Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الُعُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٠-٢٢
قتله .﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ خرجت من بينكم إلی مدین .﴿فَوَهَبَ لِ رَقِ.
حكمةً وعلماً . ﴿تَمُهَا﴾ تمنُّ بها، أي وتلك التربية نعمة تمتن علي بها ظاهراً،
وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وذبح أبنائهم، أي اتخذتهم عبيداً، ولم
تستعبدني، لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم. وقدر بعضهم أول الكلام
همزة استفهام للإنكار، أي أَوَتلك نعمة تمنها علي وهي أن عبدت؟ والمعنى:
تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي، وأنك لم تستعبدني.
المناسبة:
هذه القصة التي ترددت في القرآن كثيراً في سور عديدة(١) يراد من ذكرها
هنا إيناس النبي ◌ُّل﴾ عما يلقاه من قومه من صدود وإعراض وتكذيب، فبعد
أن ذكر الله تعالى تكذيب المشركين برسالته وإنذارهم وإثبات وحدانية الله لهم
بإنبات النبات، ذكر قصة موسى مع فرعون وقومه الذين كذبوه مع إثبات نبوته
بالمعجزات البينات، ولما لم تغن الآيات والنذر، حاق بالمكذبين سوء
العذاب، وأغرقهم الله في اليم، جزاء جحودهم وتكذيبهم.
التفسير والبيان:
يبدأ الله تعالى القصة من بدء بعثة موسى بن عمران عليه السلام وتكليم ربّه
له ومناجاته إياه من جانب الطور الأيمن، فيقول:
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىَ أَنِ أَنْتِ اٌلْقَوَّمَ اُلَّلِمِينَ ﴿ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَنَّقُونَ
أي، اذكر يا محمد لقومك حين نادى الله موسى من جانب الطور الأيمن
بالوادي المقدس طُوى، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب
إلى فرعون وملئه القوم الظالمين أنفسهم بالشرك واستعباد بني إسرائيل وذبح
أولادهم، فيدعوهم إلى عبادة الله وحده، وتخلّيهم عن فكرة تأليه فرعون.
(١) ذكرت قصة موسى في البقرة، والأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والنمل،
والقصص، وغافر (المؤمن)، والسجدة (فصلت)، والنازعات، بأساليب مختلفة.

١٤٢
الُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٠-٢٢
وقال الله لموسى تعجيباً من حالهم: ألا يتقونني، ألا يخافون بطشي
وانتقامي في الآخرة، ويحذرون عصياني وعذابي على كفرهم وبغيهم. وقوله:
﴿أَلَا يَنَّقُونَ﴾ كلام مستأنف، أتبعه تعالى إرساله إليهم للإنذار وتسجيل
الظلم عليهم، وأمنهم العواقب وقلة خوفهم.
والنداء الذي سمعه موسى عليه السلام من الله تعالى هو كلام الله القديم
المنزه عن مشابهة الحروف والأصوات، مع أنه مسموع، على رأي أبي الحسن
الأشعري. وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام كان
نداء من جنس الحروف والأصوات(١).
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِبُونِ
وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِىِ﴾ أي
١٢
قال موسى مجيباً ربّه: يا ربّ، إني أخشى تكذيبهم لي، فأحزن ويضيق صدري
تأثراً وتألماً بما يعملون، ولا ينطلق لساني بما يجب علي من أداء الرسالة، بل
أتلعثم، وأخي هارون أفصح مني لساناً، وأقوى بنياناً.
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾ أي فاجعل هارون نبياً مثلي، أو أرسل جبريل عليه
السلام له بالوحي ليكون معي نبياً ورسولاً، يؤازرني ويعاضدني، فتتحقق
أعباء الرسالة على الوجه الأكمل. وسبب آخر هو:
﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣)﴾ أي ولهم آل القبط علي تبعة جرم
بقتل قبطي خطأ قبل الرسالة أدى إلى خروجي من مصر، فأخاف إن كنت
وحدي أن يقتلوني بسبب ذلك، وحينئذٍ لا يحصل المقصود من البعثة، وأما
هارون فليس متهماً بشيء، فيتحقق المقصود من البعثة. وهذا إيماء إلى أن الخوف
قد يطرأ على الأنبياء كما يطرأ على غيرهم من البشر، وقد وقع مثل هذا لنبينا،
حتى طمأنه الله بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ [المائدة: ٦٧/٥].
(١) تفسير الرازي: ١٢١/٢٤

١٤٣
لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٠-٢٢
والخلاصة: هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه، وأسباب لبعثة هارون معه
إلى فرعون وقومه، بدأ بخوف التكذيب من فرعون وملئه، ثم ثنّ بضيق الصدر
تأثراً وتألماً، ثم ثلَّث بعدم انطلاق اللسان، وأما هارون فهو أفصح لساناً،
وأهدأ بالاً، ثم ربَّع بوجود تبعة الذنب وهو جرم القتل خطأ قبل النبوة،
فخاف أن يبادروا إلى قتله، فيفوت أداء الرسالة ونشرها. ويجمع مطالبه
أمران: طلب دفع السوء أو الشر أو التقصير عنه، وإرسال هارون معه.
فأجابه الله إليها فقال:
﴿قَالَ كَلَّ فَأَذْهَبَا بِشَايَِنَّ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (3)﴾ أي قال الله له: ارتدع يا
موسى عما تظن، ولا تخف من شيء، فإنهم لا يقدرون على قتلك، وأجابه إلى
المطلب الثاني بقوله: ﴿فَأَذْهَبَا﴾ أي اذهب أنت وأخوك الذي طلبته وهو
هارون إلى فرعون وملئه بآياتنا ومعجزاتنا الدالة على صدقكما، وأنا ناصركما
ومعينكما، كما قال تعالى: ﴿لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٢٠/
٤٦] أي إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأییدي، وقوله: ﴿إِنَّا)﴾ یرید
نفسه تعالى، وقوله: ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون، وإنما
أراد بذلك تقوية قلبيهما، وأنه يعينهما ويحفظهما.
﴿فَأَتِيَا فِرْعَوَنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعْنَا بِىّ إِسْرَِّيلَ
١٧
أي فاذهبا إلى فرعون، فقولا له بلين ورفق: إننا رسولا ربّ العالمين أرسلنا
الله لك ولقومك أي أرسل كلاً منا إليك، فأطلق حرية بني إسرائيل، ليعبدوا
ربّهم في أرض الله الواسعة، ويعودوا معنا إلى الأرض المقدسة: فلسطين.
وجاء لفظ الرسول هنا مفرداً، وفي آية أخرى مثنى ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾
[طه: ٤٧/٢٠] لأن الرسول يطلق على الواحد وغيره؛ لأنه اسم جنس، أو لأنه
بمعنى الرسالة، أي إنا ذوا رسالة ربّ العالمين، أو لأنهما على شريعة واحدة
وإخوة كأنهما رسول واحد، أو كل واحد منا رسول.

١٤٤
لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٠-٢٢
فأعرض عنهما فرعون، ونظر إلى موسى وأجابه بازدراء وتقريع معاتباً إياه
بأمرين :
الأول:
؟ أي في الكلام
١٨
﴿ قَالَ أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِدًا وَلَبِئْتَ فِنَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ
حذف، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون: ما هذا
هو المؤمل منك، أأنت الذي ربيناك صغيراً في بيوتنا وعلى فراشنا، ولم نقتلك
من جملة من قتلنا، وأنعمنا عليك مدة من السنين - قيل: لبث عندهم ثلاثين
سنة - ثم تقابل الإحسان بكفر النعمة، وتبادرنا بما تقول؟ ومتى كان هذا
الذي تدعیه؟
الثاني:
﴾ أي وقتلت أيضاً
١٩
﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ اُلَتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ (
رجلاً منا، وهو ذلك القبطي الذي وكزته فقضيت عليه، وهو من أتباعي،
فإنه كان خباز فرعون، وكنت من جاحدي النعمة، وهذا لا يليق في أخلاق
الرجال من الوفاء وردّ الجميل.
فأجاب موسى عن قضية القتل، وترك أمر التربية المعلومة الظاهرة والتي لم
ينكرها موسى؛ لأن الرسول مطالب بتبليغ الرسالة سواء كان المرسل عليه
أنعم عليه أم لا، والإعراض عن مثل هذا الكلام أولى، إذ لا مكابرة فيه.
﴿ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِينَ ﴾﴾ أي قال موسى لفرعون: فعلت تلك
الفعلة السيئة وهي قتل القبطي في تلك الحال، وأنا من المخطئين لا المتعمدين
قبل أن يوحى إلي وينعم الله علي بالرسالة والنبوة كمن يقتل خطأ من غير تعمد
للقتل، أو: وأنا من الجاهلين بأن ضربتي تؤدي إلى القتل، فإني تعمدت الوكز
دفاعاً وتأديباً، فأدى ذلك إلى القتل، وهو ما يسمى في القوانين الحديثة

١٤٥
المُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٠-٢٢
بالضرب المفضي إلى الموت. أي إن القتل الذي تعاتبني عليه لم يكن مقصوداً
مني.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿4﴾ أي
فولّيت هارباً إلى مَذْين خوفاً من بأسكم، حين أخبرني رجل، فقال لي:
﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠/٢٨] وجاء أمر آخر وهو أن
الله منحني فهماً وعلماً وحكمة (١)، وأرسلني إليك، فإن أطعته سلمت، وإن
خالفته هلكت.
ثم أجاب موسى عن فضل التربية لفرد والإساءة إلى جماعة وهم بنو إسرائيل
فقال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمِنُهَا عَلَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ ﴿3﴾ أي وما أحسنت إلي
وربيتني إلا وقد أسأت إلى بني إسرائيل قومي، فجعلتهم عبيداً وخدماً،
يقومون في أعمالك وأعمال رعيتك الشاقة، فهل الإحسان إلى رجل واحد
منهم له قيمة بالنظر إلى الإساءة إلى مجموعهم؟ فليس ما ذكرته شيئاً بالنسبة إلى
ما فعلت بهم.
فقوله: ﴿عَبَّدَتَّ بَنِىّ إِسْرَيلَ﴾ معناه اتخذتهم عبيداً لك مُسْتَذَلِّين. وإنما جمع
الضمير في ﴿مِنكُمْ﴾ و﴿خِفْتُكُمْ﴾ مع إفراده في ﴿تَمُهَا﴾ و﴿عَبَّدَتَ﴾ لأن
الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرین بقتله، بدلیل
قوله تعالى المتقدم: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ﴾ وأما الامتنان فمنه
وحده وكذلك التعبيد(٢).
(١) قال الرازي: الأقرب أن الحكم غير النبوة، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿ وَجَعَلَنِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
فالمراد بالحكم: العلم، ويدخل في العلم: العقل والرأي والعلم بالدين الذي هو التوحيد.
(٢) الکشاف: ٤٢٢/٢

١٤٦
المُعُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٠-٢٢
فقه الحياة أو الأحكام:
هذا هو الفصل الأول من قصة موسى وهارون مع فرعون وملئه، ويستفاد
منه ما يأتي:
اً - كان إرسال موسى وأخيه هارون إلى فرعون الطاغية الجبار الذي ادعى
الألوهية، ومعه قومه الظالمون بالشرك واستعباد الضعفاء إعذاراً وإنذاراً،
حتى لا يبقى لهم ولأمثالهم حجة يتذرعون بها للجهل بحقيقة الإيمان والدين.
اً - في قوله: ﴿أَلَا يَثَّقُونَ﴾ حثّ شديد على التقوى لمن تدبر وتأمل ووعى
المستقبل المنتظر.
◌َّ - قدَّر موسى خطورة المهمة وأداء الرسالة التي كلف بها إلى فرعون فسأل
ربّه أمرين: أن يدفع عنه شرهم، وأن يرسل معه هارون نبياً، فأجابه الله تعالى
إلى الأمرين، فهدَّأ خوفه وروعه، وأمره بالثقة بالله تعالى، وأيَّده بنصره
وعونه، وجعل أخاه رسولاً مثله، ليؤازره ويعاونه، كما قال تعالى: ﴿ وَأَجْعَل
لِيِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِ ﴿ هَرُونَ أَخِىِ ﴿ أُشْدُدْ بِهِ أَزْرِىِ ﴿ وَأَشْرِكُهُ فِىَ أَمْرِى
٣٢
[طه: ٢٩/٢٠- ٣٢]، وقال سبحانه: ﴿فَأَرْسِلُهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ﴾ [القصـ
٣٤/٢٨] .
قال القرطبي: وكأن موسى أُذن له في هذا السؤال، ولم يكن ذلك استعفاء
من الرسالة، بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر،
ويخاف من نفسه تقصيراً، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك
لوم(١).
1 - لا بدّ من اتخاذ الأسباب لكل مهمة خطيرة أو غير خطيرة، فذلك
(١) تفسير القرطبي: ٩٢/١٣

١٤٧
الجُزُ (١٩) - الشُّجراء: ٢٦/ ١٠-٢٢
مأمور به شرعاً، كما أن الحذر مطلوب، وتقدير المخاطر مما يوجبه الشرع
والعقل.
ه - لم يتردد موسى وأخوه هارون بعد هذا التأييد الإلهي من الذهاب إلى
فرعون الظالم، وأعلنا له أنهما رسولان إليه من ربِّ العالمين، وهذا واجب
التبليغ الذي لا بدّ فيه من الجرأة والشجاعة والصبر، حتى إنه ذكر أن فرعون
لم يأذن لهما سنة في الدخول عليه، ثم أذن استهزاء، فدخلا عليه وأدّيا
الرسالة.
٩ - كان مطلب موسى وهارون بعد إعلان الرسالة والدعوة إلى التوحيد
ونبذ الشرك مطلباً عدلاً، وهو إخلاء سبيل بني إسرائيل حتى يسيروا مع هذين
الرسولين إلى فلسطين، وإنهاء عهد الاستعباد، فإن فرعون استعبدهم أربع مئة
سنة، وكانوا في ذلك الوقت ست مئة وثلاثين ألفاً.
لاً - إن حادثة قتل القبطي من قبل موسى عليه السلام كانت قبل النبوة في
عهد الشباب، بدليل قوله بعدئذٍ: ﴿فَوَهَبَ لِ رَبِّ حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ،
وحدثت تلك الحادثة خطأ من غير تعمد القتل، وجهلاً بأن الوكزة تؤدي إلى
القتل. وقد أجاب موسى عليه السلام فرعون عن ذلك أولاً.
(#) مختلف في
٨- قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَ بَنِيّ إِسْرَةِيلَ
معناه وفائدته :
- قال السّدي والطبري والفراء: هذا الكلام من موسى عليه السلام على
جهة الإقرار بالنعمة؛ كأنه يقول: نعم! وتربيتك نعمة علي من حيث عبدَّت
غيري وتركتني، ولكن لا يدفع ذلك رسالتي.
- وقال قتادة وغيره: هو من موسى عليه السلام على جهة الإنكار؛ أي
أتمنُّ علي بأن ربيتني وليداً، وأنت قد استعبدت بني إسرائيل وقتلتهم؟ أي

١٤٨
الُعُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٢٣-٣١
ليست تلك التربية بنعمة؛ لأن الواجب كان ألا تقتلهم ولا تستعبدهم، فإنهم
قومي؛ فكيف تذكر إحسانك إلي على الخصوص؟!
وقال الأخفش والفراء أيضاً: فيه تقدير استفهام؛ أي أَوَتلك نعمة؟!
- وقال الضّحاك: إن الكلام خرج مخرج التبكيت، والتبكيت يكون
باستفهام وبغير استفهام، والمعنى: لو لم تقتل بني إسرائيل لربّاني أبواي، فأي
نعمة لك علي! فأنت تمنّ علي بما لا يجب أن تمنّ به.
والظاهر لي هو المعنى الثاني، وهو ما جريت عليه في أثناء التفسير.
- ٢ -
الجدل بين موسى وفرعون في إثبات وجود الله
قَالَ رَبُّ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَابِكُمُ الْأَوَّلِينَ
كُتُ قُوقِنِينَ ﴿ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلَا تَسْتَعُونَ هَـ
٢٦
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
بَيْنَهُمَاْ إِن كُ تَعْقِلُونَ ﴿ قَالَ لَيِنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
قَالَ فَأْتِ بِهِةٌ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
٣٠
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ
٢٩
٣١
القراءات:
جِئْتُكَ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيتك).
البلاغة:
﴿أَلَا تَسْتَعُونَ﴾ صيغة تعجيب.

١٤٩
لُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٣/٢٦-٣١
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىَّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ التأكيد بإنّ واللام لتشكك السامع
وتردده.
﴿ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ بينهما طباق.
ء
كُتُمْ
﴾ قال موسى ذلك في بدء مناظرته لفرعون وقومه بطريق
موقِنِینَ
إن
التلطف والملاينة طمعاً في إيمانهم، ثم لما رأى عنادهم ومغالطتهم وبخهم
بقوله: ﴿إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وهذا مقابل لقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ
إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى. ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي وما حقيقته وأيّ شيء هو
الذي قلت: إنك رسوله . ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَ﴾ لما لم يكن
للخلْق سبيل إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى عليه
السلام بأنه خالق السماوات والأرض وما بينهما، وهو أظهر خواصه وآثاره.
﴿إِن گُنُم مُوقِنِينَ﴾ بأنه تعالى خلق ذلك، فآمنوا به وحده، أو إن كنتم ذوي
قلوب موقنة وأبصار نافذة، والمعنى: إن كان يرجى منكم الإيقان الذي يؤدي
إليه النظر الصحيح، نفعكم هذا الجواب، وإلا لم ينفع.
﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ قال فرعون لأشراف قومه ﴿أَلَا تَسْتَعُونَ﴾ جوابه الذي لم
يطابق السؤال، سألته عن حقيقة رب العالمين، فذكر أفعاله، أو يزعم أنه رب
السماوات وهي متحركة بذواتها وغير محتاجة إلى مؤثر، وهذا مذهب
الدهرية، وفيه تعجب من نسبة الربوبية إلى غيره.
﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٣)﴾ قال موسى: إنه رب جميع الخلائق
وإنه رب المشرق والمغرب، وهذا وإن كان داخلاً فيما قبله الذي استوعب به
الخلائق كلها، فإنه تخصيص بعد تعميم؛ لأنه أقرب إلى الناظر وأوضح عند

١٥٠
المُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٢٣-٣١
التأمل. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أسأله عن شيء ويجيبني عن
آخر، وسماه رسولاً على سبيل السخرية.
﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَاَلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَّأَ﴾ قال موسى: إنه الرب الذي
تشاهدون آثاره كل يوم، فيأتي بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار غير
مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع ينتظم به أمور
الكائنات . ﴿إِن كُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كان لكم عقل علمتم ألا جواب لكم فوق
ذاك. إنه بقوله السابق: ﴿إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ﴾ لاينهم أولاً، ثم لما رأى شدتهم
وخشانتهم عارضهم بمثل مقالتهم.
﴾ قال فرعون،
﴿ قَالَ لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إِلَهَا غَبْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
عدولاً إلى التهديد عن المحاجة والمناظرة، وهكذا شأن المعاند المحجوج. وهذا
دليل على ادعائه الألوهية وإنكاره للصانع. واللام في المسجونين للعهد، أي
ممن عرفت حالهم في سجوني، فإن سجنه كان شديداً، يحبس الشخص في
مكان تحت الأرض وحده، لا يبصر ولا يسمع فيه أحداً، حتى يموت، فكان
ذلك أشد من القتل.
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُِّينِ (٤) أي قال له موسى: أتفعل ذلك ولو
جئتك ببرهان على رسالتي يعني المعجزة. والواو في قوله: (أو) واو الحال،
دخلت عليها همزة الاستفهام . ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
٣١
أي قال فرعون له: فائت به إن كنت صادقاً في أن لك بينة، أو في دعواك
النبوة، فإن مدعي النبوة لا بد له من حجة.
المناسبة:
لما سمع فرعون جواب موسى عما طعن به فيه وهو القتل والتربية، ورأى
أن موسى وهارون مصران على دعوتهما إلى توحيد الله، وطلبهما إخراج بني
إسرائيل من مصر، شرع في الاعتراض على الدعوى، فبدأ بالاستفسار عن

١٥١
الُرعُ (١٩) - الشعراء: ٢٣/٢٦-٣١
حقيقة المرسل للأنبياء، علماً بأن فرعون لم يقل لموسى: وما ربّ العالمين إلا
وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، بدليل ما تقدم من قوله: ﴿فَأَتِيَا
١٦
فِرْعَوَّنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
التفسير والبيان:
هذه مناظرة بين موسى وفرعون حول الإله، فلما قال موسى وهارون
لفرعون: إنا أرسلنا إليك من رب العالمين لهدايتك إلى الحق وتوحيد الله،
وتفوَّقا عليه بالحجة، لجأ إلى المعارضة، وأصرّ على جحوده وتمرده وطغيانه،
فقال :
أي قال فرعون لموسى: وما حقيقة
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ
رب العالمين الذي أرسلك؟ ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟
وسبب السؤال أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾
[القصص: ٣٨/٢٨] فجحدوا الإله الصانع جلّ وعلا، واعتقدوا أنه لا رب لهم
سوی فرعون.
فأجابه موسى عليه السلام:
(®) أي قال
﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُم مُوقِنَ
موسى: هو خالق ومالك السماوات والأرض وما فيهما من كواكب ونجوم،
وبحار وجبال وأنهار وأشجار، وإنسان وحيوان ونبات، وما بينهما من الهواء
والطير وما يحتوي عليه الجو، إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة،
الجميع عبيد له، خاضعون ذليلون، خلق الأشياء كلها، وهو المتصرف فيها.
أو إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود لذاته،
فاعرفوا أنه هو الله، وأنه لا يمكن تعريفه إلا بآثاره. ونظير الآية قوله: ﴿قَالَ
٥٠
قَالَ رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى
فَمَن رَّبِّكُمَا يَمُوسَى
[طه: ٢٠ /٤٩ - ٥٠ ] .

١٥٢
الْجُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٢٣-٣١
فلم يعجبه الجواب والتفت إلى خاصته ورؤساء دولته قائلاً لهم على سبيل
التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله:
﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ، أَلَا تَسْتِعُونَ (19)﴾ أي قال فرعون لحاشيته: ألا تعجبون
من قوله وزعمه أن لكم إلهاً غيري، وألا تستمعون لتخريفه وتهربه من
الجواب؟ أسأله عن حقيقة رب العالمين، فيذكر أفعاله وآثاره.
فذكر موسى جواباً آخر أخص مما ذكر وأدل على المراد؛ لأنه واقع حسي
مشاهد لهم :
﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٣) أي إنه تعالى خالقكم وخالق آبائكم
المتقدمين الذين كانوا قبل فرعون وزمانه، والمقصود أن التغير من وجود إلى
عدم وبالعكس دليل الحدوث، فأنتم محدثون، كنتم بعد العدم، وآباؤكم ماتوا
بعد أن كانوا موجودين، وأنتم مثلهم على الطريق، أما الإله الواجب لذاته
فهو الباقي الذي لا يطرأ عليه الفناء، ولا أول لوجوده ولا آخر، فهو إذن
الإله.
فلما حار فرعون ولم يجد جواباً مقنعاً، لجأ إلى عقلية الصبية والاتهام
الرخيص :
﴿ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِىّ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (3) ﴾ أي قال فرعون لقومه: إن
رسولكم ليس له عقل، لا يفهم السؤال، فضلاً عن أن يجيب عنه، وهو يخلط
في كلامه، ويدعي أن هناك إلهاً غيري.
فعدل موسى إلى طريق ثالث أوضح من الجواب الثاني فقال:
أي قال
﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
موسى: إنه الله تعالى رب طلوع الشمس وظهور النهار، ورب غروب الشمس
وزوال النهار، وهو الذي جعل المشرق مشرقاً تطلع منه الكواكب، والمغرب

١٥٣
الجزءُ (١٩) - الشعراء: ٢٣/٢٦-٣١
مغرباً تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع انتظام مداراتها، فهذا
الذي يغير ويبدل، وينظم ويدبر تدبيراً مستمراً كل يوم هو الله، بل هو الذي
يدبر الکون کله، لا أنتم، إن كان لكم عقل تدركون به ظواهر الكون، وهذا
مناسب لقولهم واتهامهم بأنه مجنون. فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم
صادقاً، فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغرباً، والمغرب مشرقاً.
وهذا الطريق في الاستدلال على وجود الله هو الذي سلكه إبراهيم الخليل
عليه السلام مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو بعينه الذي
أجاب به موسى هنا بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فأجابه نمروذ بقوله:
﴿أَنَاْ أُحِىِ، وَأُمِيثٌ﴾ [البقرة: ٢٥٨/٢] فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ اُلْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرْ﴾ [البقرة: ٢٥٨/٢] وهو الذي
ذكره موسى هنا بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
ولما غَلَب موسى فرعون بحجته، اتجه كأهل السلطة في كل زمان ومكان إلى
التهديد والوعيد باستخدام القوة والقهر والسلطان، فقال:
﴿قَالَ لَيْنِ أَنَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (﴿4﴾ أي قال فرعون:
لئن أَّت غيري، لجعلتك في عداد المسجونين الذين يزجّ بهم كما تعلم في
قيعان السجون تحت الأرض، ويتركون حتى يموتوا، وكان سجنه أشد من
القتل.
فقابل موسى التهديد والتخويف بالمعجزات الخارقة للعادة بعد أن لم تفلح
الأدلة العقلية، فقال:
أي قال موسى: أتفعل هذا وهو
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ ◌َّ
السجن، ولو أتيتك بحجة بيِّنة، وبرهان قاطع واضح على صدق دعواي
النبوة؟ وهي المعجزة الدالة على وجود الله تعالى.

١٥٤
الجُعُ (١٩) - الشعراء: ٢٣/٢٦-٣١
﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (3)﴾ قال فرعون: فأت بهذا
الشيء الذي يشهد لك، والدليل الواضح على دعوى الرسالة، فكل من يدعي
النبوة عليه تأييد دعواه، ظناً منه أنه سيعارضه.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه مناظرة حاسمة في شأن إثبات وجود الله بين موسى عليه السلام
وفرعون الطاغية الجبار.
يتبين منها النزعة المادية عند الماديين والملحدين، الذين يريدون رؤية الله
تعالى بالعين المجردة أو لمسه بالحس المجاور، كشأن بقية المواد، لذا استفهم
فرعون عن حقيقة رب العالمين، فأتى موسى عليه السلام بالصفات الدالة على
الله من مخلوقاته، التي لا يشاركه فيها مخلوق؛ لأن حقيقة الله لا يدركها أحد،
ولأن المادة المجسدة محدَثة، والله تعالى هو خالقها وموجدها.
وكان جواب موسى الأول أن الله هو خالق السماوات والأرض وما
بينهما، فهو المالك والمتصرف وخالق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من
الكواكب الثوابت والسيارات النّرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار
وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير
وغيرهما. وخَلْقُ الأشياء هو الدليل القاطع على وجود الله: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ
لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
[النحل: ١٦ /١٧] .
فلما أدرك فرعون عجزه عن الإيجاد والخلق، قال: ﴿أَلَا تَسْتَعُونَ﴾؟
مستخدماً أسلوب الإغراء والتعجب من غرابة المقالة التي تصادم المقرر في
عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم، كالفراعنة المتقدمين.
ثم أتى موسى عليه السلام ثانياً بدليل يفهمونه عنه من الحس والمشاهدة التي
يطلبونها، فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَِّينَ﴾ أي إن الله خالقهم وخالق

١٥٥
الجُ (١٩) - الشعراء: ٢٣/٢٦-٣١
آبائهم الأوائل، فانحدارهم من آباء فنوا، ووجودهم بعد أن لم يكونوا، دليل
على أنه لا بدَّ لهم من مغيِّر، فهم محدثون، ولا بدَّ لهم من مكوِّن وهم مخلوقون.
لم يجد فرعون جواباً، فلجأ إلى التهكم والاستخفاف واتهم موسى بالجنون؛
لأنه لا يجيب عما سأله تماماً.
فأجابه موسى ثالثاً بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي إن الله هو مسيِّر
نظام الكون كله، ومحرك هذا العالم بأجمعه في نظام بديع لا يعرف الخلل
والاضطراب، ومالك جميع أنحاء الأرض، أما فرعون فيملك بلداً واحداً، لا.
سلطان له على غيره، فهل من عقل يدرك هذا، وهل من إدراك يؤدي بهم إلى
ضرورة الإيمان بصاحب الملك المطلق، وأن المالك الجزئي عبث وسفه وجنون
أن يكون إلهاً، فمن إله بقية العالم؟
ولما هزم فرعون أمام حجة موسى، لم يجد بداً من استخدام السلطة
الإرهابية، فتوعد موسى بالسجن، وذلك عين الضعف، مع أنه كما يروى
كان سجنه أشد من القتل، وكان إذا سجن أحداً، لم يخرجه من سجنه حتى
يموت، فكان ◌ُوفاً.
ولكن التأييد الإلهي أشد نفاذاً وإرهاباً وإقناعاً، ولا يجدي معه توعد
فرعون، ويهون أمامه كل مخاوف الدنيا، فحينئذ طلب موسى عليه السلام
إثبات صدق دعواه النبوة بالمعجزة الخارقة للعادة التي لا تحدث إلا على يد نبي
أو رسول بإحداث الله تعالى وإيجاده، فقبِل فرعون إظهار تلك المعجزة، ظناً
منه أنه سيبطلها، ويأتي بما يعارضها.

١٥٦
الجُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ /٣٢-٣٧
- ٣ -
معجزة موسى عليه السلام ووصف فرعون لها بالسحر
﴿ وَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاهُ لِلنَّظِرِينَ
﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
٣٣
) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ،
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ: إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ عَلِيمٌ ﴾
يَأْتُكَ
قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَبْعَثْ فِى الْمَدَاِنِ خَشِرِينَ (٣)
فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (9)
٣٧
بِكُلِ سَخَارٍ عَلِيمٍ
الإعراب:
﴿أَرْجِةِ﴾ فعل أمر، أي أخر أمره وأمر أخيه، يقال: أرجأته وأرجيته، أي
أخرته. وسُكّنت الهاء؛ لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف. وقرئ بكسر الهاء من
غير إشباع، اكتفاء بالكسرة عن الياء، وقرئ بكسر الهاء والإشباع، وقرئ
بالضم والإشباع على الأصل، وبالضم دون الإشباع، اكتفاء بالضمة عن
الواو.
المفردات اللغوية:
﴿ثُعْبَانٌ﴾ ذكر الحيات. ﴿قُّبِينٌ﴾ ظاهر ثعبانيته بلا تمويه ولا تخييل، كما
يفعل السحرة . ﴿ وَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه. ﴿بَيْضَاءُ﴾ ذات شعاع يكاد
يغشى الأبصار ويسدّ الأفق. ﴿لِلنَّظِرِينَ﴾ خلاف ما كانت عليه من ظاهرة
الجلد واللحم والعظم. ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ للأشراف والرؤساء المستقرين حوله،
فهو ظرف وقع موقع الحال. ﴿إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ عَلِيمٌ﴾ فائق في علم السحر.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ بهره سلطان المعجزة حتى أنساه دعوى الربوبية إلى
الاستعانة بائتمار القوم وتنفيرهم عن موسى، وفيه استشعار بتغلبه واستيلائه
علی ملكه.

١٥٧
لُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ٢٣-٣١
﴿أَرْجِهُ وَأَخَاهُ﴾ أخر أمرهما، وقيل: احبسهما. ﴿ وَأَبْعَثْ فِىِ الْدَآَيْنِ حَشِينَ﴾
أرسل في أنحاء البلاد شُرَطاً يحشرون (يجمعون) السحرة . ﴿سَخَارٍ عَلِيمٍ﴾
خبير بفن السحر يتفوق على موسى ويفضله.
التفسير والبيان:
،
بعد أن وافق فرعون على إظهار موسى عليه السلام معجزته، أظهرها،
فقال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (®﴾ أي رمى موسى عصاه من
يده، فانقلبت ثعباناً واضحاً ظاهراً، لا لَبْس فيه، ولا تمويه ولا تخييل. روي
أنه لما انقلبت حية، ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون،
وجعلت تقول: يا موسى، مُرْني بما شئت، ويقول فرعون: يا موسى، أسألك
بالذي أرسلك إلا أخذتها، فعادت عصا(١).
والسبب في قوله هنا: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ وفي آية أخرى: ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ
تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠/٢٠] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌ﴾ [القصص: ٣١/٢٨]: أن الحية
اسم الجنس، ثم إنها لكبرها صارت ثعباناً، وشبهها بالجان لخفتها وسرعتها.
ولما أتى موسى عليه السلام بهذه الآية قال له فرعون: هل غيرها؟ قال:
نعم، وهذا في الآية التالية:
أى أدخل موسى يده في جيبه، ثم
﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ لَّ
أخرجها، فإذا هي بيضاء تلمع وتتلألأ للناظرين، لها شعاع كالشمس، يكاد
يغشى الأبصار، ويسدّ الأفق.
ومع هذا كله، أراد فرعون تعمية الأمر، فبادر بشقاوته إلى التكذيب
والعناد، فذكر أموراً ثلاثة:
(١) تفسير الرازي ١٣١/٢٤، الكشاف ٤٢٤/٢

١٥٨
الجُزْءُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ٣٢-٣٧
اَ - ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَحِرُ عَلِيمٌ ﴾﴾ أي قال لحاشيته من القادة
وأشراف قومه الذين حوله: إن هذا الرجل لبارع في السحر، يريد بذلك
وصف فعله بأنه سحر لا معجز. ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته والكفر به
فقال :
أَ، لَّ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِحَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ، فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾؟ أي
يريد إخراجكم من وطنكم، ويتغلب عليكم بسحره، وبما يلقيه بينكم من
العداوات، فيفرق جمعكم، ويكثر أعوانه وأنصاره، ويغلبكم على دولتكم،
ويأخذ معه بني إسرائيل، فأشيروا علي فيه ماذا أصنع به؟ إني متبع لرأيكم
ومنقاد لقولكم، وهذا أسلوب يستنفر حماسهم وجهودهم وتوحيد كلمتهم
لمطاردته والتغلب عليه، فاتفقوا على جواب واحد وهو:
﴿قَالُواْ أَرْجِةٍ وَأَخَاهُ وَبْعَثْ فِ لْمَاِنِ خَشِرِينَ
يَأْنُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ
٣٦
عَلِيمٍ (6) أي قال مستشاروه بعد أن تشاوروا فيما يفعلون: أخر أمره
ومناظرته وأخاه ولا تتعجل في عقابهما لوقت اجتماع السحرة، بأن تجمعهم
من أنحاء البلاد، فتبعث في أرجاء مملكتك جامعين يحشرون السحرة،
ويأتونك بكل خبير في السحر ماهر فيه، فيقابلون موسى بنظير ما جاء به،
فتغلبه أنت ويكون لك النصر والتأييد عليه.
وكان هذا من تسخير الله تعالى لموسى وأخيه، ليجتمع الناس في صعيد
واحد، وتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس جهاراً نهاراً.
وقيل: معنى ﴿أَرْجِةِ﴾ احبسه، روي أن فرعون أراد قتله، ولم يكن يصل
إليه، فقالوا له: لا تفعل، فإنك إن قتلته أدخلت على الناس في أمره شبهة،
ولكن أرجئه وأخاه إلى أن تحشر السحرة ليقاوموه، فلا يثبت له عليك حجة،
ثم أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظناً منهم بأنهم إذا كثروا
غلبوه، وكشفوا حاله.

١٥٩
الجُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ٣٢-٣٧
ويلاحظ أنهم عارضوا قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَحِر عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ
سَخَارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاؤوا بكلمة الإحاطة وبصيغة المبالغة، ليطيبوا قلبه،
وليسكنوا بعض قلقه.
فقه الحياة أو الأحكام:
كانت معجزة موسى عليه السلام العصا واليد، فألقى عصاه من يده،
فانقلبت ثعباناً وهو أعظم ما يكون من الحيَّات، وأدخل يده في جيبه ثم
أخرجها، فإذا هي تلألأ، كأنها قطعة من الشمس، لكن كان بياضها نورانياً
كالقمر.
فوصف فرعون تلك المعجزة لقومه بأنها من قبيل السحر، لا من قبيل
المعجزة، وحرضهم على اتخاذ خطة للغلبة على موسى وأخيه، حتى لا يأخذ
البلاد من أيديهم.
وهنا جاء دور المزايدة كما يفعل أتباع الرؤساء اليوم، فأشاروا على فرعون
بجمع مهرة السحرة من أرجاء البلاد، ليقابلوه بنظير ما جاء به موسى،
وتتحقق لفرعون الغلبة والنصرة عليه.
ولكن كان في هذا الجمع مفاجأة إلهية أدت إلى إيمان السحرة جميعاً بإله
موسى وهارون.

١٦٠
لُعُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ /٣٨-٥١
- ٤ -
إيمان السحرة بالله في المبارزة الحاسمة
في مشهد عظيم
١٣٩
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُ مُجْتَمِعُونَ
٣٨
﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ
فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَبِنَ لَنَا
لَعَلَّنَا نَبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ الْغَزِلِينَ
لَأَجْرًّا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴿٨َ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَا لَّمِنَ الْمُقَرِِّينَ ﴿﴿ قَالَ لَهُمْ مُوسَىّ
أَلْقُواْ مَآ أَنْتُ مُلْقُونَ ﴿ فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ
فَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ
٤٥
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
الْغَالِبُونَ
رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
٤٧
قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ
٤٦٦
سَاجِدِينَ
قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ
٤٨
قَبْلَ أَنْ ءَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيُّكُمُ الَّذِىِ عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَّكُ
وَأَرْجُلَكُ مِنْ خِلَفٍ وَأُصَلِبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ قَالُوْ لَا ضَيْرٌّ لِنََّ إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ
٥٠
إِنَا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَنَآ أَنْ كُنَّ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
وَقِيَلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم، قرأ الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
﴿نَعَمْ﴾ :
وقرأ الكسائي (نَعِم).
﴿ِهِىَ تَلْقَفُ﴾:
قرئ: