Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ لُ (٢٠) - القَضَص: ٤٤/٢٨-٤٧ ولكن علمناك وأخبرناك وأنزلنا عليك القرآن المتضمن تلك الأخبار وغيرها، وأرسلناك رحمة مهداة منه بك وبالعباد المرسل إليهم، لتنذر قوماً هم العرب لم ينذروا قبل، بأس الله وعذابه إن لم يؤمنوا به، وظلوا على وثنيتهم وضلالهم، لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله عز وجل، فيصيروا من أهل السعادة. والثابت تاريخياً أنه لم يأت إلى العرب رسول بعد إسماعيل عليه السلام، وأما رسالة موسى وعيسى فكانت خاصة ببني إسرائيل فقط. ثم صرح الله تعالى بسبب إرسال النبي محمد وَ﴿ فقال: ﴿ وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم ◌ُصِيبَةٌ بِمَا قَدَمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَِّعَ ءَايَئِكَ وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (4) أي ولولا قول الناس ومنهم العرب إذا أصابتهم مصيبة العذاب على كفرهم: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولاً يبين لنا صحة الاعتقاد أو التوحيد، ونظامك الشرعي للحياة، فنؤمن بك رباً واحداً، ونعمل بشريعتك، ما أرسلناك للناس رسولاً، ولكنا بعثناك رسولاً نذيراً تقيم عليهم الحجة، وتبلغهم رسالة ربهم في العقيدة والأخلاق ودستور الحياة، وتقطع عذرهم وتبطل حجتهم بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ ١٣٥﴾ [النساء: ١٦٥/٤] وقال سبحانه: ﴿أَن تَقُولُوَأْ إِنَّمَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا أَنْزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ (®) أَوْ تَقُولُواْ لَوَّ أَنَّآ أُنْزِلَ عَلَيَّنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّنِ رَّبِّكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٦/٦ - ١٥٧]. وهذا كله من رحمة الله بعباده ألا يعذب إنساناً إلا بعد بيان، ولا يعاقب إلا بعد تكليف وإرسال رسول. ٤٨٢ الجزءُ (٢٠) - القَضَص: ٤٤/٢٨-٤٧ فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات موضوعين: الأول - إقامة بعض الأدلة على كون القرآن موحى به من عند الله وعلى صحة نبوة النبي محمد رَله: وهي الإخبار عن أحوال الأنبياء المتقدمين وقصصهم مع أقوامهم. وخص بالذكر قصتين: هما أولاً - مناجاة الله موسى وتكليمه في جبل الطور في المكان الغربي من موقف موسى في الوادي المقدس طوى، حيث بعثه رسولاً، وأنزل عليه ألواح التوراة، وثانياً - قصة شعيب مع قومه أهل مدین. ولولا الإخبار القرآني بذلك، ما علم بالخبر محمد ولم وقومه العرب ومنهم أهل مكة، وإنما فعل تعالى ذلك رحمة منه برسوله وَل وبعباده، لينذرهم بها، وينذر العرب الذين لم يشاهدوا تلك الأخبار. الثاني - بيان الحكمة من إرسال النبي محمد رَّليه بل وكل الرسل: وهي تبليغ شريعة الله ووحيه، وتصحيح العقيدة، وإعلان كلمة التوحيد، حتى لا يبقى لهم عذر بالجهل بالأحكام أو الاعتقاد بعد بلوغ خبر الرسل لهم، وإكمال البيان، وقد حكم الله بأنه لا يعاقب عبداً إلا بعد إكمال البيان وإقامة الحجة وبعثة الرسل. وهذا يدل على مبلغ الحاجة الداعية إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية. ٤٨٣ الزرعُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٤٨-٥١ صَلى الله وَسَة تكذيب أهل مكة بالقرآن وبرسالة النبي ﴿فَمَّا جَاءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنِدِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوَِ مِثْلَ مَآ أُوْنِى مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوْنِىَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ ٤٨ قُلْ فَأَنُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَنَّعُهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ٤٩ فَإِن لَّ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَبِعُونَ أَهْوَاءَ هُمَّ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ أُتََّعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وَلَقَدْ ٥٠ ٥١ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ القراءات: ﴿ سِحْرَانِ﴾: قرئ: ١- (سحران) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي. ٢- (ساحران) وهي قراءة الباقين. البلاغة: ﴿لَوْلَا أُوِى مِثْلَ مَّا أُوْنِى مُوسَىَّ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ هنا: أي هلا للتحضيض، لا لامتناع الوجود. ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ﴾ يراد بالأمر هنا التعجيز. المفردات اللغوية: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي الأمر الحق وهو القرآن المنزل على محمد الرسول المؤيد بالمعجزات . ﴿لَوْلَا أُوتِ﴾ هلا. ﴿مِثْلَ مَا أُوتِى مُوسَىَّ﴾ من الآيات كاليد البيضاء والعصا وغيرهما والكتاب جملة واحدة . ﴿أَوَلَمْ ٤٨٤ لُحُ (٢٠) - القضَص: ٤٨/٢٨-٥١ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ﴾ أي أولم يكفر أمثالهم من بني جنسهم في الرأي والمذهب، وهم كفرة زمان موسى، وكان فرعون عربياً من أبناء عاد. ﴿قَالُواْ سِحْرَانٍ﴾ أي القرآن والتوراة، وقرئ: ساحران، أي موسى وهارون أو موسى ومحمد. ﴿تَظَهَرَا﴾ تعاونا وتناصرا. ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلِّ﴾ أي من النبيين والكتابين. ﴿كَفِرُونَ﴾ جاحدون. ﴿هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ من الكتابين، وهو يؤيد أن المراد بالساحرين: موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿صَدِقِينَ﴾ في قولكم: إنا ساحران مختلفان، ويراد بذلك الإلزام والتبكيت . ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي لدعائك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى، فحذف المفعول للعلم به، ولأن فعل الاستجابة يعدّى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي، فإذا عدّي إليه حذف الدعاء غالباً، والمراد: فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به. ﴿ يَشَّعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ في كفرهم، إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها . ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَئُهُ﴾ استفهام بمعنى النفي. ﴿بِغَيْرِ هُدَى مِّنَ اللَّهِ﴾ في موضع الحال للتأكيد، أو التقييد، فإن هوى النفس قد يوافق الحق. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى . ﴿ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي أتبعنا بعضه بعضاً في الإنزال ليتصل التذكير، فنزل القرآن منجماً مفرقاً يتصل بعضه ببعض، ويتبع نزول الكتب المتقدمة. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون فيؤمنوا ويطيعوا. المناسبة: بعد أن حكى الله تعالى عن كفار مكة وغيرهم أنهم عند الخوف من المصيبة قالوا: هلا أرسلت إلينا رسولاً، فنّبع آياتك، بيَّن أنه بعد إرسال الرسول محمد وَلّل إلى أهل مكة قالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من قبل، فكفروا وكذبوا بالقرآن وبرسالة محمد، وتعلقوا بشبهة قبل البعثة وبعد البعثة، مما ٤٨٥ الُعُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٤٨-٥١ يدل على أنه لا قصد لهم سوى الزيغ والعناد، لذا طلبوا معجزات مادية كمعجزات موسى كاليد والعصا، وقد كفر أمثالهم المعاندون قبلهم بما جاء به موسى من المعجزات، ووصفوه بالسحر، فإن استطاعوا الإتيان بكتاب آخر غير كتابي موسى ومحمد، فليأتوا به، وما أنزل القرآن منجماً إلا لتجديد الذكرى والعبرة. التفسير والبيان: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوِىَ مِثْلَ مَآ أُوْنِى مُوسَىَّ﴾ أي حينما جاء الحق من عند الله وهو القرآن المنزل على رسول الله، قال أهل مكة الذين لم يأتهم رسول من قبل، على وجه التعنت والعناد والتمادي في الكفر والجهل والضلال: هلا أوتي محمد مثلما أوتي موسى قبله من المعجزات والآيات الكثيرة مثل العصا واليد وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى وانفجار الماء من الحجر، ونحو ذلك من الآيات الباهرة التي أجراها الله على يدي موسى حجةً وبرهاناً له على فرعون وقومه وبني إسرائيل. ولكن هذا مجرد عناد ومكابرة وتهرب من الإيمان: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوْنِىَ مُوسَى مِن قَبْلُ﴾ أي أولم يكفر أمثالهم من البشر المعاندين بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة، وهم الذين كفروا في زمان موسى بما جاء به، فهذا شأن المكابرين المعاندين دائماً. ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلِّ كَفِرُونَ﴾ أي قال هؤلاء القوم المشركون في مكة: القرآن والتوراة سحران، ومحمد وموسی ساحران، تعاونا على التدجيل والتضليل، وصدَّق كلٌ منهما الآخر، وإنا بكلِّ منهما كافرون، لا نصدق بما جاءا به. فتحداهم الله بأن يأتوا بكتاب آخر أهدى للبشر: ٤٨٦ الُزُرُ (٢٠) - القَضَض: ٤٨/٢٨-٥١ ﴿قُلْ فَأَتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعُهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٤) أي قل يا محمد لقومك: ائتوا بكتاب آخر من عند الله أصلح لهداية البشر من التوراة والقرآن، وأكثر نفعاً وهداية، لكي أتبعه مع غيري، إن كنتم صادقين فيما تقولون أو تدّعون، وتدافعون به الحق، وتعارضون به من الباطل. وهذا تنبيه على عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن. ﴿فَإِ لَّمْ يَسْتَجِيبُوْ لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَشَّعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق، ولم يفعلوا ما كلفتهم به من الإيمان بالقرآن وبرسالتك، فاعلم أنهم في عقائدهم الباطلة يتبعون أهواءهم بلا دليل ولا حجة، فهم جماعة أهواء. ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ هَوَئِهُ بِغَيْرِ هُدَى﴾ أي وليس هناك أشد ضلالاً عن طريق الهدى والرشاد ممن سار مع هواه، وانقاد لشهواته بغير حجة مأخوذة من كتاب الله، ولم يقم له دليل صائب عن الله، وهذا دليل على بطلان أو فساد التقليد في العقائد، وأنه لابدّ من الحجة والاستدلال. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي إن الله لا يوفق للحق والرشاد الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والعصيان، وتكذيب الرسل، واتّباع الأهواء. وهذا عام يتناول كل كافر. وأما حكمة إنزال القرآن منجماً فهي : وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴾﴾ أي ولقد أتبعنا بعض القرآن بعضاً في النزول لقريش، حسبما تقتضي الحكمة، وتدل عليه المصلحة، ويلائم كل عصر وأوان، لعلهم وأمثالهم من البشر يتعظون ويتنبهون إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، فيؤمنوا بالقرآن وبمن أنزله وبمن أُنزل عليه، وهو مصدِّقٌ لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه. ٤٨٧ الُ (٢٠) - القضَص: ٢٨/ ٤٨-٥١ فقه الحياة أو الأحكام: يستفاد من الآيات ما يأتي: اً - إن خطة الكفار واحدة في كل زمان، دأبهم المكابرة والعناد والإنكار، وطلب المعجزات المادية والمحسوسة، فإنه بالرغم من حدوثها لن يؤمنوا؛ لأن المكذب بمعجزة واحدة مكذب بكل المعجزات. وإذا نزل على محمد ◌َّي مثل معجزات موسى عليه السلام كانقلاب العصا حية، واليد البيضاء، وفلق البحر، وتظليل الغمام، وانفجار الحجر بالماء، وإنزال المنّ والسلوى، وكتابة الألواح في التوراة، وتكليم الله له، وإنزال القرآن جملة واحدة كالتوراة، إذا نزل مثل ذلك فهم معتصمون بالكفر مقيمون علیه. أَ - إن حجة الكفار في تكذيب كتب الله ورسله واحدة أيضاً، وهي الاتهام بأن تلك الكتب سحر مختلق، وأولئك الرسل سحرة مبطلون، بل إنهم متواطئون على السحر والتدجيل، كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً. ٣ - إن اليهود علّموا المشركين أن يقولوا لمحمد وَليل: لولا أُوتيت مثل ما أُوتي موسى. فإنه أُوتي التوراة دفعة واحدة: وهؤلاء اليهود الذين توارثوا الكفر هم الذين كفروا بما جاء به موسى من قبل، فقالوا في موسى وهارون: هما ساحران، فقلدهم كفار قريش وقالوا عن موسى ومحمد مثل ذلك القول، واتفق الفريقان على الكفر بكلِّ من التوراة والإنجيل والقرآن، وعلى الكفر بموسى وعيسى ومحمد على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. ٤- يقابل التحدي والعناد بتحدٍّ أشد منه، فإذا كفرتم معاشر اليهود والمشركين بكتب الله المنزلة على رسله، فأحضروا كتاباً أهدى منها يتبعه ٤٨٨ الجزء (٢٠) - القصص: ٤٨/٢٨-٥١ الناس، ليكون ذلك عذراً لكم في الكفر، ومسوغاً لما أنتم عليه، إن كنتم صادقين في أن تلك الكتب سحر مفترى، وقد مهر اليهود والعرب بالسحر. ٥- إذا لم يؤمن الناس بهذا القرآن ولم يأتوا بكتاب من عند الله، فهم أهل ضلال وأهواء، يتبعون ما تملي عليهم شهواتهم وآراؤهم الخاصة وشياطينهم، دون حجة لهم ولا دليل. ٩- لا أحد أضل ممن سار مع هواه، فهو ظالم، والله لا يوفق الظالمين للخير، وهداية الله تعالى خاصة بالمؤمنين. لاً- لقد تتابع إنزال الكتب من عند الله، وإرسال الرسل، وأخبار الأنبياء بعضها ببعض، كتاباً بعد كتاب، ورسولاً بعد رسول، وخبراً بعد خبر، وتتابع أيضاً نزول القرآن منجماً مقسطاً بحسب الوقائع والمناسبات، وعلى وفق الحكمة والمصلحة، ليستمر صوت التذكير والتنبيه، وتتجدد الدعوة إلى الإيمان حالاً بعد حال، وزماناً إثر زمان. ثم خلد الله صوت الحق الإلهي بهذا القرآن، وجعله ذكرى متجددة دائمة للأجيال، بما تكفل له من الصون والحفظ عن التغيير والتبديل، والتحريف والتصحيف، وبما اشتمل عليه من التنوع في الأسلوب والخطاب وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ونصائح ومواعظ، إرادة أن يتذكر الناس به فيؤمنوا به ويعملوا بموجبه، فيفلحوا، ويقلعوا عن اتباع الأديان الباطلة المنسوخة، وعن الأهواء والشهوات البائدة الفارغة، والوثنية البدائية المنافية لكرامة الإنسان، والمصادمة للعقل البشري السوي. ٨- لا يقبل التقليد في العقائد، وإنما لابدّ من غرس العقيدة بالحجة والبرهان. 4- نبه القرآن بتحدي العرب وغيرهم الإتيان بمثله على عجز محاكاته علی ٤٨٩ الجزءُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨/ ٥٢-٥٥ الدوام، وأنه كتاب موحى به من عند الله تعالى، فهو حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُ عَزِيزٌ (@) لَّا يَأْنِهِ اٌلْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤) ﴾ [فصلت: ٤١ /٤١ - ٤٢] . ٠ ١ - تنطق الآيات جملةً وتفصيلاً بالدلالة على نبوة النبي محمد إيمان طوائف من أهل الكتاب بالقرآن ، وَإِذَا يُثْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا Of ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ◌ِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن زَيِّنَا إِنَّا كُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَتِكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنٍ بِمَا صَبَّرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّبِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَا أَعْمَنُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ ٥٥ المفردات اللغوية: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أي قبل القرآن. بدليل قوله الآتي: ﴿وَإِذَا يُنْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِهِ﴾ أي صدقنا بأنه كلام الله تعالى. ﴿مُسْلِمِينَ﴾ منقادين خاضعين لله تعالى. يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ بإيمانهم بالكتابين: كتابهم والقرآن. ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ بصبرهم على العمل بهما . ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ يدفعون. ﴿ِالْحَسَنَةِ السَّبِّئَةَ﴾ أي بالطاعة المعصية، لقوله * فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذرّ: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها)). ﴿يُنفِقُونَ﴾ يتصدقون. ﴿اَللَّغْوَ﴾ هو الساقط من القول، والمقصود به هنا الشتم والأذى من الكفار. ﴿أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ تكرماً. ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ سلام متاركة لهم وتوديع أو دعاء لهم بالسلامة عما هم فيه . ﴿لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ﴾ لا نطلب صحبتهم ولا نريدها، ولا نريد أن نكون من أهل السفه والجهل، فنعاملكم بالمثل. ٤٩٠ الزعُ (٢٠) - القصص: ٥٢/٢٨-٥٥ سبب النزول: نزول الآية (٥٢): ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾: أخرج ابن جرير عن علي بن رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب، منهم رفاعة - يعني أباه - إلى النبي ◌ََّ، فآمنوا فأوذوا، فنزلت: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ﴾. وأخرج أيضاً عن قتادة قال: كنا نتحدث أنها نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على الحق، حتى بعث الله محمداً وَّرَ، فآمنوا به، منهم سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام. وقال سعيد بن جُبَيْر: نزلت هذه الآية في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي ◌َّ قرأ عليهم: ﴿يَسّ ( وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ حتى ختمها، فجعلوا يبكون، وأسلموا(١). وعلى كل حال، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المناسبة: بعد أن أقام الله تعالى الدليل على أن القرآن وحي من عند الله، وعلى صحة نبوة محمد ◌َّر، أكد ذلك بأن جماعات من أهل الكتاب الذين آمنوا بالله وحده قبل نزول القرآن، أسلموا وآمنوا بمحمد دَليه، حين اقتنعوا بصدقه وصحة ما أنزل عليه، فكان غير أهل الكتاب أولى بالإيمان أو الإسلام. التفسير والبيان: ﴿ الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِثَبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿٥﴾ أي إن جماعة من علماء أهل الكتاب الأولياء الأصفياء، من اليهود والنصارى، الذين عاصروا (١) تفسير ابن كثير: ٣٩٣/٣ ٤٩١ الجُرُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٥٢-٥٥ النبي محمد ◌ََّ، آمنوا بالقرآن، لمطابقته لأصول كتبهم المتقدمة، وبشارة تلك الكتب بمحمد وتطابق الأوصاف عليه. فقوله: ﴿مِن قَبْلِهِ،﴾ أي قبل القرآن. و﴿هُم بِهِ﴾ أي بالقرآن أو بمحمد وَّله أو بهما معاً يصدِّقون. وللآية نظائر كثيرة منها: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ: أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءَ﴾ [البقرة: ١٢١/٢]، ومنها: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩/٣]، ومنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، ﴾ [الإسراء: ١٧ /١٠٧-١٠٨]. ١١٠٨ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآَ إِن كَنَ وَعْدُ رَيِنَا لَمَفْعُولًا ٥٣ ﴿ وَإِذَا يُخَْى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِنَآَ إِنَّا كُنَا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ أي وإذا قرئ عليهم القرآن، قالوا: صدقنا به، وآمنا بأنه الكلام الحق الصدق الثقة من ربِّنا، وكنا مصدقين بالله مسلمين له أي موحدين، مخلصين لله، مستجيبين له، من قبل نزول هذا القرآن، أو من قبل بعثة محمد وَل. وهذا دليل على قدم إيمانهم، لما وجدوه في كتب الأنبياء عليهم السلام المتقدمين من البشارة بمقدم النبي محمد ◌َّر، فمدحهم تعالى بهذا المدح العظيم وقال: ﴿أُوْلَِّكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي إن هؤلاء المتصفين بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول وهو كتابهم، ثم بالثاني وهو القرآن لهم ثواب مضاعف مرتين، جزاء صبرهم وثباتهم على الإيمانين، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس، فإنهم لم يأبهوا بإيذاء قومهم. ونظير الآية: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ [الحديد: ٢٨/٥٧]، وورد في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثةٌ يؤتَوْنَ أجرَهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أَمَة، فأدَّبها، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها)). ٤٩٢ الجزء (٢٠) - القصص: ٥٢/٢٨-٥٥ وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: إني لَتَحْتَ راحلة رسول الله وَلاه يوم الفتح، فقال قولاً حسناً جميلاً وقال فيما قال: ((من أسلم من أهل الكتاب، فله أجره مرتين، وله مالنا، وعليه ما علينا)) . وبعد أن مدحهم الله تعالى بالإيمان أولاً، أثنى عليهم بالطاعات البدنية في قوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ثم بالطاعات المالية في قوله: ﴿وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ثم باشتغالهم بالطاعات والأفعال والأخلاق الحسنة في قوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ فقال: - ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون السيئة بالحسنة، فلا يقابلون السيئ بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. - ﴿ وَمِقَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ أي وينفقون من رزق الله الحلال في النفقات الواجبة لأهليهم وأقاربهم، ويؤدون الزكاة المفروضة، والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات. - ﴿ وَإِذَا سَِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى﴾ أي وإذا سمعوا من المشركين أو غيرهم لغو الكلام وهو الساقط من القول من أذى وتعيير وسبّ وشتم وتكذيب، أعرضوا عن أهله، ولم يخالطوهم ولما يعاشروهم، بل كانوا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَرُواْ كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢/٢٥]. وقالوا إذا سَفِه عليهم سفيه، وكلَّمهم بما لا يليق: لنا أعمالنا فنحن المسؤولون عنها ثواباً وعقاباً، ولكم أعمالكم عليكم تبعاتها، لا نرد عليكم، سلام عليكم سلام متاركة وتوديع، أو سلمكم الله مما أنتم فيه، لا نريد اتباع طريق الجاهلين ولا نحبها ولا نصاحب أهلها، ونؤثر الكلام الطيب، ولا تقابل الكلام القبيح بمثله. ونظير الآية: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣/٢٥] قال الحسن رحمه الله عن كلمة ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾: هذه الكلمة تحية بين المؤمنين، وعلامة الاحتمال من الجاهلين. ٤٩٣ الجزءُ (٢٠) - القضَص: ٢٨/ ٥٢-٥٥ روى محمد بن إسحاق في سيرته: أنه قدم على رسول الله وَالحلول، وهو بمكة عشرون رجلاً أو قريب من ذلك من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مساءلة رسول الله وَصَلّ عما أرادوا، دعاهم إلى الله تعالى، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله، وآمنوا به، وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيَّيكم الله من رَكْب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال: ما نعلم ركباً أحمق منكم. فقالوا لهم: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيراً. ويقال: إن هؤلاء النفر النصارى من أهل نجران(١). ۔ فقه الحياة أو الأحكام: يستدل بالآيات على ما يأتي: اً - إذا كان الإيمان بالله صحيحاً منسجماً مع الوحي الثابت الصحيح، سَهُل التقاء رافدي الإيمان، وتيسر الدمج بين الإيمانين، إن تجرد الإنسان عن العصبية والهوى، والمصلحة الذاتية، والنفع المادي. وهذا ما تحقق لجماعة من أهل الكتاب من بني إسرائيل، آمنوا بالله ربّاً واحداً لا شريك له قبل القرآن (١) تفسير ابن كثير: ٣٩٤/٣، وهو مروي عن عروة بن الزبير. ٤٩٤ الزرع (٢٠) - القصص: ٥٢/٢٨-٥٥ بمقتضى كتابهم السماوي، ثم آمنوا بالقرآن، لمطابقته مع أصل ذلك الكتاب المتقدم، وهؤلاء كعبد الله بن سَلام وسلمان الفارسي، ومن أسلم من علماء النصارى، وهم أربعون رجلاً قدموا مع جعفر بن أبي طالب المدينة، اثنان وثلاثون رجلاً من الحبشة، وثمانية نفر أقبلوا من الشام، وكانوا أئمة النصارى، منهم بحيرا الراهب وأبرهة والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع. وقيل: أكثر من ذلك. ٣ - هؤلاء المؤمنون بالقرآن من أهل الكتاب يضاعف لهم الثواب أو الأجر مرتين: مرة لإيمانهم بكتابهم، ومرة لإيمانهم بالقرآن بسبب صبرهم على الأذى الذي يلقونه من الكفار. ٣ - المؤمن الكامل الإيمان شأنه الاشتغال بمرضاة الله تعالى، فيبادر إلى الطاعات البدنية والمالية، ويتحلى بالخلق الفاضل، وقد وصف الله تعالى هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب بأنهم يقابلون السيئة بالحسنة، أي بالاحتمال والعفو والصفح والكلام الحسن، وهذا من مكارم الأخلاق؛ وينفقون من أموالهم في الطاعات والقربات، فيحسنون إلى البائسين والمعوزين، وفي ذلك حضّ على الصدقات؛ ويعرضون عن لغو الكلام، فلا يتكلمون بالكلام القبيح، وإنما ينطقون دائماً بالكلام الطيب، فإذا سمعوا ما قال لهم المشركون من الأذى والشتم، أعرضوا عنه، أي لم يشتغلوا به، قال رَّ لمعاذ في حديث أبي ذر المتقدم والمروي أيضاً عن معاذ: ((وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) ومن الخلق الحسن: دفع المكروه والأذى، والصبر على الجفاء بالإعراض عنه ولين الحديث. وهذا مؤيد لمعنى الآية: ﴿ وَقَالُواْ لَنَآَ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي سلام متاركة ومفارقة، لنا ديننا ولكم دينكم، فهذا ليس من التحية في شيء. ولا نبتغي الجاهلين، أي لا نطلبهم للجدال والمراجعة والمشائمة، ولا نرغب في مصاحبتهم، ولا نودّ معاشرتهم، ولا نجازيهم بالباطل على باطلهم. ٤٩٥ لِلُعُ (٢٠) - القصص: ٢٨/ ٥٦-٦١ الرد على شبهات المشركين ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ وَقَالُواْ إِن تَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرَضِنَاْ أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا ٥٦٦ يُحْبِىِّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِّنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىّ أُمِّهَا رَسُولا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَاْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَىِّ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ٥٩ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَىْءٍ فَمَتَعُ الْحَيَوِ الذُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيْهِ كَمَن مَّنَّعْنَهُ مَنَعَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ٦١ القراءات: يُحَبى : @ وقرأ نافع (تُجبى). ﴿فِيِّ أُمِّهَا﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي وصلاً (في إِمِّها). ﴿تَعْقِلُونَ﴾ : وقرأ أبو عمرو (يعقلون). الإعراب: ﴿رِزْقًا مِّن لَُّنَا﴾ مفعول لأجله. ٠ ٤٩٦ الزُعُ (٢٠) - القصص: ٥٦/٢٨-٦١ ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ﴿وَكَمْ﴾: منصوبة ب﴿ أَهْلَكْنَا﴾. ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ منصوب بحذف حرف الجر، أي بطرت في معيشتها، ولا يجوز نصبه على التمييز، لأن التمييز لا يكون إلا نكرة، ومعيشتها : معرفة. البلاغة: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى﴾ ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى﴾ بينهما طباق السلب. ﴿حَرَمًا ءَامِنًا﴾ مجاز عقلي، نسب الأمن إلى الحرم، وهو لأهله، وعلاقته المكانية. ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أورد الكلام بصيغة الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا. المفردات اللغوية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هدايته، أي لا تقدر أن تدخله في الإسلام. (يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾ فيدخله في الإسلام، والهداية نوعان: الدلالة والإرشاد إلى الخير، والتوفيق بعد توافر أصل الهداية. ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ﴾ عالم بالمستعدين للهداية. ﴿وَقَالُواْ﴾ أي قريش. ﴿ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ نتزع منها بسرعة، أي نخرج من البلاد . ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا﴾ أو لم نجعل مكانهم حرماً ذا أمن من الإغارة والقتل، بحرمة البيت الذي فيه ويتناحر العرب حوله، وهم آمنون فيه. ﴿يُحْبَىَ إِلَيْهِ﴾ يحمل إليه ويجمع فيه، جپی الماء: جمعه، والجابية: الحوض العظيم. ﴿ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من كل مكان. ﴿رِزْقًا مِّن لَّدُنَا﴾ رزقاً لهم من عندنا. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما نقوله حق، فهم جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموا. والمعنى المراد: فإذا كان هذا حالهم، وهم عبدة الأصنام، فكيف نعرّضهم للخوف والتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد؟ ٤٩٧ الُعُ (٢٠) - القَضَص: ٢٨ / ٥٦-٦١ رْوَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي كم من أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتى أشروا، فدمر الله عليهم وخرب ديارهم. فقوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ من البطر: وهو الأشر وقلة احتمال النعمة، والمراد من بطرت: بغت وتجبرت ولم ترع حق الله في زمن معيشتها. ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لم تسكن إلا فترات قليلة للمارة يوماً أو بعضه، من شؤم معاصيهم. ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِئِينَ﴾ منهم؛ إذ لم يخلفهم أحد في ديارهم وتصرفاتهم. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ وما كانت عادته. ﴿أُمِّهَا﴾ أصلها وعاصمتها (قصبتها) وأعظمها. ﴿رَسُولا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَِنَا﴾ لإلزام الحجة وقطع المعذرة. ﴿ظَالِمُونَ بتكذيب الرسل والعتو في الكفر . ﴿وَمَآ أُوْتِتُم مِّن شَىْءٍ﴾ من أسباب الدنيا. ﴿ فَمَتَعُ الْحَيَوْةِ اُلُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ أي تتمتعون وتتزينون به أيام حياتكم ثم يفنى. ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ﴾ أي ثوابه. ﴿خَيْرٌ﴾ في نفسه من ذلك؛ لأنه لذة خالصة وبهجة كاملة . ﴿وَأَبْقَى﴾ أدوم وأبدي. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ تتفكرون، فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقرئ (يَعْقِلُونَ) وهو أبلغ في الموعظة . ﴿وَعَدْنَهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ وعداً بالجنة، فإن حسن الوعد بحسن الموعود. ﴿فَهُوَ لَقِيْهِ﴾ مدركه لا محالة، لامتناع الخلف في الوعد، ولذلك عطفه بالفاء المتضمنة معنى السببية. ﴿ كَمَنْ مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ الذي يزول عن قريب، ويختلط بالآلام والمتاعب. ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للحساب والعذاب بالنار، وقوله: للتراخي في الزمان أو الرتبة. والمراد بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ﴾ المؤمن، وبقوله: ﴿ كَمَنْ منَّعْنَهُ﴾ الكافر، أي لا تساوي بينهما، وهذه الآية كالنتيجة التي قبلها، ولذلك رتب عليها بالفاء. ٤٩٨ الُعُ (٢٠) - القَضَص: ٥٦/٢٨-٦١ سبب النزول: نزول الآية (٥٦): ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى﴾: أخرج مسلم وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل﴿ لعمه: قل: ((لا إله إلا الله، أشهد لك يوم القيامة))، قال: لولا أن تعيرني نساء قريش، يقلن: إنه حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ﴾. وأخرج النسائي وابن عساكر في تاريخ دمشق بسند جيد عن أبي سعيد بن رافع قال: سألت ابن عمر عن هذه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾ في أبي جهل وأبي طالب؟ قال: نعم. نزول الآية (٥٧): ﴿ وَقَالُواْ إِن تََّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾: أخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن أناساً من قريش قالوا للنبي رَله: إن نتبعك تخطفنا الناس، فنزلت. وأخرج النسائي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن عامر بن نوفل بن عبد مناف هو الذي قال ذلك، وعبارته - كما في البيضاوي -: نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب - وإنما نحن أَكَلة رأس، أي قليلو العدد - أن يتخطفونا من أرضنا، فنزل قوله تعالى: ﴿إِن نََِّّعِ اَلْمُدَى﴾ الآية. نزول الآية (٦١): ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ﴾: أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ﴾ الآية، قال: نزلت في النبي وَ له وفي أبي جهل بن هشام، وأخرج عن وجه آخرعنها : أنها نزلت في حمزة وأبي جهل. ٤٩٩ الجُرُ (٢٠) - القضَص: ٢٨/ ٥٦-٦١ المناسبة: : بعد بيان إيمان طوائف من أهل الكتاب، ذكر الله تعالى شبهة المشركين في امتناعهم عن الإيمان، ثم رد عليها بأجوبة ثلاثة، مفتتحاً الكلام بتقرير أن الهداية للدين وهي هداية التوفيق هي لله تعالى لا لرسوله، وأثبت له في الآية أخرى هي ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢/٤٢] هداية الدلالة والإرشاد والبيان. التفسير والبيان: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) أي إنك يا محمد لا تقدر على هداية من أحببت هدايته هداية توفيق، فليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، والله هو الذي يستطيع هداية من يشاء هداية توفيق وشرح صدر، بأن يقذف نوراً في قلبه، فيحيا به، كما قال سبحانه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢/٦] وله الحكمة البالغة، وربّك هو العالم بالمستعدين للهداية، فيهديهم؛ لأنهم مستحقون لها، وعالم أيضاً بالمستعدين للغواية، فلا يهديهم: لأنهم لا يستحقونها. والمراد بالآية تسلية الرسول 903 في عدم تمكنه من هداية قومه. ويلاحظ أنه لا دلالة في ظاهر هذه الآية على كفر أبي طالب، لكن الثابت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله وَلقر، كما بينت، قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب، وذلك أن أبا طالب قال عند موته: يا معشر بني عبد مناف، أطيعوا محمداً وصدقوه، تفلحوا وترشدوا فقال ◌َله: (يا عم، تأمرهم بالنصح لأنفسهم وتدعها لنفسك! قال: فما تريد يابن أخي؟ قال: أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من أيام الدنيا أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله تعالى، قال: يا ابن ٥٠٠ الْجُزْءُ (٢٠) - القَضَص: ٥٦/٢٨-٦١ أخي، قد علمت أنك صادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك وعلى بني أبيك غضاضة ومسبَّة بعدي لقلتها ولأقررت بها عينك عند الفراق، لما أرى من شدة وجدك ونصحك، ولكني سوف أموت على ملة الأشياخ: عبد المطلب، وهاشم، وعبد مناف)). قال القرطبي: والصواب أن يقال: أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي ◌َّ، وهو نص البخاري ومسلم. ونظير الآية: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣/١٢]. والخلاصة: إن الهداية - كما ذكر الرازي - بمعنى الإلجاء والقسر غير جائز؛ لأن ذلك قبيح من الله تعالى في حق المكلف، وفعل القبيح مستلزم للجهل أو الحاجة، وهما محالان، ومستلزم المحال محال، فذلك محال من الله تعالى، والمحال لا يجوز تعليقه في المشيئة(١). ثم أخبر الله تعالى عن شبهة المشركين في عدم إيمانهم بالنبي وَّر، واعتذارهم بعذر واهٍ، فقال : ﴿ وَقَالُواْ إِن تََّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُشَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَاً﴾ أي قال المشركون: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا ما حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، ويخرجونا من ديارنا. فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بثلاثة أجوبة: اً - تأمين الحرم: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْبِىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ (١) تفسير الرازي: ٣/٢٥