ حق الله تعالى في الغنى، فأصبحت
مساكنهم غير مسكونة بعد إهلاك أهلها إلا قليلاً من السكنى أو سكوناً قليلاً،
فلم يسكنها إلا المسافرون أو المارة بالطريق يوماً أو بعض يوم، وكان الله هو
الوارث لها بعد هلاك أهلها.
ومن المعلوم أنه إذا لم يبق للشيء مالك معين قيل: إنه ميراث الله؛ لأنه
الباقي بعد فناء خلقه.
ثم أوضح الله تعالى سنته في الإهلاك: وهي أنه لم تكن عادة الله أو سنته أن
يهلك القرى الكافرة، حتى يبعث في عاصمتها وأعظمها رسولاً، كما أرسل
إلى أهل مكة محمداً وَله، ثم لم يهلكهم إلا وقد استحقوا الإهلاك لظلمهم
ولإصرارهم على الكفر بعد إعذارهم وإنذارهم. وهذا بيان لعدله وتقدسه عن
الظلم.
والخلاصة: إن إهلاكهم لا يكون إلا بأمرين:
استحقاقهم الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد
الحجة، والإلزام ببعثة الرسل.

٥٠٦
المُرءُ (٢٠) - القَضَص): ٥٦/٢٨-٦١
الثالث - إن قول أهل مكة: تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا خطأ عظيم؛
لأن ما يتمتعون به مدة حياتهم زائل، وما عند الله خير وأبقى، أي أفضل
وأدوم، أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟!
أما إنه خير: فلأن المنافع في الآخرة أعظم، ولأنها خالصة عن الشوائب،
أما منافع الدنيا فمشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر.
وأما إنها أبقى: فلأنها دائمة غير منقطعة، ومنافع الدنيا منقطعة، وإذا قوبل
المتناهي بغير المتناهي كان عدماً، ثم إن نصيب كل واحد من منافع الآخرة إذا
قورن بمنافع الدنيا كلها يعدُّ كالذرة بالقياس إلى البحر.
وهل يعقل التسوية بين الموعود وعداً حسناً وهو الجنة وما فيها من الثواب
والممتع بمتع الدنيا، أي الذي أعطي منها بعض ما أراد، ثم يوم القيامة كان
من المحضرين في النار. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر
على التعميم. وقال الثعلبي: وبالجملة، فإنها نزلت في كل كافر مُتِّع في الدنيا
بالعافية والغنى، وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة
بوعد الله، وله في الآخرة الجنة.
والخلاصة: تترجح منافع الآخرة على منافع الدنيا بأمرين: الدوام
والبقاء، وعدم العقاب، أما منافع الدنيا فهي إلى انقطاع وفناء، ويحصل
بعدها العقاب الدائم إذا لم تقترن بطاعة الله.
هَ - دلَّ قوله سبحانه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ على أن من لا يرجح منافع الآخرة
على منافع الدنيا، كان خارجاً عن حد العقل السليم.
واستدل الشافعي رحمه الله بهذا القول على أن من أوصى بثلث ماله لأعقل
الناس، صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى؛ لأن أعقل الناس
من أعطى القليل، وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى.

٥٠٧
لِزُعُ (٢٠) - القَصَص: ٢٨/ ٦٢-٦٧
تقريع المشركين يوم القيامة بأسئلة ثلاثة
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآِىَ الَّذِينَ كُمْ نَزْعُمُونَ
عَلَيْهِمُ الْقَوَّلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَأْنَا إِلَيْكَّ مَا كَانُواْ إِيَّنَا
وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَّكَّكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْ اْلْعَذَابَّ لَوْ
يَعْبُدُونَ ﴿
أَنَّهُمْ كَانُوْ يَهْتَدُونَ ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
فَعَمِيَتْ
٦٥
عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ
(١) فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
القراءات:
وَقِيلَ
:
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
﴿كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ حذف مفعولا الفعل: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، أي تزعمونهم
شر کائي.
﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآَ﴾ ﴿هَؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و﴿ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ﴾ خبر المبتدأ الثاني،
أي: هؤلاء هم الذين أغوينا.
﴿مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا﴾: إما نافية، وإما مصدرية، أي تبرأنا
إليك من عبادتهم إيانا، والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
﴿ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ استفهام على سبيل التهكم
والسخرية.

٥٠٨
الُ (٢٠) - القَضَص: ٦٢/٢٨-٦٧
﴿أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنًا﴾ تشبيه مرسل.
﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ فيه استعارة تصريحية تبعية، وقلب، وتضمين،
استعير العمى لعدم الاهتداء، فهم لا يهتدون للأنباء، ثم قلب للمبالغة فجعل
الأنباء لا تهتدي إليهم، وأصله: فعموا عن الأنباء، وضُمِّن معنى الخفاء
فعدي بـ (على).
المفردات اللغوية:
٠٠٠٠
ويوم
منصوب بفعل محذوف: اذكر، أو معطوف على: يوم
مُنَادِهِمْ
ين
القيامة في الآية السابقة (٦١). ﴿كُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي الذين كنتم تزعمونهم
شركائي، فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما. ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ وجب
وثبت مقتضى القول وحصل مؤداه، وهو قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ
اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣/٣٢] وغيره من آيات الوعيد، أي ثبت
القول عليهم بدخول النار، وهم رؤساء الضلالة.
﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنًا﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿هَؤُلاءِ﴾
مبتدأ، و﴿ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآَ﴾ أي أضللنا: صفة المبتدأ. و﴿أَغْوَيْنَهُمْ﴾ الخبر،
وكاف ﴿كَمَا﴾ صفة مصدر محذوف تقديره: أغويناهم، فغووا غياً، مثل ما
غوينا، يعنون أنا لم نغو إلا باختيارنا، ولم نكرههم على الغي؛ لأن إغواءنا لهم
لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً، لا قسراً وإلجاء، فلا فرق إذن بين غينا وغيهم،
وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر، والغواية: الضلال. ﴿تَأْنَا إِلَيْكَ﴾
منهم أي من عبادتهم إيانا. ﴿مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، أي ما
كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم.
﴿اَدْعُواْ شُرَّكَّكُمْ﴾ أي الأصنام الذين تزعمون أنهم شركاء لله. ﴿فَلَمْ
يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ أي فلم يجيبوا دعاءهم، لعجزهم عن الإجابة والنصرة. ﴿وَرَأَوْأْ
اَلْعَذَابِ﴾ أبصروه هم. ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ في الدنيا، لما رأوه في الآخرة.

٥٠٩
الُعُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٦٢-٦٧
﴿فَعَمِيَتْ﴾ خفيت. ﴿اَلْأَنْبَآءُ﴾ الأخبار والحجج التي تنجيهم . ﴿يَوْمَبِذٍ﴾
أي يوم القيامة، لم يجدوا خبراً لهم فيه نجاة، أي فصارت الأنباء كالعمى
عليهم لا تهتدي إليهم، وأصله: فعموا عن الأنباء، لكنه عكس مبالغة ودلالة
على أن ما يحضر الذهن إنما يأتي من خارج. ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ لا يسألِ
بعضهم بعضاً عن الجواب لفرط الدهشة.
﴿فَأَمَّا مَن تَابَ﴾ من الشرك. ﴿وَءَامَنَ﴾ صدق بتوحيد الله. ﴿ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾
أدى الفرائض، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح. ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ الناجحين
عند الله، وعسى: تحقيق على عادة الكرام، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع
أن يفلح.
المناسبة:
بعد بيان كون التمتع في الدنيا بزخارفها دون طاعة الله وشكره على نعمه
سبباً في عذاب الكافر يوم القيامة، أبان الله تعالى حالة الإهانة والتقريع
للمشركين أو الكافرين حين يسألهم الله تعالى يوم القيامة ثلاثة أسئلة يحارون في
الجواب عنها، وهي السؤال عن آلهتهم التي عبدوها في الدنيا، وعن دعوتهم
لها، وعما أجابوا به الرسل الذين دعوهم إلى الإيمان بربهم.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة بحيث يناديهم
ويسألهم عن ثلاثة أشياء:
الأول - السؤال عن نصرة الآلهة المزعومة: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ
شُرَّكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ (49) أي واذكر أيها الرسول يوم ينادي الحق
تعالى هؤلاء المشركين، فيقول لهم: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدنيا من
الملائكة والجن والكواكب والأصنام والأنداد والأشخاص، وتزعمون أنهم

٥١٠
الُ (٢٠) - القَضَص: ٦٢/٢٨-٦٧
شركائي، هل يشفعون لكم، وهل ينصرونكم أو ينتصرون؟ والمقصود من
السؤال الإهانة والتحقير، والتقريع والتنديد، فلا جواب لديهم؛ لأنهم عرفوا
يوم القيامة بطلان ما كانوا عليه، وأدركوا صحة التوحيد والنبوة بالضرورة.
ونظير الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَةِ وَرَكْتُمُ مَّا خَوَّلْنَكُمْ
وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَهُمْ فِيَكُمْ شُرَّكَوْاْ لَقَد
[الأنعام: ٦/ ٩٤] .
تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَ عَنكُم ◌َّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
ثم ذكر جواب أئمة الضلال ودعاة الكفر، فقال:
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآَ أَغْوَيْنَهُمْ كَمَا غَوَيْنٌ تَبَأْنَآَ
إِلَيْكَ مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾﴾ أي قال رؤساء الضلال والدعاة إلى
الكفر الذين ثبت عليهم مقتضى القول وتحقق فيهم مؤداه ولزمهم الوعيد،
بقوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ٣٢]
١٣]: ربنا هؤلاء الأتباع الذين آثروا الكفر على الإيمان كان غيهم باختيارهم،
كما أن غينا باختيارنا، فإن إغواءنا وإضلالنا لهم ما ألجأهم إلى الغواية
والضلال قسراً وإكراهاً، بل كانوا مختارين حين أقدموا على تلك العقائد
والأعمال. والمراد أن تبعة غيهم عليهم لا علينا.
ونحن نتبرأ إليك منهم، ومن عقائدهم وأعمالهم، ومما اختاروه من الكفر
والعصيان، وهم في الحقيقة ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم،
ويطيعون شياطينهم، فالمعبودون شهدوا أنهم أغووا الأتباع فاتبعوهم، ثم
تبرؤوا من عبادتهم.
وذلك كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿ وَأُمَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةُ لِيَكُونُواْ
[مريم: ٨١/١٩-
٨٢
لَهُمْ عِزَّا ﴿َ كََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًا
٨٢] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُو إِلَى
يَوْمِ اُلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَفِلُونَ ﴿ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ

٥١١
اِلُعُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٦٢-٦٧
﴾ [الأحقاف: ٥/٤٦-٦] وقال عز وجل: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ اَلَّذِينَ
بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
أُتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
[البقرة: ١٦٦/٢] .
السؤال الثاني - السؤال عن جواب الآلهة لدفع العذاب: ﴿وَقِيلَ أُدْعُواْ
شُرَكََّكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوْ اْلْعَذَابِّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ (®َ﴾ أي
وقيل للمشركين بالله: ادعوا شركاءكم آلهتكم ليخلصوكم مما أنتم فيه كما
كنتم ترجون في الدار الدنيا، فدعوهم لفرط الحيرة والدهشة، فلم يجيبوهم
عجزاً منهم عن الجواب، وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة، ودّوا حين
عاينوا العذاب المحدق لهم لو أنهم كانوا من المهتدين المؤمنين في الدنيا. وعلى
هذا جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، أي ودّوا حين رأوا العذاب لو كانوا في الدنيا
يهتدون.
ونظير الآية: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ
يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْهُمْ قَوْبِقًا ﴿ وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظُنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا
وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾﴾[
﴾ [الكهف: ٥٢/١٨-٥٣].
والقصد من هذا السؤال التوبيخ والتقريع وكشفهم أمام الناس، بدعائهم
من لا نفع له ولا فائدة ترتجى منه، فهم لو دعوهم لم يوجد منهم إجابة في
النصرة، وأن العذاب مقرر لهم ثابت عليهم. وفي ذلك ردع وزجر عن الشرك
وخرافاته في الدنيا.
السؤال الثالث - السؤال عن التوحيد وإجابة الأنبياء: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِهِمْ
فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (9)﴾؟ أي واذكر يوم ينادي الله تعالى المشركين
لمعرفة جوابهم للمرسلين إليهم، وكيف كان حالهم معهم، وعن التوحيد الذي
دعوا إليه، وهذا كما يُسأل العبد في قبره: من ربُّك، ومن نبيُّك، وما دينك؟
فأما المؤمن فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأما الكافر

٥١٢
الُزُ (٢٠) - القَضَص: ٦٢/٢٨-٦٧
فيقول: هاه هاه لا أدري، فلا جواب له يوم القيامة غير السكوت. وفي هذا
إثبات النبوات، وإعلان التوحيد، والبراءة عن الآلهة المزعومة من أصنام
وغيرها.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ (49) أي فخفيت عليهم
الحجج، وعموا عن أوجه الدفاع عن أنفسهم يوم القيامة، ولم يجدوا بداً من
السكوت، ولا يسأل بعضهم بعضاً كما يسأل الناس في المشكلات، لما
اعتراهم من الدهشة والذهول، ولتساوي الناس جميعاً في عمى الأنباء عنهم
والعجز عن الجواب، حتى الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ
الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ
١٠٩
[المائدة: ١٠٩/٥] فما ظنك بهؤلاء الضُّلال؟! وسميت حججهم أنباء (أخباراً)
لأنها أخبار يخبرونها.
وبعد بيان الصورة القاتمة لحال هؤلاء المشركين وتوبيخهم، ذكر الله تعالى
حال التائبين ترغيباً في التوبة والبراءة عن الكفر، فقال:
﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٣)﴾ أي
فأما الذين تابوا من المشركين، وصدقوا بالله وتوحيده، وأخلصوا العبادة له،
وآمنوا بنبيه محمد رَّه، وعملوا الأعمال الصالحة في الدنيا من فرائض
وغيرها، فهم ناجون فائزون برضوان الله ونعيمه في الجنة يوم القيامة. وعسى
من الله على سبيل التحقق، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة، وأما من
العبد فتوقع وترج أن يفلح ويفوز بما طلب.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات تنبيهاً وإنذاراً مسبقاً، وتوبيخاً، وزجراً عن الكفر، كي
يتدارك الإنسان أمره في الدنيا، كيلا يفاجأ بالمصير المشؤوم يوم القيامة.

٥١٣
الجُرُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٦٢-٦٧
وفيها تفنيد لمزاعم الكفار في شفاعة الآلهة المختلقة، ونصرتها لعابديها في
عالم الحساب في الآخرة.
ففي التساؤل الأول تتدد الآمال، وتزول الرجاءات، وتنقطع الأطماع،
فلا يجد العابدون فائدة في نصرة الشركاء وشفاعتهم لهم، ويتبرأ بعضهم من
بعض، فالشياطين يتبرؤون ممن أطاعهم، والرؤساء يتبرؤون ممن قبل منهم،
وتقع الكارثة، ويبهت المجرمون الكافرون، كما قال تعالى: ﴿اَلْأَخِلَّاءُ يَوْمَيِدِم
◌ِ﴾ [الزخرف: ٦٧/٤٣].
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
وفي التساؤل الثاني تشتد الحيرة وتسيطر الدهشة، فيستغيث الكفار بآلهتهم
التي عبدوها في الدنيا لتنصرهم وتدفع عنهم عذاب يوم القيامة، فلا يجدون
جواباً لاستغاثتهم، ولا صدى لدعائهم، ولا ينتفعون أصلاً بهم، ووُّوا حين
رأوا العذاب محدقاً بهم لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا إلى الإيمان بالله تعالى
والعمل بكتابه وبما جاء به رسوله.
وفي التساؤل الثالث وهو الأمر الحاسم يطلب منهم الجواب عما أجابوا به
رسل الله وأنبياءه الكرام لما بلغوهم رسالات ربهم، ولكنهم يسكتون بسبب
الحيرة والهول واستيلاء الدهشة عن الجواب، وتخفى عليهم الحجج، فلا
يجدون حجة لهم يوم القيامة، ولا يتمكنون من سؤال بعضهم بعضاً عن
الحجج؛ لأن الله تعالى أدحض حججهم، وأخرس ألسنتهم، إذ كل ما
يقولونه باطل محض لا خير فيه. وفي هذا إثبات التوحيد والنبوة.
وأمام هذه الصورة الكئيبة والحالة المفجعة، فتح الله أمام أولئك المشركين
الكفار باب الأمل بالفوز والفلاح وإحراز السعادة، وهو باب التوبة،
وطريق أهل الحق والإيمان، وحكم سبحانه أنه بالرغم من سوء حال المشركين
الماضية في الدنيا لو تابوا من الشرك، وصدقوا بالله وكتبه ورسله واليوم
الآخر، وعملوا الصالحات بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، لكانوا

٥١٤
لالٌرَءُ (٢٠) - القَضَص: ٦٨/٢٨ -٧٠
بالتأكيد من جانب الله من الفائزين بالسعادة، فإن ((عسى)) من الله واجبة،
ومن جانبهم على طريق الأمل والرجاء وتوقع النجاة والفوز.
وفي هذا ترغيب في التوبة والتخلص من ظلمة الكفر، وضلال الشرك،
وإعمال الفكر في طريق العودة إلى الله إيماناً بوجوده ووحدانيته، وتصديقاً
بالكتب والرسل والبعث، ومبادرة إلى القيام بالتكاليف الإلهية.
صاحب الحق المطلق
في الاختيار المستحق للحمد والعبادة
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللَّهِ
ج
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ وَرَبِّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
وَهُوَ اَللَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ اْأُوْلَى وَالْآَخِرَةِّ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ
٧٠
تُرْجَعُونَ
الإعراب:
ج
﴿مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾: ﴿مَا﴾ الأولى: اسم
موصول بمعنى الذي، في موضع نصب مفعول به لـ ﴿يَخْلُقُ﴾. و﴿مَا﴾ الثانية:
نافية لا موضع لها من الإعراب.
البلاغة:
﴿ثُكِنُّ﴾ و﴿يُعْلِنُونَ﴾ ﴿الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ بين كلٍّ طباق.
المفردات اللغوية:
، ج
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ فيه إثبات حرية الخلق والاختيار لله عز
وجل، دون موجب عليه ولا مانع له. ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ فيه نفي

٥١٥
الُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٦٨-٧٠
الاختيار عن المشركين وغيرهم، والخِيَرة: هي الاختيار باصطفاء بعض
الأشياء وترك بعض ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ﴾ تنزيهاً لله أن ينازعه أحد في اختياره. ﴿تُكِنُّ
صُدُورُهُمْ﴾ تخفي أو تسرُّ قلوبهم من الكفر وعداوة الرسول بَّه والحقد عليه
وغير ذلك. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون بألسنتهم من الطعن في الرسول وَّد
وغيره. ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ المستحق للعبادة. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوْ﴾ لا أحد يستحقها إلا
هو . ﴿فِي الْأُولَى﴾ الدنيا. ﴿ وَاُلْآَخِرَةِ﴾ الجنة. ﴿وَلَهُ اُلْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ في
كل شيء دون مشاركة أحد . ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور.
المناسبة:
بعد توبيخ المشركين على اتخاذ الشركاء ودعوتهم للشفاعة والنصرة، أبان
الله تعالى أنه هو صاحب الاختيار المطلق في تعيين الشفعاء، لا المشركون،
وكذا في اصطفاء بعض المخلوقات للرسالة والنبوة وتمييزهم عن غيرهم، فكان
اختيار المشركين جهلاً وغباءً وضلالاً. وسبب كون الاختيار لله: أنه العالم
بالخفايا والظواهر، وأنه لإنعامه المستحق للعبادة، فلا يستحقها إلا هو، وأنه
صاحب القضاء النافذ في كل شيء، وأن إليه المرجع والمآب للسؤال
والحساب.
التفسير والبيان:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللّهِ
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي أنه تعالى يخبر أنه المنفرد بالخلق والاختيار
دون منازع ولا معقب، والمعنى: ربك يا محمد وكل سامع صاحب الحق
المطلق في خلق ما يشاء، واختيار ما يريد، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن،
والأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، يختار أقواماً لأداء الرسالة،
ويصطفي من الملائكة والناس رسلاً لأداء المهمة، ويمنح الحق في الشفاعة لمن
يريد، يميز بعض مخلوقاته على بعض.

٥١٦
الزُعُ (٢٠) - القَضَض: ٦٨/٢٨-٧٠
وليس للمشركين ولا لغيرهم أن يختاروا شيئاً، فيقولوا مثلاً: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا
[الزخرف: ٣١/٤٣] أي إما
نُزِّلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ (
على الوليد بن المغيرة أو على عروة بن مسعود الثقفي شيخ الطائف. فقوله
تعالى: ﴿مَا كَانَ﴾ نافية على الصحيح كما نقل ابن عباس وغيره، ولأن
المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في
ذلك، ولهذا نزَّه تعالى نفسه في منازعة أحد في سلطانه، فقال: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ
وَنَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزيهاً لله وتقديساً وتعالياً عن إشراك المشركين،
وعن أن ينازعه أحد في اختياره وخلقه من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا
تختار شيئاً.
والمقصود أن يعلم أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال مفوض إلى الله
تعالى، ليس لأحد فيه شركة ومنازعة.
ثم بيَّن الله تعالى كون اختياره مبنياً على علم ثابت صحيح فقال:
﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾﴾ أي وربك أيها العبد
المخلوق يعلم ما تخفيه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم وسرائرهم من
الکید لرسول الله آل﴾ وعداوته، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق،
كما قال: ﴿سَوَآءٌ مِّنكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ
[الرعد: ٣١٠/١٣
وَسَارِبٌ بِالنَّارِ
وهذا العلم الشامل المطلق صادر ممن له خصائص الألوهية وكونه الإله
الفرد الصمد، فقال:
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ أي هو المنفرد بالألوهية، فلا معبود سواه،
كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار غيره، فهو العليم بكل شيء القادر على كل
شيء.

٥١٧
الُرُ (٢٠) - القصص): ٢٨/ ٦٨-٧٠
وفيه تنبيه على كونه قادراً على كل الممكنات، عالماً بكل المعلومات، منزهاً
عن النقائص والآفات، لذا كان هو المستحق للحمد والشكر كما قال:
﴿لَهُ اٌلْحَمْدُ فِى الْأُولَى وَالْآَخِرَةَّ﴾ أي إنه تعالى وحده المستحق للحمد
والشكر، والعبادة، المحمود في جميع ما يفعله في الدنيا والآخرة؛ لأنه بعدله
وحكمته يمنح النعم ويفيض الخير على مخلوقاته.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي وهو تعالى له القضاء النافذ في كل شيء،
فلا معقِّب لحكمه، وهو القاهر فوق عباده، الرحيم اللطيف الخبير، وإليه
ترجع جميع الخلائق يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير أو شر، ولا
يخفى عليه منهم خافية في الأرض ولا في السماء.
وفيه نهاية الزجر والردع للعصاة، ونهاية تقوية القلب للمطيعين، فلا يخل
بميزان العدل، يجازي المحسنين على طاعتهم، ويعاقب العصاة على عصيانهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي
اً - الاختيار إلى الله تعالى في الشفعاء، لا إلى المشركين.
أَ - الخلق أو الاختيار لله تعالى في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها،
فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا
قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمٌ﴾ [الأحزاب: ٣٦/٣٣].
روى الترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه: ((أن النبي و لو كان إذا أراد أمراً
قال: اللهم خِرْ لي واختر لي)) وروى ابن السني مرفوعاً عن أنس أن النبي وَل
قال له: ((يا أنس، إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى ما
يسبق قلبك، فإن الخير فيه)).

٥١٨
الجُرُ (٢٠) - القصص: ٦٨/٢٨-٧٠
ومن هنا شرعت صلاة الاستخارة، بأن يتوضأ ويصلي ركعتين يقرأ في
الأولى بعد الفاتحة (الكافرون) وفي الثانية (الإخلاص). وروى البخاري في
صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: ((كان النبي ◌َّ يعلِّمنا الاستخارة في
الأمور كلِّها، كما يعلِّمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر،
فليركع ركعتين غير الفريضة، ثم ليقل:
اللهم إني أستخيرك بعِلْمك، وأستقدِرُك بقدرتك، وأسألك من فضلك
العظيم، فإنك تقدِرُ ولا أقدر، وتعلمُ ولا أعلمُ، وأنت علام الغيوب، اللهم
إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري،
فاقدُرْه لي ويسّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شرِّلي
في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدُر لي
الخير حيث كان، ثم رضني به)) قال: ويسمي حاجته. قال العلماء: وينبغي له
أن يفرِّغ قلبه من جميع الخواطر، حتى لا يكون مائلاً إلى أمر من الأمور، فعند
ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه، فإن الخير فيه إن شاء الله، فإن وجد
انشراحاً وسروراً وارتياحاً فالأمر خير، وإن وجد انقباضاً وضيقاً، فالأمر
شر.
٣ - إن اختيار الملائكة والرسل لأداء الرسالة إلى الله، فهو يصطفي منهم
ما يشاء على وفق الحكمة والمصلحة والعلم الشامل، وليس ذلك لأحد من
الناس، كما تبادر إلى بعض المشركين أن تكون الرسالة لأحد زعيمين قويين في
المال والأولاد والسلطة والنفوذ: إما الوليد بن المغيرة، وإما عروة بن
مسعود، كما تقدم بيانه.
◌َ - تقدس وتمجد الله عن إشراك المشركين.
٥ - الله تعالى عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليه شيء.
٩ - الله جل جلاله هو المنفرد بالألوهية والوحدانية، وجميع المحامد له،
ولا حكم إلا إليه، وإليه المرجع والمصير.
!

٥١٩
الُرُ (٢٠) - القَصَص: ٢٨/ ٧١-٧٥
أدلة العظمة والسلطان الإلهي
وتأكيد تقريع المشركين
﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَتْلَ سَرْهَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ
يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ
النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُنَ
فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴿ وَمِن زَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَاَلنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ
وَلِتَبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ
الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ ﴿٨) وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ
Vo
بُرْهَنَكُمْ فَعَلِمُوْاْ أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
القراءات:
بِضِيَاءٍ﴾ :
وقرأ قنبل (بضئاء).
الإعراب:
﴿لِتَسَكُواْ فِيهِ﴾ أي في الليل، ولم يقل: لتسكنوا فيهما؛ لأن السكون إنما
يكون بالليل لا بالنهار، وقوله: ﴿وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ أي في النهار؛ لأن
الابتغاء للرزق إنما يكون بالنهار في العرف والعادة.
البلاغة:
﴿مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ وكذا﴿ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلِ﴾ ؟ استفهام
للتبکیت والتوبيخ.

٥٢٠
الجزءُ (٢٠) - القَضَص: ٧١/٢٨-٧٥
﴿وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسَكُواْ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾
لف ونشر مرتب، ذكر الليل والنهار، ثم أعاد السكن إلى الليل، وابتغاء
الرزق إلى النهار بالترتيب.
المفردات اللغوية:
﴿قُلْ﴾ لأهل مكة وغيرهم. ﴿أَرَيْتُمْ﴾ أخبروني. ﴿سَرْمَدًا﴾ دائماً متصلاً
متتابعاً. (بِضِيَاءٍ﴾ نهار تطلبون فيه المعيشة. ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ذلك سماع
تدبر وتفهم واستبصار، فترجعوا عن الإشراك. ﴿تَسْكُنُونَ فِيَةٍ﴾ تستقرون
وتستريحون فيه من متاعب الأشغال . ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ما أنتم عليه من الخطأ
والإشراك، فترجعوا عنه. وقدم السمع لأن استفادة العقل من السمع أكثر من
استفادته من البصر.
﴿لِتَسْكُواْ فِيهِ﴾ في الليل. ﴿ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ لتطلبوا الرزق من فضل
الله في النهار بأنواع المكاسب . ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ اذكر يوم. ﴿أَيْنَ شُرَكَاءِىَ﴾
تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به؛ أو
إن الأول لتقرير فساد آرائهم، والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند أو دليل، وإنما
كان محض تَشَه وهوى. ﴿ وَنَزَعْنَا﴾ أخرجنا. ﴿شَهِيدًا﴾ هو نبيهم يشهد
عليهم بما كانوا عليه . ﴿فَقُلْنَا﴾ للأمم. ﴿هَاتُواْ بُرُهَنَكُمْ﴾ على صحة ما قلتم
من الإشراك وما كنتم تدينون به . ﴿فَعَلِّمُواْ﴾ حينئذ. ﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي في
الألوهية، لا يشاركه فيها أحد . ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غاب عنهم غيبة الضائع، أو
تاه. ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا من الباطل وهو أن معه شريكاً آخر،
تعالى عن ذلك.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أنه الخالق المختار، وسفَّه آراء المشركين في عبادتهم غير