Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الخُ (١٧) - الأنَاءِ: ٢١ / ٨٥-٨٦
البلاغة:
﴿اَلْقَّبِرِينَ﴾ ﴿اَلْضَلِحِينَ﴾ بينهما جناس ناقص.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِسْمَعِيلَ﴾ أي واذكر ﴿وَذَا اُلْكِفْلِّ﴾ يعني إلياس وقيل: يوشع بن
نون، وقيل: زكريا، سمي بذلك؛ لأنه كان ذا حظ من الله، أو تكفل منه، أو
له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم. والكفل في اللغة بمعنى النصيب،
والكفالة، والضعف. قيل: لم يكن نبياً، والأكثرون أنه نبي وهو ابن أيوب
عليه السلام، وهذا ما صرح به الرازي والزمخشري، خلافاً للقرطبي.
قيل: خمسة من الأنبياء ذوو اسمين: إسرائيل ويعقوب، إلياس وذو
الكفل، عيسى والمسيح، يونس وذو النون، محمد وأحمد صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين.
﴿كُلُّ مِّنَ الصَّبِينَ﴾ أي كل هؤلاء من الصابرين على مشاق التكاليف
وشدائد النوائب، أو على طاعة الله وعن معاصيه ﴿ وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتَنَاً﴾
يعني في النبوة، أو في نعمة الآخرة ﴿إِنَّهُم مِّنَ الصَلِحِينَ﴾ أي الكاملين في
الصلاح، وهم الأنبياء، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى صبر أيوب عليه السلام ودعاءه ربه، أتبعه بذکر
هؤلاء الأنبياء، فإنهم كانوا أيضاً من الصابرين على الشدائد والمحن والعبادة.
أما إسماعيل عليه السلام: فلأنه صبر على الانقياد للذبح، وصبر على الإقامة
ببلد لا زرع فيه ولا ضرع ولا بناء، وصبر في بناء البيت، فأكرمه الله بجعل
خاتم النبيين من صلبه.
وأما إدريس فكما قال ابن عمر رضي الله عنهما: ((بعث إلى قومه داعياً لهم

١٢٢
لُعُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٨٥-٨٦
إلى الله تعالى، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى، ورفع إدريس إلى السماء الرابعة))
وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأول
من اتخذ السلاح عُدّة للحرب.
وأما ذو الكفل: فإنه صبر على صلاة الليل حتى يصبح، وعلى صيام النهار
فلا يفطر، ويقضي بين الناس فلا يغضب، ووفى بذلك وبما ضمن على نفسه.
قيل: إنه كان عبداً صالحاً، كان يصلي الله كل يوم مئة صلاة، والأكثرون
كما ذكرت أنه من الأنبياء عليهم السلام، بدليل اقترانه مع الأنبياء.
التفسير والبيان:
أي واذكر
٨٥
﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِّنَ الصَّبِينَ
أيها النبي نبأ إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وإدريس بعد شيث وآدم، وذي
الكفل أي الحظ الکثیر، الذي هو إلیاس ومن بني إسرائيل، وقد عاش في بلاد
الشام، كل واحد من هؤلاء من الصابرين المحتسبين الذين صبروا على البلاء
والمحن، وعلى طاعة الله وعن معاصيه. وقد عرفنا أحوال صبر كلٍ منهم.
﴿ وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى رَحْمَتِنَاً إِنَّهُم ◌ِنَ الصَِّحِينَ ﴾﴾ أي وجعلناهم من
أهل رحمتنا بالنبوة، ودخول الجنة، والظفر برضانا وثوابنا؛ لأنهم من فئة
الکاملي الصلاح؛ لأنهم أنبياء معصومون، وصلاحهم لا يعكره فساد.
فقه الحياة أو الأحكام:
هؤلاء الأنبياء الثلاثة: إسماعيل، وإدريس، وذو الكفل من الذين صبروا
على أمر الله تعالى، والقيام بطاعته، واجتناب معاصيه، فكافأهم الله تعالى
بنيل رضاه، ودخول جنته؛ لأنهم قوم صالحون، كاملو الصلاح والتقوى،
بعيدون عن الفساد بمظاهره المختلفة.

١٢٣
الجُ (١٧) - الانْبَيَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
والمراد هو التأسي والاقتداء بهم، فإنه لم يقصّ الله في قرآنه على الناس نبأ
أحد من الأنبياء إلا وكان في ذلك الخير والفائدة، والعبرة والعظة، وضرب
الأمثال العملية الواقعية للالتزام بأمر الله، والاستقامة في الدين والحياة.
القصة الثامنة - قصة يونس عليه السلام
﴿َذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ فَتَادَى فِى الْقُلُمَتِ
أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ
وَنََّهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ
٨٨
القراءات:
﴿نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾:
وقرأ ابن عامر (نُجِّي).
الإعراب:
﴿وَذَا النُّونِ﴾ منصوب بفعل مقدر، تقديره: واذكر ذا النون ﴿مُغَضِبًا﴾
منصوب على الحال من ضمير ﴿ذَّهَبَ﴾ وهو العامل في الحال. ﴿ وَكَذَلِكَ
نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقرئ: (نُجِّي المؤمنين) قال أكثر النحويين: إن هذه القراءة
محمولة على إخفاء النون من ﴿نُشْجِى﴾ فتوهمه الراوي إدغاماً. وأجازه آخرون
على أنه فعل مبني للمجهول، على تقدير المصدر، لدلالة الفعل عليه، وإقامته
مقام الفاعل، أي: تُّجِّيَ النجاءُ المؤمنين، كقراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع
المدني: ليُجزى قوماً أي ليُجْزِي الجزاءُ قوماً.
المفردات اللغوية:
﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي واذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى ﴿إِذ ذَّهَبَ

١٢٤
لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
مُغَضِبًا﴾ لقومه، و﴿إِذ﴾: بدل مما قبله، أي ذهب غضبان من قومه، مما
قاسى منهم، لطول دعوتهم، وإصرارهم على الكفر، ذهب قبل أن يؤمر أو
يؤذن له في الذهاب . ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي فظن أن لن نضيق عليه،
كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦/١٣] وغيرها أي ويضيق، وقوله:
﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧/٦٥] أي ضيق أو ظن أن لن نقضي عليه
بالعقوبة، من التقدير أي القضاء والحكم. أو أن يكون ذلك من باب التمثيل
بمعنى: فكانت حاله ممثلة بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه،
من غير انتظار لأمر الله. هذه تأويلات. ويجوز أن يكون ذلك مجرد وسوسة
الشيطان، ثم يردعه ويرده بالبرهان، فسمي ظناً للمبالغة، كما قال تعالى
مخاطباً المؤمنين: ﴿وَنَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّونَاْ﴾ [الأحزاب: ١٠/٣٣]. والخلاصة: أن
الظن هنا ليس حاصلاً من يونس عليه السلام؛ لأن من ظن عجز الله تعالى
فهو كافر.
﴿ فَنَادَى فِ القُلُمَتِ﴾ أي في الظلمة الشديدة المتكاثفة، أو ظلمات بطن
الحوت والبحر والليل ﴿أَن لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ﴾ أي بأنه لا إله إلا أنت
﴿سُبْحَنَكَ﴾ تنزيهاً لك من أن يعجزك شيء ﴿إِنِّ ككُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة من غير إذن. جاء في الحديث الذي أخرجه البيهقي
عن سعد عن النبي ◌َّ: ((مامن مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له)).
﴿فَلَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَرَّ﴾ أي أجبنا له دعاءه بتلك الكلمات، بأن
قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات مكث فيها في بطنه، وقيل: ثلاثة
أيام . ﴿مِنَ الْغَرَّ﴾: أي من غمه بسبب كونه في بطن الحوت، وبسبب خطيئته
﴿ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وكما أنجينا يونس عليه السلام من كرب
الحبس إذا دعانا، كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا.

١٢٥
الُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
المناسبة:
هذه قصة يونس عليه السلام، تبين مدى فضل الله وإنعامه عليه، كما أنعم
على الأنبياء المتقدمين الذين ذكر قصصهم، وأجاب دعاءهم بعد الكرب
والشدة، ومقاساة الأهوال، والصبر على العناء.
التفسير والبيان:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا﴾ أي واذكر أيها الرسول قصة يونس بن متى
عليه السلام حين بعثه الله إلى أهل قرية نِينَوى (من أرض الموصل) وكان اسم
ملكها ((حزقيا)) فدعاهم إلى الله تعالى وإلى توحيده وطاعته، فأبوا عليه،
وتمادوا على كفرهم، فخرج من بينهم مغاضباً لهم، وأوعدهم بالعذاب بعد
ثلاث.
فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء
بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا
إلى الله عز وجل، ورغتِ الإبل وفُصْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت
الغنم وسِخالها، فرفع الله عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ
ءَمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوَمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ
[يونس: ١٠/ ٩٨] .
٩٨
اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ
وأما يونس عليه السلام: فإنه ذهب، فركب مع قوم في سفينة، فاضطربت
بهم وخافوا أن يغرقوا، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم في البحر،
للتخفيف، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها، فوقعت
القرعة عليه أيضاً فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً، كما قال تعالى:
[الصافات: ١٤١/٣٧] أي وقعت عليه القرعة.
١٤١
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ

١٢٦
الجُزُ (١٧) - الاثْبِيَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
فقام يونس عليه السلام، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، فأرسل
الله سبحانه إليه من البحر حوتاً يشق البحار، فالتقمه (١).
وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.
وقوله: ﴿مُغَضِبًا﴾ أي غضبان من قومه، لتكذيبهم إياه، وكراهيته خلف ما
أوعدهم به من العذاب بعد ثلاث، لكنه لم يأتهم، لتوبتهم التي لم يعلم بها، لا
كراهية لحكم الله، أو مغاضباً ربه، وإلا كان مرتكباً كبيرة لا تليق بالشخص
العادي فضلاً عن النبي، فهو مغاضب من أجل ربه، بدليل وصف نفسه أنه
من الظالمين، وهذا رأي أكثر المفسرين.
﴿أَنْ لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي نضيق عليه في بطن الحوت، ونقضي عليه
بالعقوبة، من القدر والتقدير أي القضاء والحكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْنَفَى
اَلْمَاءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢/٥٤] أي قدِّر، وكان خروجه يشبه حالة
الآبق.
﴿فَنَادَى فِ اُلُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ سُبْحَنَكَ﴾ أي فدعا ربه في
أعماق الظلمات المتكاثفة أو من تحت الظلمات الثلاث: ظلمة بطن الحوت،
وظلمة البحر، وظلمة الليل: تنزيهاً لك يارب، أنت الإله وحدك لا شريك
لك، تفعل ما تشاء، وتحكم ما تريد، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في
السماء.
﴿إِنّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نفسي بالخروج دون أمر أو إذن منك، وهذا
خلاف الأولى للأنبياء، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ ◌ِكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ
[القلم: ٤٨/٦٨] .
٤٨
الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ
(١) تفسير ابن كثير: ١٩١/٣

١٢٧
اِلُعُ (١٧) - الأنْبَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي فأجبنا له دعاءه الذي أظهر به الندم والتوبة.
﴿وَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وأخرجناه من بطن
الحوت وتلك الظلمات، وكما أنجيناه من الكرب والشدة، ننجي أيضاً
المؤمنين الصادقين إذا استغاثوا بنا، وطلبوا رحمتنا.
روى البيهقي وغيره عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ◌َّ قال: ((دعوةُ ذي
النون في بطن الحوت: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنتُ مِنَ
اُلَّالِمِينَ﴾، لم يَدْعُ بها مسلم ربه في شيء قط، إلا استجاب له)) فهو قد بدأ
بالتوحيد، ثم بالتنزيه والتسبيح والثناء، ثم بالاستغفار والإقرار على نفسه
بالظلم أي الذنب.
وروى ابن أبي حاتم عن أنس يرفع الحديث إلى رسول الله ويتليفون: أن يونس
النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت
قال: (اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين) فأقبلت هذه
الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يارب، صوت ضعيف معروف من
بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا، يارب، ومن هو؟ قال:
عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرْفَع له عملٌ مُتَقبَّل، ودعوة
مجابة، قالوا: يارب، أولا ترحم ماكان يصنع في الرخاء، فتنجيه من البلاء؟
قال: بلى، فأمر الحوت، فطرحه في العراء.
فقه الحياة أو الأحكام:
أحوال الأنبياء عجائب وغرائب ومعجزات خاصة يظهرها الله على
أيديهم، لا تقاس عليها إطلاقاً أحوال البشر العاديين. وقصة يونس من هذه
العجائب الفريدة.
فقد ذهب يونس عليه السلام مغاضباً من أجل الله، والمؤمن يغضب الله

١٢٨
الجُزُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
عز وجل إذا عُصي، وكانت هذه المغاضبة صغيرة في رأي القرطبي، ولم يغضب
على الله، ولكن غضب الله، إذ رفع العذاب عنهم.
فلا يجوز على نبي الله أن يغاضب ربه؛ لأن ذلك صفة الجاهل كونَ الله
مالكاً للأمر والنهي، والجاهلُ بالله لا يكون مؤمناً، فضلاً على أن يكون نبياً،
وإنما خرج مغاضباً من أجل ربه، أي غضب على قومه من أجل كفرهم بربه.
لكن كان الأولى له أن يصابر وينتظر الإذن من الله تعالى في الهجرة عن
قومه، لهذا قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الُوتِ﴾ [القلم: ٤٨/٦٨] كأن الله
تعالى أراد لمحمد ◌َليم أفضل المنازل وأعلاها.
وقال القشيري: والأظهر أن هذه المغاضبة كانت بعد إرسال الله تعالى إیاه
(أي يونس) وبعد رفع العذاب عن القوم بعدما أظلهم؛ فإنه كره رفع العذاب
عنهم.
وظن يونس عليه السلام عند ذهابه ألا يضيق الله عليه بالحبس، أو ألا
يقضي عليه بالعقوبة، من القدَر الذي هو القضاء والحكم، وورد القدر بمعنى
التضييق كما في الآيتين المتقدمتين: ﴿اللَّهُ يَسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾
[الرعد: ٢٦/١٣] أي يضيق، وقوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧/٦٥].
وورد بمعنى التقدير وهو الحكم، وليس القدرة والاستطاعة، كما في قوله
تعالى: ﴿فَلْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢/٥٤].
ثم أدرك يونس وهو في ظلمات الليل والبحر وبطن الحوت أنه ظلم نفسه في
الخروج من غير أن يؤذن له، أو في ترك الصبر على قومه، وليس في ذلك من
الله عقوبة؛ لأن الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا، وإنما كان ذلك تمحيصاً وتعليماً،
وقد يؤدب من لا يستحقِ العقاب كالصبيان، فتضرع إلى الله وجأر إليه بالدعاء
المتقدم: ﴿لَّا إِلَّهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ﴾ فأكرمه الله تعالى، وحماه من أن يهضم
الحوت جسده، وإنما جعله له سجناً فقط، ثم أمر الحوت بإلقائه، فطرحه على
ساحل البحر.

١٢٩
الُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٨٧-٨٨
جاء في الخبر: في هذه الآية شرط الله لمن دعاه أن يجيبه، كما أجابه،
وينجّيه كما أنجاه.
ومن فضل الله ورحمته أن هذا الإنجاء لمن استغاث بالله واستعان به لیس
خاصاً بيونس عليه السلام، وإنما هو شامل لكل المؤمنين إذا استغاثوا بالله،
وطلبوا رحمته، فإن الله تعالى يخلصهم من همهم بما سبق من عملهم. وذلك
قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ ٤ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُّبْعَثُونَ
﴾ [الصافات: ١٤٣/٣٧-١٤٤].
(١٤٤)
وهذا من حفظ الله لعبده يونس رعى له حق تعبده، وحفظ له ما أسلف من
الطاعة.
والله يجيب دعاء الداعين في أي مكان، لذا قال رَله: ((لا تفضلوني على
يونس بن متى فإني لم أكن، وأنا في سدرة المنتهى بأقرب إلى الله منه، وهو في
قعر البحر في بطن الحوت)) (١). وهذا دليل على أن الباري سبحانه وتعالى ليس
في جهة معينة.
(١) روى البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عباس الحديث بلفظ آخر.

١٣٠
لُُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٨٩-٩١
القصة التاسعة والعاشرة
قصة زكريا ويحيى عليهما السلام مع قصة مريم
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ
٨٩
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبٌَ وَكَانُوْ لَنَا خَاشِعِينَ
٩٠
وَالَّتِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةً
٩١
لِلْعَلَمِينَ
القراءات:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ﴾: قرئ:
١- (وزكريا إذ) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي.
٢- (وزكرياءَ إذ) وهي قراءة باقي السبعة.
الإعراب:
﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ ﴿وَالَّتِىّ﴾: منصوب بفعل مقدر، أي: واذكر
التي أحصنت. ﴿ءَايَةٌ﴾ منصوب مفعول ثانٍ بـ (جعل). وقال: ﴿ءَايَةً﴾، ولم
يقل: آيتين لوجهين: أحدهما - لأن التقدير: وجعلناها آيةً، وجعلنا ابنها
آية، إلا أنه اكتفى بذكر الثاني عن ذكر الأول. والثاني - أن يكون ﴿ءَايَةً﴾ في
تقدير التقديم، أي وجعلناها آية للعالمين وابنها، والوجه الأول أوجه.
البلاغة:
﴿رَغَبًا وَرَهَبًّا﴾ بينهما طباق.
٢

١٣١
لُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٨٩-٩١
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ نسب الروح إليه تعالى تشريفاً وتكريماً،
مثل ﴿ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣/٧] ومواضع أخرى.
المفردات اللغوية:
﴿ وَزَكَرِيَّا﴾ أي واذكر زكريا. ﴿إِذْ نَادَى﴾ بدل منه، أي دعا ربه
بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا﴾ أي لا تتركني وحيداً بلا ولد يرثني. ﴿وَأَنْتَ
خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني، فلا أبالي.
﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي نداءه. ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ,﴾ أي أصلحناها
للولادة، فأتت بالولد بعد عقمها. ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي المذكورين من الأنبياء عليهم
السلام. ﴿يُسَرِعُونَ﴾ يبادرون. ﴿فِىِ الْخَيْزَتِ﴾ أي الطاعات. ﴿رَغَبًا﴾ في
رحمتنا. ﴿وَرَهَبَّأَ﴾ من عذابنا. ﴿خَشِعِينَ﴾ متواضعين في عبادتهم.
﴿ وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ﴾ أي واذكر مريم التي حفظت فرجها من أن ينال بالحلال
أو الحرام . ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ أي أحيينا عيسى وأوجدناه في
جوفها، ويجوز أن يراد: وفعلنا النفخ في مريم من جهة روحنا وهو جبريل
عليه السلام، حيث نفخ في جيب درعها (قميصها) فوصل النفخ إلى جوفها.
﴿ وَجَعَلْنَهَا وَآَبْنَهَآ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ هم الإنس والجن والملائكة حيث ولدته
من غير رجل. ولم يقل: آيتين، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَِّلَ وَالنَّهَارَ
ءَايَتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٢/١٧] لأن حالَما بمجموعهما آية واحدة وهي ولادتها
إياه من غير فحل.
المناسبة:
بعد بيان النعم الخاصة بكل نبي، أبان الله تعالى ما أنعم به على زكريا عليه
السلام بمنحه الولد، في حال الكبر هو وزوجته، وبعد أن مسّه الضر بتفرده،
فدعا ربه أن يرزقه الولد، وأحب أن يكون معه من يؤنسه ويقويه على أمر دينه
ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته.

١٣١
لُرُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٨٩-٩١
وكان دعاؤه دعاء مخلص عارف بأن الله تعالى قادر على ذلك، وإن بلغ هو
وزوجته سن اليأس من الولد، بحسب العادة. قال ابن عباس رضي الله
عنهما: كان سِنّه مئة، وسن زوجته تسعاً وتسعين.
ثم ذكر تعالى قصة مريم وولادتها عيسى، لما بين ولادته وولادة يحيى من
الغرابة وتشابه المعجزة. وتقدمت القصتان في سورتي آل عمران ومريم.
التفسير والبيان:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَُّ﴾ أي واذكر أيها الرسول خبر زكريا حين طلب
أن يهبه الله ولداً، يكون من بعده نبياً، فدعا ربه خفية عن قومه قائلاً: ربِّ لا
تتركني وحيداً، لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في دعوة الناس إليك، وأنت
الباقي بعد فناء خلقك، فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي، فإنك خير وارث.
وقوله: ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ دعاء وثناء.
﴿فَأْسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ أي فأجبنا
نداءه ومطلبه، ووهبناه ولداً اسمه يحيى، وأصلحنا له امرأته بإزالة موانع
الولادة، فولدت بعد العقم وفي حال الكبر.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ﴾ أي إن المذكورين من الأنبياء
عليهم السلام، ومنهم زكريا وزوجه كانوا يبادرون إلى طاعتنا والتقرب إلينا،
أو إلى فعل الطاعات، وعمل القربات، والمراد أنهم ما استحقوا الإجابة إلى
طلباتهم إلا لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم في تحصيلها، كما يفعل
الراغبون في الأمور الجادة.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَأْ وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ أي ويدعوننا رغبة في
رحمتنا وفضلنا، وخوفاً من عذابنا وعقابنا، وكانوا لنا متواضعين متذللين.
والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين:

١٣٣
الجُرُ (١٧) - الأنْبَاءِ: ٢١ / ٨٩-٩١
أحدهما - الفزع إلى الله تعالى، رغبةً في ثوابه، ورهبة من عقابه.
والثاني - الخشوع: وهو المخافة الثابتة في القلب، أو الخوف اللازم
للقلب، لا يفارقه أبداً.
روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله
عنه، ثم قال: ((أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له
أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله عز وجل
أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾)).
ثم يذكر الله تعالى قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام مقرونة بقصة زكريا
وابنه يحيى عليهما السلام، كما هو المعتاد في كلامه تعالى، فيذكر أولاً قصة
زكريا، ثم يتبعها بقصة مريم؛ لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ
كبير طاعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر، لم تكن تلد في حال شبابها. أما
قصة مريم فهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر.
حدث هذا الاقتران بين القصتين في سورتي آل عمران ومريم، وههنا في
سورة الأنبياء.
﴿ وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي واذكر نبأ مريم التي منعت نفسها من
الرجال، سواء في الحلال أو الحرام، كما حكى تعالى عنها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِى
بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠/١٩] وكما قال في سورة التحريم: ﴿ وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ
عِمْرَنَ الَّتِىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢/٦٦].
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ أي نفخنا الروح في عيسى في بطنها، أي
أحييناه في جوفها. ويلاحظ أن الضمير هنا عائد إلى مريم، وليس المقصود كما
هو الظاهر إحياء مريم، وإنما إحياء عيسى في جوفها. وأما في سورة التحريم

١٣٤
الْجُرُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٨٩-٩١
فالضمير عائد إلى فرجها، أي فنفخنا في فرجها، وقرئ: ﴿فِيهَا﴾ أي في
مريم أو الحمل. وقوله: ﴿مِن رُوحِنَا﴾ في السورتين أي من روح خلقناه بلا
توسط أصل. وأضيف إلى الله تعالى تشريفاً.
﴿ وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ أي وجعلنا أمر مريم وعيسى وهو
الحمل من غير أب آية ومعجزة خارجة عن العادة، دالة على أن الله على كل
شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: ﴿كُنَ
فَيَكُونُ﴾. ونظير الآية قوله سبحانه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١/١٩]
ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما وأمرهما وقصتهما آية
للعالمين، أو أن الآية واحدة وهي الولادة من غير رجل، وقوله:
(لِلْعَالَمِينَ﴾ أي الجن والإنس والملائكة.
وهناك آيات أخرى لكل من مريم وعيسى، مثل إتيان الملائكة لها برزقها :
﴿يَمَرِيمُ أَنَّى لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧/٣]. وأما آيات
عيسى فمثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله كما جاء في [آل
عمران: الآية ٤٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن في كلٍّ من قصتي زكريا وابنه يحيى ومريم وابنها عيسى آية خارقة للعادة،
ومعجزة غير معتادة دالة على قدرة الله تعالى الفائقة، والشاملة لكل شيء.
أما قصة زكريا فقد أكرمه الله تعالى بولادة يحيى بعد دعاء ومناجاة،
وتضرع وإخلاص، وأدب وتفويض لله تعالى، وذلك في سن الكبر هو
وامرأته، التي كانت عاقراً لا تلد في وقت الشباب. ووجه الآية الفريدة أن
الكبير عادة لا ينجب، وأن العاقر العقيم لا يلد، فأزال الله موانع الولادة،
وهيأ القدرة على الإنجاب والإخصاب عند الأب زكريا عليه السلام.

١٣٥
لُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٨٩-٩١
وسبب هذه الإجابة لدعاء زكريا أنه كان كغيره من الأنبياء يبادر إلى فعل
الطاعات، وعمل القربات، وأنه كان يدعو في حال الرخاء وحال الشدة،
وحال الرجاء والرهبة، وأملاً في رحمة الله وفضله، وخوفاً من عذابه وعقابه؛
لأن الرغبة والرهبة متلازمتان.
وأما قصة مريم الطاهرة البتول فقد أحصنت فرجها إحصاناً كلياً من
الحلال والحرام جميعاً، ولم يقربها رجل، وتم نفخ الروح في جوفها، وإيجاد
عيسى بواسطة جبريل الروح القُدُس من غير أصل ذكر.
فقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا﴾ معناه أمرنا جبريل حتى نفخ في
درعها أي قميصها، فأحدثنا بذلك النفخ (المسيح) في بطنها، ووصل النفخ إلى
جوفها، وسرت الروح إلى فرجها، وكان ذلك آية أي علامة وأعجوبة
للخلق، وعلماً لنبوة عيسى، ودلالة على نفوذ قدرتنا فيما نشاء.
وآيات مريم كثيرة كما تقدم:
أحدها - ظهور الحمل فيها من غير ذكر.
وثانيها - أن رزقها كان يأتيها به الملائكة من الجنة.
وثالثها ورابعها - قال الحسن البصري: إنها لم تلتقم ثدياً يوماً قط،
وتكلمت هي أيضاً في صباها، كما تكلم عيسى عليه السلام(١).
وأما آيات عيسى عليه السلام فقد تقدم بيانها في سورة آل عمران.
وكل تلك الآيات بإذن الله وأمره، وليس للبشر فيها قدرة مع قدرة الله
تعالى وتدبيره وحکمته.
(١) تفسير الرازي: ٢١٨/٢٢

١٣٦
الُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
وحدة الرسالات السماوية والسنَّة الإلهية
وَتَقَطَّعُواْ
٩٣
﴿إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ
وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ
مُؤْمِنٌ فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ، وَإِنَّا لَهُ كَثِبُونَ ®)
حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوُ وَهُم مِّن
أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزَّجِعُونَ (٥٥)
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴿﴿ وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَخِصَةُ أَبْصَدِرُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ
(٩٧
القراءات:
﴿وَحَرَامٌ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي (وحِرْم).
﴿فُتِحَتْ﴾:
وقرأ ابن عامر (فُتِّحت).
﴿ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوعُ﴾:
قرأ عاصم (يأجوج ومأجوج).
وقرأ الباقون (ياجوج وماجوج).
الإعراب:
﴿أُمَّةً وَحِدَةً﴾ حال لازمة.
﴿لَا يَجِعُونَ﴾ ﴿لَا﴾: إما زائدة، أي وحرام أنهم يرجعون، أي إلى

١٣٧
لُعُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
الدنيا، وأن واسمها وخبرها خبر المبتدأ: (حَرَام). وإما غير زائدة، ويكون
(حَرَام) مبتدأ، وخبره مقدر، أي: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون
كائن أو محكوم عليه، فحذف الخبر، وحذف الخبر أكثر من زيادة ((لا)) وهو
الأوجه عند أبي علي الفارسي والزجاج.
﴿حَتََّ إِذَا فُتِحَتْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ إما مقدر، تقديره: قالوا: ﴿يَيْلَنَا
قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾، وإما أن يكون الجواب قوله: ﴿وَأَقْتَرَبَ
الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ والواو زائدة، وهذا مذهب الكوفيين، وإما أن يكون الجواب
قوله: ﴿فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
البلاغة:
( وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة كأنه ينقل عنهم
ما أفسدوه إلى آخرين للتقبيح، واستعارة تمثيلية، مثل اختلافهم في الدين
وتفرقهم أحزاباً بالجماعة التي تتوزع الشيء أنصباء.
﴿فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ،﴾ استعارة، استعير الكفران لمنع الثواب، كما
استعير الشكر لإعطائه.
﴿يَوَيِّلَنَا﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي: ويقولون: يا ويلنا.
﴿ فَأَعْبُدُونٍ﴾، ﴿رَجِعُونَ﴾، ﴿كَنِبُونَ﴾ سجع لطيف.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ﴾ الأمة لغة: القوم المجتمعون على أمر، ثم شاع
استعمالها في الدين أو الملة، أي إن ملة التوحيد أو الإسلام ملتكم ودينكم
أيها المخاطبون، التي يجب عليكم أن تكونوا عليها. ﴿أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي ملة
واحدة غير مختلفة فيما بين الأنبياء. ﴿وَأَنَأْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ﴾ أي أنا الله لا
إله غيري، فوحدوني واعبدوني لا غير.

١٣٨
الجُزُ (١٧) - الاتَبَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
(وَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمّ﴾ أي جعل بعض المخاطبين أمر دينهم فيما بينهم.
قطعاً، بمعنى أنهم تفرقوا في الدين، وتخالفوا فيه، وجعلوا أمره قِطَعاً مُوزَّعة
بقبيح فعلهم، وهم طوائف اليهود والنصارى . ﴿كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾ أي
كل من الفرق المتجزئة راجعون إلينا فنجازيهم بأعمالهم .﴿فَلَا كُفْرَانَ
لِسَعْبِهِ،﴾ أي لا جحود ولا إنكار لعمله، ولا تضييع لثوابه. ﴿وَإِنَّا لَهُ
كَثِبُونَ﴾ أي وإنا لسعيه مثبتون في صحيفة عمله، لا نضيع شيئاً منه بوجه
ما، ونأمر الحفظة بكتبه، فنجازيه عليه.
﴿وَحَرَمُ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي ممتنع على أهلها، غير متصور منهم.
﴿أَهْلَكْنَهَا﴾ أي حكمنا بإهلاكها أو قدرنا هلاكها، أو وجدناها هالكة.
﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿لَا﴾ : زائدة، أي ممنوع عليهم رجوعهم إلى التوبة أو
إلی الدنیا.
﴿حَتََّ﴾ غاية لامتناع رجوعهم، أي يستمر عدم الرجوع إلى قيام الساعة
وظهور أماراتها وهو فتح سد يأجوج ومأجوج. ﴿إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوعُ
وَمَأْجُوجُ﴾ أي إذا فتح سدهما، وذلك قرب يوم القيامة، وهما اسمان أعجميان
القبيلتين .﴿وَهُم﴾ يعني يأجوج ومأجوج، أو الناس كلهم. ﴿مِّن كُلِّ
حَدَبٍ﴾ مرتفع من الأرض. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون أو يخرجون مسرعين،
مأخوذ من نَسَلان الذئب، أي إسراعه.
﴿ وَأَفْتَرَبَ اُلْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي قرب يوم القيامة. ﴿فَإِذَا هِى﴾ أي القصة،
وإذا: للمفاجأة، كقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦/٣٠] وهي جواب
الشرط السابق وهو ﴿حَتَّى إِذَا﴾. (شَخِصَةٌ﴾ مرتفعة أجفانها لا تكاد تنظر،
من شدة الهول. ﴿يَوَيْلَنَا﴾ أي يقولون: يا هلاكنا، ويا: للتنبيه. ﴿قَدْ
كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿فِى غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ اليوم، لم نعلم أنه حق ﴿بَلْ كُنَّا
ظَلِمِينَ﴾ أنفسنا بتكذيبنا الرسل، وإخلال النظر.

١٣٩
الُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أن دين الإنسانية دين واحد، فيقول:
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ أي إن ملة التوحيد أو ملة الإسلام هي
ملة واحدة وشريعة واحدة، متفق عليها بين جميع الأنبياء والشرائع، وهي التي
يجب أن تكونوا عليها، فكونوا عليها أمة واحدة غير مختلفة فيما بين الأنبياء،
وأنا الله الذي لا إله غيري فاعبدوني وحدي، ولا تشركوا معي شيئاً آخر، من
مَلَك أو بشر أو حجر أو شجر أو صنم.
وقال في آية أخرى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِةٍ أُمَتَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ
[المؤمنون: ٥٢/٢٣]. وقال رسول الله صل فيما رواه البخاري ومسلم
وأبو داود وأحمد: ((نحن معاشر الأنبياء أولاد عَلات (١) ديننا واحد)) يعني أن
المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له، بشرائع متنوعة لرسله، كما قال
تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨/٥] فليس الاختلاف في
أصول العقيدة والأخلاق والفضيلة والعبادة، وإنما الاختلاف في الفروع
والجزئيات والأشكال بحسب الاختلاف في الأزمنة والعصور.
﴿كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾ أي إن الأمم اختلفت على رسلها، بين مصدق
لهم ومكذب، وفرقوا أمر دينهم بينهم فرقاً شتى، وهذا بطريق الالتفات إلى
الغيبة للتقبيح، والأصل: وتقطعتم، كأنه ينقل عنهم ما أفسدوه إلى آخرین،
ويقبّح عندهم فعلهم، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء.
والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً، كما تتوزع الجماعة الشيء
ويقسمونه، فيصير لهذا نصيب، ولهذا نصيب، تمثيلاً لاختلافهم فيه،
وصيرورتهم فرقاً وأحزاباً شتى. وهذا التفرق في أمر الدين الواحد معيب
شنيع، ولهذا قال تعالى متوعداً على فعلهم:
(١) أولاد العَلات: أولاد الرجل من نسوة شتى.

١٤٠
لُجُزُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٩٢-٩٧
كُلُّ إِلَيْنَا رَجِعُونَ﴾ أي كل فرقة منهم سيرجعون إلينا يوم القيامة،
فنجازي كل واحد بحسب عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وطريق الجزاء
ومنهاجه هو:
﴿فَمَنْ يَعْمَلُ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَ كُفْرَانَ لِسَعِهِ، وَإِنَّا لَهُ
كَثِبُونَ (49) مِن: للتبعيض لا للجنس إذ لا قدرة للمكلف أن يأتي بجميع
الطاعات كلها، فرضها ونفلها، والمعنى: ومن يعمل عملاً صالحاً موافقاً
لمنهاج الله تعالى، وهو بقلبه ولسانه مصدق بربه ورسله، أو من يعمل شيئاً من
الطاعات وهو موحد مسلم، فلا تضييع لسعيه، ولا بطلان لثواب عمله، ولا
جحود لعمله، أي لا يضيع جزاؤه ولا يغطى، بل يُشكر أي يثاب عليه،
ونوفيه الجزاء الأوفى، ولا يظلم مثقال ذرة، وإنا له مثبتون حافظون جميع
عمله في صحيفته، لنجازي عليه، فلا يضيع عليه منه شيء، مهما صغر، كما
قال في آيات أخرى منها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ
أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
]﴾ [الكهف: ٣٠/١٨] ومنها: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى
(١٩) ﴾ [الإسراء: ١٧ /
لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَتِكَ كَانَ سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا
١٩].
والآية دليل على أن أساس القبول والنجاة الجمع بين أن يكون الشخص
مؤمناً، وبين أن يعمل الصالحات، والإيمان: يشمل العلم والتصديق بالله
ورسوله، والعمل الصالح هو فعل الواجبات وترك المحظورات. والكفران:
مثل في حرمان الثواب، والشكر مثل في إعطائه، والمراد من الآية ﴿فَلاَ
كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ،﴾ المراد نفي للجنس، وفيه ترغيب العباد في التمسك بطاعة
الله تعالى.
﴿وَحَرَامُ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَزْجِعُونَ ﴾﴾ أي وممتنع على
أهل قرية حكمنا بإهلاكها رجوعهم إلى التوبة أو الحياة الدنيا قبل يوم القيامة.