Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
لِلُعُ (١٦) - ظائم: ٢٠ /٩-١٦
تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧/٩] و﴿نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ}
[الحشر: ١٩/٥٩] سواء كان مع ذهول أو لم يكن؛ لأن الله تعالى لا ينسى، وإنما
معناه تركهم. وكذلك الذكر يكون بعد نسيان وبعد غيره، قال الله تعالى في
الحديث القدسي المتفق عليه عن أبي هريرة: ((إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في
نفسي)) وهو تعالى لا ينسى، فيكون ذكره بعد نسيان، وإنما معناه: علمت،
فكذلك يكون معنى قوله تع الى: ((إذا ذكرها)) أي علمها.
وأيضاً فإن ديون الآدميين إذا كانت متعلقة بوقت، ثم جاء الوقت لم يسقط
قضاؤها بعد وجوبها، وهي مما يسقطها الإبراء، فإذا شغلت الذمة بدين
وجب إبراء الذمة منه، أداء أو قضاء، وديون الله أحق بالوفاء.
ثم إن تَرْكَ يوم من رمضان متعمداً بغير عذر يوجب القضاء، فكذلك
الصلاة(١).
ومذهب المالكية: أن من ذكر صلاة وقد حضر وقت صلاة أخرى، بدأ
بالتي نسي إذا كان خمس صلوات فأدنى، وإن فات وقت هذه. وإن كان أكثر
من ذلك بدأ بالتي حضر وقتها.
وهذا هو مذهب الحنفية إلا أنهم قالوا: الترتيب عندنا واجب في اليوم
والليلة إذا كان في الوقت سعة للفائتة ولصلاة الوقت. فإن خشي فوات الوقت
بدأ بها، فإن زاد على صلاة يوم وليلة لم يجب الترتيب عندهم.
وقال الشافعي: الاختيار أن يبدأ بالفائتة ما لم يخف فوات هذه، فإن لم
يفعل وبدأ بصلاة الوقت أجزأه.
وذكر الأثرم أن الترتيب عند أحمد واجب في صلاة ستين سنة فأكثر وقال:
لا ينبغي لأحد أن يصلي صلاة، وهو ذاكر لما قبلها؛ لأنها تفسد عليه.
(١) تفسير القرطبي: ١٧٨/١١.

٥٤٢
الُ (١٦) - ظفنٌ: ٢٠ / ٩-١٦
ودليل تقديم الفائتة قبل الحاضرة: ما روي في الصحيح عن جابر بن عبد
الله أن رسول الله وَ* فاتته العصر يوم الخندق، حتى غربت الشمس، فصلى
العصر بعد غروب الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
وروى الترمذي عن ابن مسعود: إن المشركين شغلوا رسول الله وَله عن
أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله تعالى، فأمر بلالاً
بالأذان فقام فأذَّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى
المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
واختلف العلماء إذا ذكر فائتة في مضيَّق وقت حاضرة على ثلاثة أقوال.
- فذهب مالك والليث والزهري: إلى أنه يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت
الحاضرة.
وذهب الحسن البصري والشافعي وفقهاء الحديث والمحاسبي وابن وهب
من المالكية: إلى أنه يبدأ بالحاضرة.
- وقال أشهب: يتخير فيقدم أيتهما شاء.
وأما من ذكر صلاة وهو في صلاة: فإن كان وراء الإمام، فكل من قال
بوجوب الترتيب ومن لم يقل به يقول: يتمادى مع الإمام حتی یکمل صلاته.
ثم اختلفوا فقال أبو حنيفة وأحمد: يصلِي التي ذكر، ثم يصلي التي صلى مع
الإمام، إلا أن يكون بينهما أكثر من خمس صلوات.
وقال مالك: من ذكر صلاة وهو في صلاة قد صلَّ منها ركعتين، سلّم من
ركعتين، فإن كان إماماً انهدمت عليه وعلى من خلفه وبطلت. ولو ذكرها في صلاة
قد صلى منها ثلاث ركعات، أضاف إليها رابعة وسلَّم، نافلة غير فاسدة.
والفائتة بسبب النوم يبدأ عقد الصحو بصلاتها، لحديث مسلم والدار قطني
،

٥٤٣
الجزءُ (١٦) - ظئن: ٢٠ / ١٧-٢١
عن أبي قتادة: ((ليس في النوم تفريط، وإنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة
حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلِّها حين ينتبه لها، فإذا
" كان الغد فليصلها عند وقتها)) والصحيح ترك العمل بإعادة الصلاة في الجملة
الأخيرة؛ لحديث الدارقطني عن عمران بن حصين: ((أينهاكم الله عن الربا
ويقبله منكم)) .
- ٢ -
انقلاب عصا موسى حية (المعجزة الأولى)
قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤْ عَلَيْهَا وَأَهُشُ
١٧
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى
فَأَلْقَنهَا فَإِذَا هِىَ
قَالَ أَلْفِهَا يَمُوسَى (3)
١٨
◌ِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَثَارِبُ أُخْرَى
٢١
قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى
٢٠
حَيَّةٌ تَسْعَى
القراءات:
﴿وَلِىَ فِيَهَا﴾:
وهي قراءة ورش، وحفص وقرأ الباقون (وليْ فيها).
الإعراب:
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ (ما): مبتدأ، و﴿ُتِلْكَ﴾: خبره،
و﴿بِيَمِينِكَ﴾: في موضع نصب على الحال، أي ما تلك كائنةً بيمينك،
مثل: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهَِ﴾ أي سار غير منفرد.
﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُوْلَى﴾ ﴿سِيرَتَهَا﴾ منصوب بـ (سَنُعِيدُهَا﴾ بتقدير
حذف حرف جرّ، أي: سنعيدها إلى سيرتها، فحذف حرف الجر، فاتصل
الفعل به فنصبه، أي منصوب بنزع الخافض.

٥٤٤
لُعُ (١٦) - ◌َفْن: ٢٠ / ١٧-٢١
البلاغة:
﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤْ عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِى﴾ إطناب، وكان
مقتضى الجواب: هي عصاي، ولكنه استرسل في الجواب، تلذذاً بالخطاب.
المفردات اللغوية:
﴿وَمَا تِلْكَ﴾؟ استفهام يتضمن تنبيهاً لما يريه فيها من العجائب
﴿يَمُوسَى﴾ تكرار لزيادة الاستئناس والتنبيه ﴿أَتَوَكَّؤُاْ﴾ أعتمد عليها في
المشي إذا عييت، أو عند الوقوف على رأس القطيع ونحو ذلك ﴿ وَأَهُثُم بِهَا عَلَى
غَنَمِى﴾ وأخبط ورق الشجر بها على رؤوس غنمي، ليسقط، فتأكله
﴿مَثَارِبُ﴾ منافع وحاجات أخر، جمع مأرَبة، كحمل الزاد والسقاء وطرد
الهوام.
﴿حَيَّةٌ﴾ ثعبان عظيم لآية أخرى، والحية في الأصل: تطلق على الصغير
والكبير والذكر والأنثى. والثعبان: العظيم من الحيات، والجانّ: الصغير منها
﴿تَسْعَى﴾ تمشي على بطنها سريعاً ﴿خُذْهَا﴾ بأن يدخل يده في فمها فتعود عصا
﴿ وَلَا تَخَفْ﴾ لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر، خاف وهرب منها
[سِيرَتَهَا اُلْأُولَى﴾ أي إلى حالتها الأولى وهي كونها عصا.
المناسبة:
بعد مناجاة الله لموسى، بدأ تعالى بذكر براهين نبوته، لتصدیق رسالته،
وأولها انقلاب العصا حية، أي انقلاب الجماد حيواناً، وبالعكس، وتلك
آيات باهرات ومعجزات قاهرات أحدثها الله فيها لأجله، وليست من
خواصها.
التفسير والبيان:
معجزة العصا لموسى هي البرهان الأول الخارق للعادة الدال على أنه لا

٥٤٥
للجُرُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ١٧-٢١
يقدر على مثل هذا إلا الله عز وجل، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، قال
تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ﴾﴾ هذا السؤال عن العصا سؤال
تقرير، سأله الله تعالى لموسى عليه السلام وهو العليم به، للتنبيه على كمال
قدرة الله، والتأمل بما يحدثه من خوارق العادات، والتأكد من أنها هي عصاه
الحقيقية التي يعرفها، وأنها هي التي ستتحول حية تسعى، وإلا فقد علم الله
ماهي. والمعنى: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع
بها الآن؟!
فأجابه موسى بالمطلوب وزاد عليه؛ لأنه استمتع بخطاب الله تعالى، فقال:
﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ﴾ قال موسى: هي عصاي، وبه تم المراد، ولكن موسى عليه
السلام ذكر فائدتين لها، وأجمل الكلام في الجملة الثالثة، ليسأله ربه: وما هذه
المآرب.
﴿ أَنَوَكَّؤْ عَلَيْهَا وَأَهُشُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَشَارِبُ أُخْرَى﴾ هذه عصاي
أعتمد عليها في حال المشي، وأخبط بها الشجر وأهزه ليسقط منه الورق لتأكله
الغنم، ولي فيها مصالح ومنافع وحوائج أخرى غير ذلك، كحمل الزاد
والسقي وطرد السباع عن الغنم، وغير ذلك، فمنافع العصا كثيرة معروفة.
فأمره الله بإلقائها لتظهر المعجزة:
(٣) قال تعالى لموسى عليه السلام: ألق هذه العصا التي
﴿ قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى
في يدك ياموسى.
﴿ فَأَلْقَنِهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾﴾ فألقاها موسى على الأرض، فإذا هي قد
صارت في الحال حية عظيمة، ثعباناً طويلاً، يتحرك حركة سريعة، وفي آية
أخرى: فإذا هي تهتز كأنها جانّ، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير،
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَّزُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠/٢٧] لما
ظهر لها من سرعة الحركة والقوة، لا لصغرها، فتبين أن هذه الحية في غاية
الكبر وفي غاية سرعة الحركة. وقوله ﴿تَسْعَى﴾ تمشي وتضطرب.
.

٥٤٦
الجُرعُ (١٦) - ظمة: ٢٠ / ١٧-٢١
ثم أمره تعالى بالعودة إلى مكانه، فرجع موسى وهو شديد الخوف، فقال:
قال له ربه : خذها
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَّخَفّ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (
بيمينك، ولا تخف منها، سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى التي تعرفها
قبل ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
خطاب من الله تعالى
اً - قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى
لموسى وحياً؛ لأنه قال: ﴿فَأَسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. ولابد للنبي في نفسه من معجزة
يعلم بها صحة نبوة نفسه، فأراه في العصا وفي نفسه ما أراه لذلك.
أَ - في جواب موسى في هذه الآية دليل على جواز كون الجواب عن
السؤال بأكثر مما سئل. جاء في الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن الأربعة
وابن أبي شيبة عن أبي هريرة: سئل النبي وَل عن ماء البحر للتوضؤ به، فقال:
((هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته)). وسألته وَّل امرأة عن الصغیر حین رفعته إلیه،
فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)) أخرجه مسلم عن ابن عباس.
◌َ - قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ خطاب من الله تعالى لموسى بلا
واسطة، لا يلزم منه أن يكون موسى أفضل من محمد؛ لأن الله تعالى خاطب
أيضاً محمداً عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج في قوله: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَى عَبْدِهِ، مَاّ
أَوْحَ
﴾ [النجم: ١٠/٥٣] إلا أن الفرق بينهما أن الذي ذكره مع موسى
عليه السلام أفشاه الله إلى الخلق، والذي ذكره مع محمد ◌َّليل كان سراً لم يطلع
عليه أحداً من الخلق.
٤ - قال ابن عباس: إمساك العصا سنة للأنبياء وعلامة للمؤمن. وقال
الحسن البصري: فيها ست خصال: سنة للأنبياء، وزينة الصلحاء، وسلاح
على الأعداء، وعون للضعفاء، وغم للمنافقين، وزيادة في الطاعات.

٥٤٧
لُزُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ١٧-٢١
صَلىالله
وعليلة
ومنافع العصا كثيرة، منها اتخاذها قبلة في الصحراء، وقد كان للنبي
عَنَزَةُ(١) تُركز له فيصلي إليها، وكان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع
بين يديه، فيصلّي إليها، وذلك ثابت في الصحيح. وفي الصحيحين: أنه وَاخيه
كان له ◌ِْصَرةٍ(٢).
والإجماع منعقد على أن الخطيب يخطب متوكئاً على سيف أو عصا. وكان
ابن مسعود صاحب عصا النبي ◌َّهُ وعَنَزته؛ وكان يخطب بالقضيب، وعلى
ذلك الخلفاء وكبراء الخطباء؛ وعادة العرب العرباء الفصحاء اللسن البلغاء:
أخذ المخصرة والعصا والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب.
٥ - لقد تحولت العصا الملقاة من يد موسى حية كبيرة سريعة الحركة بفعل
الله عز وجل القادر على خرق العوائد، فقلب الله أوصافها وأعراضها وكذلك
عادت الحية عصا إلى حالتها الأولى بفعل الله تعالى، وكل ذلك كان معجزة
لموسى عليه السلام وبرهاناً حسياً قطعياً على نبوته.
وإنما أظهر الله هذه الآية لموسى، لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون.
وكان خوف موسى عند انقلابها لأول مرة حية - بعد أن علم أنه مبعوث
من عند الله إلى الخلق - بمقتضى الطبع الإنساني الذي يخاف من الحيات
لسميتها وخطرها؛ لأنه عليه السلام ماشاهد مثل ذلك قط. وعند الفزع
الشديد قد يذهل الإنسان عن بعض خواصه. قال الشيخ أبو القاسم
الأنصاري رحمه الله تعالى: وذلك الخوف من أقوى الدلائل على صدقه في
النبوة؛ لأن الساحر يعلم أن الذي أتى به تمويه، فلا يخافه ألبتة.
(١) العنزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئاً، وفيها سنان مثل سنان الرمح. والعنزة والحربة
والنَّيْزَك والآلة بمعنى واحد.
(٢) المخصرة: ما يختصره الإنسان بيده، فيمسكه من عصا أو عكازة أو مقرعة أو قضيب، وقد
یتکئ علیھا.

٥٤٨
لُحُ (١٦) - ظفز: ٢٠ /٢٢-٣٥
- ٣ -
اليد البيضاء (المعجزة الثانية)
﴿ وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ ءَايَّةً أُخْرَى
لِِرِيَكَ مِنْ
٢٢
ءَايَتِنَا اُلْكُبْرَ
٢٥
قَالَ رَبِّ اُشْرَحْ ◌ِیِ صَدْرِی
٢٤
أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَی
وَأَجْعَل ◌ِى وَزِيرًا
٢٨
يفقَهُوا قولى
ـو
وَاحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّنْ لِسَانِ
وَسِّرْ لِيِّ أَمْرِى
هَرُونَ أَخِى
مِّنْ أَهْلِى
اُشْدُدْ بِهِ، أَزْرِی
٣٠
كَیْ نُسَبِحَكَ
وَأَشْرِكُهُ فِّ أَمْرِى
٣١
٣٥٦
وَنَذْكُرَ كَثِيرًا (﴿جَ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا
کَثِيرًا
القراءات:
﴿ وَيَسِّرْ لِ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (ويسر ليَ).
﴿أَخِى ، أُشْدُدُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (أخيَ اشدد).
﴿ وَأَشْرِهُ﴾ :
وقرأ ابن عامر (وأُشركه).
الإعراب:
﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ ءَايَةً أُخْرَى﴾ بيضاء: حال من ضمير ﴿تَخْرُجْ﴾
و﴿ءَايَةً﴾ إما منصوبة على الحال بدلاً من ﴿بَيْضَآءَ﴾ أي تخرج مُبيِّنة عن قدرة
الله تعالى، وإما منصوبة بتقدير فعل، أي آتيناك آية أخرى.

٥٤٩
الجُرُ (١٦) - ظنن: ٢٠ /٢٢-٣٥
﴿ وَأَجْعَل ◌ِ وَزِيرًا﴾ ﴿لِ﴾ في موضع نصب ظرف لـ (اجعل) أو صفة لـ
﴿وَزِيرًا﴾ فلما تقدم صار منصوباً على الحال.
﴿هَرُونَ أَخِى (®﴾ ﴿هَرُونَ﴾ منصوب على البدل من قوله: ﴿وَزِيرًا﴾ وهو
ممنوع من الصرف للعلمية (التعريف) والعجمة، و﴿أَخِى﴾ عطف بيان، أو
بدل.
(٤) (كَثِيرًا﴾ منصوب لأنه صفة لمصدر محذوف، أي
﴿كَىْ نُسَيِّحَكَ كَثِيرًا
نسبحك تسبيحاً كثيراً.
﴿أَشْدُدْ بِهِ- أَزْرِى (٣)﴾ يقرأ بوصل الهمزة وقطعها، فالوصل دعاء وطلب
وهو كالأمر، والقطع فعل مضارع مجزوم؛ لأنه جواب ﴿ وَأَجْعَل﴾ على تقدير
شرط مقدر، فهو مجزوم بجواب الطلب.
البلاغة:
﴿ وَأَضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ استعارة، استعار جناح الطير بجنب الإنسان.
بَيْضَآَ مِنْ غَيّرِ سُوءٍ﴾ فيه احتراس: وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير
المراد، فلو اقتصر على ﴿ بَيْضَآءَ﴾ لأوهم أن ذلك من برص أو بهق، فاحترس
بقوله ﴿مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَضْمُمْ﴾ الضم: الجمع ﴿يَدَكَ﴾ اليمنى بمعنى الكف ﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾ إلى
جنبك الأيسر تحت العضد، علماً بأن أصل الجناح للطائر، ثم أطلق على اليد
والعضد والجنب، وهذا هو المراد هنا ﴿تَخْرُجْ﴾ خلاف ما كانت عليه من
الأدمة ﴿بَيْضَآءَ﴾ مشعة كشعاع الشمس تعشي البصر ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير
عاهة أو قبح كالبرص الذي تنفر الطباع منه ﴿ءَايَةً أُخْرَى﴾ معجزة ثانية غير
العصا.

٥٥٠
الجُرُ (١٦) - طئة: ٢٠ /٢٢-٣٥
﴿لِيَكَ﴾ أي فعلنا ذلك لنريك بها ﴿مِنْ ءَايَتِنَا اُلْكُبْرَى﴾ هي صفة:
﴿ءَيَتِنَا﴾ أي من آياتنا العظمى الدالة على قدرتنا وعلى رسالتك. وإذا أراد
عودها إلى حالتها الأولى، ضمها إلى جناحه كما تقدم، ثم أخرجها ﴿ أَذْهَبٌ﴾
رسولاً ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ ومن معه بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة ﴿إِنَُّ طَغَى﴾
جاوز الحد في كفره، وعتوه وتجبره، حتى ادعى الألوهية ﴿أُشْرَعْ لِ صَدْرِى﴾
أي وسّعه لتحمُّل أعباء الرسالة والصبر على مشاقها ﴿ وَيَسِّرْ لِّ أَمْرِى
٢٦
سهّل لي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة ﴿ وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِ ﴿4﴾ أزل تلك
العقدة التي في لساني، حدثت في احتراقه بجمرة وضعها بفيه وهو صغير، لئلا
يفهموا قولي عند تبليغ
٢٨
ينفر مني الناس ويستخفوا بي ﴿يَفْقَهُواْ قَوْلِ
الرسالة.
﴿وَأَجْعَل لِىِ وَزِيرًا﴾ مُعيناً، والأَزْر: القوة أو الظهر، يقال: آزره: أي قواه
﴾ أي اجعله شريكاً معي في النبوة والرسالة ﴿كَىْ
وأعانه ﴿ وَأَشْرِكِهُ فِيّ أَمْرِى
نُسَبِحَكَ كَثِيرًا (®﴾ أي تسبيحاً كثيراً ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (
أي ونذكرك ذكراً
٣٤
كثيراً ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا
﴾ عالماً بأحوالنا، فأنعمت بالرسالة، ولا نريد
٣٥
بالطاعة إلا رضاك.
المناسبة:
بعد أن ذكر تعالى معجزة العصا الدالة على صدق رسالة موسى عليه
السلام، وهي المعجزة الأولى، ذكر المعجزة الثانية وهي معجزة اليد البيضاء
التي تنقلب مشعة كشعاع الشمس، تُعشي البصر.
وبعد هاتين الآيتين أمره الله بالذهاب إلى فرعون، لتبليغ رسالة ربه ودعوته
إلى عبادة الله، فدعا موسى عليه السلام ربه بأربعة أمور: شرح صدره،
وتيسير أمره، وحل عقدة لسانه، وجعل أخيه هارون نبياً وزيراً له، لتقويته،
وتعاونه معه في أداء مهمة التبليغ، وذكر الله وعبادته، فصار مطلوب موسى
ثمانية أمور، أربع منها وسائل، وأربع أخرى هي غايات.

٥٥١
الجزء (١٦) - طئة: ٢٠ / ٢٢-٣٥
التفسير والبيان:
هذا برهان ثانٍ لموسى عليه السلام على نبوته، وهو أن الله أمره أن يدخل
يده في جيبه أو في جناحه (جنبه) معبراً عن الجنب بالجناح، فقال:
﴿ وَأَضْهُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ عَايَّةً أُخْرَى
أي
٣٢
واضمم ياموسى يدك اليمنى أو كفك إلى جناحك (وهو جنبك تحت العضد)
واجعلها تحت الإبط الأيسر، تخرج بيضاء لا معة ذات نور ساطع يضيء بالليل
والنهار كضوء الشمس والقمر، من غير عيب كبرص أو أذى أو شين - علماً
بأن جلد موسى كان أسمر - معجزة أخرى غير العصا، ثم ردها فعادت كما
كانت بلونها. وإذا حاول السحرة إبطال معجزة العصا، فإنه لم يحاول أحد
إبطال معجزة اليد.
وذلك أن موسى عليه السلام كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج
تتلألأ، كأنها فلقة قمر. قال الحسن البصري: أخرجها والله كأنها مصباح،
فعلم موسى أنه قد لقي ربه عزّ وجلّ.
قال الله تعالى في مكان آخر: ﴿ وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ
بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَاِيْهِ﴾ [القصص: ٣٢/٢٨]، وعبَّر تعالى عن
الجناح أيضاً بالجيب، فقال: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٌ﴾
[النمل: ١٢/٢٧]، ﴿أُسْلُكَّ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ﴾ [القصص:
٣٢/٢٨] .
فعلنا هذا لنريك بهاتين الآيتين بعض
٢٣
لِيَكَ مِنْ ءَايَتِنَا الْكُبْرَ
دلائل قدرتنا على كل شيء في السماوات والأرض والمخلوقات الموجودات.
وبعد أن أظهر تعالى له هذه الآية أمره بالذهاب إلى فرعون، وبيَّن العلة في
ذلك، وهي أنه طغى، فقال:

٥٥٢
الُعُ (١٦) - ظان: ٢٠ /٢٢-٣٥
﴿ أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (39﴾ أي اذهب رسولاً إلى فرعون ملك مصر
الذي خرجت فارّاً منه، ومعك ما رأيته من آياتنا الكبرى، وادعه إلى توحيد
الله وعبادته، ومُرْه بأن يحسن إلى بني إسرائيل، فإنه كفر وتجاوز قدره والحدود
كلها، فآثر الحياة الدنيا وادعى أنه الرّب الأعلى.
ولما أمر الله تعالى موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون، وكان ذلك
تكليفاً شاقاً، سأل ربه أموراً ثمانية، ثم ختمها بعلة سؤال تلك الأشياء،
فقال :
﴾ قال موسى: ربّ وسّع لي صدري
٢٥
أَ - ﴿قَالَ رَبِّ أُشْرَحْ لِ صَدْرِی
وأزل عنه الضيق فيما بعثتني به، فإنه أمر عظيم وخطب جسيم، وسبب هذا
السؤال قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنَطَلِقُ لِسَانِىِ﴾ [الشعراء: ١٣/٢٦]، فسأل
الله تعالى أن يبدل ذلك الضيق بالسعة، ليحتمل أذى الناس وأعباء الرسالة.
أَ - ﴿وَيِّرْ لِيِّ أَمْرِى ®﴾ أي سهِّل علي القيام بما كلفتني به من تبليغ
الرسالة، وقوِّني على مهمتي، فإن لم تكن أنت عوني ونصيري وإلا فلا طاقة لي
بذلك.
يَفْقَهُواْ قَوْلِ
٣٧
◌َّ - ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةٌ مِّن لِّسَانِ
أي وأطلق لساني
٢٨
بالنطق، وأزل ما فيه من العقدة والعي ليفهموا قولي وكلامي بتبليغ الرسالة.
وقد كان في لسانه رُتَّة (حبسة) أو لثغة حين عرض عليه وهو صغير التمرة
والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فكان فيه لكنة، وذلك حين نتف
شعرة من ذقن فرعون وهو صغير، فغضب، وتوجس منه شراً، فقالت
امرأته: إنه صغير لا يدري شيئاً، فأتت له بجمرة وبلحة، فوضع الجمرة على
لسانه.
وروي أن الحسين رضي الله عنه كان في لسانه رُتّة، فقال النبي ◌َّ: ((إن
هذه ورثها من عمه موسی)).

٥٥٣
الُعُ (١٦) - ظفر: ٢٠ / ٢٢-٣٥
﴾ أي واجعل لي عوناً
هَرُونَ أَخِى
٤ - ﴿وَأَجْعَل لِ وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِىِ
ومساعداً لي في بعض أموري، من أهل بيتي هارون أخي، اجعله رسولاً،
ليتحمل معي أعباء الرسالة. ودعم الأنبياء تقتضيه حاجة نشر الدين، لذا قال
عيسى عليه السلام: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾
[آل عمران: ٥٢/٣] .
وأَشْرِگهُ فِى أَمْرِى (چ﴾﴾ أي يا رب أحكم به
٥ - ٩: ﴿أَشْدُدْ بِهِ= أَزْرِى (4)
قوّتي، واجعله شريكي في أمر الرسالة، حتى نؤدي المطلوب على الوجه
الأكمل ونحقق أفضل الغايات. والحاصل أنه شفع له كي يكون نبياً مثله
ليعينه، ويشدّ به أزره (قوته) ويجعله ناصراً له؛ لأنه لا اعتماد على القرابة.
وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣)﴾ أي لكي ننزهك كثيراً
٧ - ٨: ﴿كَىْ نُسَيِحَكَ كَثِيرًا
عما لا يليق بك من الصفات والأفعال، ونذكرك كثيراً وحدك دون أن نشرك
معك غيرك. قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله
قائماً وقاعداً ومضطجعاً.
﴿إِنَّكَ كُتَ بِنَا بَصِيرًا (﴿1﴾ أي إنك يا رب كنت عليماً بأحوالنا وأحوال
غيرنا، في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون
الطاغية الجبار الذي ادعى الألوهية، فنمتثل أمرك، ولك الحمد على ذلك.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
اً - إن إخراج موسى عليه السلام يده من جيبه أو جناحه بيضاء لا معة
تضيء كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءاً: هي المعجزة الثانية بعد معجزة
العصا.
أَ - أرسل الله موسى رسولاً إلى فرعون الطاغية الذي ادعى الألوهية،

٥٥٤
لُعُ (١٦) - ظم: ٢٠ / ٣٦-٤١
وآزرته فئته الباغية في ذلك الادعاء، وأيد الله موسى بالعصا واليد، وأراه ما
يدل على أنه رسول.
◌َّ - دعا موسى ربه، والدعاء نوع من العبادة، لتيسير القيام بمهمته
وتحقيقه أحسن الغايات، وقد أجابه ربه لكل ما طلب لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ
سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾، فشرح صدره وأزال عنه الضيق والغم، ويسر أمره وقواه،
وانحلّ أكثر العقد من لسانه، وإن بقي منها شيء قليل، لقوله تعالى حكاية عن
فرعون: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
[الزخرف:
٥٢
٥٢/٤٣] وجعل له أخاه هارون نبياً ليعاونه في أداء الرسالة، والتعاون ضروري
لإنجاح المقصود، وآزره وأحكم قوته به، وشاركه في مهمته، وكانا كثيراً ما
يسبّحان الله وينزهانه عما لا يليق به من نقص كادعاء ولد أو شريك معه،
ويذكرانه وحده لا شريك له، عملاً بما دعا به موسى عليه السلام.
٤ - إن الله تعالى عالم بخفيات الأمور، عالم بموسى وأخيه وبأحوال فرعون
وغير ذلك، مدرك ما تعرض له موسى في الصغر، فأحسن إليه، ونصره على
فرعون وملئه.
- ٤ -
نعم الله الثماني على موسى قبل النبوة
وَلَقَدْ مَنَنَا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىِ ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآَ
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيَتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَىّ ﴿ أَنِ آَقْذِفِيهِ فِ النَّبُوتِ فَأَقْذِفِهِ فِىِ الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ اَلْيَمُ بِالسَّاحِلِ
إِذْ تَمْشِىّ
يَأْخُذُهُ عَدُوٌّ لِيِ وَعَدُوٌ لَّ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِى وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِّ
أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُمُّ فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا
تَحْزَنَّ وَقَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَّكَ فُونَا فَبِئْتَ سِنِينَ فِىّ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ
٤١
وَأَصْطَعْتُكَ لِنَفْسِى
جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى

لُ (١٦) - ظائٌ: ٢٠ / ٣٦-٤١
٥٥٥
٠
القراءات:
(سُؤْلَكَ﴾ :
وقرأ السوسي (سُؤْلك).
﴿عَيْنِيّ ، إِذْ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (عينيَ إذ).
﴿جِئْتَ﴾:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جِيت).
الإعراب:
﴿أَنِ آَقْذِفِيهِ فِ التَّابُوتِ فَقْذِفِيهِ﴾ ﴿أَنِ آَقْذِفِيهِ﴾ في موضع نصب على البدل من
﴿مَا﴾. وهاء ﴿اقْذِفِيهِ﴾ لموسى، وهاء ﴿فَقْذِفِيهِ﴾ للتابوت.
﴿وَفَتَّكَ فُونَا﴾ ﴿فُونَا﴾ إما منصوب على المصدر (مفعول مطلق) مثل:
ضربت ضرباً، وإما منصوب بحذف حرف الجر، أي فتنّاك بفُتُون، ومعناه:
وفتناك بأنواع من الفتن.
البلاغة:
) استعارة تبعية، شبّه اختياره للمحبة والرسالة
٤١
﴿ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى
والتكريم والتكليم بمن يختاره الملك للمهام الجليلة، لما يرى فيه من المقومات
والخصال الحميدة، لئلا يكون أحد أقرب منزلة منه إليه.
المفردات اللغوية:
﴿سُؤْلَكَ﴾ مسؤولك، أي مطلوبك ﴿مَنَنَّا﴾ أنعمنا ﴿إِذْ﴾ للتعليل ﴿أَوْحَيْنَآَ
!

٥٥٦
الجُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٣٦-٤١
إِلَ أُمِّكَ﴾ ألهمنا أو في المنام، لما ولدتك وخافت أن يقتلك فرعون في جملة من
يولد، كما أوحى إلى مريم، وإلى النحل، وإلى الحواريين وليس وحياً على جهة
النبوة ﴿مَا يُوحَى﴾ في أمرك ﴿اقْذِفِيهِ﴾ ألقيه واطرحيه أي ألقي موسى الصغير
في التابوت ﴿فَأَقْذِفِيهِ﴾ فألقي التابوت ﴿فِى الْيَمِ﴾ البحر، والمراد هنا نهر النيل
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُ بِلسَاحِلِ﴾ الشاطئ، والأمر هنا بمعنى الخبر ﴿ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِ
وَعَدُوٌّ لَّهُمْ﴾ وهو فرعون ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ أي محبة كائنة مني، لتصبح
محبوباً بين الناس، فأحبك فرعون وكل من رآك ﴿ وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ وتربى
على رعايتي وحفظي لك بمرأى مني.
﴿إِذْ تَمْشِىّ﴾ إذ للتعليل ﴿أُخْتُكَ﴾ مريم، لتتعرف خبرك، وقد أحضروا
مراضع وأنت لا تقبل ثدي واحدة منهن ﴿يَكْفُلُهُ﴾ يضمه إلى نفسه ويصبح
كافلاً له، فأجيبت، فجاءت بأمه، فقبل ثديها ﴿نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ تسرّ بلقائك ﴿وَلَا
تَحْزَنَّ﴾ بفراقك وأنت بفراقها وفقد شفقتها ﴿وَقَلْتَ نَفْسًا﴾ هو القبطي بمصر
الذي استغاثه عليه الإسرائيلي، فاغتممت لقتله خوفاً من فرعون ﴿اُلْغَمِّ ﴾ غم
قتله، خوفاً من عقاب الله تعالى، والغم: الكدر الحادث من خوف شيء أو
فوات مقصود ﴿وَفَّكَ فُونًا﴾ اختبرناك بأنواع من الابتلاء، فخلصناك مرة
بعد أخرى. والفتون: الابتلاء والاختبار بالمحن، ثم تخليصه منها. وهو إجمال
لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن، وترك الأصحاب، والمشي راجلاً على
حذر، وفقد الزاد، وأجر نفسه، وغير ذلك أثناء مسيره من مصر إلى مدين،
ومدين: على ثماني مراحل من مصر، وهي جنوب فلسطين(١).
﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ أقمت في أهل مدين عشر سنين، بعد مجيئك إليها من مصر
(١) خرج موسى عليه السلام من مصر إلى أرض مدين وهو شاب، بعد قتل القبطي في مصر، وفي
هذه الرحلة أقام بمدين وتزوج بابنة شعيب عليه السلام، وقضى عشر سنين فأكثر. ثم بعد
بعثته عليه السلام عاد إلى مصر لإخراج بني إسرائيل من ذل العبودية ودعوة فرعون إلى دينه.
٠

٥٥٧
لُ (١٦) - ظئة: ٢٠ /٣٦-٤١
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ قدرته في علمي لأن
عند شعيب النبي وتزوجك بابنته
٤١
أكلمك وأكلفك بالرسالة، وهو أربعون سنة ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى
اخترتك بالرسالة والمحبة. وكرر: ﴿يَمُوسَى﴾ للتنبيه على غاية القصة وهي
التكليم.
المناسبة:
بعد أن سأل موسى ربه أموراً ثمانية، ذکر تعالی هنا أنه أجابه إليها، ليتمكن
من تبليغ رسالته، ثم ذكّره بنعمه السالفة عليه قبل النبوة، وعدّ له ثماني نعم
عظام وهي: إلهام أمه صنع صندوق وإلقاؤه وهو رضيع في النيل: ﴿إِذْ أَوْحَيَّنَآَ
إِلَى أَمِّكَ مَا يُوحَى ﴿ أَنِ أُقْذِفِيهِ فِ التَّابُوتِ﴾. وإلقاء محبة الله عليه بحيث لا يراه
أحد إلا أحبه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾. وحفظ الله له ورعايته: ﴿وَلِنُصْنَعَ
عَلَى عَيْنِيّ﴾. وعودته إلى أمه للرضاع والحضانة: ﴿فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا﴾. ونجاته من القصاص بقتل القبطي: ﴿فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ﴾. وابتلاؤه
بالفتن: ﴿وَفَّكَ فُونًا﴾. ومقاساته الفقر والغربة مع أهل مدين: ﴿فَلَبِثْتَ
سِنِينَ فِىّ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾. وتكليم الله له واختياره للنبوة والرسالة والهداية:
جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى، وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى
٤١
التفسير والبيان:
أجاب الله تعالى في هذه الآيات دعاء موسى عليه السلام، وذكّره بنعمه
السالفة عليه، فقال:
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيَتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى (٦﴾ أي قال الله عز وجل لموسى: قد
أعطيتك ما سألته من الأمور الثمانية، من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وحل
العقدة، ونبوة هارون، وشد أزره به، وإشراكه في أمر الرسالة، والتمكين من
التسبيح الكثير، والتذكر الكثير الله عز وجل.

٥٥٨
الُعُ (١٦) - طئة: ٢٠ / ٣٦-٤١
أي ولقد أحسنا وتفضلنا عليك بنعم
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى
سابقة كثيرة قبل النبوة وهي:
أَ - ﴿إِذَا أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمَِّكَ مَا يُوحَىَ ﴿ أَنِ أَقْذِفِيهِ فِ النَّابُوتِ فَقْذِفِهِ فِ اَلْيَمِ
فَلْيُلْقِهِ أَلْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِ وَعَدُوٌّ لَّهُمْ﴾ أي مننا عليك حين ألهمنا أمك
لإنقاذك من فرعون، أن تضعك في تابوت (صُنْدوق من خشب أو غيره) ثم
تطرح هذا التابوت في البحر (اليم) وهو هنا نهر النيل، وأمرنا النيل بإلقائك
على الشط قبالة منزل فرعون، فأخذك فرعون عدو الله وسيصير عدواً لك في
المستقبل. فبينا فرعون جالس على رأس بركة بالساحل إذ بالصندوق، فأمر به،
فأخرج، ففتح، فإذا صبي جميل صبيح الوجه، فأحبه حباً شديداً هو وزوجته،
كما قال تعالى:
◌َ - ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ أي ألقيت عليك محبة كائنة مني في قلوب
العباد، لا يراك أحد إلا أحبك، فأحبك فرعون وزوجه التي قالت: ﴿قُرَّتُ
عَيْنٍ لِّى وَلَكَّ لَا نَقْتُلُهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: ٩/٢٨].
◌َّ - ﴿ وَلِنُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ أي ولتتربى بمرأى مني وفي ظل رعايتي.
٤ - ﴿إِذْ تَمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُّ فَرَجَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ
كَيْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنُّ﴾ أي خرجت أختك تمشي على الشاطئ، تسير بسير .
التابوت، تتابعه بنظراتها لترى في أي مكان يستقر، فوجدت فرعون وامرأته
يطلبان له مرضعة، فقالت: هل أدلكم على من يربيه ويحفظه؟ فجاءت بالأم،
فقبل ثديها، وكان لا يقبل ثدي مرضعة أخرى غيرها، فرددناك إلى أمك
بألطافنا، ليحصل لها السرور برجوع ولدها إليها، بعد أن طرحته في البحر،
وعظم عليها فراقه.
٥ - ﴿ وَقَثَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ ﴾ أي قتلت القبطي الذي وَكَزْته حين
استغاث بك الإسرائيلي، وكان قتلاً خطأ، فنجيناك من الغم الحاصل عندك

ء
الجزءُ (١٦) - طئن: ٢٠ / ٣٦-٤١
٥٥٩
من قتله خوفاً من العقوبة، بالفرار إلى مدين، فنجوت من الحبس والقتل
والتعذيب.
٩ - ﴿وَفَنَّكَ فُونًا﴾ أي اختبرناك مرة بعد مرة بما أوقعناك فيه من المحن
المذكورة، قبل أن يصطفيك الله لرسالته، حتى صلحت للقيام بالرسالة
لفرعون ولبني إسرائيل.
٧ - ﴿فَبِثْتَ سِنِينَ فِىّ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي فأقمت ومكثت سنين مع أهل مدين
بأرض العرب على ثماني مراحل من مصر، عانيت فيها من الفقر والغربة الشيء
الكثير، حتى آجرت نفسك لشعيب لترعى غنمه مدة عشر سنين كانت مهر
امرأتك.
﴿ِثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ أي أتيت في وقت سبق في قضائي وقدري أن
أكلمك وأجعلك نبياً.
٨ - ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِىِ ﴾﴾ أي اخترتك برسالاتي وبكلامي لإقامة
حجتي، وجعلتك رسولاً بيني وبين خلقي لتبليغ الدين، والهداية إلى التوحيد
والشرع القويم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - لما سأل موسى عليه السلام ربه الأمور الثمانية، أجاب سؤله، وحقق
مطلوبه ومرغوبه، فضلاً من الله ونعمة، ورحمة ومنّة.
أَ - وبعد إجابة دعائه، ذكّره الله بما أنعم عليه من النعم الثماني التي أنعم
بها عليه، قبل سؤاله، وتتلخص في حفظه سبحانه له من شر الأعداء والقتل
من ابتداء حیاته، وحین شبابه.

٥٦٠
لِلُ (١٦) - طفٌ: ٢٠ / ٣٦-٤١
◌َّ - كان الإيحاء من الله لأم موسى بصنع الصندوق وقذفه في البحر إلهاماً
أو رؤيا رأتها في المنام، فقد اتفق الأكثرون على أن أم موسى عليه السلام ما
كانت من الأنبياء والرسل، فلا يجوز أن يكون المراد من هذا الوحي هو
الوحي الواصل إلى الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا
نُّوحِىّ إِلَيْهِمٌ﴾ [الأنبياء: ١
وأيضاً جاء في القرآن الوحي لا بمعنى النبوة، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى
اَلنَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨/١٦] وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِدِ ينَ﴾ [المائدة:
١١١/٥] .
٤ - من عجائب فعل الله وتدبيره وصنعه أن ينجي الله موسى الرضيع من
قتل فرعون، وأن يتربى في بيت فرعون على مائدته، وأن يكون سبباً في هلاك
فرعون وإغراقه في البحر مع ملئه وقومه.
٥ - معنى محبة الله تعالى لموسى: إيصال النفع إلى عباده، بتهيئته للرسالة منذ
الصغر، واستمرار ذلك حال الكبر إلى آخر عمره.
أَ - ومن تدبير الله الخفي أن موسى الرضيع لم يقبل ثدي أحد من
المراضع، حتى أقبلت أخته المتجاهلة أمره، فأخذته ووضعته في حجرها
وناولته ثديها، فمصه وفرح به، فقالوا لها: تقيمين عندنا؟ فقالت: إنه لا لبن
لي، ولكن أدلكم على من يكفله وهم له ناصحون، قالوا: ومن هي؟ قالت:
أمي، فقالوا: لها لبن؟ قالت: لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى
بسنة، وقيل: بثلاث، وقيل: بأربع. وذلك أن فرعون رحم بني إسرائيل فرفع
عنهم القتل أربع سنين، فولد هارون فيها، كما قال ابن عباس. فجاءت الأم
فقبل ثديها.
لاً - ليس هناك في الدنيا بعد النبي أشد عاطفة من عاطفة الأم على ولدها،
بخلق الله وتقديره بإفرازها الحنان على ولدها من خلايا خاصة بها، لذا حزنت