Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
لِلُعُ (١٩) - القُرْقَان: ٢٥ /٤١-٤٤
والأخلاق الحميدة، فتجهد نفسك في إقناعهم بدعوتك، ونقلهم إلى العقيدة
الصحيحة، فما حالهم إلا كالأنعام السائمة، بل هم أسوأ حالاً من الأنعام
السارحة، وأبعد عن الحق طريقاً منها، فإن تلك البهائم تفعل ما هو خير لها
ونفع، وتتجنب ما هو ضارّ بها وخطر عليها، أما هؤلاء فلا يقدّرون
مصلحتهم حق التقدير، فتراهم متهورين في المعاصي، قاذفين أنفسهم في
المهالك، لا يشكرون نعمة الخالق عليهم ولا يعرفون إحسانه، وإساءة
الشيطان لهم، ولا يفعلون ما يحقق لهم الثواب الأخروي، ولا يتجنبون ما
يؤدي بهم إلى العقاب والعذاب.
والسبب في قوله ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ لا الكل أن بعضهم عرف الله تعالى وعلم
أن الإسلام حق، لكنه لم يعلن إسلامه لمجرد حب الرياسة.
وهذا دليل على فقدهم الإدراك الصحيح والوعي السليم، وتعطيلهم
طاقات الحواس والمواهب الإلهية التي لو فكروا بموجبها دون تأثر بعصبية،
أو تقليد موروث، أو هوى متبع كحب الزعامة والسيطرة، لانقادوا إلى رسالة
.. الحق والتوحيد، وآمنوا بدعوة النبي محمد رَ ليل خاتم الأنبياء والمرسلين.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
أَ - اتّخذ المشركون النبي ◌َّ موضع استهزاء وسخرية، فهل بعد هذا من
جرم أفظع منه وأشنع؟
أَ - دلّ قوله تعالى: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا﴾ على أمور: هي أنهم
سموا ذلك إضلالاً، وأن الرسول و لو بلغ أقصى الجهد والاجتهاد في صرفهم
عن عبادة الأوثان، وأنهم لم يعترضوا على دلائل النبوة إلا بمحض الجحود
والتقليد، وأن القوم أقروا بقوة حجته بَّله وكمال عقله، لكنهم طاشوا
كالمجانين، فاستهزؤوا به، وذلك فعل الجاهل العاجز المتحير في أمره.

٨٢
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤١/٢٥-٤٤
٢ - كان الرد الحاسم من الله على قبائح المشركين هذه من وجوه ثلاثة:
أولها:
أنهم حين مشاهدة العذاب يدركون من أضل ديناً أهم أم محمد؟
ثانيها:
أنهم لجهالتهم وإعراضهم عن آيات الله اتخذوا أهواءهم آلهة، فأصروا على
الشرك، وقلدوا آباءهم، مع إقرارهم بأن الله خالقهم ورازقهم، وعبدوا
الأحجار من غير حجة.
ثالثها:
أن أكثرهم لا يسمعون سماع قبول أو يفكرون فيما يقوله النبي وَلّه
فيعقلونه، أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع، وما هم إلا كالأنعام لا
يفكرون في الآخرة، بل هم أضل؛ إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام.
٤ - دلّ قوله سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ أي حفيظاً وكفيلاً
حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد، على أن الهداية والضلالة ليستا
موكولتين إلى مشيئة النبي وَّر، وإنما عليه التبليغ. والآية تسلية له عن تركهم
الإيمان وإعراضهم عن دعوته.

٨٣
الزُُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤٥/٢٥-٥٤
أدلة خمسة على وجود الله وتوحيده
﴿أَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
عَلَيْهِ دَلِيلًا (﴿ ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ
لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْكَ
◌ٍلِّنُحْسِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُقِيَهُ
٤٨
يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا
مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا (﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَّ أَكْثَرُ
النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيْرًا ﴿﴿ فَلَا تُطِعِ
وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا
اَلْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَنًا وَحِجْرًا ◌َّحْجُورًا ﴿ وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ
٥٤
مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا
القراءات:
﴿الرِّيَحَ﴾ :
وقرأ ابن كثير (الرِّيح).
﴿بُشْرًا﴾:
قرئ:
١- (نُشُراً) هي قراءة نافع، وأبي عمرو، وابن كثير.
٢- (نُشْراً) وهي قراءة ابن عامر.
٣- (بُشْراً) وهي قراءة عاصم.
٤- (نَشْراً) وهي قراءة الباقين.

٨٤
الُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤٥/٢٥-٥٤
لِيَذَّكَّرُواْ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ليَذْكُروا).
﴿ شِئْنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (شينا).
الإعراب:
﴿وَأَنَاسِىَ﴾ معطوف على ﴿أَنْعَمَا﴾ وواحده (أَنَسي) أو (إنسان). قال الفراء
والزجاج: الأَنَسي والأَناسي كالكرسي والكراسي. وقال الزمخشري:
الأناسي: جمع أنسي أو إنسان.
البلاغة:
﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة الشبه ووجه
التشبيه، أي كاللباس الساتر.
جَعَلَ لَكُمُ الَّتْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ مقابلة بين
الليل والنهار، والنوم والتقلب في المعاش.
﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهٍ،﴾ استعارة، استعار اليدين لما هو أمام الشيء وقدَّامه.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ التفات من الغيبة: ﴿أَرَسَلَ اُلْرِّيَحَ﴾ إلى التكلم
للتعظيم والامتنان.
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَآتُ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ بينهما مقابلة، أي في نهاية العذوبة
ونهاية الملوحة.
المفردات اللغوية:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تنظر. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى صنعه وفعله. ﴿مَذَّ الظِّلَّ﴾ بسطه،

٨٥
لِلُعُ (١٩) - القُرْقَان: ٢٥ /٤٥-٥٤
والظل: خيال الأشياء المادية ذات الجسم كجبل أو بناء أو شجر من حين
طلوع الشمس حتى غروبها. وهو دليل الحدوث وتصرف الله فيه على الوجه
النافع، مما يدل على أن ذلك فعل الصانع الحكيم. ﴿وَلَوْ شَآءَ﴾ ربك.
﴿ سَاكِنَا﴾ ثابتاً مقيماً على حاله في القَدْر، فلا يزول ولا تذهبه الشمس بأن
يجعل الشمس قائمة على وضع واحد . ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ أي
جعلنا الشمس علامة على الظل، فلولا الشمس ما عرف الظل .﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ
إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾﴾ أي أزلنا الظل ومحوناه بإيقاع الشعاع عليه تدريجياً
قليلاً قليلاً شيئاً فشيئاً بمعدل سير الشمس في فلكها وبمقدار ارتفاعها.
﴿لِبَاسًا﴾ جعل ظلام الليل ساتراً كاللباس. (سُبَانًا﴾ راحة الأبدانكم
بقطع الأعمال والمشاغل، من السبت وهو القطع . ﴿نُشُورًا﴾ ذا نشور، أي
انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش وابتغاء الرزق، أو بعثاً من النوم بعث
الأموات . ﴿بُشْرًا﴾ مبشرات. ﴿بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتٍِّ،﴾ أي قدَّام المطر، وقرئ:
نُشْراً أي متفرقة قدّام المطر، جمع نشور كرسول ورسل. ﴿طَهُورًا﴾ مطهراً
يتطهر به، لقوله تعالى: ﴿لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١/٨] وهو اسم لما يتطهر
به، كالوَضُوء لما يتوضأ به، والوَقُود لما يوقد به. وتطهير الظواهر دليل على
تطهير البواطن.
﴿بَلْدَةٌ مَّيْتًا﴾ أي لا نبات فيها، والميت يستوي فيه المذكر والمؤنث، وذكّر
ميتاً باعتبار المكان، أي لأن البلدة في معنى البلد. والفرق بين الَّيَّت
بالتخفيف، والميِّت بالتشديد أن الأول لمن مات حقيقة، والثاني لمن سيموت.
﴿ وَنُقِيَهُ﴾ أي الماء. ﴿أَنْعَمَا﴾ هي الإبل والبقر والغنم. ﴿ وَأَنَاسِىَ كَثِيرًا﴾
هم الناس، جمع أنسي. والمراد: أنعاماً كثيرة وبشراً كثيرين؛ لأن فعيل يراد به
الكثرة.
﴿صَرَّفْتَهُ﴾ أي الماء بمعنى فرقناه وحولناه من جهة إلى أخرى، ومنه:

٨٦
الُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤٥/٢٥-٥٤
تصريف الأمور . ﴿ِيَذَّكْرُواْ﴾ أي يتذكروا نعمة الله به ويعتبروا. ﴿كُفُورًا﴾
كفران النعمة وإنكارها وقلة الاكتراث بها، حيث قالوا: مُطرنا بنَوْء كذا أي
سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رَقيبه من المشرق، يقابله
من ساعته في كل ثلاثة عشر يوماً، ما عدا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوماً،
وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقيل:
إلى الطالع؛ لأنه في سلطانه، وجمعه أنواء.
﴿نَذِيرًا﴾ نبياً ينذر أهلها ويخوفهم، ولكن بعثناك إلى أهل القرى كلها
نذيراً، ليعظم أجرك . ﴿فَلَا تُطِعِ اَلْكَفِينَ﴾ في هواهم وفيما يريدون منك
وهو تهييج له وللمؤمنين . ﴿ وَجَهِدْهُم بِهِ﴾ بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل
عليه . ﴿ فَلَا تُطِعِ﴾ والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال حقك، فقابلهم بالاجتهاد في
مخالفتهم وإزاحة باطلهم. ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لأن مجاهدة السفهاء بالحجج
أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف . ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ﴾ خلاهما متجاورين
متلاصقين بحيث لا يتمازجان. ﴿فُرَاتٌ﴾ مفرط العذوبة. ﴿مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ شدید
الملوحة. ﴿بَرَّغَا﴾ حاجزاً. ﴿وَحِجْرًا نَّحْجُورًا﴾ تنافراً بليغاً شديداً أو حداً
محدوداً. ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أي ذوي نسب وهم الذكور الذين ينسب إليهم،
والصهر : أي ذوي صھر وهم الإناث اللائي یصاهر بهن.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى جهل المعرضين عن أدلة التوحيد ومناقشتهم وفساد
تفكيرهم في ذلك، ذكر خمسة أدلة دالة بنحو قاطع حساً وعقلاً على وجود
الصانع الحكيم، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة.
التفسير والبيان:
أورد الحق تعالى أدلة خمسة على وجوده وقدرته من الظواهر الكونية التي

٨٧
الُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤٥/٢٥-٥٤
يدركها ويشاهدها عياناً كل مخلوق وهي خلق الظل، والليل والنهار، والرياح
والأمطار، والبحار الملحة والعذبة، والإنسان من الماء، وهي ما يلي:
اً - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَذَ الظِّلَ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا﴾ ألم تنظر أيها
الرسول وكل سامع إلى صنع ربك الذي يدل على كمال قدرته ومنتهى رحمته
كيف بسط الظل، يتفيأ به الناس طوال النهار، وينعمون فيه بالوقاية من شدة
حر الشمس، من طلوع الشمس إلى غروبها. ولو شاء لجعله ثابتاً دائماً على حال
واحدة لا يتغير طولاً وقصراً، وإنما جعله متفاوتاً في ساعات النهار والفصول
المختلفة، وفي ذلك فوائد كثيرة للإنسان والنبات والحيوان، ومن فوائده:
اتخاذه مقياساً للزمن، حتى إن الفقهاء جعلوه علامة على بعض أوقات
الصلاة، كالظهر عند الزوال، أي تحول الظل نحو المشرق وميل الشمس نحو
المغرب، والعصر إذا بلغ ظل كل شيء مثله في رأي الجمهور، وعند أبي
حنيفة: إذا بلغ ظل كل شيء مثليه.
وهذا على تفسير ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ برؤية العين، والأولى في رأي الرازي حمله على
رؤية القلب، والمعنى: ألم تعلم؛ لأن الظل من المبصرات ولكن تأثير قدرة الله
في تمديده غير مرئي.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا، ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴿4﴾ أي ثم
جعلنا طلوع الشمس علامة على الظل، فلولا طلوعها لما عرف الظل؛ فإن كل
شيء يتميز بضده. وهذا يعني أن الله تعالى خلق الظل أولاً، ثم جعل الشمس
دليلاً عليه. ثم أزلنا الظل وحولناه وغيرنا اتجاهه بضوء الشمس قليلاً قليلاً
وشيئاً فشيئاً على مَهَل غير فجأة بحسب سير الشمس وارتفاعها، حتى لا يبقى
على الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه.
وفي إيجاد الظل وتغيره بعد شروق الشمس إلى غروبها، وانتقاله من حال
إلى حال، وقبضه وبسطه، والتصرف فيه على وَفْق الحكمة دليل واضح على
وجود الإله القادر، الخبير البصير، العليم الحكيم، الرؤوف الرحيم.

٨٨
الزُُّ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤٥/٢٥-٥٤
أَ - ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا
أي والله هو الذي جعل ظلام الليل ساتراً كاللباس، كما قال: ﴿ وَأَلَِّلِ
٤٧
جَ) [الليل: ١/٩٢] وجعل النوم كالموت قاطعاً للحركة، توفيراً
إِذَا يَغْشَى
الراحة الأبدان والحواس والأعضاء، بعد إجهاد النهار، وعناء العمل،
فبالنوم تسكن الحركات وتستريح الأعصاب والأعضاء والبدن والروح معاً.
وجعل تعالى النهار مجالاً للانتشار في الأرض، ينتشر فيه الناس لابتغاء
الرزق وغيره، ويتوزعون فيه لمعايشهم ومكاسبهم.
وكما أن النوم يشبه الموت، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ
بِأَلَيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠/٦] وقال: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّ الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَِّى لَمْ
تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢/٣٩] فإن الانتشار واليقظة يشبه البعث، قال
لقمان لابنه: كما تنام فتوقَظ، كذلك تموت فتُنْشَر.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُواْ فِيهِ
وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ،﴾ [القصص: ٧٣/٢٨].
وفي الليل وسكونه، والنوم وراحته، والنهار وحركته دليل واضح على
وجود الإله الخالق القادر المتصرف في الكون، ففي ضوء النهار الحياة والبهجة
والحركة والعمل، وفي الليل الهدوء والسكون وإعداد النفس للكد والكدح
والجهاد، والله تعالى جعل لكل ظرف ما يناسبه تماماً ويحقق المقصود على أكمل
وجه. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق، فيها إظهار لنعمته على خلقه؛
لأن في ستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي تشبيه النوم واليقظة بالموت والحياة
عبرة لمن اعتبر.
◌َّ - ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي والله تعالى
الذي يرسل الرياح مبشِّرات بمجيء السحاب وهطول الأمطار.

٨٩
لُرُ (١٩) - الفُرْقَان: ٤٥/٢٥-٥٤
﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ أي وأنزلنا مطراً من السماء، أي
السحاب وجعلناه طاهراً مُطَهِّراً، أي وسيلة يتطهر بها في تنظيف الأجسام
والملابس والأشياء المختلفة، والانتفاع به في الطعام والشراب وسقي النباتات
والحيوانات. والطهور: اسم لما يتطهر به كالوَضوء لما يتوضأ به، والوَّقُود لما
يوقد به. روى الشافعي وأحمد وصححه، وأبو داود والترمذي وحسنه،
والنسائي عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَّ قال: ((إن الماء طَهُورٌ لا ينجّسُه
شيء)). وروى أبو داود والترمذي والنسائي أن النبي وَلّ قال لما سئل عن
التوضؤ بماء البحر: ((هو الطَّهُور ماؤه، الحلُّ ميتته)). وقال سعيد بن المسيِّب
في هذه الآية: أنزله الله طهوراً، لا ينجسه شيء.
﴿لِنُحِْىَ بِهِ، بَلْدَةٌ مَّيْنًا﴾ أي وأنزلناه لإحياء الأرض التي لا نبات فيها،
وطال انتظارها للغيث، فتصبح بعد ربها مزدهرة بأنواع النبات والزهر
والشجر، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أُهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن
كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥/٢٢].
﴿ وَنُسَقِيَّهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا﴾ أي وليشرب منه الحيوان
والإنسان المحتاجان إليه أشد الحاجة لبقاء الحياة وسقي الزروع والأشجار،
كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَشُرُ رَحْمَتَهُ﴾
[الشورى: ٢٨/٤٢] .
والخلاصة: ذكر الله تعالى لمنافع الماء أمرين: إحياء النبات، لقوله:
﴿لِنُحْفِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنَا﴾ وإحياء الحيوان والإنسان لقوله: ﴿أَنْعَمًا وَأَنَاسِىَّ﴾.
والسبب في تخصيص الإنسان والأنعام هنا بالذكر دون الطير والوحش مع
انتفاع الكل بالماء هو شدة الحاجة، فالطير والوحش تبعد في طلب الماء،
وتصبر على فقده أكثر من الناس والحيوان الأهلي، فلا يعوزها الشرب غالباً.
وتنكير الأنعام والأناسي، ووصفهما بالكثرة، لملاحظة أحوال الماشية

٩٠
لُرُ (١٩) - الفُرْقَان: ٤٥/٢٥-٥٤
البعيدة عن منابع الماء، وأهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، أما أهل المدن
والقرى فيقيمون عادة بقرب الأنهار ومنابع الماء، فهم في غنية عن المطر بشرب
المياه المجاورة لهم.
وقدم الأنعام وأخر الإنسان عن النبات والحيوان لشدة حاجة الحيوان
وكونه عاجزاً عن التعبير عن مراده، أما الإنسان فيتفنن في استخراج الماء
بوسائل عديدة، ولأن الناس إذا ظفروا بما يسقي أرضهم ومواشيهم، فقد
ظفروا أيضاً بسقياهم، فقدم ما هو سبب حياتهم ومعيشتهم على سقيهم.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا (®َ)) أي
ولقد فرقنا المطر وحولناه من جهة إلى أخرى، فأمطرنا هذه الأرض دون هذه،
وسقنا السحاب من مكان إلى آخر ليتذكروا نعمة الله ويعتبروا، فإن الحرمان
من الشيء ثم الإفاضة به يذكّر بفضل الله ونعمته، فيوجب الشكر، ويدفع
الإنسان إلى العظة والعبرة، ولكن أكثر الناس يأبون شكر النعمة، ويكفرون
بها ويجحدونها، وينسبون ذلك لغير الخالق الحقيقي، فيقولون: مُطرنا بنوء كذا
وكذا، أي من النجوم الساقطة أو الطالعة، كما ورد في صحيح مسلم عن
رسول الله وسلم أنه قال لأصحابه يوماً على أثر سماء أصابتهم من الليل:
((أَتَدْرُونَ ماذا قال ربُّكم؟)) قالوا: الله ورسولُه أعلم، قال: ((قال: أصبح من
عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن
بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي،
مؤمن بالکوکب».
وفسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي تصريف القرآن وتقليب
حججه وآياته من حال إلى حال، ليذكر الناس ويتعظوا، ومع ذلك كفر به
کثیرون.
وفي إنزال المطر والتحكم فيه من قبل الله دليل على وجوده وقدرته

٩١
لِلُعُ (١٩) - الفُرْقَار: ٢٥ /٤٥-٥٤
وحكمته، فإذا ما أحيا الله الأرض الميتة به، تذكر الناس أنه قادر على إحياء
الأموات والعظام الرفات، وإذا ما حرم قوم المطر تذكروا أنما أصيبوا
بالحرمان بذنب حدث منهم، فيقلعون عما هم عليه، ليتعرضوا إلى رحمة الله.
وكما أن المطر نعمة ينبغي أن تذكر فتشكر، هناك نعمة عظمى على الإنسانية
وهي إرسال الرسول محمد وَاليه بالقرآن، فقال تعالى:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِ كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا (@)﴾ أي لو أردنا أن نبعث في كل
قرية رسولاً منذراً يخوف الناس من عذاب أليم لفعلنا، ولكنا بعثناك يا محمد
إلى الثقلين: الجن والإنس، وإلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا
القرآن، كما قال تعالى: ﴿لِنُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا﴾ [الشورى: ٧/٤٢]
وقال: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٧/
١٥٨] وجاء في الصحيحين: ((بعثتُ إلى الأحمر والأسود)) أي إلى العجم
والعرب. وفيهما أيضاً: ((وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس
عامة)) وعموم البعثة لندّخر لك أيها الرسول عظيم الثواب، وواسع الجزاء،
فما عليك إلا الجهاد والصبر، ولا تأبه بإعراضهم عن دعوتك. لهذا قال:
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾﴾ أي فلا تتبع
الكفار فيما يدعونك إليه من مجاملة أو موافقة لآرائهم ومذاهبهم، وجاهدهم
بكل سلاح مادي أو عقلي وهو القرآن جهاداً شاملاً لا هوادة فيه، متناسباً مع
كل فرصة تنتهزها، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ
وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣/٩] . والجهاد الكبير: هو الذي لا يخالطه فتور.
. ٤ - ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ
بَيْنَهُمَا بَرْزَغَا وَحِجْرًا نَحْجُورًا ﴿6﴾ أي والله الذي جعل البحرين المتضادين
متجاورين متلاصقين لا يمتزجان، هذا ماء زلال عذب شديد العذوبة، وهذا
ملح شديد الملوحة، ولكن لا يختلط أحدهما بالآخر، كأن بينهما حاجزاً

٩٢
لُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٤٥/٢٥-٥٤
منيعاً، وكأنهما ضدان مفترقان متنافران لا يجتمعان، ولا يصل أحدهما إلى
الآخر، فهما في مرأى العين واحد، ولكنهما في الحقيقة والواقع منفصلان،
﴿ فَأَتِءَالَآءِ
بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَتَغِيَانِ
كما قال تعالى: ﴿مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ يَلْنَقِيَانِ (4)
رَیَّكُمَا تُكَذِبَانِ
﴾ [الرحمن: ١٩/٥٥-٢١] وقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
حَاجِزَاْ أَعَِهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١/٢٧].
أي دليل آخر يدل على قدرة الله الباهرة غير مثل هذا الدليل؟ إن الماء ماء
واحد، ولكن الماء العذب لا يختلط بالماء المالح، والله خلق الماءين: الحلو
والملح، وجعل الأنهار والعيون والآبار حلوة، وهي البحر الحلو الفرات
الزلال، وجعل البحار في المشارق والمغارب والمحيطات الخمس مالحة،
وملوحتها سبب لنقاوتها وعدم فسادها، ويتجدد هواء البحر بالمد والجزر،
فتستطيع الأسماك في قيعانه العيش بسلام.
٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًاً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا
أي والله سبحانه الذي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعدَّله،
وجعله كامل الخلقة، ذكراً وأنثى كما يشاء، فقسَمه قسمين: ذكوراً تنسب
إليهم الأنساب، وإناثاً يصاهر بهن، كما قال: ﴿فَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْنَ
[القيامة: ٣٩/٧٥] وكان الله قديراً بالغ القدرة على كل شيء من هذا
(٣٩
وغيره، يخلق ما يريد، وقد أبدع كل شيء خلقه، وأتقن كل ما في الوجود،
وهو ما يزال كامل القدرة على الإبداع والخلق والتكوين. وخَتْمُ الآية بإثبات
القدرة هو مسك الختام.
قال ابن سيرين: نزلت هذه الآية في النبي و 98 وعلي رضي الله عنه؛ لأنه
جمعه معه نسب وصهر. وقال ابن عطية: فاجتماعهما وكادة حرمة إلى يوم
القيامة.
وهذا دليل آخر على قدرة الله تعالى إذ خلق الإنسان في أحسن تقويم،

٩٣
الجُعْ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٤٥-٥٤
وزوده بطاقات الحس والعقل، والمعرفة والتفكير، وأقدره على مخلوقات
الدنيا، وجعلها مذلّلة مسخرة لخدمته ونفعه، فسبحانه من إله بديع الخلق،
عجيب الصنع، واهب الوجود، ومُبْدع الكون العجيب.
فقه الحياة أو الأحكام:
في هذه الآيات أدلة خمسة على وجود الله ووحدانيته وقدرته وهي:
أولاً - خلق الظل المقابل للشمس وتمديده طوال النهار وانعدامه عند
الظهيرة ما عدا سقف البيت والشجر، حكى أبو عبيدة عن رؤبة: كل ما
كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو
ظل.
والظل نعمة عظمى للأحياء والعقلاء في كل مكان، لا سيما في البلاد
الحارة، ففيه الراحة والهدوء، وتوقي الحر، أو الوقاية من ضربات الشمس
الحادّة، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ
﴾ [النحل: ٤٨/١٦].
(٤٨)
أَلْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين،
ويجوز أن تكون من العلم، أي من رؤية القلب. والخطاب وإن كان في الظاهر
للرسول وَير فهو عام في المعنى.
والشمس دليل على الظل؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس
ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، فالشمس دليل، أي حجة
وبرهان.
ويتفاوت طول الظل وقصره أثناء النهار تفاوتاً سهلاً يسيراً، شيئاً فشيئاً،
والله هو الذي يقبضه بيسر وسهولة، وكل أمر ربنا عليه يسير.

٩٤
الجُرُ (١٩) - الفُرْقَان: ٤٥/٢٥-٥٤
ثانياً - الليل ستر للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن، والنوم راحة
للأبدان بالانقطاع عن الأشغال، والنهار ذو نشور، أي انتشار للمعاش، فهو
سبب الإحياء للانتشار. والنوم ليلاً يشبه الإماتة، واليقظة نهاراً تشبه البعث،
وكان وَله إذا أصبح قال: ((الحمدُ لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)).
ثالثاً - الرياح مُبَشِّرات بهطول المطر، تقود السحب من مكان إلى آخر،
والأمطار الهاطلة حياة الأبدان والنباتات والحيوانات، وهي ماء طهور أي ما
يتطهر به، والمراد أنه مطهر. وأجمعت الأمة على أن وصف (طهور) يختص
بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة.
والمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة، على اختلاف
ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها. والمخالط للماء ثلاثة أنواع:
نوع يوافقه في صفتيه جميعاً وهو التراب طاهر مطهر، ونوع يوافقه في إحدى
صفتيه وهي الطهارة، فإذا خالطه فغَّره سلبه صلاحية التطهير وهو ماء الورد
وسائر المائعات الطاهرات، ونوع يخالفه في الصفتين جميعاً، وهو النجس.
ويرى الجمهور أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة، والكثير لا يفسده إلا ما
غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه من النجاسات. ويرى أبو حنيفة أنه إذا وقعت
نجاسة في الماء أفسدته، كثيراً كان أو قليلاً إذا تحققت النجاسة فيه، فإن وقعت
نقطة بول في بركة، فإن كانت البركة يتحرك طرفاها بتحرك أحدهما فالكل
نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك الآخر لم ينجس.
وميّز الشافعية بين القليل والكثير بمقدار القلتين (١٥ صفيحة) فإذا بلغ
الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، ولم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فهو طاهر
مطهر، وإذا غيرت أحد أوصافه، ولو تغيراً يسيراً فنجس؛ لقوله وَ لا فيما
رواه أصحاب السنن الأربع عن ابن عمر: ((إذا بلَغَ الماءُ قُلّتين، لم يَحْملِ
الْخَبَثَ)) أو ((لم ينجس)) قال الحاكم: على شرط الشيخين: البخاري ومسلم.

٩٥
الُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥ /٤٥-٥٤
ولا حدَّ عند المالكية بين القليل والكثير، والمرجع فيه إلى العرف والعادة،
فما هو قدر آنية الوضوء والغسل قليل يسير، وما يزيد عن ذلك كثير.
ولا يضر تغير الماء بما في مقره وممره كزرنيخ وطحلب وورق شجر ينبت
علیه. و کذلك لا يضر ما مات في الماء مما لا دم له، أو له دم سائل من دواب
الماء، كالحوت والضفدع إن لم يغيِّر ريحه.
والماء المستعمل القليل في رفع حدث أو إزالة نجس طاهر مطهر عند
المالكية، وطاهر غير مطهر عند الجمهور. ودليل المالكية: الآية التي وصفت
الماء بالطهور والمطهر، والأصل في الثابت بقاؤه، والسنة وهو أنه وصلهل توضأ
فمسح رأسه بفضل ماء في يده، وأنه توضأ فأخذ من بلل لحيته، فمسح به
رأسه، والقياس: وهو أنه ماء طاهر لقي جسداً طاهراً، فأشبه ما إذا لقي
حجارة أو حديداً. ودليل الجمهور قوله مل# فيما رواه مسلم: ((لا يغتسل
أحدكم في الماء الدائم (١) وهو جنب)) ولو بقي الماء كما كان طاهراً مطهراً لما
كان للمنع منه معنى. والقياس وهو أن الصحابة كانوا يتوضؤون في الأسفار
وما كانوا يجمعون تلك المياه، مع علمهم باحتياجهم بعد ذلك إلى الماء، ولو
كان ذلك الماء مطهراً لحملوه ليوم الحاجة (٢).
والماء الطاهر المطهر الذي يجوز به الوضوء وغسل النجاسات: هو الماء
الصافي من ماء السماء والأنهار والبحار والعيون والآبار، وما عرفه الناس
ماء مطلقاً غير مضاف إلى شيء خالطه كماء الورد، ولا يضره لون أرضه، كما
بینا.
ولا بأس في مذهب الجمهور أن يتوضأ الرجل بفضل ماء وضوء المرأة
(١) الماء الدائم: هو الراكد الساكن.
(٢) تفسير الرازي: ٩٢/٢٤

٩٦
الُ (١٩) - الفُرْقَان: ٤٥/٢٥-٥٤
وتتوضأ المرأة من فضل ماء وضوء الرجل، سواء انفردت المرأة بالإناء أو لم
تنفرد؛ روى الترمذي عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة قالت: كنتُ
أغتسل أنا ورسول الله وَ ل﴿ من إناء واحد من الجنابة. وقال: هذا حديث حسن
صحيح. ورواه مسلم أيضاً.
رابعاً - أرسل الله البحرين: العذب والمالح، وجعلهما متجاورين
متلاصقين لا يمتزجان ولا يختلطان، وجعل بينهما حاجزاً من قدرته لا يغلب
أحدهما على صاحبه، وستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر،
فالبرزخ: الحاجز، والحجر: المانع.
خامساً - خلق الله تعالى من النطفة إنساناً، وجعل من الإنسان صنفين:
الذكر والأنثى، وجعل الذكر موضع نسبة النسب، والأنثى سبباً للمصاهرة،
وإيجاد قرابات جديدة، فكل من النسب والصهر قرابة ويعمان كل قربى بين
آدمیین.
وتضمنت الآيات أيضاً بالإضافة إلى الاستدلال بها على قدرة الله تعداد
النعم على بني الإنسان من إيجاد الظل، وتعاقب الليل والنهار، وإنزال
الأمطار، وخلق الماءين: الحلو والمالح، وتسخير البحار والأنهار لسير
المراكب وتنقل الناس، وإيجاد الإنسان بعد العدم، والتنبيه على العبرة في كل
ذلك.
كما تضمنت الآيات بيان فضله تعالى في إنزال القرآن على تفسير التصريف
بتصريف آيات القرآن وترداد الحجج والبينات فيه، وفي بعثة النبي ◌َّ لجميع
العالم في الشرق والغرب، فهاتان هما النعمتان العظيمتان على بني الإنسان،
وعلى التخصيص المسلمين.
وإذا لم يكن النسب ثابتاً شرعاً لم تثبت حرمة المصاهرة، وعليه قال
الجمهور: إذا لم يكن نسب شرعاً، فلا صهر شرعاً، فلا يحرّم الزنى بنت أم

٩٧
الُزُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/ ٥٥-٦٢
ولا أمّ بنت، ولا بنتاً من الزنى، وما يحرّم من الحلال لا يحرّم من الحرام؛ لأن
الله امتن بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلّق الأحكام في الحل
والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. وقال الحنفية: تحرم
البنت من الزنى أو الأخت أو بنت الابن من الزنى؛ بسبب التولد من ماء
الرجل.
جهل المشركين في عبادة الأوثان وتوجيه النبي
وسبب جعل العبادة للرحمن
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنَفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمُّ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ،
قُلْ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيَّهِ مِنْ أَجْرٍ
وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا مُبَشِرًا وَنَذِيرًا
ظَهِيرًا رهـ
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَّ الَّذِى لَا يَمُوتُ
٥٧
إِلَّا مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ، سَبِيلًا
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَسَيِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا (
٥٨
وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ الرَّحْمَنُ فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا.
٥٩
٦٠
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّعْمَنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورَاه
ثَبَارَكَ الَّذِى جَعَلَ فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيَهَا سِرَجًا وَقَمَرًا مُنِيْرًا ﴿ وَهُوَ
الَّذِى جَعَلَ اُلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا
٦٣
القراءات:
﴿فَسَْلْ﴾ :
وقرأ ابن كثير، والكسائي، وحمزة وقفاً (فَسَلْ).
﴿قِيلَ﴾ :
قرأ الكسائي: بإشمام كسرة القاف الضم، وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.

٩٨
اِلُعُ (١٩) - الفُرْقَان: ٢٥/ ٥٥-٦٢
﴿ تَأْمُرُنَا﴾ :
وقرأ حمزة (يأمرنا).
﴿سِرَجًا﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي (سُرُجاً).
﴿أَنْ يَذَّكَّرَ﴾.
وقرأ حمزة، وخلف (أن يَذْكُرَ).
الإعراب:
﴿وَكَنَ اُلْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ﴾ أي على معصية ربه، فحذف المضاف وأقام
المضاف إليه مقامه.
﴿إِلَّا مَن شَآءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِهِ،﴾ ﴿مَن﴾ في موضع نصب على الاستثناء
المنقطع، و﴿ إِلَى رَبِّهِ﴾ أي إلى قربة ربه، فحذف المضاف.
﴿وَكَفَى بِهِ، بِذُنُوبٍ عِبَادِهِ، خَبِيرًا﴾ أي كفاك الله، فحذف المفعول الذي هو
الكاف، والباء: زائدة، و﴿خَبِيرًا﴾ تمييز أو حال.
﴿الرَّحْمَنُ فَسْشَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾: إما خبر مبتدأ محذوف أي هو
الرحمن، أو مبتدأ، و﴿فَسْئَلْ بِهِ،﴾ خبره، أو الخبر ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ﴾ أو بدل من ضمير ﴿أُسْتَوَى﴾.
ويجوز النصب على المدح، والجر على البدل من ﴿اَلْحَىّ﴾ و﴿خَبِيرًا﴾:
مفعول اسأل، وهو وصف لموصوف محذوف، تقديره: فاسأل به إنساناً
خبيراً، والباء بمعنى (عن) مثل: فإن تسألوني بالنساء أي عن النساء.
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا﴾ ما: إما اسم موصول، والتقدير: للذي تأمرنا به،

٩٩
لُرُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥ / ٥٥-٦٢
فحذف حرف الجر ثم الهاء العائدة إلى الاسم الموصول. وإما مصدرية، فلا
يكون هناك شيء محذوف.
المفردات اللغوية:
{وَيَعْبُدُونَ﴾ أي الكفار. ﴿مَا لَا يَنفَعُهُمْ﴾ بعبادته. ﴿ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ بتركها،
وهو الأصنام. ﴿ظَهِيرًا﴾ معيناً للشيطان بالعداوة والشرك. ﴿مُبَشِّرًا﴾ بالجنة.
﴿وَنَذِيرًا﴾ محوِّفاً من النار. ﴿أَسَْلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على تبليغ ما أرسلت به.
﴿إِلَّا مَن شَآءَ﴾ أي لكن فعل من أراد. ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً بإنفاق ماله في مرضاته
تعالى، فلا أمنعه من ذلك، أو إلا من أراد أن يتقرب إلى ربه ويطلب الزلفى
عنده بالإيمان والطاعة. وفيه إشعار بأن الطاعة تعود على صاحبها بالثواب.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهٍِ﴾ نزِّهه عن صفات النقصان وصفه بصفات الكمال،
قائلاً: سبحان الله والحمد لله. ﴿خَبِيرًا﴾ عالماً بالظاهر والباطن . ﴿فِى سِنَّةِ
أَيَّامٍ﴾ أي قدر ستة أيام من أيام الدنيا، ولو شاء لخلقهن في لمحة واحدة،
ولكنه عدل إلى ذلك لتعليم خلقه التثبت والتأني في الأمر والتدرّج.
﴿ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ﴾ أي استوى استواء يليق به على العرش الذي هو
أعظم من خلق السماوات والأرض وأعظم المخلوقات، وليس خلق العرش بعد
خلق السماوات؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧/١١].
﴿فَسْئَلْ بِهِ، خَبِيرًا﴾ أي اسأل بالرحمن أي عن الرحمن خبيراً يخبرك
بصفاته . ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ لكفار مكة أي قال لهم الرسول بََّ، فهو الآمر
بالسجود. ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ للذي تأمرنا به أي تأمرنا بسجوده. ﴿وَزَادَهُمْ﴾ هذا
القول ﴿نُفُورًا﴾ إعراضاً عن الإيمان.
﴿نَبَارَكَ﴾ تعاظم. ﴿بُرُوجًا﴾ منازل الكواكب السيارة الاثني عشر المعروفة
وهي الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب
والقوس والجدي والدلو والحوت، المجموعة في قول الشاعر:

١٠٠
الُعُ (١٩) - الفُرْقَانِ: ٢٥/ ٥٥-٦٢
حملَ الثورُ جوزةَ الشَّرَطان ورعى الليثُ سُنْبَل الميزان
ورمى عقربٌ بقوس ◌ٍجَدْي نزح الدلو بركة الحيتان
وهي منازل الكواكب السيارة السبعة وهي المرِّيخ: وله الحمل والعقرب،
والزّهَرة: ولها الثور والميزان، وعُطارد: وله الجوزاء والسنبلة، والقمر: وله
السرطان، والشمس: ولها الأسد، والمشتري: وله القوس والحوت، وزُحَل:
وله الْجَدْي والدلو. ونظم الشاعر هذه الكواكب بقوله:
زُحَل شرى مرّيخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار
وسميت بالبروج وهي لغة: القصور العالية للتشبيه بها، فهي للكواكب
السيارة كالمنازل لسكانها. ﴿سِرَجًا﴾ هو الشمس، وقرئ: سُرُّجاً بالجمع وهي
الشمس والكواكب الكبار فيها. ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئاً بالليل، وقرئ: قُمُر
جمع قمراء، وخص الشمس والقمر بالذكر لفضيلتهما. ﴿خِلْفَةً﴾ أي يخلف
كل منهما الآخر بأن يأتي بعده ويقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه . ﴿أَن
يَذَّكَّرَ﴾ أن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه، فيعلم أنه لا بدّ له من صانع
حكيم واجب الذات رحيم بالعباد، ويتذكر أيضاً ما فاته في أحدهما من خير
فيفعله في الآخر .﴿أَوْ أَرَدَ شُكُورًا﴾ أن يشكر الله على ما فيه من النعم.
المناسبة:
بالرغم مما أبان الله تعالى من أدلة التوحيد في ظواهر الكون، فإن المشركين
ظلوا يعكفون على عبادة الأصنام، فأخبر تعالى عن جهلهم في عبادة ما لا يضر
ولا ينفع، بلا دليل ولا حجة في ذلك، بل بمجرد التقليد والهوى والتشهي،
تاركين اتباع الرسول # الذي جاء يبشرهم بالخير إن أطاعوا، وينذرهم
بالعذاب إن عصوا وأعرضوا، وهو لا يبتغي على ذلك أجراً.
ثم وجه الله تعالى رسوله بأن يتوكل على الله الحي الذي لا يموت، العالم
بجميع المعلومات، القادر على كل الممكنات، فلا يرهب جانب المشركين ولا