Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٦٣/٢٥-٧٧
الله عزّ وجلّ عن جميع ذلك بأن أقلع عن الذنب، وندم على المعصية، وكان
مؤمناً مصدقاً بالله ورسله واليوم الآخر، وعمل الصالحات، فأولئك يمحو الله
عنهم بالتوبة السيئات، ويبدلهم مكانها حسنات بإثبات لواحق الطاعة، أو
تنقلب تلك السيئات الماضية بالتوبة نفسها حسنات. روى أبو ذر عن النبي
وَله: ((إن السيئات تبدل بحسنات)) وروى أحمد والترمذي والبيهقي عن معاذ
أَن النبيِ وََّ قال: ((أتبع السيئةَ الحسنةَ تُمُحُها، وخالقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَن))
وهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١/
١١٤] .
والخلاصة: في معنى قوله ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَبِّئَاتِهِمْ حَسَنَتٍ﴾ قولان(١):
القول الأول - إنهم بدَّلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال
الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك
إخلاصاً، وأبدلهم بالفجور إحصاناً، وبالكفر إسلاماً. أي إن التبديل يكون في
الدنيا، وأثره في الآخرة.
والقول الثاني - إن تلك السيئات تنقلب بالتوبة النصوح نفسها حسنات،
وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم، واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب
طاعة بهذا الاعتبار، أي إن التبديل يكون في الآخرة.
والظاهر القول الأول، وأن التوبة تجبّ ما قبلها، وتفتح للتائب صفحة
جديدة، فيثاب على الأعمال الصالحة، ويعاقب على السيئات، كغيره من
المؤمنین.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَُّ يَنُبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴿4﴾﴾ أي ومن تاب
(١) تفسير الرازي: ١١٢/٢٤، تفسير ابن كثير: ٣٢٧/٣
١٢٢
لُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥ -٧٧
عن معاصيه، وعمل الأعمال الصالحة، فإن الله يقبل توبته، لأنه رجع إلى الله
رجوعاً مرضياً عند الله، فيمحو عنه العقاب، ويجزل له الثواب.
وهذا تعميم لقبول التوبة عن جميع المعاصي، بعد تخصيص قبولها ممن تاب
عن كبائر المعاصي السابقة التي هي الشرك والقتل العمد والزنى.
وللآية نظائر كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ
عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤/٩] وقوله سبحانه: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ
أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
[الزمر: ٣٩ /٥٣] .
الرَّحِيمُ لَهَا﴾
لاً - البعد عن شهادة الزور أو تجنب الكذب: ﴿ وَاُلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ
الزُّورَ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ كِرَامًا ﴾﴾ أي الذين لا يشهدون شهادة الزور
وهي الكذب متعمداً على غيره، أو لا يحضرون مواضع الكذب، قال ابن
كثير: والأظهر من السياق أن المراد لا يحضرون الزور، ولهذا قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ كِرَامًا﴾ أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به
مرّوا، ولم يتدنسوا منه بشيء. ونظير الآية: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ
وَقَالُوْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ
[القصص :
٢٨ /٥٥] .
والواقع أن الآية تدل على أمرين: تحريم شهادة الزور وتجنب مجالس اللغو
أو العفو عن المسيء، ويستدل بها الفقهاء على الأمر الأول، كما ورد في
الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله وَله: ((ألا أنبئكم بأكبر
الكبائرِ؟)) ثلاثاً، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: ((الشركُ بالله، وعقوق
الوالدين)) وكان متكئاً فجلس فقال: ((ألا وقولُ الزور، ألا وشهادةُ الزور))
فما يزال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وكان عمر بن الخطاب يجلد شاهد
الزور أربعين جلدة، ويسخّم وجهه (يطليه بالسواد) ويحلق رأسه، ويطوّف به
السوق.
١٢٣
لُ (١٩) - القُرْقَانِ: ٢٥ / ٦٣-٧٧
٨ - قبول المواعظ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بَِايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِزُواْ عَلَيْهَا
صُمَّا وَعُمْيَانًا (®﴾ أي والذين إذا ذُكِّروا بالآياتِ، أكُبُّوا عليها حِرْصاً على
استماعها، وأقبلوا على من ذكَّرهم بها بآذانٍ صاغية واعية، وعيون مبصرة
متفتحة، وقلوب مستوعبة، لا كالكفار والمنافقين والعصاة من المؤمنين إذا
سمعوا كلام الله لم يتأثروا به، ولم يغيروا ما هم عليه، بل يستمرون على كفرهم
وعصيانهم، وجهلهم وطغيانهم، كأنهم صمّ عمي، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَآ
أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَّا فَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (3) وَأَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمِ مَرَضُ فَزَادَتْهُمْ
﴾ [التوبة: ١٢٤/٩-١٢٥].
(١٢٥)
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ(
١ - الابتهال إلى الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا
وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا (﴿4﴾ أي والذين يبتهلون إلى
ربّهم داعين الله أن يرزقهم زوجات صالحات وأولاداً مؤمنين صالحين مهديين
للإسلام يعملون الخير، ويبتعدون عن الشر، تقرُّ بهم أعينهم، وتُسَرُّ بهم
نفوسُهم، فإن المؤمن إذا رأى من يعمل بطاعة الله قرَّت عينه، وسُرَّ قلبُه في
الدنيا والآخرة. ويدعونه أيضاً أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم في الخير واتباع أوامر
الدین.
وبذلك أحبوا أن تتصل عبادتهم بعبادة زوجاتهم وذرياتهم، وأن يكون
هداهم متعدياً إلى غيرهم بالنفع فهم دعاة خير وبر، وذلك أكثر ثواباً،
وأحسن مآباً. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ◌َله: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية،
أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)».
قال بعضهم: في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب
ويرغب فيها، قال إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿ وَأَجْعَل لِّيِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ
﴾ [الشعراء: ٨٤/٢٦].
اُلْآَخِينَ
١٢٤
لُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥ -٧٧
ثم ذكر الله تعالى جزاء المتصفين بتلك الصفات الإحدى عشرة فقال:
﴿أُوْلَكِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَخِيَّةً وَسَلَامًا
أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة، والأقوال والأفعال
٧٥
الحميدة يجزون يوم القيامة الغرفة أي الغرفات لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ
ءَامِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧/٣٤] وهي المنازل العالية، والدرجات الرفيعة في الجنان،
بصبرهم على القيام بها، ويُلَقّون في الجنة تحيةً وسلاماً، أي يبتدرون فيها
بالتحية والإكرام، ويعاملون بالتوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم
السلام، كما قال تعالى: ﴿وَاَلْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ، سَمُّ عَلَيْكُمْ بِمَا
[الرعد: ٢٣/١٣-٢٤]. ودلّ قوله: ﴿بِمَا صَبَرْتُمْ}
صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبىَ الدَّارِ (يَا)
على أن الجنة بالاستحقاق.
ومفاد الآية أن الطائعين في نعيم الجنة مع التعظيم والاحترام، على عكس
العصاة الذين يضاعف لهم العذاب، مع الإهانة والاحتقار.
(خَلِينَ فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (®﴾ أي إن نعيمهم دائم لا
ينقطع، فهم مقيمون في الجنان، إقامة مستمرة لا يُحوّلون، ولا يموتون ولا
يزولون عنها، ولا يبغون عنها حولاً، حسنت منظراً، وطابت مقيلاً ومنزلاً ،
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ
كما قال تعالى: ﴿#
وَاُلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ
[هود: ١٠٨/١١].
والخلاصة: إن الله وعد عباد الرحمن بالمنافع الجلى في الجنة أولاً،
وبالتعظيم ثانياً، ثم بيَّن أن صفتهما الدوام: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾، والخلوص أيضاً
﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُأْ بِكُمْ رَبِّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ أي إن الله غني عن عباده، وإنما
كلفهم لينتفعوا، وعذبهم لعصيانهم، فلا يبالي بهم ولا يكترث إذا لم يؤمنوا به
ولم يعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرةً وأصيلاً،
١٢٥
الزُءُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ /٦٣-٧٧
[الذاريات:
(Or
كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
٥٦/٥١] .
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي إنكم أيها الكافرون والعصاة إذا
كذبتم رسلي، ولم تؤمنوا بلقائي، فسوف يكون تكذيبكم سبباً ملازماً ومؤدياً
لعذابكم وهلاككم ودماركم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ
شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ
وَاَلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالُ لِّمَا يُرِيدُ (٣)﴾ [هود: ١٠٦/١١-١٠٧].
والْلِّزام: الملازمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه هي صفات عباد الرحمن، وهي إحدى عشرة صفة، يستحق بها أهلها
المنازل العالية في الجنان.
الصفة الأولى:
التواضع والطاعة لله تعالى: ويكون ذلك بالعلم بالله والخوف منه، والمعرفة
بأحكامه، والخشية من عذابه وعقابه.
الصفة الثانية:
الحلم والكلام الطيب: فإذا أُوذوا قابلوا الإساءة بالإحسان، قال الحسن
البصري: ((حُلماء، إن جهل عليهم لم يجهلوا)) أي على نقيض خلق الجاهلية:
((ونجهل فوق جهل الجاهلين)) وإنما يقول المؤمن للجاهل كلاماً موصوفاً بالرفق
واللين.
الصفة الثالثة:
التهجّد ليلاً: أي العبادة الخالصة لله تعالى في جوف الليل، فإنها أكثر
خشوعاً، وأضبط معنى، وأبعد عن الرياء.
١٢٦
المُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥-٧٧
الصفة الرابعة:
الخوف من عذاب الله تعالى: أي إنهم مع طاعتهم مشفقون خائفون وَجِلون
من عذاب الله، سواء في سجودهم وقيامهم؛ لأن عذاب جهنم لازم دائم غير
مفارق، وبئس المستقر، وبئس المقام، وهم يقولون ذلك عن علم، وإذا قالوه
عن علم، كانوا أعرف بعظم قدر ما يطلبون، فيكون ذلك أقرب إلى النجاح.
الصفة الخامسة:
الاعتدال في الإنفاق دون إسراف ولا تقتير، والمراد من النفقة نفقة
الطاعات في المباحات، فهذه يطالب فيها الإنسان ألا يفرط فيها حتى يضيع
حقاً آخر أو عيالاً، وألا يضيق أيضاً ويقتر، حتى يجيع العيال، ويفرط في
الشح، والحسَنُ في ذلك هو القَوَام، أي العدل، والقَوَامُ في كل واحد بحسب
حاله وعياله، وصبره وجلده على الكسب، وخير الأمور أوساطها، وهذه
الوسطية خير للإنسان في دينه وصحته ودنياه وآخرته.
أما النفقة في معصية الله فهو محظور حظرته الشريعة قليلاً كان أو كثيراً،
وكذلك التعدي على مال الغير، هو حرام أيضاً.
الصفة السادسة:
البعد عن الشرك: وهو عبادة أحد مع الله أو عبادة غير الله، وهو أكبر
الجرائم، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَآءٌ﴾ [النساء: ٤٨/٤].
الصفة السابعة:
الابتعاد عن القتل العمد: وهو إزهاق النفس الإنسانية عمداً دون حق،
وهو اعتداء على صنع الله، وإهدار لحق الحياة الذي هو أقدس حقوق
الإنسان. أما القتل بحق كالقتل بسبب الردة أو زنى المحصن أو القصاص فجائز
من قبل الحاكم . .
١٢٧
الجُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ / ٦٣-٧٧
الصفة الثامنة:
اجتناب الزنى: وهو انتهاك حرمة العرض، وهو جريمة خطيرة تؤدي إلى
اختلاط الأنساب، وإشاعة الأمراض، وهدم الحقوق، وإثارة العداوات
والأحقاد والبغضاء.
ومن يرتكب هذه الجرائم العظمى (الشرك، والقتل، والزنى) يضاعف له
العذاب في نار جهنم، ويكون مخلّداً فيها ذليلاً خاسئاً مبعداً مطروداً من رحمة
الله تعالى.
لكن إذا تاب الكافر والقاتل والزاني تقبل توبته، ويبدل الله سيئته حسنة إما
في الدنيا على رأي، بأن يجعل الإيمان محل الشرك، والإخلاص محل الشك،
والإحصان مكان الفجور، وإما في الآخرة على رأي آخر فيمن غلبت حسناته
على سيئاته. وقيل: التبديل عبارة عن الغفران، أي يغفر الله لهم تلك
السيئات، لا أن يبدلها حسنات.
/
ثم أكَّد الله قبول التوبة الصادقة النصوح من كل إنسان.
الصفة التاسعة:
تجنب الكذب والباطل وشهادة الزور، فلا يحضر المسلم مجالس اللغو
والكذب والغناء واللهو ونحوها، ولا يؤدي شهادة الزور مهما كانت
البواعث والأسباب؛ لأنها محرمة لذاتها. لذا قال أكثر أهل العلم: ولا تقبل
له شهادة أبداً، وإن تاب وحسنت حاله، فأمره إلى الله تعالى.
الصفة العاشرة:
قبول المواعظ: فإذا قرئ القرآن عليهم ذكروا آخرتهم ومعادهم، ولم
يتغافلوا حتى يكونوا بمنزلة من لا يسمع.
١٢٨
لِلُحُ (١٩) - الفُرْقَان: ٦٣/٢٥ -٧٧
الصفة الحادية عشرة:
الابتهال إلى الله بجعل توابع الإنسان من أزواج وذريات هداة مهديين
مطيعين لله، تقرّ النفوس بهم، وتثلج الصدور بسيرتهم العطرة، وأن يكونوا
أئمة وقدوة يقتدى بهم في الخير، ولا يكون ذلك إلا إذا كان الداعي تقياً
صالحاً.
وهذا يدل على جواز الدعاء بالولد، وللولد وللزوجة، وبأن يكون نفع
الإنسان شاملاً غيره.
وجزاؤهم الدرجات العليا في غرفات الجنان، مع التوقير والاحترام،
بالتحية والسلام، والخلود الدائم، والتمتع بحسن المقام والمنظر والاستقرار.
ونفع الطاعة للعباد لا لله، فالله غني عن عباده، فلولا عبادتهم وكثرة
استغاثتهم إليه في الشدائد ونحوها، لما بالى الله بهم ولا اكترث بشأنهم. فإن
كذبوا بما دعوا إليه من الإيمان وعبادة الله كان تكذيبهم ملازماً لهم، وجزاء
التکذیب دائم لا مفرَّ منه.
١٢٩
لُُ (١٩) السورة (٢٦) الشجرة
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
سُؤْدَةُ الشعراء
مكية إلا الآية ١٩٧ ومن الآية ٢٢٤
إلى آخر السورة فمدنية آياتها ٢٢٧
تسميتها:
سميت (سورة الشعراء) لما ختمت به من المقارنة بين الشعراء الضالين
(g) إلى
والشعراء المؤمنين في قوله سبحانه: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [٢٢٤ - ٢٢٧] بقصد الرد على
المشركين الذين زعموا أن محمداً وَ له كان شاعراً، وأن ما جاء به من قبيل
الشعر.
مناسبتها لما قبلها:
تتضح مناسبة هذه السورة لسورة الفرقان في الموضوع والبداية والنهاية.
أما الموضوع: ففيها تفصيل لما أجمل في ﴿اَلْفُرْقَانَ﴾ من قصص الأنبياء
بحسب ترتيبها المذكور في تلك السورة، فبدأ بقصة موسى، وهذا سر لطيف
يجمع بين السورتين. وكان في ﴿اَلْفُرْقَانَ﴾ إشارة إلى قرون بين ذلك كثيرة،
ففصلت هنا قصة إبراهيم، وقوم شعيب، وقوم لوط.
١٣٠
الُ (١٩) السورة (٢٦) الشِّعراء
وأما البداية: فقد بدئت كلتا السورتين بتمجيد القرآن العظيم: ﴿تَبَارَكَ
الَّذِىِ نَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ﴿تِلْكَ ءَايَتُ الْكِنَبِ الْمُبِينِ
وأما النهاية: فإن خاتمة كلتا السورتين متشابهة، فقد ختمت (الفرقان)
بوعيد المكذبين، ووصف المؤمنين بأنهم يقولون: ﴿سَلَامًا﴾ للجاهلين، وأنهم
يمرون مر الكرام باللغو، وختمت (الشعراء) بتهديد الظالمين المكذبين،
والرضا عن الشعراء المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ويذكرون الله كثيراً،
وينتصرون ممن ظلمهم.
مشتملاتها:
تضمنت هذه السورة كسائر السور المكية الكلام عن أصول الاعتقاد
والإيمان من إثبات («التوحيد، والرسالة النبوية، والبعث)) لذا كانت آياتها
قصاراً للزجر والردع وشدة التأثير.
وابتدأت الكلام عن القرآن الكريم وبيان هدفه في الهداية، وتبشير المؤمنين
الصالحين بالجنة، وإنذار الكافرين الذين لا يؤمنون بالآخرة بسوء العذاب،
وإثبات إنزال القرآن وحياً على النبي وَله، وتسليته عن إعراض قومه عن
الإيمان برسالته، والاستدلال بخلق النباتات على وجود الله وتوحيده.
ثم أوردت قصص الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم لعظة المكذبين،
مبتدئة بقصة موسى ومعجزاته، ومحاورته مع فرعون الجبار وقومه في شأن
توحيد الله، وتأييده بالآيات البيّنات، وإيمان السحرة برب موسى وهارون، ثم
تلتها قصة إبراهيم الخليل مع أبيه وقومه عبدة الأوثان، وإبطاله عبادتها،
وإثباته وحدانية الله عز وجل.
ثم جاء بعدها قصص ((نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب)) عليهم
السلام وما فيها من حملاتهم العنيفة ضد الوثنية، والفساد الخلقي
١٣١
الُ (١٩) السورة (٢٦) الشعراء
والاجتماعي، وبيان عاقبة التكذيب للرسل، ونهاية الجبابرة العتاة بأنواع
رهيبة من العذاب.
وأعقب ذلك جعل الخاتمة كبدء السورة بإثبات كون القرآن العظيم وحياً
وتنزيلاً من رب العالمين لا من كلام الشياطين، وأن محمداً وَ ليه رسول من الله
لتبليغ رسالته إلى عشيرته والأمم جميعاً، ليس بكاهن ولا شاعر، وأنه من
سلالة الموحدين، وبراءته من أفعال المشركين، والرد على افترائهم وزعمهم
أن القرآن من تنزل الشياطين التي تتنزل على كل أفاّ أثيم، وإعلامهم بأن
الغاوين الضالين هم أتباع الشعراء، وليسوا المؤمنين الصلحاء المجاهدين.
فضلها:
ورد في فضل هذه السورة خبران: الأول عن ابن عباس، والثاني عن
البراء.
- روى ابن عباس عن النبيِ وَّ قال: «أُعطيتُ السورةَ التي تذكر فيها
البقرة من الذُّكْر الأول، وأعطيت طه، وطسم من ألواح موسى، وأُعطيت
فواتح القرآن، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصّل
نافلة)».
- وروى البراء بن عازب أن النبي ◌َّ قال: ((إن الله أعطاني السبع الطوال
مكان التوراة، وأعطاني الْمُبِين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان
الزبور، وفضلني بالحواميم والمفضَّل، ما قرأهن نبي قبلي))(١).
(١) تفسير القرطبي: ٨٧/١٣
١٣٢
لُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ /١-٩
تكذيب المشركين بالقرآن
وإنذارهم وإثبات وحدانية الله
لَعَلَّكَ بَخِعُ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِنَبِ الْمُِّينِ
﴿طسّم
إِن نَّشَأْ نُغْزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَا خَضِعِينَ ﴿ وَمَا يَأْنِهِمِ مِن
٣
ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْ
بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوَاْ إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَنْنَا فِهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيِمٍ ﴿ إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
طـ
القراءات:
﴿نُنَزِّلْ
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (نُنْزِل).
الإعراب:
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَمَا خَضِعِينَ﴾ ﴿فَظَلَّتْ﴾ في موضع جزم بالعطف على
﴿نُنَزِّلْ﴾. و﴿ أَعْنَفُهُمْ﴾: اسمها، و﴿خَضِعِينَ﴾ : خبرها.
وإنما قال ﴿خَضِعِينَ﴾ لأنه أراد بالأعناق الرؤساء، أي فظلت الرؤساء
خاضعين لها، أو بتقدير مضاف محذوف، أي فظلت أصحاب الأعناق.
البلاغة:
﴿فَظَلَّتْ أَعْتَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ﴾ كناية عن الذل والهوان الذي يلحقهم.
﴿ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوَأْ مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْنَهْزِءُونَ﴾ وعيد وتهديد.
١٣٣
لُعُ (١٩) - الشعراء: ١/٢٦-٩
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ استفهام للتوبيخ على إهمال النظر في دلائل وجود
الله وتوحيده.
المفردات اللغوية:
طسّمَ (٣) تقرأ طا، سين، ميم، مع إدغام السين في الميم والمراد بهذه
الأحرف الهجائية كما بينا سابقاً الإشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، وتحدي
العرب بالإتيان بمثله، مع أنه مركب من الحروف الهجائية التي تتركب منها
لغتهم، وينطق بها كل عربي، وهم أساطين البيان وفرسان الفصاحة والبلاغة.
وعليه، فهي حروف تنبيه مثل ألا ونحوها، ويا للنداء.
{تِلْكَ ءَايَتُ اَلْكِنَبِ الْمُبِينِ ﴾﴾ أي هذه الآيات في هذه السورة، أو
آيات القرآن كله، هي آيات القرآن الظاهر إعجازه وصحته، والمظهر الحق من
الباطل، وإضافة ﴿ءَايَتُ﴾ إلى ﴿اَلْكِنَبِ﴾ بمعنى من ﴿لَعَلَّكَ﴾ يا محمد،
ولعل: هنا يراد بها الاستفهام المقصود به الإنكار والإشفاق، أي أشفق على
نفسك بتخفيف هذا الغم . ﴿ بَخِعُ نَّفْسَكَ﴾ قاتلها أو مهلكها غماً وحزناً. ﴿أَلَّا
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي من أجل عدم إيمان قومك أهل مكة. وأصل البخع: أن
يبلغ بالذِّبح البِخاع: وهو عرق في فقرات الرقبة، مبالغة في الذبح . ﴿إِن نَّشَأْ
نُعَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ اُلسَّمَاءِ ءَايَةً﴾ دلالة ملجئة إلى الإيمان، أو بلية قاسرة عليه.
﴿فَظَلَّتْ﴾ بمعنى المضارع، أي تظل وتدوم. ﴿أَعْنَفُهُمْ﴾ أي أصحابها، كما
يكنى عن النفس بالوجه، ولما وصفت الأعناق بصفات العقلاء وهو الخضوع
أجريت مجراهم، وجمعت الصفة جمع العقلاء وهي: خاضعين، أي منقادين،
وأصل الكلام: فظلوا لها خاضعين.
﴿ذِكْرٍ﴾ تذكير وموعظة، وهو القرآن. ﴿مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ بوحيه إلى نبيه.
﴿مُحْدَثٍ﴾ مجدّد إنزاله؛ لتكرار التذكير وتنويع التقرير. ﴿إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾
إلا جددوا إعراضاً عنه وإصراراً على ما كانوا عليه ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ﴾ به أي
١٣٤
الجُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١-٩
بالذكر بعد إعراضهم، وأمعنوا في تكذيبه، بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به.
﴿فَسَيَأْتِهِمْ﴾ أي سيحل بهم العذاب إما في الدنيا كيوم بدر، وإما يوم القيامة.
﴿أَنْبَؤْ﴾ عواقب. ﴿مَا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ من أنه كان حقاً أم باطلاً.
﴿أَوَلَمْ يَرَوّأْ﴾ أو لم ينظروا إلى عجائبها. ﴿كُمْ أَتْبَنَا﴾ أي كثيراً. ﴿مِن كُلِّ زَوْج
كَرِيمٍ﴾ صنف محمود كثير المنفعة، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضي . ﴿إِنَّ فِى
ذَلِكَ﴾ إن في إنبات تلك الأصناف. ﴿ لَيَةٌ﴾ دلالة على أن مُنبتها تام القدرة
والحكمة، سابغ النعمة والرحمة. ﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في علم الله تعالى،
فلا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام . ﴿اُلْعَزِيزُ﴾ ذو العزة الغالب القادر على
الانتقام من الكفرة . ﴿الرَّحِيمُ﴾ حيث أمهلهم. أو العزيز في انتقامه ممن كفر،
الرحيم لمن تاب وآمن.
التفسير والبيان:
· أي هذا القرآن مكون من
﴿طِّمَ ﴿ تِلْكَ ءَايَتُ اُلْكِنَبِ الْمُبِينِ
أحرف عربية، مثل الطاء والسين والميم، يقصد بها تحدي العرب به ليأتوا
مثله، فإذا عجزوا دل على أنه كلام الله الموحى به إلى نبيه. وهذه آيات القرآن
البيِّن الواضح الجلي الذي يفصل بين الحق والباطل والغي والرشاد.
﴿لَعَلَّكَ بَخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ أأنت يا محمد مهلك نفسك حزناً
وأسفاً على عدم إيمان قومك برسالتك؟! وهذا إيناس أو تسرية من الله لرسوله
في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا نَذْهَبْ نَفْسُكَ
عَلَيْهِمْ حَسَرَةٍ﴾ [فاطر: ٨/٣٥] وقال سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىَ
ءَاشَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ أَسَفًا
٢٦﴾ [الكهف: ٦/١٨].
﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ ءَايَةً فَظَلَّتْ أَعْنَقُهُمْ لَهَا خَضِعِينَ (®﴾ أي إن الله
قادر على كل شيء، فلو نشاء لأنزلنا عليهم من السماء آية تضطرهم إلى الإيمان
قهراً، وتقسرهم عليه، فتصبح رقابهم خاضعة ذليلة منقادة لما نريد، أو يصبح
١٣٥
الُهُ (١٩) - الشعراء: ١/٢٦-٩
كبراؤهم ورؤساؤهم منقادين، ولكنا لا نفعل ذلك؛ لأنا لا نريد من أحد إلا
الإيمان عن اختيار وطواعية ورضا، لا بالقسر والإكراه، كما قال سبحانه:
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنَتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى
يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (﴾﴾ [يونس: ٩٩/١٠] وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ
النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ [هود: ١١٨/١١]. وأضحت سنتنا إرسال الرسل إلى البشر،
وإنزال الكتب عليهم، ليؤمنوا عن بيِّنة واقتناع.
لكن الكفار ممعنون في الكفر، موغلون في الضلال، معاندون معرضون،
فقال: ﴿ وَمَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ يُحْدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ ﴾﴾ أي كلما
جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، وما الهدف من تجديد إنزال
الكتب الإلهية إلا تكرار التذكير، وتنويع البيان، للتأمل وإعمال الفكر،
والهداية والإصلاح، غير أنه كلما جدد الله لهم موعظة وتذكيراً جددوا
إعراضاً وتكذيباً كما قال:
أي فقد كذب
﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْنِهِمْ أَنْبَّؤْ مَا كَانُواْ بِ يَسْتَهْزِءُونَ
أولئك المشركون بما جاءهم من الذِّكْر والحق، ثم بادروا إلى الاستهزاء،
فسيعلمون نبأ هذا التكذيب والاستهزاء في المستقبل، كما قال تعالى:
﴿وَلَنَعْلَمُنَّ نَبَأَمُ بَعْدَ حِينٍ لَ﴾ [ص: ٨٨/٣٨] وقال: ﴿يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا
يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ (٣)﴾ [يس: ٣٠/٣٦].
ثم إنهم أعرضوا عن التفكير في آيات الله الكونية وآثاره المشاهدة فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كُمْ أَثْنَا فِهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٣)﴾ أي أو لم ينظروا إلى
الأرض التي خلقها الله، وأنبت فيها من كل صنف كثير النفع من الزروع
والثمار، فيستدلوا بذلك على عظمة سلطان الله، وباهر قدرته، فهو موجود
واحد قادر على كل شيء من هداية القوم وغيرها.
كُلّ﴾ لدلالة ﴿كُلِّ﴾ على الإحاطة بأزواج النبات
والجمع بين
١٣٦
الُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ /١-٩
(كُمْ﴾ على أن هذا المحيط متكاثر، فجمع بين
على سبيل التفصيل، ودلالة
الكثرة والإحاطة.
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ أي في ذلك الإنبات لدلالة
على قدرة الخالق للأشياء، وقدرته على البعث والإحياء، ومع هذا ما آمن أكثر
الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره، وارتكبوا نهيه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾ أي وإن ربك أيها الرسول لهو القادر
على كل ما يريد، القاهر الغالب الذي قهر كل شيء وغلبه، الرحيم بخلقه،
فلا يعجل على من عصاه، بل يمهله ويؤجله، لعله يرجع عن غيه، ثم يأخذه
أخذ عزيز مقتدر.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - إن القرآن الكريم كلام الله المعجز الواضح الجلي الذي أبان الحق
وزيَّف الباطل، وقرر الأحكام، ودعا إلى الهدى والرشاد.
أَ - لا حاجة بك أيها النبي إلى الإسراف في الأسى والحزن على تكذيب
القوم وإعراضهم عن رسالتك، وعدم إيمانهم بالقرآن ودعوة الإسلام.
◌َّ - إن الله جلت قدرته قادر على إنزال معجزة ظاهرة تجبرهم على الإيمان،
ولكنه لم يفعل؛ لأن سنته وحكمته اقتضت جعل الإيمان اختيارياً لا قسر فيه
ولا إكراه: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ﴾ [البقرة: ٢٥٦/٢].
٤ - بالرغم من تجدد المواعظ والمذكِّرات فإن المشركين أعرضوا عن
الهدى، وكذبوا بالمنزل على الأنبياء، فسوف يأتيهم عاقبة ما كذبوا، والذي
استهزؤوا به.
١٣٧
الُ (١٩) - الشعراء: ١/٢٦-٩
ويلاحظ أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض عن القرآن المنزل أولاً ،
وبالتكذيب ثانياً، والإنكار إلى درجة الاستهزاء ثالثاً.
٥ - احتجت المعتزلة بقوله تعالى: ﴿مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ على خلق
القرآن فقالوا: الذكر هو القرآن، لقوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَلُ﴾ [الأنبياء:
٥٠/٢١] وبُيّن في هذه الآية أن الذكر محدث، فيلزم منه أن القرآن محدث،
والجواب: أن الحدوث إنما هو لهذه الألفاظ المتلوة بالوحي الحاصل، أما
أصل القرآن الذي هو كلام الله فهو قديم قِدَم الله تعالى.
أَ - نبّه الله تعالى بقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ على عظمته وقدرته، وأنهم
لو رأوا بقلوبهم ونظروا ببصائرهم، لعلموا أن الله هو الذي يستحق أن يعبد،
إذ هو القادر على كل شيء، لذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَّةٌ﴾ أي إن فيما ذكر من
الإنبات في الأرض لدليلاً واضحاً على أن الله قادر، ولكن، وما أكثر الناس
بمصدقين، لما سبق من علمي فيهم، وإن الله هو المنيع المنتقم من أعدائه،
الرحیم بأوليائه.
١٣٨
الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٠-٢٢
القصة الأولى
قصة موسى وهارون عليهما السلام مع فرعون وقومه
- ١ -
امتنان فرعون على موسى بتربيته
قَوْمَ فِرْعَوْنٌ أَلَا يَنَّقُونَ
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَىَ أَنِ أَنْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنَطَلِّقُ لِسَانِ فَأَرْسِلٌ إِلَى
قَالَ رَبِّ إِنّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ
هَرُونَ ﴿ وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴿ قَالَ كَلَّا فَأَذْهَبَا ◌ِحَايَتِنَاْ إِنَّا
فَأَنِيَا فِرْعَوَّنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَنْ أَرْسِلْ
١٥
مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ
قَالَ أَلَمَّ نُرَبِّكَ فِنَا وَلِدًا وَلَبِئْتَ فِيْنَا مِنْ عُمرِكَ سِنِينَ
١٧
مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ
﴿ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَا مِنَ
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَلَتِى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ
الضَّالِينَ ﴾ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِ رَبِ حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ
٣٣
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِىِّ إِسْرَوِيلَ
٢١
القراءات:
﴿إِنّ أَخَافُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أخاف).
الإعراب:
﴿وَإِذْ نَادَى﴾ (إذ): ظرف منصوب متعلق بفعل مقدر، تقديره: واتل
علیهم إذ نادى.
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾ الجار والمجرور في موضع نصب؛ لأنه يتعلق
بمحذوف في موضع الحال، تقديره: فأرسلني مضموماً إلى هارون.
١٣٩
الجُزُ (١٩) - الشعراء: ٢٦/ ١٠-٢٢
﴿إِنَّا رَسُولُ﴾ قال ﴿رَسُولُ﴾ بالإفراد؛ لأنه أراد بالرسول الجنس، فوحَّد،
أو أن يكون ﴿رَسُولُ﴾ بمعنى رسالة، أي إنا ذوا رسالة ربّ العالمين، فَحُذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ أي بأن أرسل معنا، فحذف حرف الجر، وهي تحذف
معها كثيراً . ﴿أَنْ عَبَّدَتَّ﴾ إما بدل مرفوع من ﴿نِعْمَةٌ﴾ وإما منصوب بتقدير :
طلباً للتخفيف.
ن
لأن عبدت، ثم حذف حرف الجر، لطول الكلام بصلة
البلاغة:
﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى﴾ ﴿وَلَا يَنْطَلِّقُ لِسَانِى﴾ بينهما مقابلة.
﴿رَسُولُ﴾ ﴿أَرْسِلْ﴾ جناس اشتقاق.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ جناس ناقص، لاختلاف الشكل واتحاد الحروف.
﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ﴾ إيجاز بالحذف، تقديره: فأتيا فرعون فقالا له ذلك، فقال
لموسى: ﴿أَلَمَّ نُرَبِّكَ﴾.
﴿ فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾ كذلك إيجاز بالحذف، أي فأرسل جبريل إلى هارون
واجعله نبياً يؤازرني ويعاضدني.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ نَادَى﴾ متعلق بفعل مقدر، أي اذكر أو اتل يا محمد لقومك. ﴿وَإِذْ
نَادَى رَبُّكَ مُوسَىّ﴾ ليلة رأى النار والشجرة. ﴿أَنِ أَثْتِ﴾ بأن ائت رسولاً. ﴿اٌلْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾ بالكفر واستعباد بني إسرائيل وذبح أولادهم . ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل
من ﴿اَلْقَوْمَ﴾ الأول أو عطف بيان له . ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ الله بطاعته، فيوحدوه،
والاستفهام إنكاري، وهو استئناف أتبعه إرساله إليهم للإنذار، تعجيباً له من
إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه، وفيه مزيد الحثّ على التقوى . ﴿ وَيَضِيقُ
١٤٠
الجُرُ (١٩) - الشعراء: ٢٦ / ١٠-٢٢
صَدْرِى﴾ من تكذيبهم لي . ﴿ وَلَا يَنْطَلِّقُ لِسَانِ﴾ بأداء الرسالة، للعقدة التي فيه.
﴿ فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾ أي أرسل جبريل إلى أخي هارون معي، ليكون نبياً.
﴿وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ﴾ لهم علي تبعة ذنب، فحذف المضاف، والمراد قتل القبطي،
وإنما سماه ذنباً على زعمهم. ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به، وكان القتل قبل أداء
الرسالة.
كَلَّا﴾ كلمة زجر وردع، أي ثق بالله، ولا تخف منهم، فلا يقتلونك.
﴿فَاذْهَبَا﴾ أنت وأخوك، فيه تغليب الحاضر على الغائب، وهو معطوف على
الفعل الذي دلّ عليه ﴿كَلَّا﴾ كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب
أنت والذي طلبته ليكون معك نبياً وهو هارون. ﴿ِثَايَئِنَاً﴾ معجزاتنا. ﴿إِنَّا
مَعَكُمْ﴾ يعني موسى وهارون وفرعون، أو أجريا مجرى الجماعة . ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾
ما تقولون وما يقال لكم وما يجري بينكما وبينه، فأجعل لكما الغلبة عليه.
﴿إِنَّا رَسُولُ﴾ أي إن كُلّاً منا رسول من الله إليك، أو أراد به الجنس أو
ضمنه معنى الإرسال والرسالة . ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا﴾ أي بأن أرسل معنا إلى
الشام، ﴿قَالَ أَلَمَّ نُرَيِّكَ فِنَا﴾ أي فأتياه فقالا له ما ذكر، فقال فرعون لموسى:
ألم نكن ربَّناك في منازلنا. ﴿وَلِيدًا﴾ طفلاً صغيراً، سمي بذلك لقربه من الولادة
بعد فطامه . ﴿وَلَبِثْتَ فِيْنَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي ثلاثين سنة، يلبس من ملابس
فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يسمى ابنه. ثم خرج إلى مدين عشر سنين،
ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين، ثم بقي بعد الإغراق لفرعون وقومه
خمسين. ﴿ وَفَعَلَّتَ فَعْلَتَكَ الَّتِ فَعَلْتَ﴾ وهي قتل القبطي، وتَّخه به معظماً إياه،
بعدما عدَّد عليه نعمته. ﴿وَأَنْتَ مِنَ اُلْكَفِرِينَ﴾ الجاحدين لنعمتي عليك
بالتربية وعدم الاستعباد. وهو حال من تاء ﴿فَعَلْتَ﴾.
﴿قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾﴾ أي قال موسى: فعلتها حينئذٍ وأنا
من المخطئين أو من الجاهلين، قبل أن يؤتيني الله العلم والرسالة؛ لأنه لم يتعمد