Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ الُمْعُ (٢٠) - النَّم: ٢٧ / ٥٩-٦٤ ﴿خَيْرُ﴾ هنا للمفاضلة، فإنه وإن لم يكن في آلهتهم خير، فهو بناء على اعتقادهم، فإنهم كانوا يعتقدون أن في الهتههم خيراً. ﴿أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا﴾ بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ ﴿مَّا﴾ صلة زائدة، ﴿قَلِيلًا﴾ صفة مصدر مقدر، أي تذكراً قليلاً يذكرون، والمراد به النفي، مثل: قل ما يأتيني، أي لا يأتيني. البلاغة: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهام يقصد به التبكيت والتهكم. ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ﴾ استعارة، أي أمام نزول المطر، استعار اليدين للأمام. ( يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بينهما طباق ﴿قَرَارًا﴾ ﴿أَنْهَرًا﴾ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿نَذَكَّرُونَ﴾ فيها مراعاة الفواصل، الذي هو من محاسن الكلام. المفردات اللغوية: ﴿قُلِ﴾ أيها الرسول. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار الفجار من الأمم الخالية. ﴿أَصْطَفَىُّ﴾ اختار، والأنبياء هم المصطفون المختارون. ﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده . ﴿يُشْرِكُونَ﴾ أصله أم ما يشركون فأدغم الميمان ببعضهما، وهم أهل مكة الذين يشركون بالله تعالى آلهة أخرى، أي هل شركهم خير لهم؟ وهو تهكم بهم وتسفيه لرأيهم؛ إذ من المعلوم ألا خير أصلاً فيما أشركوه، حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير وهو الله . ﴿أَمَّنْ﴾ أي بل أم من ﴿خَلَقَ الشَكَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أصول الكائنات ومبادئ المنافع. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ لأجلكم. ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم لتأكيد ٣٦٢ الجُزُ (٢٠) - التَخْلِّ: ٢٧ /٥٩-٦٤ اختصاص الفعل بذاته والتنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع لا يقدر عليه غيره تعالى، لذا قال: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُتِبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ أي لعدم قدرتكم عليه. (حَدَابِقَ﴾ بساتين مسورة، جمع حديقة. ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ورونق. ﴿شَجَرَهَا﴾ شجر الحدائق. ﴿أَوِلَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾ أغيره يقرن به ويجعل له شريكاً، وهو المتفرد بالخلق والتكوين؟ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يميلون أو ينحرفون عن الحق الذي هو التوحيد، فيشركون بالله غيره. ﴿قَرَارًا﴾ مكاناً يستقر عليه الإنسان، فلا يميد بأهله. ﴿خِلَلَهَا﴾ وسطها، وبين جهاتها المختلفة، جمع خَلل: أي وسط. ﴿رَوَسِىَ﴾ جبالاً ثوابت، ثبّت بها الأرض. ﴿ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْنِ﴾ بين العذب والمالح، لا يختلط أحدهما بالآخر. ﴿حَاجِزًا﴾ فاصلاً بين الشيئين. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ الحق، وهو التوحيد، فیشرکون به. ﴿اَلْمُضْطَرَّ﴾ الذي أحوجته الشدة إلى اللجوء والضراعة إلى الله، واللام فيه للجنس، لا للاستغراق، فلا يلزم منه إجابة كل مضطر. ﴿ وَيَكْشِفُ السُّوَءَ﴾ أي يرفع السوء عنه وعن غيره. ﴿خُلَفَآءَ اُلْأَرْضِّ﴾ خلفاء فيها، بأن ورَّئكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم، من الخلافة: وهي الملك والتسلط، والإضافة بمعنى في، أي يخلف كل قرن القرن الذي قبله . ﴿أَعِلَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾ الذي خصكم بهذه النعم العامّة والخاصة. ﴿قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون، و﴿مَّا﴾ زائدة لتقليل القليل، والمراد به العدم أو الحقارة التي لا فائدة منها. ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ يرشدكم إلى مقاصدكم. ﴿فِ ظُلُمَتِ اَلْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ بالنجوم ليلاً، وبعلامات الأرض نهاراً. والظلمات: ظلمات الليالي، أضافها إلى البر والبحر للملابسة. ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٌِ﴾ أي أمام المطر. ﴿عَمَّا ٣٦٣ الجُزُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤ يُشْرِكُون﴾ به غيره، فهو تعالى القادر الخالق، المنزه عن مشاركة العاجز المخلوق. ﴿يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ﴾ بداية خلق الإنسان الأول من التراب، وبدء خلق سلالة الإنسان في الأرحام من نطفة. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت. والكفرة وإن أنكروا الإعادة فهم محجوجون بالبراهين عليها. ﴿مِّنَ السَّمَاءِ﴾ بالمطر. ﴿وَالْأَرْضِّ﴾ بالنبات. ﴿أَعِلَهُ مَّعَ اَللَّهِ﴾ يفعل ذلك؟ الحق أنه لا يفعل شيئاً مما ذكر إلا الله، ولا إله معه . ﴿بُرْهَنَكُمْ﴾ حجتكم على أن غيره يقدر على شيء من ذلك. ﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في إشراككم، فإن كمال القدرة من لوازم الألوهية. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصص أربعة أنبياء مع أقوامهم، وإهلاكهم بسبب شركهم ووثنيتهم، والإدلال على كمال قدرته ونصر رسله على أعدائهم، أمر رسوله ول بحمد الله تعالى على تلك النعمة، والسلام على الأنبياء كافة، لأدائهم واجب التبليغ لرسالة ربهم على أكمل وجه، ثم رد على عبدة الأوثان ببيان الأدلة المختلفة على وحدانيته وتفرده بالخلق، وقدرته، وإخلاص العبادة له. التفسير والبيان: ﴿قُلِ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىَّ﴾ يأمر الله رسوله ◌َّ بحمد الله وشكره على نعمه على عباده التي لا تُعدّ ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العلا والأسماء الحسنى، وأن يسلّم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم لتبليغ رسالته، وهم رسله وأنبياؤه الكرام على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه. وأما كون الخطاب لنبينا محمد بَ لّ فلأن القرآن منزل عليه، وكل ما فيه فهو مخاطب به وَيّ إلا ما لم يصح معناه إلا لغيره. - ٣٦٤ لُهُ (٢٠) - التَّمْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤ ومن تلك النعم تجاه رسله ونصرتهم وتأييدهم، وإهلاك أعدائه. وَسَلَمُ ونظير الآية قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ الَّـ [الصافات: ٣٧ /١٨٠-١٨٢] . ﴿ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وهذا تعليم لنا بأن نحمد الله تعالى على جميع أفعاله، ونسلّم على عباده المصطفَيْنَ الأخيار. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي هل الله الذي يتصف بالعظمة والقدرة التامة خير أم ما يشركون به من الأصنام؟ وهذا استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، وتبكيت لهم، وتهكم بحالهم؛ الإيثارهم عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى. والمقصود به التنبيه على نهاية ضلالهم وجهلهم، علماً بأنه لا خير أصلاً فيما أشركوه حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه، وإنما كانت الموازنة بحسب اعتقادهم وجود منفعة في آلهتهم المزعومة. وكان رسول الله وَله إذا قرأ هذه الآية قال: ((بل الله خير وأبقى، وأجل وأكرم)) . ثم انتقل من التوبيخ والتبكيت إجمالاً إلى الرد المفصل على عبدة الأوثان ببيان الأدلة على أنه تعالى إله واحد لا شريك له، قادر على كل شيء؛ لأنه الخالق لأصول النعم وفروعها، فكيف تصح عبادة ما لا منفعة منه أصلاً؟ وتلك الأدلة أنواع: اً - ما يتعلق بالسماوات: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَزَّلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَا بِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِّبِتُواْ شَجَرَهَهُ أَوِلَهُ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾﴾ أي أعبادة الأوثان التي لا تضر ولا تنفع خير أم عبادة من خلق السماوات في ارتفاعها وصفائها، وما ٣٦٥ اِلُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤ جعل فيها من كواكب نيَّة ونجوم زاهرة وأفلاك دائرة، وخلق الأرض الصالحة للحياة الهادئة، وجعل فيها الجبال والسهول، والأنهار والوديان، والزروع والأشجار، والثمار والبحار، والحيوانات المختلفة الأصناف والأشكال والألوان، وأنزل لأجل عباده من السماء مطراً جعله رزقاً لهم، فأنبت به بساتين ذات بهجة ونضارة، وشكل حسن ومنظر بهي، ولولاه ما حصل الإنبات، ولم تكونوا تقدرون على إنبات الأشجار والزروع. فهو المنفرد بالخلق والرزق، فهل يصح بعدئذ وجود إله مع الله يعبد؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١/٢٣]. بل هؤلاء المشركون قوم يميلون عن الحق إلى الباطل، وينحرفون عن جادة الصواب، فيجعلون الله عِدْلاً ونظيراً. ج ونظير الآية كثير مثل: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧ [النحل: ١٧/١٦] ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧/٤٣] ونحو ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُم مَّن نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْنِهَا لَيَقُولُنَّ اُللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣/٢٩]. هذا .. وقد ذكر الزمخشري الفرق بين أم في (أمّن) وأم في (أما يشركون) وهو أن (أما) متصلة؛ لأن المعنى أيهما خير، وفي (أمن) منقطعة بمعنى (بل)). ◌َ- ما يتعلق بالأرض: ﴿أَمَّن جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (4) أي أعبادة الأوثان العديمة النفع والضرر خير أم عبادة الذي جعل الأرض مستقراً للإنسان وغيره، لا تميد ولا تتحرك بأهلها، وجعل فيها الأنهار العذبة الطيبة لسقاية الإنسان والحيوان والنبات، وجعل فيها جبالاً ثوابت شامخة ترسي الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم، وجعل بين المياه العذبة والملحة حاجزاً، أي مانعاً يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بذاك، لتبقى ٣٦٦ اِخُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤ الغاية من التفرقة بينهما متحققة، فإن الماء العذب الزلال لسقي الإنسان والحيوان والنبات والثمار، والماء المالح في البحار ليكون مصدراً للأمطار، وليبقى الهواء فوقه نقياً صافياً لا يفسد بالرائحة الكريهة التي تحدث عادة في تجمعات المياه العذبة. أيوجد إله مع الله فعل هذا وأبدع هذه الكائنات؟! بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون الحق فيتبعونه، ولا يعرفون قدر عظمة الإله المستحق للعبادة. ونظير الجزء الأول من الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَّةَ بِنَآءَ﴾ [غافر: ٦٤/٤٠] ونظير آية حاجز البحرين: ﴿ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِنْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا فَّحْجُورًا [الفرقان: ٥٣/٢٥]. ٥٣) ٢ - ما يتعلق عموماً باحتياج الخلق إلى الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوْءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِنَّ أَِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ (٣)﴾ أي أتلك الآلهة الجمادات الصماء خير أم من يجيب المضطر إذا دعاه وهو الذي أحوجه المرض أو الفقر أو المحنة إلى التضرع إلى الله تعالى، ويرفع عنه السوء أو الضرر الذي أصابه من فقر أو مرض أو خوف أو غيره، ويجعلكم ورثة من قَبْلكم من الأمم في سكنى الأرض والديار والتصرف فيها، فيخلف قرناً لقرن وخَلَفاً لسلف، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَفَ اُلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥/٦]. أيعقل وجود إله مع الله بعد هذا؟ وهل يقدر أحد على ذلك غير الله المتفرد بهذه الأفعال؟ ولكن ما أقل تذكركم نعم الله عليكم، ومن يرشدكم إلى الحق ويهديكم إلى الصراط المستقيم. ٤- ما يتصل باحتياج الخلق إلى الله تعالى في وقت خاص: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهُ أَوِلَهٌ مَعَ ٣٦٧ الجُزءُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ / ٥٩-٦٤ ﴾ أي أتلك الآلهة التائهة خير أم من ٦٣ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يرشدكم في أثناء الظلمات البرية أو البحرية إذا ضللتم الطريق بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال تعالى: ﴿وَعَمَتٍّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (َ﴾ [النحل: ١٦/١٦] وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْ بِهَا فِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧/٦]. ومن يرسل الرياح مبشرات أمام نزول الغيث الذي يحيي به الأرض بعد موتها، أيكون هناك إله مع الله فعل هذا؟ تنزه الله المتفرد بالألوهية المتصف بصفات الكمال عن شرك المشركين الذين يعبدون مع الله إلهاً آخر؟! ٥- ماله صلة بإبداع الخلق والحشر والنشر: ﴿أَمَّن يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ أَعِلَهُ مَعَ الَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمُ صَدِقِينَ (٣) أي أتلك الآلهة العاجزة خير، أم الذي بقدرته وسلطانه يبدأ الخَلْق من غير مثال سبق، ثم يميته، ثم يعيده إلى الحياة الأولى مرة أخرى، كما [البروج: ١٣/٨٥] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِى قال تعالى: ﴿إِنَُّ هُوَ بَيْدِىُ وَبُعِدُ يَبْدَؤُأْ اْلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةِ﴾ [الروم: ٢٧/٣٠] وهو الذي يرزقُكم بما يُنَزِّل من السماء من أمطار، وبما ينبت من بركات الأرض. أيوجد إله آخر فعل هذا مع الله حتى يتخذ شريكاً له؟ قل لهم أيها الرسول: قدّموا برهانكم على صحة ما تدّعون من عبادة آلهة أخرى إن كنتم صادقين في ذلك مع أنفسكم ومع غيركم، والواقع أنه لا حجة لهم ولا برهان يقبله عاقل، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا [المؤمنون: ٢٣ /١١٧] . حِسَابَهُ عِندَ رَبِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ قال أبو حيان: ناسب ختم كل استفهام بما تقدمه، فلما ذكر العالم العلوي والسفلي وما امتنَّ به من إنزال المطر وإنبات الحدائق، ختمه بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أي عن عبادته أو يعدلون به غيره مما هو مخلوق، فلا يعبد إلا ٣٦٨ الْجُرُ (٢٠) - التَمُلِ: ٢٧ / ٥٩-٦٤ موجد العالم، ولما ذكر جعل الأرض مستقراً وتفجير الأنهار وإرساء الجبال، وكان ذلك تنبيهاً على ضرورة تعقل ذلك والتفكر فيه، ختمه بقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولما ذكر إجابة دعاء المضطر وكشف السوء واستخلافهم في الأرض ختمه بقوله: ﴿قَلِيلاً مَّا نَذَكَّرُونَ﴾ إشارة إلى توالي النسيان إذا صار في خير وزال اضطراره، ولما ذكر الهداية في الظلمات وإرسال الرياح مبشرات، ومعبوداتهم لا تهدي وهم يشركون بها، ختمه بقوله: ﴿تَعَلَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. واعتقب كل واحدة من هذه الجمل قوله: ﴿ أَِلَهُ مَّعَ اللَّهِ﴾ على سبيل التوكيد والتقرير أنه لا إله إلا هو تعالى(١). فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت هذه الآيات الأدلة على إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته وقدرته الشاملة، وتتلخص هذه الأدلة بالخلق والإيجاد، والتفرد في دفع الضرر، وجلب النفع والخير، والقدرة على الحشر والنشر، ويتجلى ذلك فيما يأتي: اَ- إهلاك كفار الأمم الخالية جميعاً لإصرارهم على الشرك والوثنية وارتكابهم كبائر المعاصي وعظائم الفواحش. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىٌّ﴾ تعليم وإرشاد إلى حمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية الذي زرعوا الشرك والمعصية في ديارهم، مما يجب التخلص منهم، وفي هذا عبرة وعظة. ويؤخذ من ذلك الاستفتاح بالتحميد لله والسلام على الأنبياء والمصطفين من عباده، ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ جيلاً عن جيل هذا الأدب، فحمدوا الله وصلوا على رسول الله صليره في فواتح الأمور المفيدة وفي المواعظ والخطب. (١) البحر المحيط: ٧/ ٩١ ٣٦٩ لُ (٢٠) - النَّصْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤ أَ - قوله سبحانه: ﴿ءَاللَّهُ خَيْرُ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تبكيت للمشركين وتوبيخ وتهكم على حالهم وضلالهم، لإيثارهم عبادة الأصنام على عبادة الله تعالى. ٣ - الله تعالى هو خالق السماوات والأرض، ومنزل المطر، ومنبت الشجر والزرع والثمر في الحدائق الغنَّاء ذات الأنواع والأشكال والألوان المختلفة، والمناظر الجميلة الرائعة الحسن والبهاء، فيكون قطعاً هو المستحق للعبادة دون غيره؛ لأنه لا يتهيأ للبشر ولا لغيرهم ولا يتيسر لهم ولا يمكنهم أن يخلقوا شيئاً مما ذكر، فهم عَجَزة عن مثل ذلك. ٤- قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِبِتُواْ شَجَرَهَاً﴾ يستدل به لقول مجاهد على منع تصوير أي شيء، سواء أكان له روح أم لم يكن: ويعضده ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة عن النبي وَل قال: ((قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذُرَة، أو ليخلقوا حبّة، أو ليخلقوا شعيرة)). وذهب الجمهور إلى أن تصوير ما ليس فيه روح يجوز، كما يجوز الاكتساب به؛ أخرج مسلم أيضاً أن ابن عباس قال للذي سأله أن يصنع الصور: إن كنت لابد فاعلاً، فاصنع الشجر وما لا نفس له. ٥- الله عز وجل هو الذي جعل كرة الأرض اليابسة صالحة للحياة، يجعلها قارّة ساكنة ثابتة لا تميد ولا تتحرك بأهلها، وزودها بالهواء الذي لا تمكن الحياة بدونه، وجعل فيها الأنهار للسقي، والجبال الثوابت لتمسكها وتمنعها من الحركة، وجعل بين البحرين: العذب والمالح مانعاً من قدرته، لئلا يختلط الأجاج بالعذب. إذا ثبت أنه لا يقدر على هذا غير الله، فلِمَ يعبد المشركون ما لا يضر ولا ينفع؟ ولكن أكثرهم يجهلون الله، فلا يعلمون ما يجب له من الوحداينة. ٣٧٠ الجُعُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٥٩-٦٤ ٦ - الله تعالى وحده مصدر الرحمة الذي يدفع الضرر، فيجيب دعاء المضطر (وهو ذو الضرورة المجهود) ويكشف السوء (الضر) ويجعل الناس خلفاء الأرض أي سكانها جيلاً بعد جيل، فيموت قوم وينشئ الله آخرين، أمع الله ويلكم أيها الناس إله؟ ولكنكم تتذكرون تذكراً قليلاً نعم الله عليكم، والمراد نفي التذكر، والقلة تستعمل في معنى النفي. وهذا دليل على أن الله تعالى ضمن إجابة المضطر إذا دعاه، وأخبر بذلك عن نفسه؛ لأن التضرع إليه ينشأ عن الإخلاص، وعدم تعلق القلب بسواه، وللإخلاص عنده سبحانه موقع وذمّة، سواء وجد من مؤمن أو كافر، طائع أو فاجر، كما قال تعالى: ﴿حَتََّ إِذَا كُتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيعُ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُواْ أَنَهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونََ مِنَ الشَّكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢/١٠] وقوله: ﴿فَلَمَّا نَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٢٩/ ٦٥] أي إن الله تعالى أجابهم عند ضرورتهم وإخلاصهم، مع علمه أنهم يعودون إلى شركهم وكفرهم، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْدِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥/٢٩]. وفي الحديث الصحيح: ((ثلاث دَعَوات مستجابات، لا شكَّ فيهن: دعوةٌ المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالدِ على وَلَده)) وفي صحيح مسلم أن النبي وَ لَّ قال لمعاذ لما وجّهه إلى أرض اليمن: ((واتقِ دعوةَ المظلوم، فليس بينها وبين الله حجابٌ)) . لاً- الله تعالى وحده مصدر الخير والنفع، فهو الذي يرشد الطريق في ظلمات البر والبحر حال السفر إلى البلاد البعيدة، وهو الذي يرسل الرياح مبشرات قدام المطر، فهل يوجد إله مع الله يفعل ذلك ويعينه عليه؟ تنزه الله عما يشرك به المشركون من دونه. ٣٧١ لُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٦٥-٦٦ ٨- الله الذي يقرُّ المشركون أنه الخالق الرازق هو الذي يعيد الخلق يوم القيامة إلى الحياة الجديدة؛ لأن من قدر على ابتداء الخلق فهو قادر حتماً على الإعادة، وهو أهون عليه، أيوجد إله مع الله يخلق ويرزق ويبدئ الخلق ويعيده؟ فيا أيها المشركون مع الله إلهاً آخر، قدّموا حجتكم أن لي شريكاً، أو حجتكم في أنه صنع أحد شيئاً من هذه الأشياء غير الله، إن كنتم صادقين مع أنفسكم في ادعاء أن له شريكاً. لا يعلم الغيب إلا الله ﴿قُل لَا يَعْلَمُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيِّبَ إِلَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شَكٍ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ ٦٦ ٦٥ القراءات: ﴿بَلِ أَدَّرَكَ﴾ . وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (بلْ أدْرَك). الإعراب: ﴿ اَلْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ﴿اللَّهُ﴾: بدل مرفوع من ﴿مَنْ﴾ لأنه استثناء من منفي. ﴿بَلِ أَذَّرَكَ﴾: أي تتابع، وأصله ((تدارك)) فأبدل من التاء دالاً، وأدغم الدال في الدال، وقرئ (أَدْرَك) أي تناهى علمهم وكمل في أمر الآخرة. ﴿فِي الْأَخِرَةَّ﴾ ﴿فِ﴾ بمعنى الباء، والمضاف محذوف، أي بل ادّرك علمهم بحدوث الآخرة، ﴿بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِّنْهَا﴾ أي من حدوثها. ﴿عَمُونَ﴾ أصله ((عميون)) فاستثقلت الضمة على الياء، فنقلت إلى ما ٣٧٢ لِلُ (٢٠) - التَضْلِ: ٦٥/٢٧-٦٦ قبلها، فسكنت الياء، والواو بعدها ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وكان حذفها أولى من حذف واو الجمع؛ لأن واو الجمع دخلت لمعنى، وهي لم تدخل لمعنى، فكان حذفها أولى. البلاغة: ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ استعارة، استعار العمى للتعامي عن الحق، وعدم التفكر في أدلة إثباتها. المفردات اللغوية: ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ من الملائكة والناس ﴿الْغَيْبَ﴾ ما غاب عنهم ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ لكن الله يعلمه، فالاستثناء منقطع ﴿وَمَا يَشْعُونَ﴾ أي كفار مكة وغيرهم ﴿أَيَّانَ﴾ أي متى ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ينشرون، أي يخرجون من القبور للحساب والجزاء ﴿بَلْ﴾ أي هل ﴿أَذَّرَكَ﴾ تتابع وتلاحق واستحكم، وقرئ: ((أدْرَك)) بوزن أكرم، أي انتهى علمهم وتكامل. والمراد أن ما انتهى وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والبينات على أن القيامة كائنة لا محالة، لا يعلمونه كما ينبغي، وإذا سألوا عن وقت مجيء القيامة فليس الأمر كذلك، فهم في شك منها ﴿بَلْ هُمْ فِ شَّكِ مِّنْهَا﴾ أي فهم في الحقيقة في شك وحيرة عظيمة من حصول القيامة، كمن تحير في أمر لا يجد عليه دليلاً ﴿بَلّ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم، وهو جمع عم: وهو أعمى القلب والبصيرة، وهو أبلغ مما قبله. المناسبة: بعد أن بَيَّن الله تعالى أنه المختص بالقدرة التامة الفائقة العامة، أتبعه بما هو أيضاً من لوازم الألوهية وهو أنه المختص بعلم الغيب، فثبت أنه هو الإله المعبود؛ لأن الإله هو المتمكن من المجازاة لأهل الثواب والعقاب. ٣٧٣ الُرُ (٢٠) - التَصْلِ: ٦٥/٢٧-٦٦ التفسير والبيان: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ أي قل أيها الرسول لجميع الخَلْق: لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا الله. فقوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي لا يعلم أحد ذلك إلا الله عز وجل، فإنه المنفرد بذلك وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩/٦] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُغَزَّكُ اُلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ [لقمان: ٣٤/٣١] . ٣٤ بِأَقِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ روى مسلم وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها قالت: من زعم أن النبيِ نَّ يعلم ما يكون في غد، فقد أعظم الفِرْية على الله؛ لأن الله يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ﴾. ولما نفى عنهم علم الغيب على العموم، نفى عنهم علم الغيب المخصوص بوقت الساعة فصار منتفياً مرتين، فقال: ﴿وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي وما يدري أهل السماوات والأرض بوقت الساعة، كما قال تعالى: ﴿ثَقْلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٧/٧] أي ثقل علمها على أهل السماوات والأرض، فلا يشعر الكفار وغيرهم في أي وقت يكون البعث للحساب والجزاء، وإنما تأتيهم الساعة فجأة. ثم أكد الله تعالى جهلم بيوم القيامة فقال: ﴿بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ﴾ أي بل انتهى علمهم بالآخرة، وعجز عن معرفة وقت حدوثها، والمراد: أن ما توصلوا إليه من أدلة إثبات الآخرة تلاشى شيئاً فشيئاً، حتى لم يَعُدْ لها قيمة ذات بال. ٣٧٤ الُعُ (٢٠) - التَّم: ٢٧ /٦٥-٦٦ ثم وصفهم بالحيرة في الآخرة فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِّنْهَا﴾ أي بل الكافرون (أي جنسهم) في حيرة شديدة من تحقق الآخرة ووجودها، أي شاكون في وجودها ووقوعها، كما قال تعالى: ﴿ وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّقِّ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ قَوْعِدًا (﴿َ﴾ [الكهف: ٤٨/١٨] أي أن لن نجعل للكافرين منكم. ثم وصفهم الله بالتعامي عن التفكر والتدبر في أمر الآخرة، فقال: ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ أي بل هم في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها، لا يفكرون فيها في أعماق نفوسهم، فهم عمي البصيرة لا البصر، وهذا أسوأ حالاً من الشك. قال أبو حيان: هذه الإضرابات الثلاثة ما هي إلا تنزيل لأحوالهم، وصفهم أولاً بأنهم لا يشعرون وقت البعث بأنهم لا يعلمون أن القيامة كائنة، ثم بأنهم يخبطون في شك ومرية فلا يزيلونه، والإزالة مستطاعة، وقد جعل الآخرة مبدأ عماهم ومنشأه، فلذلك عدَّاه بمن دون ((عن))(١). فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت الآيات إلى أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، فذلك مما اختص الله به، فيكون هو الإله المستحق للعبادة. ودلت على أن الكفار وغيرهم لا يشعرون بوقت القيامة حتى تأتيهم فجأة، وعلى أن علمهم بأدلة إثباتها معدوم، فهم جهلة بها ولا علم لهم فيها، وهم أيضاً في شك منها في الدنيا وفي حيرة شديدة من شأن وجودها، وقلوبهم عُمْيٌّ عن إدراكها وعما يوصل إلى الحق في شأنها. (١) التفسير الكبير: ٩٣/٧. ٣٧٥ لُ (٢٠) - التَضْلِ: ٢٧ /٦٧-٧٥ إنكار المشركين البعث لَقَدْ وُعِدْنَا ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ أَعِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَاؤُنَآ أَبِنَا لَمُخْرَجُونَ ( هَذَا نَحْنُ وَءَبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ اُلْأَوَّلِينَ ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِ اُلْأَرْضِ ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِى ضَيْقٍ مِّنَّا فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ يَمْكُرُونَ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ ونَ وَمَا وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ أَكْتَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ٧٥ مِنْ غَِّبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّ فِ كِنَبٍ مُِّينٍ القراءات: ﴿أَِذَا كُنَا﴾ .. ﴿أَبِنَا﴾: قرئ: ١- (إذا كُنَّا .. أَئِنَّا) وهي قراءة نافع. ٢- (أئذا كُنَّا ... إنّنا) وهي قراءة ابن عامر، والكسائي. ٣- (أئذا كُنّا ... أئنا) وهي قراءة الباقين. ﴿ضَيْقِ﴾: وقرأ ابن كثير (ضِيْق). الإعراب: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي رَدِفَكم، واللام زائدة- كاللام في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ﴾ أي بوأنا إبراهيم. ٣٧٦ لُعُ (٢٠) - التَّكُلِ: ٢٧ /٦٧-٧٥ البلاغة: ﴿ أَِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَآؤُنَآ أَبِنَا لَمُخْرَجُونَ﴾ استفهام إنكاري، وتكرار همزة ﴿أَبِنَا﴾ للمبالغة في التعجب والإنكار. 9) وعيد ﴿قُلْ سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وتهدید. ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾ ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ﴾ تأكيد بإن، واللام لترسيخ المعنى. ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بين ﴿تُكِنُّ﴾ أي تخفي ﴿يُعْلِنُونَ﴾ طباق. المفردات اللغوية: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي قالوا أيضاً في إنكار البعث بعد بيان عماهم عن الآخرة. ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾ من القبور أو من حال الفناء إلى الحياة. ﴿إِنْ هَذَآ﴾ ما هذا . ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيب الأقدمين، جمع أسطورة: وهي ما سطره الأقدمون من خرافات وأحاديث. ﴿كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي هلاكهم بالعذاب لإنكارهم البعث. ﴿ضَيْقِ﴾ في ضيق صدر. ﴿مِّمَا يَمْكُرُونَ﴾ من مكرهم، أي فإن الله يعصمك من الناس، وهذا تسلية للنبي وَلّر، أي لا تهتم بمكرهم وتآمرهم عليك، فإنا ناصروك عليهم. ﴿مَتَ هَذَا الْوَعْدُ﴾ أي العذاب الموعود، أو الوعد بالعذاب . ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ أي ردفكم بمعنى تبعكم ولحقكم. ﴿بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي أصابهم بعض العذاب وهو القتل ببدر، وباقي العذاب يأتيهم بعد الموت. ﴿ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي ومنه تأخير العذاب عن الكفار. ﴿لَا يَشْكُرُونَ} نعم الله عليهم ومنه تأخير العذاب لإنكارهم وقوعه. ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ تخفيه. ٣٧٧ لُزُ (٢٠) - التَّمْلِّ: ٢٧ /٦٧-٧٥ ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسنتهم. ﴿غَيِبَةٍ﴾ التاء المربوطة أو الهاء للمبالغة، والمعنى: أيّ شيء في غاية الخفاء على الناس، كالتاء في علاّمة ونسابة، والأصل: غائب. ﴿إِلَّا فِى كِنَبٍ مُبِينٍ﴾ بيِّن، وهو اللوح المحفوظ، فكل شيء يعلمه الله قديماً، ومنه تعذيب الكفار. المناسبة: بعد أن أبان الله تعالى جهل الكفار بالآخرة، أردفه بما قالوا عنها، مما يدل على إنكارهم لها وأما مناسبة هذه الآيات لجملة السورة فهي أنه تعالى لما تكلم في حال مبدأ الخلق، تكلم بعده في حال المعاد؛ لأن الشك في المعاد لا ينشأ إلا من الشك في كمال القدرة أو في كمال العلم، فإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، وعالماً بكل المعلومات، ثبت أنه تعالى يمكنه تمييز أجزاء بدن كل إنسان عن أجزاء بدن غيره، وثبت أنه قادر على إعادة التركيب والحياة إلى تلك الأجزاء، وإذا ثبت إمكان ذلك، ثبت صحة القول بالحشر أو المعاد. التفسير والبيان: ﴾ أي وقال ٦٧ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْاْ أَعِذَا كُنَا تُرَبًا وَءَآبَاؤُنَّآ أَبِنَا لَمُخْرَجُونَ المشركون منكرو البعث، الذين كفروا بالله وكذبوا رسله: أنخرج من قبورنا أحياء، بعد مماتنا، وبعد أن بليت أجسادنا وصارت تراباً؟ فهذه حكاية لاستبعادهم إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاماً ورفاتاً وتراباً. ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَبَاؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي ما زلنا نسمع كثيراً بهذا نحن وآباؤنا، ولا نلمس له حقيقة ولا وقوعاً ولم نر قيام أحد بعد موته، والمراد أن هذا تاريخ غابر محكي، أكل عليه الدهر وشرب. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي ما هذا الوعد بإعادة الأبدان إلا ٣٧٨ لُرُ (٢٠) - التَّمْلِ: ٢٧ / ٦٧ -٧٥ أسطورة، أي خرافة وأكذوبة، يتناقلها الناس بعضهم عن بعض، وليس لها حقيقة، ولم يقم عليها دليل مقبول. ثم أرشدهم الله تعالى إلى الصواب في ذلك وعما ظنوا من الكفر وعدم المعاد بصيغة الوعيد والتهديد، فقال: ﴿قُلْ سِيُرُواْ فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾﴾ أي قل لهم أيها الرسول: سيروا في أرض الحجاز والشام واليمن وغيرها، فانظروا مصير من سبقكم من المكذبين، إنهم اغتروا بدنياهم، وفتنوا بزخارفها، وكذبوا رسلهم، وأنكروا وجود البعث، فأهلكهم الله بذنوبهم، وبقيت ديارهم آثاراً شاهدة عليهم للعبرة والعظة، ونجى الله رسله ومن اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته من الإيمان بالله وبالبعث، وتلك سنة الله في كل من كذب رسله، وسيعاقبكم بمثل عقابهم إن لم تبادروا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر. ثم آنس الله نبيه وَلّر عن إعراضهم عن قوله ورسالته فقال: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِى ضَيْقِ مِمَا يَمْكُرُونَ (٣٥)﴾ أي ولا تحزن يا محمد على إعراض هؤلاء المكذبين عن رسالتك، ولا تكن ضيق الصدر حزيناً مكروباً مهموماً من کیدهم وتآمرهم عليك، فإن الله مؤيدك وناصرك وعاصمك من الناس، ومظهر دينك على من خالفه وعائده في المشارق والمغارب. ثم حكى الله تعالى إنكاراً آخر من الكفار غير الساعة، وهو إنكار عذاب الله، فقال: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (﴿4﴾ أي يقول هؤلاء المشركون في مكة وغيرهم في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: متى وقت هذا العذاب الذي تعدنا به، إن كنتم أيها الرسول والمؤمنون به صادقين في ادعائكم وقولكم؟ يقولون ذلك على سبيل السخرية والاستهزاء. فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ أي قل لهم يا ٧٣ ٣٧٩ لُ (٢٠) - التَعْلِ: ٢٧ /٦٧-٧٥ محمد: عسى أن يكون ردفكم أي لحقكم وتبعكم واقترب منكم بعض ما تستعجلون وقوعه من العذاب، وهو القتل والعذاب والنكال يوم بدر، فقوله: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ أي ردفكم واللام زائدة، وقال ابن كثير: وإنما دخلت اللام في قوله ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ لأنه ضمن معنى: عجل لكم، كما قال مجاهد في تفسير ذلك. قال الزمخشري: عسى ولعل وسوف في وعد الملوك ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجِدّه، وما لا مجال للشك بعده، وإنما يعنون بذلك إظهار وقارهم، وأنهم لا يعجّلون بالانتقام؛ لإدلالهم بقهرهم وغلبتهم ووثوقهم أن عدوهم لا يفوتهم وأن الرمزة إلى الأغراض كافية من جهتهم، فعلى ذلك جرى وعد الله ووعيده(١). ثم ذكر تعالى سبب تأخير العقاب، فقال: ﴿وَإِنَّ رَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٣)﴾ أي وإن الله لهو المنعم المتفضل على الناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم حيث يسبغ إنعامه عليهم في الدنيا، مع ظلمهم لأنفسهم، ويترك معاجلتهم بالعقوبة على كفرهم ومعاصيهم، ولكنهم مع ذلك كله لا يشكره أكثرهم على فضله، ولا يشكره إلا القليل منهم. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي وإن ربك ليعلم الضمائر والسرائر، كما يعلم الظواهر، كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِّنْكُمْ قَنْ أَسَرَّ اُلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ،﴾ [الرعد: ١٠/١٣] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٢٠٪ ٧] والمراد أنه تعالى عالم بمكائد المشركين للرسول، وسيجازيهم على ذلك. ثم أبان الله تعالى حقيقة شاخصة عامة وهي أن كل ما في الكون محفوظ في اللوح المحفوظ، فقال: (١) الكشاف ٤٦٠/٢ ٣٨٠ اِلُرُ (٢٠) - التَمْلِ: ٢٧ /٦٧-٧٥ أي وما من شيء ٧٥ ﴿ وَمَا مِنْ غَاِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِى كِنَبٍ مُبِينٍ غائب مخفي في السماوات والأرضين إلا وهو موجود معلوم محفوظ في اللوح المحفوظ الذي أثيت فيه الله تعالى كل ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، فهو سبحانه عالم الغيب والشهادة وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه، وعالم غيب السماوات والأرض من أمر الخلائق قاطبة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍّ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الحج: ٧٠/٢٢] وقال حكاية عن لقمان: ﴿يَبُنَىَّ إِنَّهَ إِن تَكُ ٧٠ يسير مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِىِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا [لقمان: ١٦/٣١] . اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ فقه الحياة أو الأحكام: يفهم من الآيات ما يأتي: اً - تكرر في القرآن الكريم حكاية إنكار المشركين البعث، فهم يعدّونه من خرافات الأقدمين المتوارثة، وكانت الأنبياء يقرِّبون أمر البعث مبالغة في التحذير، وكل ما هو آتٍ قريب. ٢- وبما أن واقعة البعث أمر غيبي يحدث في المستقبل، فإن الله تعالى أجاب المنكرين له بالنظر في مصير المكذبين لرسلهم، المنكرين وقوع البعث، نظرة تأمل في القلوب والبصائر في بلاد الشام والحجاز واليمن وغيرها، هل دام لهم العز والسلطان، أم دمَّر الله ديارهم بسبب كفرهم؟. ٣- كانت درجة إحساس النبي ◌َّ عالية جداً، ومرهفة إرهافاً مفرطاً، فتألم وحزن الإعراض قومه عنه، فسرّى عنه القرآن همومه، ونهاه عن حمل الهموم والأحزان على كفار مكة إن لم يؤمنوا، كما نهاه عن الضيق أي الحرج من مكرهم وتدبيرهم وقولهم: متى أو أي وقت يحيئنا العذاب بتكذيبنا؟