Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الُرُ (١٩) - الشعراء: ١٤١/٢٦-١٥٩
[النمل: ٤٨/٢٧]. وإنما قال ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بعد قوله ﴿يُفْسِدُونَ﴾
(٤٨)
لبيان أن فسادهم خالص، ليس معه شيء من الصلاح، على عكس حال بعض
المفسدين المخلوطة أعمالهم ببعض الصلاح.
فأجابوا نبيهم صالحاً عليه السلام حين دعاهم إلى عبادة ربهم عز وجل
بقولهم: ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ ﴾ أي قال قومه: ثمود، الذي يغلب
على الظن أنك أصبحت من المغلوب على عقولهم بكثرة السحر، وصرت من
المسحورين، أي إنك في قولك هذا مسحور لا عقل لك، فلا يسمع لرأيك
ولا لنصحك.
أی إنك
١١٥٤
﴿مَّا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، وتكون نبياً لنا؟ كما قالوا في آية
أخرى: ﴿أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴿٥َ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ
[القمر: ٢٥/٥٤-٢٦]. وهذا بمنزلة ما كانوا يذكرون في
اَلْكَذَّابُ الْأَشِرُ
الأنبياء أنهم لو كانوا صادقين، لكانوا من جنس الملائكة.
ثم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وهو
أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عُشَراء (حامل لعشرة أشهر) صفتها
كذا وكذا، فما كان منه إلا أن أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق: لئن
أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح عليه
السلام، فصلى، ثم دعا الله عز وجل أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك
الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن
بعضهم، وكفر أكثرهم(١).
(١) تفسير ابن كثير: ٣٤٤/٣، تفسير القرطبي: ١٣٠/١٣، وهذا مرويٌ عن ابن عباس، وربما
كان الأمر محتاجاً إلى رواية موثقة ثابتة السند ليجب علينا الاعتقاد بذلك.

٢٢٢
الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٤١-١٥٩
﴿قَالَ هَذِهِ، نَاقَةٌ لَّمَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومِ (®﴾ أي إن النبي صالح
عليه السلام قال مجيباً طلبهم إرسال آية تكون دليلاً على صدقه: الدليل هو
ناقة الله هذه، فهي الآية والمعجزة الدالة على صدقي، ترِد ماءكم يوماً، ويوماً
ترِدُونه أنتم.
﴿وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَظِيمٍ (®)﴾أي وإياكم أن تصيبوها
بأذى من ضرب أو قتل أو غير ذلك، فيصيبكم عذاب شديد. وقد عظم اليوم
لحلول العذاب فيه، ووصف اليوم بالعظم أبلغ من وصف العذاب؛ لأن
الوقت إذا عظم بسبب العذاب، كان موقعه من العظم أشد.
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُّ﴾ أي ذبحوا الناقة، ثم
١٥٧
﴿فَعَقَرُوُهَا فَأَصْبَحُواْ نَدِمِينَ
ندموا على فعلهم عند معاينة العذاب، أي حين علموا أن العذاب نازل بهم،
فنالهم عذاب الله وهو أن أرضهم زلزلت زلزالاً شديداً، وجاءتهم صيحة
عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر مالم يكونوا يحتسبون،
وأصبحوا في ديارهم جاثمين.
والذي حدث أن الناقة مكثت لديهم حيناً من الزمان، ترد الماء، وتأكل
الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحلبون منها ما يكفيهم شرباً ورياً، فلما
طال عليهم الأمد، وحضر أشقاهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها. روي أن
مِسْطَعاً ألجأها إلى مضيق في شِعْب، فرماها بسهم، فأصاب رِجْلها،
فسقطت، ثم ضربها قُدَار.
﴿إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ﴾ أي إن في ذلك المذكور من قصة صالح عليه السلام، وتكذيب
قومه ثمود لرسالته، واعتدائهم على معجزة الناقة لآية وعبرة وعظة، وأي آية
أعظم من هذا؟ إنهم كذبوا رسولهم فلم يؤمنوا به، واغتروا بمالهم ومتعتهم
الدنيوية، واعتدوا على الناقة، فنزل بهم العذاب، ولم يكن أكثرهم مؤمنين

٢٢٣
لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٤١-١٥٩
بالله ورسله، وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه المؤمنين إن تابوا
وأنابوا إليه. وهذه الخاتمة بذاتها هي خاتمة قصة نوح وهود؛ لأن القصد منها ..
واحد، وهو العظة والاعتبار بحال المكذبين.
يقال: إنه ما آمن به من تلك الأمم إلا ألفان وثمان مئة رجل وامرأة.
فقه الحياة أو الأحكام:
كانت قبيلة ثمود تسكن في الحجر(١) وهي ذوات نخل وزروع ومياه، ومبانٍ
جبلية شاهقة فخمة، وكانوا معمَّرين لا يبقى البنيان مع أعمارهم، إلا أنهم
اغتروا بمالهم وجاههم، فكذبوا رسولهم صالحاً عليه السلام، فقرعهم
ووتجهم، وقال: أتظنون أنكم باقون في الدنيا بلا موت؟.
وأمرهم بتقوى الله عز وجل وهي امتثال أمره واجتناب نهيه، وحذرهم من
إطاعة أمر كبرائهم ورؤسائهم الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
فاتهموه بأنه مسحور لا عقل له، ونفوا عنه الرسالة؛ لأنه بشر مثلهم
فكيف يوحى إليه دونهم، ويكون نبياً غيرهم؟ ثم طالبوه بالإتيان بمعجزة
حسية تدل على صدقه، فأيده الله بالناقة العظيمة التي لا مثيل لها، فكانت
تشرب ماء نهير صغير كله في يوم، ثم تدرّ لهم الحليب، فيحلبون منها ما شاؤوا
في اليوم التالي. ولكن أبطرتهم النعمة، وأساؤوا إلى أنفسهم، وتواطؤوا على
عقرها، حبّاً في الإساءة ذاتها، فعقرها رجل منهم اسمه (قُدار) ثم ندموا على
عقرها لما أيقنوا بالعذاب، ولكن لم ينفعهم الندم عند معاينة العذاب، كما قال
تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ الثَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّبِّئَاتِ حَتَّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
اُلْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْتَنَ﴾ [النساء: ١٨/٤] فأهلكهم الله بالزلزلة والصيحة
بسوء فعلهم وقبح كفرهم.
(١) الحجر: واد بين المدينة والشام.

٢٢٤
الزرعُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٦٠-١٧٥
القصة السادسة
قصة لوط عليه السلام مع قومه
إِ لَكُمْ
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلَا نَنَّقُونَ
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ
وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
رَسُولُ أَمِينٌ (﴿ فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
رَبُّكُمْ مِنْ أَزَوَجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌّ عَادُونَ
قَالُواْ لَكِن لَّمْ تَنَتَهِ يَلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
شـ
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ
اُلْمُخْرَجِينَ
(١٦٩
رَبِّ نَجِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ
١٦٨
فَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ ﴿٣ إِلَّا عَجُوزَا فِى الْغَيِينَ
وَأَمْطَرْنَا
ثُمَّ دَقَرْنَا الْآخَرِينَ
عَلَيْهِمْ قَطَرِّاً فَسَآَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَرَبِزُ الرَّحِيمُ
١٧٥)
(١٧٤
القراءات:
﴿أَجْرِىَ إِلَّا﴾:
قرئ :
١- (أجريَ إلا) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص.
٢ - (أجري إلا) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿َِّى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ على حذف مضاف، أي عقوبة ما يعملون من
الفاحشة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
البلاغة:
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ.

٢٢٥
اِلُ (١٩) - الشعراء: ١٦٠/٢٦-١٧٥
﴿قَالَ﴾ ﴿مِّنَ اَلْقَالِينَ﴾ جناس ناقص، الأول من القول، والثاني من القِلى
مصدر قَلَى: أبغض بغضاً شديداً.
المفردات اللغوية:
﴿أَخُوُهُمْ﴾ الذي يعايشهم في السكن والبلد، لا في الدين والنسب؛ لأنه
ابن أخي إبراهيم من أرض بابل ﴿الذُّكْرَانَ﴾ الذكور ﴿مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ من الناس
﴿لَكُمْ﴾ لأجل استمتاعكم ﴿مِّنْ أَزْوَجِكُمْ﴾ أي أقبالهن ﴿عَادُونَ﴾ متجاوزون
الحدود الشرعية والعقلية والفطرية السليمة من الحلال إلى الحرام ﴿لَيْنِ لَّمْ تَلَتَهِ
يَلُوطُ﴾ عن إنكارك علينا ﴿مِنَ اٌلْمُخْرَحِينَ﴾ المطرودين المنفيين من بلدنا
﴿ اَلْقَالِنَ﴾ المبغضين لفعلكم غاية البغض أو أشد البغض ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي
من عذاب أو عقوبة أو شؤم عملهم.
﴿ وَأَهْلَهُ﴾ أي أهل بيته والمتبعين له على دينه، أخرجه الله من بينهم وقت
حلول العذاب بهم ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ هي امرأة لوط ﴿فِىِ الْغَبِينَ﴾ الباقين في
العذاب، أصابها حجر في الطريق فأهلكها؛ لأنها كانت مائلة إلى القوم،
راضية بفعلهم، وقيل: كانت فيمن بقي في القرية، فإنها لم تخرج مع لوط
﴿وَقَّرْنَا اُلْأَخَرِينَ﴾ أهلكناهم أشد إهلاك ﴿ وَأَمَطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًا﴾ قيل: أمطر الله
عليهم حجارة، فأهلكهم ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرهم، واللام فيه
للجنس، حتى يصح وقوع المضاف إليه فاعل (ساء) والمخصوص بالذم
محذوف، وهو مطرهم.
المناسبة:
هذه قصة أخرى كسابقاتها للعبرة والعظة، هي قصة لوط بن هاران بن
آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام، بعثه الله تعالى إلى أمة عظيمة
في عهد إبراهيم، تسكن من قطاع الأردن سدوم وأعمالها التي أهلكها الله

٢٢٦
لُهُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ /١٦٠-١٧٥
وهي عمورة وثلاثة مدن أخرى، وجعل مكانها بلاد الغَوْر المتاخمة لجبال بيت
المقدس، والمحاذية لبلاد وجبال الكرك والشوبك، والمجاورة للبحر الميت
(بحيرة لوط) فدعاهم إلى عبادة الله عز وجل وحده، لا شريك له، وأن يطيعوا
رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما ابتدعوه
من الفواحش، مما لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، من إتيان الذكور دون
الإناث.
التفسير والبيان:
إِ لَكُمْ
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلَا نَنَّقُونَ
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِ الْمُرْسَلِينَ
(١) فَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
رَسُولُ أَمِينٌ
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٩)﴾ أي إن قوم لوط كذبوا نبيهم المرسل إليهم، ومن
كذَّب رسولاً فقد كذب جميع المرسلين، حين قال لهم لوط عليه السلام: ألا
تتقون عذاب الله بترك معاصيه، فإني رسول لكم مؤتمن على تبليغ رسالته،
فاتقوا الله بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وأطيعوني فيما آمركم به من عبادة
الله وحده، وإتيان النساء بالزواج وما أنهاكم عنه من ارتكاب الفواحش، ولا
أطلب منكم أجراً أو جزاء على تبليغ رسالتي، فما جزائي إلا على الله رب
الإنس والجن وجميع العوالم في الأرض والسماء.
ثم وبخهم وقرعهم وأنكر عليهم ظاهرة الفحش الشنيعة قائلاً: ﴿أَتَأْتُونَ
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَبِكُمْ﴾ أي كيف
١٦٥
الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
تقدمون على شيء شاذ جداً، أترتكبون هذه المعصية الشنيعة؟ وهو إتيان
الذكور من الناس، وهو كناية عن وطء الرجال، وكانوا يفعلون ذلك
بالغرباء، وسماه الله تعالى فاحشة، فقال: ﴿أَتَأَتُنَ اُلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ
أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٨٠] وتتركون إتيان نسائكم اللاتي جعلهن الله
للاستمتاع الطبيعي بهن، كما قال تعالى: ﴿فَأَتُهُرجَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ ﴾
[البقرة: ٢٢٢/٢] .

٢٢٧
الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٦٠-١٧٥
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ﴾ أي لكن أنتم قوم متجاوزون الحد في الظلم وفي
جميع المعاصي، ومنها هذه الفعلة الشنيعة.
وقوله: ﴿بَلْ﴾ إضراب، بمعنى الانتقال من شيء إلى شيء، لا أنه إبطال لما
سبق من الإنكار عليهم وتقبيح أفعالهم. والمراد: بل أنتم أحق بأن توصفوا
بالعدوان، حيث ارتكبتم مثل هذه الفاحشة.
ولما نهاهم عن هذا الفعل القبيح توعدوه وهددوه:
﴿قَالُواْ لَيْنِ لَّمْ تَتَهِ يَوْظُ لَتَكُنَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ()﴾ أي قال قوم لوط له: لئن
لم تنته عن دعواك النبوة، وعن الإنكار علينا فيما نأتيه من الذكور، وهو ما
جئتنا به، لنطردنك وننفينك من هذه البلدة التي نشأت فيها، ونبعدنك من
فَمَا كَانَ جَوَابَ
بيننا، كما أبعدنا من نهانا قبلك، كما قال تعالى:
قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوَاْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ
٥٦
[النمل: ٥٦/٢٧].
فأجابهم بأن إبعاده لا يمنعه من الإنكار عليهم والتبرؤ منهم لما رأى أنهم لا
يرتدعون عما هم فيه، وأنهم مستمرون على ضلالتهم، فقال:
﴿إِىِ لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ﴾ أي إني من المبغضين بغضاً شديداً لعملكم، فلا
أرضاه ولا أحبه، وإني بريء منكم، وإن هددتموني وأو عدتموني بالطرد. وكونه
بعض القالين يدل على أنه يبغض هذا الفعل ناسٌ غيره، هو بعضهم، وقوله:
﴿مِّنَ الْقَالِينَ﴾ أبلغ من أن يقول: إني لعملكم قالٍ.
وفيه تنبيه على أن هذا الفعل موجب للبغض، حتى يبغضه الناس.
ثم دعا الله بإنجائه من سوء فعلهم قائلاً:
﴿رَبِّ نَجِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ (﴿1﴾ أي ياربّ، خلّصني من عقوبة ما
يعملون من المعاصي، ونجني من شؤم أعمالهم.

٢٢٨
الجزءُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٦٠-١٧٥
والخلاصة: إنهم لما توعدوه بالإخراج، أخبرهم ببغض عملهم، ثم دعا ربّه
بالنجاة من سوء فعلهم. فأجاب الله دعاءه :
﴿فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِيَنَّ (٤) إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ (٣)﴾ أي فنجيناه وأهل
بيته ومن آمن به جميعاً ليلاً من عقوبة عملهم ومعاصيهم، إلا امرأة عجوزاً هي
امرأته، وكانت عجوز سَوْء لم تؤمن بدين لوط، بقيت مع القوم ولم تخرج،
فهلكت، كما قال سبحانه: ﴿إِلَّا أَقْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ١١/
٨١] لأنها كانت راضيةً بسوء أفعالهم، وتنقل إليهم الأخبار.
وَأَمَّطَرْنَا عَلَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٣)﴾ أي ثم
﴿فُمَّ دَقَرْنَا الْآَخَرِينَ
أهلكنا القوم الآخرين الباقين الذين انغمسوا في المنكرات، وكفروا بالله الذي
خلقهم، ولم يؤمنوا برسله، وأنزلنا عليهم العذاب الذي عم جميعهم، وأمطرنا
عليهم حجارة من سجّيل منضود، فبئس هذا المطر مطر المهلَكين المنذَرين
بالهلاك. قال قتادة: أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم.
وقال مقاتل: خسف الله بقوم لوط، وأرسل الحجارة على من كان خارجاً من
القرية، ولم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط. وقال وهب بن مُنِّه: أنزل الله
عليهم الكبريت والنار، أي فجر الله فيها البراكين النارية. و﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ لم يرد
بهم قوماً بأعيانهم، إنما هو للجنس، والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم.
والخلاصة: إن عقابهم كان زلزالاً شديداً جعل بلادهم عاليها سافلها،
وكان مصحوباً بكبريت ونار وحجارة من السماء، فأحرقت قراهم، كما قال
تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن
سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ (٨)﴾ [هود: ٨٢/١١] فالعقوبة: هي الزلزال والبركان.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُ مُؤْمِنِينَ ﴿٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَمُوَ الْعَزِبِزُ الرَّحِيمُ
وهذه هي العبرة والخاتمة التي ختمت بها القصة، كما ختمت بها
قصص الأنبياء المتقدمين، والمعنى: إن في تلك القصة لعبرة وعظة لكل متأمل،

٢٢٩
لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٦٠-١٧٥
حيث أهلك الله العصاة الموغلين في المعصية، وهم الفاعلون فعل قوم لوط،
ونجى المؤمنين الصالحين الذين أنكروا تلك الفاحشة، وكانت امرأة لوط من
الهالكين لتواطئها مع قومها، ومحبتها فعلهم، ولم تنفعها صلتها بالنبي لوط
عليه السلام؛ لأن لكل امرئ ما اكتسب من الإثم، وما كان أكثر هؤلاء القوم
بمؤمنين، بل كانوا كافرين، وإن ربك لهو المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه
المؤمنين التائبين.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الكفر بالله تعالى ورسله، والشذوذ الجنسي (فعل قوم لوط) وترك
الاستمتاع الطبيعي الحلال من طريق الزواج بالنساء، مدعاة للانتقام الإلهي،
والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة.
ومهمة النبي لوط عليه السلام كانت صعبة جداً في علاج هذا الأمر
المتأصل المستعصي في قومه، فأنكر عليهم أشد الإنكار، ووَجهم أشد التوبيخ،
ووصفهم بأنهم قوم موغلون في العدوان وتجاوز حدود الله، وأعلن بغضه
الشديد لعملهم، بالرغم من تهديدهم له بالطرد والإبعاد من بلدهم.
ولما يئس لوط عليه السلام من إيمان هؤلاء القوم بالله، والتطهر من فعل
الفاحشة الشنيعة، دعا ربه بأن ينجيه وأهله من عذاب عملهم، وألا يصيبه
من عذابهم، وهذا يتضمن الدعاء عليهم، ولا يدعو النبي على قومه إلا بإذن
من ربه.
فأجاب الله دعاءه، ونجاه وأهل بيته ومن آمن معه أجمعين من العقاب
الأليم الذي أنزله بهم، إلا امرأته العجوز بقيت في عذاب الله تعالى.
وكان العقاب الدنيوي هو الإهلاك بالخسف والحصب، أي بالزلزال
والبركان، فأمطر الله عليهم الحجارة، بأن خسف جبريل عليه السلام بقريتهم
وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة.

٢٣٠
الُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٧٦-١٩١
إن في ذلك لآية وأي آية، والعاقل من اتعظ بغيره، ولم يكن من قوم لوط
مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه، والله قادر على الانتقام من أعدائه، وهو في
الوقت نفسه رحيم بأوليائه المؤمنين.
القصة السابعة
قصة شعيب عليه السلام مع قومه
إِنّى لَكُمْ
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا نَنَّقُونَ
١٧
﴿ كَذَبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ
رَسُولُ أَمِينٌ (﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
١٧٩)
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٨٠
أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ
WI
وَزِنُواْ
وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ
وَأَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَِّينَ
١٨٥)
قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ
١٨٤
وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ ﴿َ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ
قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
٨٧
السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
فَكَذَّبُوهُ
١٨٨
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا
١٩١
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
١٩٠
كَانَ أَكْثَّهُمْ مُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿أَجْرِىَ إِلَا﴾:
قرئ:
١- (أجريَ إلا) وهي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص.
٢- (أجري إلا) وهي قراءة الباقين.
﴿ أَصْحَبُ لَيْكَةِ﴾ :

٢٣١
الُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٧٦-١٩١
قرئ:
١- (أصحابُ لَيْكَةَ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وابن عامر.
٢- (أصحابُ الأيكةِ) وهي قراءة الباقين.
بالقِسْطَاسِ
:
قرئ:
١- (بالقِسطاس) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (بالقُسطاس) وهي قراءة الباقين.
﴿ كِسَفَا﴾:
وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون: (كِسْفاً).
﴿رَبِّ أَعْلَمُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (ربيَ أعلم).
الإعراب:
﴿لَيْكَةِ﴾ معرَّف بالألف واللام، ومجرور بالإضافة، يقرأ بالهمزة
وبتخفيفها، وهو الوجه ويقرأ بلام أصلية مفردة (لَيْكةَ)) بالنصب: اسم بلد،
على أنه ممنوع من الصرف للتعريف (العلمية) والتأنيث، ووزنه ((فَعْلة)).
والواقع أن أصل: ((ليكة)): الأيكة، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام تخفيفاً ثم
حذفت، فاستغني عن همزة الوصل، وصارت الكلمة ((ليكة)). وكتبت هنا وفي
سورة ﴿صََّ﴾ بغير ألف اتباعاً للفظ.
البلاغة:
أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ (٨)﴾ إطناب؛ لأن وفاء الكيل
نهي عن الخسران.

٢٣٢
لُحُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٧٦-١٩١
المفردات اللغوية:
﴿لَيْكَةِ﴾ غيضة شجر كثير ناعم ملتف، قرب مدين، بعث الله إلى أهلها
شعيباً عليه السلام، كما بعث إلى مدين، ولم يكن منهم نسباً، وكان أجنبياً
منهم، ولذلك قال: ﴿إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبُ﴾ ولم يقل ((أخوهم)). جاء في الحديث:
((إن شعيباً أخا مدين أرسل إليهم، وإلى أصحاب الأيكة)). ﴿أَوْفُواْ الْكَيْلَ﴾ أتموه
﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين حقوق الناس بالتطفيف.
﴿بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الميزان السوي أو العدل ﴿ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ
أَشْيَاءَ هُمْ﴾ لا تنقصوهم من حقهم شيئاً ﴿ وَلَا تَعْثَوْ فِ اٌلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي لا
تفسدوا أشد الإفساد بالقتل والغارة وقطع الطريق، يقال: عثا في الأرض:
أفسد فيها، و﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لمعنى عاملها ﴿وَالْجِلَّةَ﴾ أي ذوي
الجبلة، أي الخلقة والطبيعة، يقال: جُبل فلان على كذا، أي خُلِقٍ، والمراد:
أنهم كانوا على خلقة عظيمة ﴿اَلْأَوَّلِينَ﴾ من تقدمهم من الخلائق ﴿اٌلْمُسَخَّرِينَ﴾
المغلوبين على عقولهم بكثرة السحر.
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين
متنافيين للرسالة، مبالغة في تكذيبه، أي المسحور البشر ﴿ وَإِن نَّظُنُّكَ﴾ (إن)
مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، أي إنه ﴿لَمِنَ الْكَذِبِينَ﴾ في دعواك
(كِسَفَا﴾ جمع كِسْفة أي قطعة (وزناً ومعنى) والمراد قطع عذاب. ﴿الظُّلَّةِ﴾
السحابة التي أظلتهم بعد حر شديد أصابهم، فاجتمعوا تحتها، ثم أمطرتهم
ناراً فاحترقوا جميعاً.
﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ إلى قوله ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هي مقالة الأنبياء
السابقين نفسها.
المناسبة:
هذا آخر القصص السبع المذكورة في هذه السورة باختصار، إيناساً لرسول

٢٣٣
الخُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٧٦-١٩١
الله وَير عما يلقاه من إعراض قومه، فيغتم ويحزن، وتهديداً للمكذبين به،
وإعلاماً باطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به،
واقتراحهم له استهزاءً وعدم مبالاة به.
وهي قصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا﴾ ومع أهل الأيكة، وهم قوم كانوا أصحاب غيضة وشجر وزرع
وثمر، بعثه الله إليهم، لإصلاح الوضع الاجتماعي المتردي فيهم، وهو بخس
الكيل والميزان وتطفيفه، والإفساد الشديد في الأرض، فنصحهم بإيفاء الكيل
والميزان، وألا يعثوا في الأرض مفسدين، فكذبوه، فأهلكهم الله بعذاب يوم
الظلة.
التفسير والبيان:
إِی لَكُمْ
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُّ أَلَا نَنَّفُونَ
﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ.
وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
٧٩
رَسُولُ أَمِينٌ (﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
﴾ أي كذب أصحاب الغيضة وهي الشجر الكثير الملتفّ،
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (
وكانت قرب مدين، وقال ابن كثير: ((أصحاب الأيكة: هم أصحاب مدين
على الصحيح))(١). كذبوا رسولهم الذي بعث إليهم، وهو شعيب عليه السلام.
كذبوه حين قال لهم شعيب: ألا تتقون عذاب الله؟! بالإيمان به وبرسوله
وبالامتناع عن معاصيه. ولم يقل ((أخوهم شعيب)) لأنه كما يرى الزمخشري
والبيضاوي والرازي لم يكن منهم نسباً. ورأى ابن كثير أنه تعالى قطع نسب
الأخوة بينه وبينهم، للمعنى الذي نسب إليهم وهو عبادة الأيكة وهي شجرة،
وإن كان أخاهم نسباً.
(١) تفسير ابن كثير: ٣٤٥/٣

٢٣٤
الُُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٧٦-١٩١
وحثهم بإخلاص على اتباع رسالته مطمئناً لهم بصراحة أنه رسول إليهم
مرسل من عند الله، أمين على تبليغ الرسالة بكاملها، فاتقوا الله وخافوه
بامتثال أمره واجتناب نهيه، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه، وما أطلب
منكم أجراً وجزاء مادياً أو معنوياً كجاه أو سلطان أو رياسة على تبليغي
الرسالة، فما جزائي إلا على الله الذي أرسلني إليكم.
نصحهم بهذه النصائح الأساسية في رسالته، ثم أمرهم بأشياء قائلاً:
أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ
اً - إيفاء الكيل والميزان:
أي إذا بعتم فأتموا الكيل والميزان، ولا تكونوا ممن ينتقص الناس حقوقهم،
وإذا اشتريتم فلا تزيدوا في الوزن والكيل طمعاً بأموال الناس، كما لو بعتم،
أي إن الواجب يقتضي المساواة في الأخذ والعطاء، فخذوا كما تعطون،
وأعطوا كما تأخذون.
أي وزنوا بالميزان العادل السوي، ونظير
﴿ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ لَ﴾
الآية قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
اٌلَِّينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَهِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونٌ
وَإِذَا كَالُوُهُمْ أَوْ وَزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ
[المطففين: ١/٨٣-٤] فهذا نهي عن التطفيف في الكيل والوزن، يشمل المساواة في
الأخذ والعطاء والبيع والشراء.
ثم نهاهم عن الظلم والبخس نهياً عاماً في كل حق فقال:
أَ - عدم إنقاص الحقوق: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي ولا
تنقصوهم أموالهم أو حقوقهم في أي شيء مكيل أو موزون، مذروع أو
معدود، فشمل كل المقادير، وأوجب العدل في المقاييس عامة، كيلاً أو وزناً
أو مساحة أو قدراً، كذلك شمل حقوقهم الأدبية والمعنوية كالحفاظ على
الكرامة والعرض، قال الرازي: وهذا عام في كل حق يثبت لأحد ألا يهضم،
1

٢٣٥
لُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٧٦-١٩١
وفي كل ملك ألا يغصب مالكه، ولا يتصرف فيه إلا بإذنه تصرفاً شرعياً. ثم
نهاهم عن الإفساد في الأرض بجميع أنواعه فقال:
◌َّ - عدم الإفساد: ﴿ وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي ولا تفسدوا أشد
الإفساد في الأرض كقطع الطريق والغارة والنهب والسلب والقتل وإهلاك
الزرع وغير ذلك من أنواع الفساد التي كانوا يفعلونها.
أي وخافوا
١٨٤)
٤ - تقوى الله: ﴿ وَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَِّينَ
بأس الله الذي تفضل عليكم بخلقكم وخلق من تقدمهم من ذوي الخلقة
المتقدمين، من آبائهم الذين انحدروا منهم وكانوا في الظاهر سبب وجودهم
وخلقهم، ومنهم أصحاب البأس والقوة والمال كقوم هود وقوم صالح. وهذا
كما قال موسى عليه السلام سابقاً: ﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:
٢٦/٢٦] .
فأجابوه بالطعن في رسالته من ناحيتين، ثم بالاستخفاف بالوعيد والتهديد.
أما الطعن فهو :
أَ - ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ، وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أي ما أنت إلا
رجل مسحور مغلوب على عقله، فلا يسمع لقولك، ولا يؤبه لنصحك. وهذا
مثلما أجابت به ثمود رسولها، تشابهت قلوبهم، واتفقت منازع الكفر فيهم.
ثم قالوا له: إنك مثلنا بشر، فما الذي فضّلك علينا، وجعلك نبياً ورسولاً
دوننا؟ !. وأتوا بالواو في قولهم ﴿وَمَا﴾. للتعبير عن قصدهم معنيين كلاهما
منافٍ للرسالة في تقديرهم: السحر والبشرية. وإذا تركت الواو فلم يقصدوا
إلا معنى واحداً، وهو كونه مسحراً، ثم قرروا كونه بشراً مثلهم.
٢ً - ﴿وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ﴾ أي ويغلب على ظننا أنك ممن تعمد
الكذب فيما يقول، ولست ممن أرسلك الله إلينا.

٢٣٦
الجُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٧٦-١٩١
وأما الاستخفاف بالتهديد فهو:
أي إن كنت
MAY
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
صادقاً في تهديدك ووعيدك بأننا سنعذب، فأنزل علينا قطعاً من السحاب فيها
نوازل العذاب. وما كان طلبهم ذلك إلا لتصميمهم على الجحود والتكذيب
والعناد واستبعادهم وقوع العذاب. وبعبارة أخرى: إن كنت صادقاً أنك نبي،
فادع الله أن يُسقط علينا كِسَفاً من السماء. والسماء: السحاب أو المظلة.
وهذا شبيه بما قالت قريش للنبي عليه فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى:
﴿ وَقَالُوْ لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًاَ ﴿٢﴾ إلى أن قالوا:
﴿تُشْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلْبِكَةِ قَبِيلًا﴾
[الإسراء: ٩٠/١٧ -٩٢] وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ
اَلْحَقَّ مِنْ عِندِلَكَ فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢/٨].
وهم بهذا ظنوا أنه إذا لم يقع العذاب ظهر كذبه، فأجابهم شعيب عليه
السلام: ﴿قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿﴾ أي قال شعيب: الله ربي أعلم
بعملكم، فيجازيكم عليه، إما عاجلاً وإما آجلاً، وأما أنا فلا قدرة لي على
إنزال العذاب، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به، وهو غير ظالم لكم.
وهذا دليل على أنه لم يَدْعُ عليهم، بل فوض الأمر في التعذيب إلى الله
تعالى، فلما استمروا في التكذيب أنزل الله عليهم العذاب على ما اقترحوا من
عذاب يوم الظُّلَّة، فقال تعالى:
﴿فَكَذَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الْقُلَّةِّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمِ (9َ﴾ أي
فلما أصروا على التكذيب واستمروا عليه، جوزوا بعذاب الظلة وهو أنهم
أصيبوا بحر عظيم، أخذ بأنفاسهم، لا ينفعهم ظل ولا ماء، فاضطروا إلى
الخروج إلى البرية، فأظلتهم سحابة، وجدوا لها برداً ونسيماً، فاجتمعوا
تحتها، فأمطرت عليهم ناراً، فاحترقوا جميعاً. وهذا كما حكى الله تعالى

٢٣٧
الُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٧٦-١٩١
[الطور: ٥٢ /
بقوله: ﴿وَإِن يَرَوْ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَّكُومُ
٤٤] .
إن ذلك العذاب عذاب شديد الهول، عظيم الوقع، أدى إلى الإفناء:
(٣) أي في تلك القصة البليغة
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
لعبرة وعظة يا أهل مكة وغيركم من الكفار، تلك العبرة الدالة بوضوح على
صدق الرسل، ومجيء العذاب بتوقيت الله، وما كان أكثر قوم شعيب
بمؤمنين.
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (﴿1﴾ أي وإن الله ربك يا محمد لهو القادر
على الانتقام من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين.
وهذه هي الخاتمة بذاتها التي ختمت بها القصص السبع المذكورة في هذه
السورة للدلالة على وجوب استنباط العظة والعبرة من كل قصة، وكلها دليل
قاطع على أن القرآن كلام الله الذي يخبر وحده عن الغيب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِی
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [يوسف: ١١١/١٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
تكرر في المناسبة والتفسير بيان الهدف العام من هذه القصة وغيرها من
القصص السابقة، وكان مجموعها في هذه السورة سبعاً، فإن الله تعالى أنزل في
قرآنه هذه القصص تسلية لرسوله محمد وَّلته، وإزالة للحزن عن قلبه، بسبب
صدود الناس عن دعوته، وهي تسرية دائمة لكل داعية مخلص، حتى لا ييأس
ولا يعجز، ولا يلين ولا يقف عن السير في دعوته، فيستمر ثابت الخطا،
ماضي العزم، رافع الرأس معتزاً بما يقوم به.
والخلاصة: إن السبب في تشابه بداية هذه القصص وآخرها: هو التأكيد
وتقرير المعاني في النفوس وتثبيتها في الصدور.

٢٣٨
لِجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٧٦-١٩١
وفهم من هذه القصص أن الله هو الذي أنزل العذاب على المكذبين لرسله،
وأنه إنما أنزله عليهم جزاء وفاقاً على كفرهم، لا ظلماً ولا تشفياً ولا ثأراً،
وإنما لإرساء معالم الحق، وتوطيد صرح العدل بين الخلائق.
ويلاحظ أن جميع الأنبياء متفقون على أصول الرسالات من الدعوة إلى
توحيد الله، واحترام الفضائل ومحاربة الرذائل، ثم يقوم كل واحد منهم
بمعالجة الظواهر المرضية، والأوضاع الشاذة عند قومه، فهذا هود عليه
السلام ينكر على قومه العبث بالبناء، والطمع في الدنيا كأنهم مخلدون،
والبطش بطش الجبارين وغير ذلك من النزعات المعنوية المغالية؛ وهذا صالح
عليه السلام ينكر على قومه إقامة البيوت في الجبال بطرين أشرين مستكبرين،
حريصين على الملذات الحسية المادية؛ وهذا لوط عليه السلام يستنكر الفاحشة
الشنيعة وهي إتيان الذكور في أدبارهم، وترك إتيان النساء الأزواج في
أقبالهن؛ وهذا شعيب ينكر على قومه الظلم الاجتماعي بسرقة أموال الناس
وإهدار حقوقهم بتطفيف الكيل والميزان، فيأمرهم بإيفاء الكيل والوزن كاملاً
غير زائد ولا ناقص، وبألا يبخسوا الناس أشياءهم، وألا يعثوا في الأرض
فساداً، وأن يتقوا الله الذي خلقهم وخلق آباءهم العظام الأولين. ومن أنعم
بهذه النعم كان هو المستحق للعبادة، لكنهم قوم ظالمون كافرون بالقيم
والأخلاق الاجتماعية، مستصغرون وعيد الرسل، مستخفون بنصحهم
ووعظهم.
وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحداً على صيغة واحدة: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى، والطاعة والإخلاص في
العبادة، والامتناع عن أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
واتفق هؤلاء الرسل على الترفع عن مقابلة إساءة أقوامهم لهم واتهاماتهم
الباطلة، والصبر على الدعوة، وتفويض الأمر الحازم الحاسم بإنزال العذاب

٢٣٩
لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٧٦-١٩١
وغيره إلى الله عز وجل، ليبقوا في مرتبة البشرية التي ظنها الكفرة نقصاً، وهي
في الحقيقة عنوان العبودية لله عز وجل.
وأما صفة عذاب قوم شعيب وإهلاكهم، فإن الله أبانها في ثلاثة مواطن،
كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم
الرجفة، فأصبحوا في دارهم جائمين؛ لأنهم قالوا: ﴿لَتُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَتِنَا﴾ [٨٨] فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه،
فأخذتهم الرجفة.
وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [٦٧] ولأنهم
استهزؤوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ
أَن نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [٨٧] قالوا ذلك
على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحةٌ تسكتهم، فقال:
﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ الآية.
وهاهنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ الآية على وجه التعنت
والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
اُلْقُلَّةِّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: إن الله
سلَّط عليهم الحر سبعة أيام، حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم
سحابة، فانطلق إليها أحدهم، فاستظل بها، فأصاب تحتها برداً وراحة،
فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعاً، فاستظلوا تحتها، فأججت عليهم ناراً (١).
(١) تفسير ابن كثير: ٣٤٦/٣

٢٤٠
الُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٩٢-٢١٢
إنزال القرآن من عند الله
لإنذار المشركين وبشارة المؤمنين
عَلَى قَلْكَ لِتَكُونَ مِنَ
١٩٣
نَزَّلَ بِهِ الزُُّعُ الْأَمِينُ
﴿ وَإِنَّهُ لَتَغْزِيْلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَإِنَُّ لَفِى زُيُرِ الْأَوَّلِينَ
١٩٥
◌ِلِسَانٍ عَرَبِّ ◌ُبِينٍ
١٩٤
اُلْمُنْذِرِينَ
، أَوَلَ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةً
أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَوُاْ بَنِيّ إِسْرَاءَ يِلَ
١٩٧
وَلَوْ نَزَّْنَهُ عَى بَعْضِ اُلْأَعْجَمِينَ
١٩٨
فَقَرَهُ عَلَيْهِم
لَا يُؤْمِنُونَ
كَذَلِكَ سَلَكْنَنهُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِنَ
٩٩
مَّا كَانُواْ بِهِ، مُؤْمِنِينَ
فَيَقُولُواْ
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
بِهِ، حَتَّى يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (
هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
٢٠٥
أَفَرَءَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ
ثُمَ جَاءَ هُم مَّا كَانُواْ يُؤْعَدُونَ
مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ
وَمَآ أَهْلَكْنَا
مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ﴿َ ذِكْرَ وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ (َ ◌َ
، وَمَا نَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ
وَمَا يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
٢١٠
القراءات:
﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ
٠
١٩٣)
قرئ:
١- (نَزَل به الرُوح الأمينُ) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو،
وحفص.
٢- (نَزَّلَ به الروحَ الأمينَ) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةً﴾:
وقرأ ابن عامر (أو لم تكن لهم آيةٌ).