Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
الُُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٧-١٠
فيهم أحد من الملائكة، كما قال تعالى في آية أخرى ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىّ﴾ [يوسف: ١٠٩/١٢] وقوله سبحانه:
﴿قُلْ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ اُلُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩/٤٦] وقوله حكاية عمن تقدم من
الأمم الذين قالوا: ﴿أَبَشَرٌ ◌َهَدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦/٦٤].
﴿فَتْثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن كنتم في شك من
كون جميع الرسل بشراً، فاسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى
وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشراً أو ملائكة؟ فالله يأمرهم
أن يسألوا علماء الكتب السابقة عن حال الرسل المتقدمة، لتزول عنهم
الشبهة، وليعلموا أن رسل الله الموحى إليهم كانوا بشراً، ولم يكونوا ملائكة
كما اعتقدوا.
وإنما أحالهم على أولئك؛ لأن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي ◌َّ،
ويثقون بقولهم، ويلتقون معهم في معاداته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾
[آل عمران: ١٨٦/٣].
وإنما كانوا بشراً ليتمكن الناس من تلقي الوحي عنهم، والأخذ بيسر بما
نزل عليهم. وهذا نص صريح في بشرية الرسل وفي كونهم رجالاً لا نساء.
﴿ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًّا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوْ خَالِدِينَ (ج) أي وما
جعلنا الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين كالملائكة، بل كانوا أجساداً يأكلون
الطعام، وما كانوا مخلّدين باقين في الدنيا، ونظير الآية: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا
الرّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧/٢٥] وقوله: ﴿ وَمَآ
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى
اُلْأَسْوَاقُ﴾ [الفرقان: ٢٠/٢٥].
وهذا نفي لما اعتقدوا أن من صفات الرسل الترفع عن الحاجة إلى الطعام،

٢٢
لُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ / ٧-١٠
فهم كانوا بشراً يأكلون الطعام، ويتصفون بكل الصفات الإنسانية، ويطرأ
عليهم الحزن والسرور، والمرض، والنوم واليقظة، والحياة والموت، فلا
خلود لهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ﴾
[الأنبياء: ٣٤/٢١].
﴿ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ﴾ أي إننا نصون حياة الرسل وكراماتهم،
وَنَصْدُقُهم في الوعد الذي نعدهم به من النصر على أعدائهم، وإهلاك
الظالمين، وننجيهم ومن نشاء من أتباعهم المؤمنين بهم، ونهلك المكذبين لهم،
المسرفين على أنفسهم بالكفر والمعاصي، المكذبين بما جاءت به الرسل.
وبعد إثبات بشرية الرسل للرد على المشركين الذين اعتقدوا بأن الرسالة من
خواص الملائكة، نبّه تعالى على شرف القرآن وفضله ونفعه للناس، وحرض
على معرفة قدره، فقال:
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي لقد أعطيناكم هذا القرآن العظيم
المشتمل على دستور الحياة الإنسانية الفاضلة، فيه شرفكم وصيتكم وسمعتكم،
كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤/٤٣] أو فيه عظتكم
وتذكيركم بمحاسن الأخلاق ومكارم الشيم، والأخذ بأيديكم إلى عز الدنيا
وسعادة الآخرة.
﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تتدبرون أمركم، وتقدرون هذه النعمة، وتتلقونها
بالقبول، وتتفكرون بما اشتمل عليه هذا القرآن من العظات والعبر، فتأخذوا
بما فيه، وتتجنبوا ما حذره وما نهی عنه.
وفي هذا حث شديد على تدبر أحكام القرآن وتعقل ما جاء فيه من أمور
الدنيا والدين والحياة.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت الآيات على ما يأتي:

٢٣
المُعُ (١٧) - الأنْبَاءِ: ٢١ / ٧-١٠
اً - الأنبياء والرسل من جنس البشر، وليسوا من الملائكة، ليسهل الأخذ
عنهم، ومناقشتهم وتفهم الموحى به إليهم، فقد ثبت بالتواتر والاستقراء
والتتبع أن الرسل كانوا من البشر.
أَ - إن سؤال أهل العلم واجب، وعلى العامة تقليد العلماء، وقد أجمع
علماء الأمة الإسلامية على أن الأعمى لابدّ له من تقليد غيره ممن يثق به في
الاتجاه إلى القبلة إذا أشكلت عليه، وكذلك كل من لا علم له ولا بصر بمعنى
ما يدين به، لابد له من تقليد أحد العلماء. ولا يجوز للعامة الفتيا في الدين،
للجهل بالمعاني التي يرتكز عليها التحليل والتحريم.
٢ - لم يجعل الله تعالى الرسل بصفات منافية لطباع البشر، لا يحتاجون إلى
طعام وشراب، بل هم كغيرهم من البشر يأكلون الطعام، ويشربون الماء،
ويمشون في الأسواق، ويتعاطون شؤون الحياة والمكاسب المتعددة.
٤ - يصون الله تعالى حياة الأنبياء ويعصمهم من الناس، وينجز لهم وعده
بإنجائهم ونصرهم وإهلاك مكذبيهم، وينجي معهم المؤمنين المصدقين
برسالاتهم، ويهلك الله المشركين المكذبين لهم.
٥ - إن القرآن الكريم سبب لرفعة شأن العرب؛ لأنه نزل بلغتهم، وفيه
أحكام الشرع، وبيان مصير الناس في الآخرة، وما يلقونه من ثواب وعقاب.
وهو أيضاً عظة وعبرة، يرغب ويبشر، ويحذر وينفر، ويأمر وينهى،
ويرشد إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويوضح ما فيه سعادة
الدارين، ويرشد البشرية كافة إلى اتباع النظام الأصلح.
٩ - يحث القرآن الكريم دائماً على تدبر ما جاء فيه من أحكام، وتفهم ما
تضمنه من نظام سديد في الدين والدنيا والآخرة.

٢٤
الجُزُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ١١- ٢٠
الإنذار بعذاب الاستئصال والتذكير بعجائب الخلق
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَ بَعْدَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ
فَلَمَّا أَحَسُوْ بَأَسَنَآ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَكُونَ ﴿﴿ لَا تَرْكُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ ﴿ قَالُواْ يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ
دَعْوَدُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا
بَلْ
١٧
لَعِينَ ﴿ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَهَوَّا لََّتَّخَذْنَهُ مِن نَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ
وَلَهُ
نَقْذِفُ بِالْقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ
مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ
١٩
يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
القراءات:
﴿وَأَنْشَأْنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (وأنشانا).
﴿ بَأْسَنَا﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باسنا).
الإعراب:
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ مرفوع أو منصوب اسماً أو خبراً، وكذلك
دَعْوَنُهُمْ﴾.
﴿وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ﴾ ﴿مَن﴾: مبتدأ، ﴿وَلَهُ﴾: خبره. وذهب الأخفش
إلى أنه في موضع رفع بالظرف.

٢٥
لُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ١١-٢٠
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْثِرُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وليس معطوفاً على ﴿مَن فِى
السَّمَوَتِ﴾. فإن جعل معطوفاً كان قوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في موضع الحال،
أي غير مستكبرين، وكذلك ﴿ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي غير مستحْسرين.
البلاغة:
﴿حَصِيدًا خَمِدِينَ﴾ تشبيه بليغ، أي جعلناهم كالزرع المحصود، وكالنار
الخامدة.
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلْنَقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ في قوله: ﴿نَفْذِفُ﴾ استعارة
تمثيلية، شُبّه الحق بشيء صلب جامد، والباطل بشيء رخو، واستعير لفظ
القذف لغلبة الحق على الباطل بطريق التمثيل، كما يرمي الإنسان شيئاً فيتلفه.
المفردات اللغوية:
﴿وَكَمْ﴾ خبرية تفيد كثرة وقوع ما بعدها، فهي صيغة تكثير ﴿قَصَمْنَا﴾
أهلكنا وأصل القصم: كسر بتفريق الأجزاء وإبانة تلاؤمها، وهو يدل على
غضب عظيم. أما الفصم فلا يدل على تفريق الأجزاء، فهو كسر من غير إبانة
﴿ مِن قَرْيَةٍ﴾ أي أهل قرية ﴿كَانَتْ ظَالِمَةُ﴾ كافرة، وهي صفة لأهلها،
ووصف بها القرية؛ لأنها أقيمت مقام أهلها ﴿وَأَنْشَأَنَ بَعْدَهَا﴾ بعد إهلاك
أهلها ﴿قَوْمًا ءَاخَرِينَ﴾ مكانهم.
﴿فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأَسَنَا﴾ أي أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس،
والضمير عائد لأهل القرية المحذوف، أي شعر أهل القرية بالإهلاك.
والإحساس: الإدراك بالحاسة، وهو هنا الإدراك بحاسة البصر، والبأس:
الشدة ﴿يَكُضُونَ﴾ يهربون مسرعين، والركض: الفرار والهرب بسرعة،
وأصله: ضرب الدابة وكلُّها بالرجل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَرَّكُضْ بِرِحْلِكَ﴾
[ص: ٤٢/٣٨] .

٢٦
لُرءُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ / ١١-٢٠
﴿ أُتْرِفْتُمْ﴾ أي نعمتم، والإتراف: التنعم والتلذذ، أو إبطار النعمة.
﴿ وَمَسَكِنْكُمْ﴾ التي كانت لكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُتْتَلُونَ﴾ أي لتسألوا غداً عن أعمالكم
أو تعذبون، فإن السؤال من مقدمات العذاب ﴿يَوَيَّلَنَا﴾ يا هلاكنا، ويا:
للتنبيه ﴿ظَلِمِينَ﴾ بالكفر ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ﴾ الكلمات ﴿دَعْوَنُهُمْ﴾ أي دعوتهم
التي يردّدونها، أي ما زالوا يكررون تلك الكلمة ﴿حَصِيدًا﴾ محصودين، كما
يحصد الزرع بالمناجل، بأن قتلوا بالسيف ﴿ خَمِدِينَ﴾ ميتين، كخمود النار إذا
طفئت.
﴿لَعِينَ﴾ عابئين، بل دالين على قدرتنا ومرشدين عبادنا ﴿لَهُوا﴾ ما يلهى
به من زوجة أو ولد. والفرق بين اللعب واللهو: أن الأول لا يقصد به هدف
صحيح، والثاني يقصد به الترويح عن النفس ﴿مِن لَّدُنَّا﴾ من عندنا من الحور
العين والملائكة ﴿إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ ذلك، لكنا لم نفعله فلم نُرِدْه.
﴿ نَقْذِفُ﴾ نرمي رمياً بعيداً ﴿بِالْقَّ﴾ الإيمان ﴿عَلَى الْبَطِلِ﴾ الكفر
﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يذهبه ويقهره ويهلكه، وأصل الدمغ: كسر الشيء الرخو،
وإصابة الدماغ بالضرب، وهو مقتل ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ذاهب وهالك وزائل
﴿وَلَكُمْ﴾ ياكفار مكة ﴿اُلْوَيْلُ﴾ العذاب الشديد ﴿مِمَّا نَصِفُونَ﴾ الله به من
الزوجة أو الولد.
﴿وَلَهُ﴾ لله تعالى ﴿مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ ملكاً ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
عِبَادَتِهِ،﴾ لا يتعظمون ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ لا يكِلون ولا يعيون ولا يتعبون
يُسَبِّحُونَ﴾ ينزهونه ويعظمونه دائماً ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ لا يضعفون.
المناسبة:
هذه الآيات مبالغة في زجر الكفار عن عصيانهم وكفرهم، فبعد أن أبان
الله تعالى أنه أهلك المسرفين في تكذيبهم وكفرهم بالله، ونصر الأنبياء المرسلين
عليهم، وأسقط اعتراضاتهم التي أظهرت إعجاز القرآن، وأوضحت أن إيراد

٢٧
لُعُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ١١-٢٠
تلك الاعتراضات كان لحب الدنيا وحب الرياسة فيها، بالغ تعالى في زجرهم
عن ذلك، فقال:
{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَالخَرِينَ ﴾﴾ أي
كثيراً ما أهلكنا من أهل القرى الذين كانوا ظالمين أنفسهم بالكفر بالله
وتكذيب الرسل، وأوجدنا وأحدثنا بعد إهلاكهم قوماً آخرين مكانهم، كما
قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧/
١٧] وقال تعالى: ﴿فَكَِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ
عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج: ٤٥/٢٢].
والمراد بالقرية: مدائن كانت باليمن، وقال أهل التفسير والأخبار: إنه
أراد أهل حَضُور، وكان بعث إليهم نبي اسمه شعيب بن ذي مَهْدَم، وقبر
شعيب هذا باليمن بجبل يقال له: ضنن كثير الثلج، وليس بشعيب صاحب
مدين؛ لأن قصة ((حَضُور)) قبل زمن عيسى عليه السلام، وبعد مئات من
السنين من زمن سليمان عليه السلام، لكنهم قتلوا نبيهم، وكانت ((حضور))
بأرض الحجاز من ناحية الشام (١) ..
﴿فَلَّا أَحَسُواْ بَأْسَنَا إِذَا هُم مِنْهَا يَكُونَ (13)﴾ أي فلما تيقنوا أن العذاب واقع
بهم لا محالة، کما وعدهم نبيهم، إذا هم یفرون هاربین منهزمین من قریتهم،
لما أدركتهم مقدمة العذاب.
﴿لَا تَرْكُضُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أي يقال لهم تهكماً واستهزاء: لا
تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ماكنتم فيه من النعمة التي
أبطرتكم والسرور، والمعيشة الرغيدة، والمساكن الطيبة، لعلكم تسألون عما
كنتم فيه، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو يسألكم الناس: لماذا نزل
هذا العذاب؟!
(١) تفسير القرطبي: ٢٧٤/١١

٢٨
الزُُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ /١١-٢٠
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ﴾ تهكم بهم وتوبيخ، فأجابوا:
﴿قَالُواْ يَوَيِّلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴾﴾ أي إنهم اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم
ذلك، فقالوا: ياهلاكنا، إنا ظلمنا أنفسنا بكفرنا بربنا. وهذا اعتراف صريح
منهم بالكفر الموجب للعذاب.
﴿فَمَا زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴾﴾ أي فما زالوا
يرددون تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، حتى حصدناهم حصداً،
وخمدت حركاتهم، وسكنت أصواتهم خموداً كالنار التي أصبحت خامدة لا
حياة فيها. فقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى قولهم: ﴿يَوَيَِّنَا﴾ الخ؛ لأنها دعوى،
كأنه قيل: فما زالت تلك الدعوى دعواهم. والدعوى هنا بمعنى الدعوة أي
المطلب، قال تعالى: ﴿وَءَاخِرُ دَعْوَ هُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس:
١٠/١٠] وسميت دعوى؛ لأنهم كانوا دعوا بالويل فقالوا: ﴿يَوَيْلَنَا﴾ والمولول
كأنه يدعو الويل، فيقول: تعال ياويل، فهذا وقتك. والحصيد: الزرع
المحصود، أي جعلناهم مثل الحصيد، تشبيهاً لهم به في استئصالهم، كما
تقول: جعلناهم رماداً، أي مثل الرماد، فهم يشبهون الحصيد والخمود.
وعقابهم هذا حق وعدل جزاء إنكارهم النبوة، وجعلهم معجزات النبي
عبئاً ولعباً، لذا أبان تعالى أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما إلا بالعدل
فقال :
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَاُلْأَرْضَ وَمَا بَنَهُمَا لَعِينَ ﴾﴾ أي وما أوجدنا السماوات
والأرضين إلا بالحق، أي بالعدل والقسط، لا للهو واللعب، فإنا خلقناها
الفائدة دينية هي أن تكون دليلاً على معرفة الخالق لها، ولمنافع أخرى دنيوية
وغيرها، وليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى،
وأنه لم يخلق ذلك عبثاً ولعباً.

٢٩
◌ِلُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ١١-٢٠
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ
[ص: ٢٧/٣٨] ثم أكد تعالى نفي
٢٧
الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ
اللعب فقال :
﴿لَوْ أَرَدْنَآَ أَنْ تَّتَّخِذَ لَهَوَّ لََّتَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ ﴾﴾ أي لو
شئنا أن نتخذ ما يلهو كما يتخذ العباد من الزوج والولد، لاتخذناه مما لدينا
من الملائكة والحور العين، إن كنا نقصد اللهو ونفعل اللعب. واللهو: المرأة
بلسان أهل اليمن، والولد أيضاً؛ لأنه ملازم للمرأة.
وهو كقوله تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لََّصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا
يَشَآءُ سُبْحَنَةُ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ
﴾ [الزمر: ٤/٣٩]. وهذا رد على
٤
من اتخذ المسيح أو عزيراً ابناً لله تعالى.
ج
﴿بَّ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي بل إننا نبين
الحق، فيدحض الباطل ويزيله، فإذا هو زائل مبدَّد، ذاهب مضمحل.
و﴿بَلْ﴾ هنا إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته، فليس من
صفاتنا وحكمتنا اللعب، وإنما إيثار الجد على اللهو، ودحض الباطل بالحق،
كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب، بل من عادتنا إيثار الجد على
اللهو، ودحض الباطل بالحق.
وقد استعار القذف والدمغ لضياع الباطل وفنائه، لتصويره بالصورة
الحسية المؤثرة التي ترسخ في الأذهان، وتدل على قوة الحق، وضعف الباطل،
حتی لكأنه غير موجود.
وإذا كان هذا من شأننا فكيف لا نبين الحق وننذر الناس، وإلا كنا لاهين
لاعبين. فقوله: ﴿إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾ معناه: ماكنا فاعلين، مثل ﴿إِنْ أَنَتَ إِلَّا
(َّ﴾ [فاطر: ٢٣/٣٥] أي ما أنت إلا نذير. و﴿إِنْ﴾ بمعنى الجحْد،
نَذِيرُ
وقيل: إنها بمعنى الشرط، أي إن كنا فاعلين ذلك ولكن لسنا بفاعلين ذلك؛

٣٠
لُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ / ١١-٢٠
لاستحالة أن یکون لنا ولد.
﴿وَلَكُمُ الْوَيِّلُ مِمَّا نَصِفُونَ﴾ أي ولكم أيها القائلون: لله ولد، أو أيها
المشركون الظالمون الهلاك والدمار والعذاب الشديد؛ لوصفكم ربكم بما ليس
من صفته، وتقولكم وافترائكم عليه أنه اتخذ صاحبة أو زوجة، وولداً،
سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي وكيف يكون لله شريك خاص، وهو
مالك جميع من في السماوات والأرض، وكيف تتنكرون لطاعته، وله تعالى
جميع المخلوقات ملكاً وخلقاً وعبيداً؟! الكل ومنهم الملائكة طائعون خاضعون
له، دأبهم الطاعة ليلاً ونهاراً، لذا قال:
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي وجميع من عنده
من الملائكة لا يترفعون عن عبادته، ولا يعيون ولا يتعبون ولا يملون. والعندية
هنا ليست مكانية، وإنما هي عندية مكانة وتشريف. وتخصيص الملائكة بالذكر
هنا لإبانة رفعة شأنهم.
﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾﴾ أي يعبدون الله وينزهونه في الليل
والنهار، فهم دائبون في العمل ليلاً ونهاراً، مطيعون قصداً وعملاً، قادرون
عليه، لا ينقطعون عن الطاعة ولا يفترون ساعة عنها، كما قال تعالى:
يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦/٦٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى مايأتي:
اً - الإنذار الشديد الأكيد لأهل الكفر والعصيان الذين أنكروا النبوات
بحال أهل القرى الظالمة الكافرة، حيث دمرها الله تعالى تدميراً. شديداً بمن
فيها، لظلمهم، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر

٣١
لُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ /١١-٢٠
موضع الإيمان.
أَ - عند دُنُوّ العذاب تقع الحيرة والاضطراب، وتحدث محاولات الفرار
من القرية، فيركض أهلها هاربين منها، والركض: العَدْو بشدة الوطء،
فتناديهم الملائكة استهزاء: لا تركضوا ولا تفرّوا، وارجعوا إلى مواطن الترف
والنعم التي كانت سبب بطركم، لعلكم تُسألون شيئاً من دنياكم، استهزاء
بهم.
ولما قالت لهم الملائكة: ﴿لَا تَرْكُواْ﴾ ونادت: يالثارات الأنبياء! ولم يروا
شخصاً يكلمهم، عرفوا أن الله عز وجل هو الذي سلط عليهم عدوهم،
بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، فقالوا: ﴿يَوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ﴾ وهذا اعتراف
منهم بأنهم ظلموا، حين لا ينفع الاعتراف.
وما زالوا يقولون: ﴿يَوَيِلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَلِمِينَ﴾ حتى أصبحوا أثراً بعد عین،
وجثثاً هامدة لا حراك فيها، وتم استئصالهم، وحصدوا بالسيوف كما يحصد
الزرع بالمنجل، وصاروا خامدين ميتين.
◌َّ - لما بيَّن الله تعالى إهلاك أهل القرية لأجل تكذيبهم، أتبعه بما يدل على
أنه فعل ذلك عدلاً منه، ومجازاة على ما فعلوا، وهو خلق السماوات
والأرض بالعدل والقسط: ﴿مَا خَلَقْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩/٤٤] فهو
تعالى خلقها لفوائد دينية ودنيوية، أما الدينية: فليتفكر المتفكرون فيها، كما
قال تعالى: ﴿وَيَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١/٣] وأما
الدنيوية: فلما يتعلق بها من المنافع التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى.
وبما أن خلق السماوات والأرض حق لا لعب فيه، فإن المعجزات التي
ظهرت على يد النبي ◌َّله هي حق أيضاً لا لعب فيها، تقرر صحة نبوته، وترد
على منكريها.

٣٢
لُعُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ /١١-٢٠
٤ - إن خلق السماوات والأرض للتنبيه على أن لها خالقاً قادراً يجب
امتثال أمره، وأنه يجازي المسيء والمحسن، وليس خلقها ليظلم بعض الناس
بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا ولا يجازوا،
فذلك هو اللعب بعينه.
٥ - تعالى الله وتقدس وتنزه عن اتخاذ الزوجة والولد، فذلك من اللهو،
ولو أراد الله أن يتخذ لهواً من زوجة أو ولد لا تخذه من عنده لا من عند
الناس. وهذا رد واضح على من قال: المسيح أو عزير ابن الله، والأصنام أو
الملائكة بنات الله تعالى.
أَ - يبين الله تعالى الحق ومنهجه لدحر الباطل وزخارفه، والحق هنا:
القرآن، والباطل: الشيطان وكذب الكفار ووصفهم الله عز وجل بغير صفاته
من الولد وغيره. وللكفار الويل، أي العذاب في الآخرة بسبب وصفهم الرب
بما لا يجوز وصفه وهو اتخاذه سبحانه الولد.
/٧ - إذا كان كل من في السماوات والأرض لله خلقاً وملكاً، فكيف يجوز
أن يشرك به ماهو عبده وخلقه؟!
وأما الملائكة الذين ذكر المشركون أنهم بنات الله فلا يأنفون عن عبادة الله
والتذلل له، ولا يعيون ولا يتعبون ولا يملون، وهم دائماً في الليل والنهار
يصلون ويذكرون الله وينزهونه دائماً، لا يضعفون ولا يسأمون، يلهمون
التسبيح والتقديس كما يُلهَمون النَّفَس. سئل كعب عن تسبيح الملائكة: أما
لهم شغل عن التسبيح، أما يشغلهم عنه شيء؟ فقال: يا ابن أخي، هل يشغلك
شيء عن النَّفَس؟ إن التسبيح لهم بمنزلة النفَس. وقد استدل بهذا من قال: إن
الملائكة أفضل من بني آدم (١).
(١) تفسير القرطبي: ٢٧٨/١١

٣٣
الُ (١٧) - الانَبَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
وهذا دليل على استغناء الله تعالى عن طاعة الكفار؛ لأنه هو المالك لجميع
المخلوقات، وإنما فائدة الطاعة تعود على الطائعين أنفسهم، فأجدر بهم أن
يطيعوه، وأولى بهم أن يعبدوه، بل يجب عليهم طاعته والانقياد لحكمه؛ لأن
كل المكلفين في السماء والأرض عبيده، وهو الخالق لهم، والمنعم عليهم
بأصناف النعم.
توبيخ المشركين وإثبات الوحدانية
◌َ لَوْ كَانَ فِيِهِمَا ءَإِهِهُ إِلََّّ اللَّهُ
. ◌ُتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةُ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ
لَفَسَدَقَا فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿ لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
أَمِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن ◌َّعِىَ وَذِكْرُ مَن
قَبْلِيُ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقٍّ فَهُم مُّعْرِضُونَ
٢٤
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَّأْ
٢٥
رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَُّ لَا إِلَهَ إلَّا أَنَا فَأَعْبُدُونِ
سُبْحَنَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ
٣٨
خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ
﴿ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ
٢٩
جَهَنَّمَّ كَذَلِكَ نَجْزِى الَِّمِينَ
القراءات:
﴿مَّعِىَ﴾ :
قرأ حفص (معيَ).
وقرأ الباقون (مَعِيْ).
﴿ نُوحِىّ إِلَيْهِ﴾: قرئ:

٣٤
الُ (١٧) - الانْنَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
٠ ١- (نوحِي إليه) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (يُوحَى إليه) وهي قراءة باقي السبعة.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِلَّى إِلَهُ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ومن يقل منهم إنيَ إله).
الإعراب:
﴿مِّنَ الْأَرْضِ﴾ صفة لآلهة، أو متعلقة بالفعل، على معنى الابتداء، وفائدتها
التحقير لا التخصيص.
﴿لَوْ كَانَ فِيِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ﴾: ﴿إِلَّا): في موضع (غير) وهي وصف لـ
﴿وَلِهَةً﴾ وتقديره: غير الله، ولهذا أعربت إعراب الاسم الواقع بعد ﴿إِلَّا﴾
وهو الرفع. ولا يجوز أن يكون الرفع على البدل؛ لأن البدل إنما يكون في النفي
لا في الإثبات، وهذا في حكم الإثبات. وذهب الفراء إلى أن ﴿إِلَا﴾ بمعنى
((سوی)).
﴿ذِكْرُ مَنْ قَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِيُ﴾ ذكر غير منون: مضاف إلى ﴿مَن﴾ الذي هو
مضاف إليه. ويقرأ بتنوين على تقدير محذوف، أي ذِكْرٌ ذِكْرُ من معي.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ منصوب بيعلمون. وقرأ الحسن ﴿اٌلْحَقَّ﴾ بالرفع بتقدير
مبتدأ محذوف، أي هو الحق.
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿عِبَادٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: بل هم
عباد مكرَمون. وأجاز الفراء: (بل عباداً مكرمين) على تقدير: بل خَلَقهم عباداً
مکرمین.
البلاغة:

٣٥
الجُزُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٢١-٢٩
﴿لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ
طباق السلب.
٣٣°
﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ تبكيت للخصم.
﴿أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾ فيهما جناس اشتقاق.
المفردات اللغوية:
أَّخَذُواْ﴾ أي بل اتخذوا، للانتقال، والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿وَالِهَةً
مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾ أي آلهة كائنة من الأرض، كحجر وذهب وفضة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾
أي الآلهة يحيون الموتى من قبورهم، من أنشره: أي أحياه؟ لا، فلا يكون إلهاً
إلا من يحيي الموتى، فالنشر: إحياء الموتى من قبورهم، والحشر: سوقهم إلى
أرض المحشر.
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي في السماوات والأرض ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ غيره ﴿لَفَسَدَنَا﴾
لبطلتا وخربتا وخرجتا عن نظامهما المشاهد؛ لما يكون بينهما من الاختلاف
والتمانع، على وفق العادة، فإنه عند تعدد الحاكم والاتفاق في المراد، يحدث
التنافر في القدرات، إذ بأي قدرة لهما سيوجد؟! وعند الاختلاف يحدث
التمانع في الشيء وعدم وجوده، مثلاً لو اختلفا في تحريك زيد وتسكينه، فلا
يمكن حدوث المرادين لاستحالة الجمع بين الضدين، ولا يمكن حدوث أحد
المرادين لمعارضة الآخر، وإذا حدث كان أحد الإلهين قادراً والآخر عاجزاً،
والعجز نقص، وهو على الله محال.
﴿فَسُبْحَنَ اللَّهِ﴾ تنزيهاً لله عما وصفوه به ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ خالق الكرسي ﴿عَمَّا
يَصِفُونَ﴾ أي تنزيهاً لله عما يصف الكفار الله به من الشريك له، وغير ذلك.
﴿لَا يُْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة
الذاتية ﴿وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ عن أفعالهم؛ لأنهم مملوكون مستعبدون، والضمير
للآلهة المزعومة أو للعباد.

٣٦
الجُرَءُ (١٧) - الاثْنَاءِ: ٢١ / ٢١-٢٩
﴿أَمِ أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، مَاِهَةٌ﴾ أي بل اتخذوا من دون الله تعالى أي سواه
آلهة، وفيه استفهام توبيخ، وكرره استعظاماً لكفرهم، وتبكيتاً، وإظهاراً
لجهلهم، والمعنى: أوجدوا آلهة يُنشرون الموتى، فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا فيهم
من خواص الألوهية، أو وجدوا في الكتب الإلهية الأمر بإشراكهم،
فاتخذوهم تنفيذاً للأمر، ثم أبان فساد الأول عقلاً، والثاني نقلاً، فقال:
﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ أي أحضروا برهانكم على ذلك من العقل أو النقل،
فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه.
﴿هَذَا ذِكْرُ مَن نَعِىَ﴾ أي هذا هو القرآن المنزل على من معي أي على أمتي أي
عظة لهم ﴿ وَذِكْرُ مَن قَبْلِىٌ﴾ أي والكتب السماوية المنزلة على الأمم قبلي وهي
عظة لهم، وهي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله، ليس في واحد منها أن
مع الله إلهاً، مما قالوا، وإنما فيها الأمر بالتوحيد، والنهي عن الإشراك.
وإضافة الذكر إليهم؛ لأنه عظتهم.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي توحيد الله، ولا يميزون بين الحق والباطل ﴿فَهُم
مُعْرِضُونَ﴾ عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك، وعن النظر الموصل
إليه.
﴿فَأَعْبُدُونِ﴾ أي وحدوني ﴿وَلَدًا﴾ من الملائكة ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيه له عن
ج
ذلك.﴿بَلْ عِبَادُ شُكْرَمُونَ﴾ أي بل هم ﴿عِبَادٌ﴾ مخلوقون، عنده
﴿أُكْرَمُونَ﴾: مقربون لديه، والعبودية تنافي الولادة، فليسوا بأولاد.
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا يتكلمون حتى يأمرهم، ولا يأتون بقولهم
إلا بعد قوله ﴿وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ﴾ لا يعملون قط مالم يأمرهم به،
ويعملون بعد أمره ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما عملوا وما
هم عاملون، لا يخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله،

٣٧
الُ (١٧) - الانْنَاءِ: ٢١ / ٢١-٢٩
والتمهيد لما بعده، وبذلك يضبطون أنفسهم، ويراقبون أحوالهم . ﴿ وَلَا
يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى﴾ أن يشفع له، مهابة منه ﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ،﴾ أي
من عظمته ومهابته تعالى ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون مرتعدون.
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ من الملائكة أو من الخلائق ﴿إِنِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ،﴾ أي
غير الله وهو إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، وأمر بطاعتها ﴿فَذَلِكَ تَجْزِيهِ
جَهَنَّهُ﴾ هذا تهديد للمشركين بتهديد مدعي الربوبية ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى
الظَّالِمِينَ﴾ المشركين أي من أظلم بالإشراك وادعاء الربوبية.
المناسبة:
ما تقدم من أول السورة إلى هنا كان في النبوات، وما يتعلق بها سؤالاً
وجواباً، وأما هذه الآيات فإنها في بيان التوحيد، ونفي الشريك.
التفسير والبيان:
أَمِ أَتَّخَذُوَاْ ءَالِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿3﴾ أي بل اتخذ المشركون آلهة
من الأرض من دون الله يحيون الموتى من قبورهم، أي لا يقدرون على شيء من
ذلك، فكيف جعلوها لله نداً وعبدوها معه؟! قال الزمخشري: و﴿أَمِ﴾ هنا -
أي مع الاستفهام - هي المنقطعة الكائنة بمعنى (بل)) الإضرابية، والهمزة قد
آذنت بالإضراب عما قبلها، والإنكار لما بعدها، وهو اتخاذهم آلهة يُنشرون
الموتى.
والمراد بالآية التذكير بخواص الألوهية التي منها إحياء الموتى من قبورهم،
فإن المشركين وإن لم يصرحوا بذلك، فإنهم بادعائهم الألوهية لها يثبتون تلك
الصفة لها. ووصف الآلهة بكونها من الأرض إشارة إلى أنها من الأصنام
المعبودة في الأرض. وهذا تهكم بهم وتوبيخ وتجهيل لهم.
ثم أثبت الله تعالى التوحيد ونفي وجود إله غير الله، فقال:

٣٨
لُُ (١٧) - الانْبَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
﴿لَوْ كَانَ فِيِهِمَآ ءَاِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ أي لو كان في السماوات والأرض
آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامهما؛ لأنهما إذا اختلفا وقع الاضطراب والخلل
والفساد، وإن اتفقا في التصرف في الكون، فلا داعي للتعدد؛ لأنه يؤدي إلى
وجود الخلق والأمر والمقدور من خالقين قادرين على مخلوق واحد، وهذا
محال؛ لأنه يجعل وقوع المقدور والمراد للاثنين، لا لواحد منهما، وهذا لا
يصح؛ لأن لكل منهما إرادة مستقلة بالتأثير، فلا يعقل وقوع مخلوق لخالقين.
وبناء عليه يكون جميع ما في هذا العالم العلوي والسفلي من المخلوقات دليل
وحدانية الله تعالى، لذا قال:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي تنزه الله تعالى وتقدس عن الذي
يفترون ويقولون: إن له ولداً أو شريكاً، وتعالى عما يأفكون علواً كبيراً، فهو
رب العرش المحيط بهذا الكون.
ونظير الآية: ﴿مَا أَّخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهِّ إِذَا لَذَهَبَ كُلُّ
إِلٍَ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
٩١
[المؤمنون: ٩١/٢٣] .
وتأكيداً لهذا التنزيه قال تعالى:
﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (٣)﴾ أي لا يسأل تعالى عن أفعاله،
فهو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد، لعظمته وجلاله
وكبريائه، وعلمه وحكمته، وعدله ولطفه، وإنما يسأل خلقه عن أفعالهم، ما
أَجْمَعِینَ
لَنَسْكَلَنَّهُمْ
فوربك
عملوا وما سيعملون، وهذا كقوله تعالى:
﴾ [الحجر: ٩٢/١٥-٩٣] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ يُجِيْرُ وَلَا
(٩٣)
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨/٢٣].
ثم كرر تعالى الإنكار على المشركين استفظاعاً لشأنهم، واستعظاماً لكفرهم

٣٩
الُ (١٧) - الاتَبَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
فقال: ﴿أَمِ أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ: ◌َاِهَةٌ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَّكُمْ﴾ أي أيصح بعد هذه
الأدلة أن يتخذوا آلهة دون الله، ويصفوا الله بأن له شريكاً؟ فإن وصفتم الله
تعالى بأن له شريكاً، فهاتوا برهانكم على ذلك، إما من العقل وإما من
الوحي، فإنكم لا تجدون كتاباً من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل إلا وفيه
تقرير توحيد الله وتنزيهه عن الشركاء، كما أن العقل كما تقدم يرفض وجود
إلهين، وأشار فيما يأتي إلى الدليل النقلي فقال:
﴿ هَذَا ذِكْرُ مَن ◌َّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِ﴾ أي هذا الوحي الوارد في معنى توحيد الله
ونفي الشركاء عنه، ورد علي، كما ورد على جميع الأنبياء، فهو ذكر أي عظة
للذين معي أي أمتي، وعظة للذين من قبلي أي أمم الأنبياء السابقين عليهم
السلام. وبذلك اتفق القرآن وجميع الكتب السماوية السابقة على الأمر
بالتوحيد والنهي عن الشرك، وهذا تبكيت للمشركين يتضمن نقيض مدَّعاهم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ أي بل أكثر هؤلاء المشركين لا يعرفون
الحق، ويعرضون عنه، ولا يميزون بين الحق والباطل، فلا تنفع فيهم الأدلة
والبراهين.
﴿فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ أي فهم لجهلهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر
المؤدي إليه. وهذا دليل على أن الجهل أو عدم العلم هو أصل الشر والفساد
كله، وأنه يترتب على عدم العلم الإعراض عن استماع الحق وطلبه.
وتأكيداً لمضمون الكتب والرسالات السماوية بالتوحيد ونبذ الشرك قال:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ﴾ أي لم نرسل رسولاً سابقاً من عهد آدم
عليه السلام إلى قومه إلا أوحينا إليه ألا معبود إلا الله، فاعبدوه مخلصين له
العبادة، وخصوه بالألوهية، فرسالات جميع الأنبياء قائمة على التوحيد، وكل
نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن

٤٠
الُزُ (١٧) - الاثْبَاءِ: ٢١ /٢١-٢٩
﴾ [الزخرف: ٤٥/٤٣] وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ
٤٥
دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ
بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ١٦/
٣٦] .
والخلاصة: أنه لا دليل للمشركين على ما زعموا، فلا برهان لهم،
وحجتهم داحضة؛ لأن الفطرة تشهد بتوحيد الله، وكذلك العقل السليم،
ورسالات جميع الأنبياء متحدة في دفع الشرك وإقرار التوحيد.
وبعد التنزيه عن الشريك، نفى تعالى اتخاذ الولد فقال:
﴿ وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ أي وقال بعض العرب وهم بطون من خُزاعة
وجُهَيْنة وبني سَلَمة: الملائكة بنات الله، فرد الله عليهم بقوله:
﴿سُبْخَنَهُ﴾ أي تنزيهاً له عن الولد، فإن الولد يشبه أباه في شيء، ويخالفه
في أشياء، فلو كان لله ولد لأشبهه من بعض الوجوه، وخالفه من وجوه
أخرى، فيقع التركيب في ذات الله تعالى، والله سبحانه منزه عن مشابهة
الحوادث، ولا مجانسة بين الخالق والمخلوق.
ولما نزه سبحانه نفسه عن الولد، أخبر عن الملائكة بقوله:
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أي ليس الملائكة بنات الله، بل هم عباد مخلوقون
له، مقربون لديه، والعبودية تنافي الولادة، إلا أنهم مفضلون على سائر العباد.
ومن خصائصهم أنهم:
اَ - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٣)﴾ أي لا يتكلمون
إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يخالفونه فيما أمرهم به، بل يبادرون إلى فعله،
وهو تعالى عالم محيط علمه بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، كما قال:
أَ - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما تقدم منهم من عمل،