Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
المُ (١٦) - فَرَمَ: ١٩ / ٧٧ - ٨٠
سبب النزول:
أخرج الأئمة منهم أحمد والشيخان (البخاري ومسلم) والترمذي والطبراني
وابن حَبَّن عن خَبَّاب بن الأرتّ قال: كنت رجلاً قيناً - حداداً - وكان لي
على العاص بن وائل دَيْن، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا ، والله، لا أقضیك حتى
تكفر بمحمد رَله، فقلت: لا، والله، لا أكفر بمحمد بَل حتى تموت ثم
تبعث، قال: فإني إذا مِتُّ ثم بُعِثْتُ جئتني، ولي ثَمَّ مال وولد، فأعطيك،
فأنزل الله تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى الدلائل على صحة البعث، ثم أورد شبهة المنكرين
وأجاب عنها، أورد هنا ما قالوه على سبيل الاستهزاء، طعناً في القول بالحشر
والبعث.
التفسير والبيان:
أي ألا
﴿أَفَرَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَّأُوْنَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (َ﴾﴾
أخبرك بقصة هذا الكافر الذي تجرأ على الله وقال: لأُعطين في الآخرة مالاً
وولداً. وإيراد هذه القصة على سبيل التعجب للبشر.
ثم فّد الله تعالى قوله بعدم اعتماده على دليل غيبي أو عهد من الله، فقال:
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴿﴾ أي إن دعواه تلك تعتمد على
أحد أمرين: إما علم الغيب وإما عهد من الله، فهل اطلع على الغيب حتى
يعلم أنه في الجنة، أو أخذ العهد الموثق من الله بذلك؟ والعهد عند الله
للرحمة: أن يدخل المؤمن الجنة إذا قال: لا إله إلا الله، وعمل الصالحات.
وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ إشارة إلى أن الحصول على علم الغيب أمر صعب
شاق؛ لأن الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من رسول.

٥٠٢
الُرُ (١٦) - فَرِيرًا: ١٩ / ٧٧ - ٨٠
ثم هدده تعالى بقوله :
وَرِثُهُ, مَا يَقُولُ
٧٩
﴿كَلََّّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَهُ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا
وَيَأْنِينَا فَرْدًّا (®﴾ ﴿كَلَّ﴾ كلمة ردع وزجر لما قبلها، وتأكيد لما بعدها، ولم
ترد في النصف الأول من القرآن. والإتيان بسين التسويف في قوله:
﴿سَنَكْنُبُ﴾ مع أنه يكتب من غير تأخير لمحض التهديد من المتوعد.
أي ليس الأمر على ما قال، بل سنحفظ ما يقول، فنجازيه به في الآخرة،
ونزيده عذاباً فوق عذابه، ونمده بالعذاب مداً في الدار الآخرة على قوله ذلك
وكفره بالله في الدنيا، مكان ما يطلبه من المدد بالمال والولد، جزاء عمله،
ونميته فنرثه المال والولد الذي يقول: إنه يؤتاه، ونسلبه إياه، ويأتينا يوم
القيامة فرداً لا مال له ولا ولد مما كان معه في الدنيا، لأنَّا نسلبه منه، فكيف
يطمع أن نعطيه؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَى كَمَا خَلَقْنَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤/٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه قصة رجل آخر هو العاص بن وائل، وهي من أعاجيب القصص التي
تدل على سخف الكافر، وسذاجة تفكيره، وتمنيه الأماني المعسولة، وهو
سيجد نقيضها تماماً في عالم الآخرة.
إنه بالرغم من كفره الشديد بآيات الله، وإنكاره البعث واستهزائه به،
يتأمل أن يعطى في الآخرة المال الوفير والولد الكثير، وليس لديه برهان أو
وثيقة على ما يقول. ومثل هذا القول يحتاج إلى أحد أمرين: إما الاطلاع على
الغيب أو اتخاذ عهد موثق عند الله.
فهل عَلِمَ الغيب حتى يعلم أنه في الجنة أم لا، أم عاهد الله تعالى بالتوحيد
والعمل الصالح والوعد أن يدخله الجنة؟ !!

٥٠٣
الُ (١٦) - فَتَنَ: ١٩ / ٨١-٨٧
لم يكن كل ذلك، لم يطلع على الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً،
وسيحفظ الله عليه قوله، فيجازيه به في الآخرة، وسيزيده عذاباً فوق عذاب،
ويسلبه ما أعطاه في الدنيا من مال وولد، ويأتي منفرداً لا مال له ولا ولد ولا
عشيرة تنصره، ثم يزج به في نار جهنم جزاء عمله المنكر وكفره الظاهر.
الرد على عُبَّاد الأصنام بصيرورتهم
لهم أعداء واتخاذهم الشياطين أولياء
﴿ كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ
﴿ وَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا
بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيَّهِمْ ضِدًّا ﴿ أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ
أَّا ﴿ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا ﴿ يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ
وَفْدًا (
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴿﴿ لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ أَّخَذَ
٨٥
٨٧
عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا
الإعراب:
﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ عبادة: مصدر إما مضاف إلى الفاعل، أي سيكفر
المشركون بعبادتهم الأصنام، كقوله تعالى: ﴿وَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:
٢٣/٦] وإما مضاف إلى المفعول، أي ستكفر الأصنام بعبادة المشركين.
﴾ ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرف،
٨٥
﴿ يَوَمَ تَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا
وعامله إما: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ﴾ وإما ﴿نَعُدُّ﴾. و﴿وَفْدًا﴾ حال، أي وافدين،
ووفد: واحدُهم وافد كصَحْب وصاحب، ورَكْب وراكب، وهو اسم جمع
وليس بتكسير.
﴿إِلَّا مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿مَنِ﴾ إما مرفوع على البدل من واو
﴿ يَمْلِكُونَ﴾ وإما منصوب على الاستثناء المنقطع.

٥٠٤
لُعُ (١٦) - فَشير: ١٩ / ٨١-٨٧
البلاغة:
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا
٨٥
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا
(4)) [مريم: ٨٥/١٩-٨٦]: بين المتقين الأبرار والمجرمين الأشرار مقابلة.
﴿وَفْدًا﴾ ﴿وِرْدًا﴾: جناس غير تام، لتغير الحرف الثاني.
المفردات اللغوية:
﴿ وَأَخَذُواْ﴾ أي كفار مكة ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الأوثان ﴿وَالِهَةً﴾ يعبدونهم
﴿عِزَا﴾ منعة وقوة، أي ليتعززوا بهم حيث يجعلونهم شفعاء عند الله بألا
يعذبوا ﴿كَلََّ﴾ ردع وإنكار لتعززهم بالأصنام ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ سيجحد
الآلهة عبادتهم، ويقولون: ما عبدتمونا، أي ينفون عبادتهم، كما في آية
أخرى: ﴿مَا كَانُواْ إِيَّنَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣/٢٨] ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أُتُّبِعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦/٢]. (ضِدًّا﴾ أعداء وأعواناً عليهم.
﴿أَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ سلطناهم عليهم، أو قيضنا لهم
قرناء ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ تهيجهم إلى المعاصي وتغريهم بالتسويلات وتحبيب الشهوات.
والأزّ والهز والاستفزاز: شدة الإزعاج والإغراء على المعاصي. والمراد:
تعجيب رسول الله وَ﴾ من أقاويل الكفار وتماديهم في الغي، وتصميمهم على
الكفر بعد وضوح الحق، على ما نطقت به الآيات المتقدمة.
﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ﴾ لا تطلب العجلة بهلاكهم أو تعذيبهم ﴿إِنَّمَا نَعُذُّ لَهُمْ
عَدَّا﴾ أيام آجالهم عداً. والمعنى: لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام
محصورة وأنفاس معدودة. ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ بإيمانهم ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ أي إلى
دار كرامته وهي الجنة ﴿وَفْدًا﴾ جمع وافد، أي هم كما يفد الوافدون إلى الملوك
لطلب الحوائج، مكرَّمين مبجَّلين ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ﴾ بكفرهم ﴿وِرْدًا﴾ جمع
وارد أي مشاة عطاشى مهانين، يساقون باحتقار وإذلال كما تساق البهائم.

٥٠٥
لُ (١٦) - فري: ١٩ / ٨١-٨٧
﴿لَّا يَمْلِكُونَ﴾ أي الناس ﴿عَهْدًا﴾ هو شهادة أن لا إله إلا الله، ولا حول
ولا قوة إلا بالله، أي التبري من الحول والقوة وعدم رجاء أحد إلا الله.
المناسبة:
بعد الكلام عن الحشر والنشر والبعث، ردّ الله تعالى على عُبَّاد الأصنام
الذين اتخذوا أصنامهم آلهة، ليعتزوا بها يوم القيامة، ويكونوا لهم شفعاء
وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك، فأبان تعالى أنهم سيكونون لهم أعداء. ثم بيَّن
سبب الضلال وهو وسوسة الشياطين، وطلب إلى رسوله ألا يستعجل بطلب
عذاب المشركين، فما هي إلا آجال أو أنفاس معدودة ثم يهلكون.
ثم قارن تعالى بين وفد المتقين القادمين إلى الجنة، وورد المشركين المشاة
بإهانة إلى النار.
التفسير والبيان:
﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةً لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا ﴾﴾ أي عجباً لهؤلاء
الكفار بآيات الله، يتمنون على الله الأماني، ويتألون على الله تعالى، مع أنهم
كفروا وأشركوا بالله، واتخذوا من دون الله آلهة، ليكونوا لهم أنصاراً وأعواناً،
وشفعاء عند ربهم يقربونهم إليه.
ولكن ليس الأمر كما زعموا ولا كما طمعوا، فقال تعالى:
﴿كَلََّّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨) أي ليس الأمر كما
ظنوا وتأملوا في أنها تنقذهم من عذاب الله، بل ستجحد يوم القيامة هذه
الأصنام المتخذة آلهة عبادة الكفار لها، يوم ينطقها الله سبحانه؛ لأن الأصنام
جمادات لا تعلم العبادة، ويكونون أعداء لهم، وأعواناً عليهم، بخلاف ما
ظنوا فيهم، فيقولون: ما عبدتمونا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ
٠

٥٠٦
لُعُ (١٦) - فَيَ): ١٩ / ٨١-٨٧
[النحل: ٨٦/١٦]، وقال سبحانه: ﴿مَا كَانُواْ إِيَّنَا
(٨٦)
اُلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ
يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣/٢٨]، وقال عزّ وجلّ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ
[البقرة: ١٦٦/٢] .
الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ
وبعد بيان حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة، ذكر تعالى حالهم مع
الشياطين في الدنيا، فإنهم يسألونهم وينقادون لهم، فقال:
﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَزَّا (٨٣)﴾ أي ألم تعلم أننا
سلطنا الشياطين على الكفار، وخلينا بينهم وبينهم، ومكناهم من إضلالهم،
فهم يحركونهم إلى فعل المعاصي، ويهيجونهم ويغرونهم ويغوونهم، كما قال
تعالى: ﴿وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ
وَشَارِكْهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ﴾ [الإسراء: ٦٤/١٧].
وهذا إثارة لعجب الرسول وَله من حال الكفار وإصرارهم على الكفر،
وتسلية له عن صدودهم وإعراضهم، وتهوين الأمر على نفسه.
﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمَّ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَذَّا (٨)﴾ أي فلا تعجل يا محمد على
هؤلاء بأن تطلب من الله إيقاع العذاب بهم وإهلاكهم وإبادتهم بسبب
تصميمهم على الكفر وعنادهم، إنما نعد لهم أوقاتاً معدودة، ونؤخرهم لأجل
معدود مضبوط هو انتهاء آجالهم، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله
ونكاله، أي فليس بينك وبين عذابهم إلا أوقات محصورة معدودة، وکل آتٍ
قريب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
[إبراهيم: ٤٢/١٤] الآية، وقال سبحانه: ﴿فَهِّلِ اَلْكَفِرِينَ أَشْهِلْهُمْ رُوَيِدّاً.
١٧
[الطارق: ١٧/٨٦]، وقال عزّ وجلّ: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ
﴾ [لقمان: ٢٤/٣١].
غَلِیظٍ
ثم أبان سبحانه ماسيظهر في يوم القيامة من الفصل بين المتقين وبين المجرمين
في كيفية الحشر، فقال :

٥٠٧
لُ (١٦) - فَرشي: ١٩ / ٨١-٨٧
﴿ يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (﴾﴾ أي واذكر أيها الرسول لقومك،
يوم نحشر جماعة المتقين وافدين ركباناً إلى جنة الله ودار كرامته، والوفد: هم
القادمون ركباناً، مراكبهم من نور من مراكب الدار الآخرة، عن علي رضي
الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((والذي نفسي بيده إن المتقين إذا خرجوا من
قبورهم، استقبلوا بنوق بيض، لها أجنحة، عليها رحال الذهب)) ثم تلا هذه
الآية.
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨) أي ونحث المجرمين المكذبين على السير
طرداً إلى جهنم، مشاةً عطاشاً، كالإبل ترد الماء.
إلَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾﴾ أي لا يملك أحد
عند الله الشفاعة لغيره، ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨/٧٨]،
و﴿مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام
بحقها، بأن كان صالح الاعتقاد والقول والعمل، وكان في الدنيا هادياً
مصلحاً. أما شفاعة الآلهة المزعومة فهي أمانٍ زائفة، وأوهام فارغة، فهي لا
تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً.
روى ابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله بن مسعود هذه
الآية: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهداً، فإن
الله يقول يوم القيامة: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد
الرحمن، فعلِّمنا، قال: قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب
والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا ألا تكلني إلى عمل يقربني من
الشر، ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً
تؤديه إلى يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.

٥٠٨
الُ (١٦) - فَرَبِيرَ: ١٩ / ٨١-٨٧
وهذا مأخوذ من معنى حديث(١) تبين منه أن المراد بالعهد كلمة الشهادة.
ودلت الآية على ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - اتخذ المشركون بالله آلهة عبدوها من دون الله، ليكونوا لهم أعواناً
وأنصاراً وشفعاء، يقربونهم من الله، ويمنعونهم من عذاب الله تعالى.
أَ - ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا، فستجحد هذه الأصنام عبادة المشركين
لها، أو ينكرون هم أنفسهم أنهم عبدوا الأصنام، وستكون هذه الأصنام
أعواناً في خصومتهم وتكذيبهم، ويكونون لهم أعداء، فتقول بإنطاق الله لهم:
يا ربّ عذب هؤلاء الذين عبدونا من دونك.
٣ - سلط الله الشياطين على الكافرين بالإغواء والإغراء بالشر، والإخراج
من الطاعة إلى المعصية.
٤ - لا داعي أيها الرسول أن تطلب العذاب لقومك المشركين، فما بينهم
وبين العذاب إلا أوقات قصيرة معدودة.
٥ - يحشر الله المتقين من قبورهم ركباناً معززين مكرَّمين، ويساق المجرمون
الكفار المكذبون سوقاً مشاةً حفاةً أفراداً عطاشاً كالإبل التي ترد الماء، وفي
هذا مهانة وذلّ، ودليل على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين؛ لأن المتقين
من الابتداء يحشرون في حال من التكريم، فهم آمنون من الخوف، فكيف يجوز
أن تنالهم الأهوال؟!
(١) ذكره الرازي في تفسيره: ٢٥٣/٢١، والقرطبي أيضاً: ١٥٤/١١، وسيأتي نصه.

٥٠٩
لُرُ (١٦) - فَرِينَ): ١٩ / ٨١-٨٧
٩ - لا يملك أحد عند الله الشفاعة لغيره، إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً
فهو يملك الشفاعة(١)، والعهد: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
والقيام بحقها، فقد تظاهرت الأخبار بأن أهل الفضل والعلم والصلاح
يشفعون، فيشفَّعون، قال ابن مسعود: سمعت رسول الله ێ يقول لأصحابه:
((أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً؟ قيل: يا رسول
الله، وما ذاك؟ قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السماوات
والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأني
أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك،
فلا تكلني إلى نفسي، فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير، وتقرِّبني من
الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة،
إنك لا تخلف الميعاد.
فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعاً، ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم
القيامة نادى منادٍ: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة)).
(١) وحينئذٍ يكون الاستثناء متصلاً؛ لأن ﴿مَنِ﴾ في موضع رفع على البدل من واو ﴿يَمْلِكُونَ﴾ أي
لا يملك أحد عند الله الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً، فإنه يملك. ويصح جعل
الاستثناء منقطعاً، بمعنى لكن، أي لا يملك هؤلاء الكفار الشفاعة لأحد، لكن المسلمون
الذين اتخذوا عند الرحمن عهداً، فإنهم يملكون الشفاعة.

٥١٠
الجُ (١٦) - فَرِيرًا: ١٩ / ٨٨-٩٥
الرد على من نسب الولد إلى الله تعالى
﴿ وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (﴿٨َ لَّقَدْ جِثْتُمْ شَيْئًا إِذَّا ﴿٨ تَكَادُ السَّمَوَاتُ
يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِزُ الْجِبَالُ هَذَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ وَمَا
· يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًّا ﴿﴿ إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َتِى
الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴿ لَقَدْ أَحْصَهُ وَعَدَّهُمْ عَدَّا ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَاتِيِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
٩٥
القراءات:
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيتم).
﴿تَكَادُ﴾:
وقرأ نافع، والكسائي (يكاد).
﴿ يَنَفَطَّرْنَ﴾ :
قرئ:
١- (يتفطّرن) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وحفص، والكسائي.
٢- (يَنْفَطِرن) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿إِذَّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَذَّا
٩٠
أَنْ دَعَوْا﴾: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَظَرْنَ مِنْهُ﴾: كاد واسمها وخبرها وصف

٥١١
الزُ (١٦) - فَرَشِيرًا: ١٩ / ٨٨-٩٥
منصوب لقوله تعالى: ﴿إِذَا﴾. و﴿هَذَّا﴾: منصوب على المصدر، و﴿أَنْ دَعَوْأ
لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (@)): في موضع نصب على المفعول لأجله، أي: وتخر الجبال
هدّاً لأن دعوا للرحمن ولداً. ويصح جعله مرفوعاً بأنه فاعل: ﴿هَذَّا﴾ أو
مجروراً بدلاً من هاء ﴿مِنْهُ﴾.
﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ﴾ ﴿كُلُّ﴾: مبتدأ، و﴿ءَاتِ﴾: خبره، ووحّده
حملاً على لفظ ﴿كُلُّ﴾. وقد يحمل على المعنى مثل: ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾
[النمل: ٨٧/٢٧]. و﴿عَبْدًا﴾: حال من ضمير ﴿ءَاتِى﴾ وهو عامله، وهو اسم
فاعل من (أتى) يقال: أتى فهو آتٍ.
البلاغة:
التفات إلى الخطاب للمبالغة في الذم،
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا (9َ
وتسجيل الجرأة على الله عليهم.
المفردات اللغوية:
﴿وَقَالُواْ﴾ أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله. ﴿جِئْتُمْ}
فعلتم . ﴿إِذَّا﴾ منكراً عظيماً. والإدّة: الشدة. يقال: أَدَّني الأمر وآدني: أثقلني
وعظم علي . ﴿يَنَفَطَّرْنَ﴾ يتشققن مرة بعد أخرى، التفطر: التشقق. ﴿وَتَخِرُ﴾
تسقط وتنهدم .﴿هَذَّا﴾ أي تهدّ هدّاً أو مهدودة. والمعنى: أن هول هذه الكلمة
وعظمها بحيث لو تُصوَّر بصورة محسوسة، لم تتحملها هذه الأجرام العظام،
وتفَتَّت من شدتها.
﴿ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (49)﴾ أي ما يليق به ذلك. ﴿إِن كُلُّ﴾
ما كل .﴿عَبْدًا﴾ منقاداً خاضعاً ذليلاً يوم القيامة. ﴿لَّقَدْ أَحْصَنْهُمْ﴾ حصرهم
وأحاط بهم، فلا يخرجون عن علمه وقدرته . ﴿وَعَذَّهُمْ عَدَّا﴾ عدَّ أشخاصهم
وأنفاسهم وأفعالهم، فإن كل شيء عنده بمقدار. ﴿فَرْدًا﴾ منفرداً بلا مال ولا
نصير.

٥١٢
الُعُ (١٦) - فرين: ١٩ / ٨٨-٩٥
المناسبة:
بعد أن ردّ الله تعالى على عبدة الأوثان، عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً
كاليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، والنصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله:
﴿ وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٣٠/٩]، وبعض مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وكل
ذلك إفك مفترى.
التفسير والبيان:
أي وقال الكفار
﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَّا (﴾﴾
(اليهود والنصارى والمشركون من العرب الذين يزعمون أن الملائكة بنات
الله): إن الله اتخذ ولداً، فردّ الله تعالى عليهم: لقد جئتم بهذا القول شيئاً
منكراً، وقلتم قولاً عظيم الجرم والإثم. والإد: الداهية والأمر المنكر الشنيع
الفظيع.
﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَّخِزُ لْجِبَالُ هَذَّا (٣)﴾ أي
تقارب السماوات أن تتشقق منه، وأن تتصدع وتخسف الأرض، وتسقط
بصوت شديد، وتنهدم الجبال هدماً شديداً تتضعضع منه، لشدة نكرانه،
إعظاماً للربّ وإجلالاً، لأنهن مخلوقات على توحيده، وأنه لا شريك له ولا
نظير ولا ولد ولا صاحبة. قال ابن عباس وكعب: فزعت السماوات
والأرض والجبال، وجميع المخلوقات إلا الثقلين (الإنس والجن)، وكادت أن
تزول، وغضبت الملائكة فاستعرت جهنم، وشاك الشجر، واكفهرت الأرض
وجدبت حين قالوا: اتخذ الله ولداً. وقال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله
أن يقيموا علينا الساعة؛ لقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنْفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُ
٩١
اُلْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا ﴿ أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمِنِ وَلَدًا
وهذا تهويل عظيم، وأنه موجب غضب الله وسخطه، ولكن لولا حكمة
الله وحلمه وأنه لا يبالي بكفر الكافر، لقامت القيامة، واستؤصل الكفار.

٥١٣
لِلُحُ (١٦) - فَرَينَ: ١٩ / ٨٨-٩٥
وسبب ذلك:
وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (@) أي لأجل
﴿أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًّا هـ
أنهم نسبوا الولد إلى الله، ولا يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد، لجلاله
وعظمته، فإن هذا نقص، يتعالى الله ويتنزه عنه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له.
لهذا قال مؤكداً إنكار هذه الفرية:
﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ◌َانِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا (3)﴾ أي كل
واحد من الخلق من الملائكة والإنس والجن لا بدّ له أن يأتي إلى الله يوم القيامة
مقرّاً بالعبودية، خاضعاً ذليلاً، معلناً أنه مملوك لله، فكيف يكون أحد
المخلوقات ولداً له؟!
﴿لَقَدْ أَحْصَنُ وَعَدَّهُمْ عَذَّا ﴿َ وَكُلُّهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾﴾ أي قد
علم الله عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، وعدّ أشخاصهم وأحوالهم كلها،
فهم تحت سلطانه وأمره وتدبيره، وكل شيء عنده بمقدار، وكل واحد منهم
يأتيه يوم القيامة، لا ناصر له ولا مال معه، ولا مجير له إلا الله وحده
لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم الناس
شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وقوله: ﴿وَعَدَّهُمْ عَذَّا﴾ تأكيد لما سبق.
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع هذه الآيات: تقرير التوحيد، وإثبات العبودية الخالصة لله،
وإنكار اتخاذ الله ولداً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ جَ اللَّهُ الصَّمَدُ جَ لَمْ
يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدّ (
[الإخلاص:
١/١١٢-٤] .
ومع هذا زعم اليهود والنصارى وبعض العرب القائلين بأن الملائكة بنات
الله: أن الله ولداً، وحاشا لله أن يتخذ ولداً، إذ لا حاجة به إليه، وهو منزه

٥١٤
لُحُ (١٦) - فَرَشير: ١٩ / ٨٨-٩٥
عن النقص والشريك والنظير والولد، وتعدّ هذه المقالة منكراً عظيماً، وأمراً
فظيعاً، وجرماً شنيعاً.
حتى لتكاد تزول الأكوان، فتنشق السماوات، وتتصدع الأرض، وتسقط
الجبال بصوت شديد، رفضاً لهذا القول، وإنكاراً له، وغضباً الله عزّ وجلّ؛
لأنها خلقت وأسست على الإقرار بتوحيد الله؛ ولأن الولد يقتضي الحدوث،
ولا ولد إلا من والد، والله سبحانه وتعالى تنزه عن ذلك وتقدس.
وما كل من في السماوات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرّاً لله
بالعبودية، خاضعاً ذليلاً، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧/٢٧]
أي ذليلين صاغرين؛ لأن الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولداً
له عزّ وجلّ؟ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
وهذه الآية: ﴿إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا
٩٣
· دليل على أنه لا يجوز أن يكون الوالد مملوكاً للولد، فإن الله تعالى أبان
المنافاة بين الأولاد والملك، فإذا ملك الولد والده بنوع من التصرفات، عتق
عليه فوراً. أخرج مسلم في صحيحه: ((لا يَجْزي ولد والداً إلا أن يجده
مملوكاً، فیشتريه، فیعتقه)).
ولا يخفى على الله أحد من خلقه، فإنه تعالى علم عددهم، وعدهم عداً
دقيقاً، وكل واحد يأتيه يوم القيامة واحداً منفرداً لا ناصر له، ولا مال معه
لينفعه؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنَفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
[الشعراء: ٨٨/٢٦-٨٩] فلا ينفعه إلا ما قدَّم من عمل صالح.
٨٩
سَلِيمٍ
وفي قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِيِهِ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَرْدًا (®﴾ إشارة إلى أنكم أيها
المشركون لا ترضون لأنفسكم باستعباد أولادكم، والكل عبيده، فكيف
رضيتم له ما لا ترضون لأنفسكم؟! وإذا كنتم أيضاً لا ترضون لأنفسكم
البنات، فكيف تنسبون البنات إلى الله؟ في قولكم: الملائكة بنات الله،
والأصنام بنات الله.

٥١٥
الُرُ (١٦) - فَرَشير: ١٩ / ٩٦-٩٨
والخلاصة: إن هذه الآيات المقررة لنفي اتخاذ الإله ولداً، تلتقي مع
موضوع سورة الإخلاص المتقدمة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ ومع الحديث
المتقدم الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يقول
الله تبارك وتعالى: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم یکن له ذلك،
فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي
من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، لم يلد
ولم يولد، ولم يكن لي كفواً أحد)».
محبة المؤمنين
وتيسير الذكر المبين وإهلاك المجرمين
﴿ فَإِنَّمَا
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا
يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِ قَوْمًا لَُّّا ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا
٩٨
قَبْلَهُم مِّن قَرْنِ هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْرًّا
القراءات:
لِتُبَشِّرَ﴾ : .
ـرة
وقرأ حمزة (لِتَبْشُر).
المفردات اللغوية:
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا﴾ الودّ: المودة والمحبة، والمعنى: سيحدث لهم في
القلوب مودة من غير تودد منهم، يحبهم الناس، ويتحابون فيما بينهم،
ويحبهم الله تعالى، أي يرضى عنهم. ﴿يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ أنزلناه بلغتك
العربية، والباء بمعنى على، أو على أصله لتضمن ﴿يَسَّرْنَهُ﴾ معنى (أنزلنا).
﴿الْمُتَّقِينَ﴾ الصائرين إلى التقوى بالإيمان والعمل الصالح. ﴿وَتُنْذِرَ﴾ تخوف.

٥١٦
الجُزْءُ (١٦) - فَرشير: ١٩ / ٩٦-٩٨
﴿ لَّدًّا﴾ جمع ألدّ: وهو الشديد الخصومة، المجادل بالباطل، واللد: هم كفار
مكة. ﴿وَكَمْ﴾ أي كثيراً. ﴿مِّن قَرْدٍ﴾ أي أمة من الأمم الماضية، وهو تخويف
للكفرة وتجسير للرسول وَ له على إنذارهم. ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ تجد. ﴿رِكْزَا﴾ صوتاً
خفياً؟ لا، والمعنى: فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.
سبب النزول:
أخرج ابن مردويه والديلمي عن البَرَاء قال: قال رسول الله وَّ لعلي كرم
الله وجهه: ((اللهم اجعل له عندك عهداً، واجعل له في صدر المؤمنين ودّاً))
فأنزل الله سبحانه هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن رد الله تعالى على أصناف الكفار، وأبان أحوالهم في الدنيا
والآخرة، ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين، وأوضح أنه سيغرس محبتهم في
قلوب العباد، من غير تودد منهم، ولا تعرض لأسباب الوداد من قرابة أو
صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك.
ثم استأنف تعالى بيان تيسير القرآن بلسان النبي وَلّ، لما تضمنه في هذه
السورة من دلائل التوحيد والنبوة والحشر والنشر، وليبشر به وينذر.
ثم ختم السورة بموعظة بليغة وإنذار بإهلاك المشركين كما أهلك من قبلهم
من الأمم، فإنهم إذا علموا أنه لا بدّ من زوال الدنيا، والموت، خافوا ذلك،
وخافوا أيضاً سوء العاقبة في الآخرة، فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب.
التفسير والبيان:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّا (﴾﴾ أي
إن الذين صدقوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال من المفروضات

٥١٧
الُرْءُ (١٦) - فَرشير: ١٩ / ٩٦-٩٨
والتطوعات، وأحلوا الحلال وحرموا الحرام، وفعلوا ما يرضي الله، سيغرس
الله محبتهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة. والصالحات: هي الأعمال
التي ترضي الله عزّ وجلّ، لمتابعتها الشريعة المحمدية.
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبيِ وَّ قال: ((إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل: إني قد أحبيت فلاناً فأحِبِّه،
فينادي في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. وإذا أبغض الله عبداً نادى
جبريل: إني قد أبغضت فلاناً، فينادي في السماء، ثم ينزل له البغضاء في
الأرض)) فاتفق الحديث مع الآية في إنزال المحبة في الأرض للعباد الصالحين،
وأن هذه المحبة والمودة في القلوب تكون بإحداث الله دون تعرض للأسباب
المؤدية إلى إيجاد المودات من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك.
ثم استأنف الله تعالى كلامه لبيان موقع هذه السورة، لما فيها من التوحيد
والنبوة والحشر والنشر، والرد على الفرق الضالة المضلة، فقال: ﴿فَإِنَّمَا
يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لَُّّا (﴿6﴾ أي يسرنا
القرآن لك بإنزالنا له على لغتك، وفصلناه وسهلناه، لتبشر به المتصفين
بالتقوى، المستجيبين لله، المصدقين لرسوله، بأن لهم الجنة بالطاعة، وتنذر به
القوم الألداء، الشديدي الخصومة والجدل، العُوج عن الحق، المائلين إلى
الباطل، بأن لهم النار بالكفر والعصيان.
ثم ختم تعالى السورة بموعظة بليغة قائلاً:
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم ◌ِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِنُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزَّا
٩٨٦
؛ أي كثيراً ما أهلكنا قبل العرب المشركين من الأمم والجماعات من
الناس، لكفرهم بآيات الله وتكذيب رسله، فهل ترى منهم أحداً، أو تسمع
لهم صوتاً؟!

٥١٨
۔ھ
الُ (١٦) - فَرَين: ١٩ / ٩٦-٩٨
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات ما يأتي:
ا - إذا أحب الله عبداً لتقواه، ورضاه عنه باتباعه شرع الله ودينه، كتب له
المحبة والمودة في قلوب عباده الصالحين، وعند الملائكة المقربين، وإن كان
مكروهاً عند الظلمة والكفار والفساق.
قال هرم بن حَيَّن: ما أقبل أحد بقلبه على الله تعالى إلا أقبل الله تعالى
بقلوب أهل الإيمان إلیه حتی یرزقه مودتهم ورحمتهم.
والنموذج الأول لذاك هو رسول الله وَلّر، والنماذج التي بعده هم كبار
صحابته، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن عوف؛ جعل
الله تعالى له في قلوب العباد مودة، لا يلقاه مؤمن إلا وقَّره، ولا مشرك ولا
منافق إلا عظّمه.
ومن كان محبوباً في الدنيا فهو كذلك في الآخرة؛ فإن الله تعالى لا يحب إلا
مؤمناً تقياً، ولا يرضى إلا خالصاً نقياً، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه.
أَ - نزل القرآن الكريم بلسان العرب ولغتهم، ليسهل عليهم فهمه.
٣ - عذب الله كثيراً من الأمم والجماعات عذاب الاستئصال؛ لكفرهم
بالله، وتكذيبهم رسله الكرام، وأكرم الله الأسم بالنبي محمد بنَّ، فرفع عنهم
عذاب الإبادة والاستئصال.
٤ - في الآيتين الأخيرتين وعد لرسول الله وَلَه بالنصر والغلبة على
المشركين العرب من قومه، ووعيد لأولئك الكافرين وأمثالهم بالعقاب
والعذاب والذل والهوان.
٥ - تنحصر مهمة النبي صَلّ في التبشير والإنذار، وفي الآية حث له
عليهما، أي تبشير من أطاعه بالجنة، وإنذار من عصاه بالنار.

٥١٩
الْعُ (١٦) السورة (٢٠) ظُنْز)
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ طَئة
مڪية، وهي مئة وخمس وثلاثون آية
التسمية:
مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ
سميت (سورة طه) لابتداء السورة بالنداء بها ﴿طه
اُلْقُرْءَانَ لِتَشْقَى ج) وهو اسم من أسماء النبي ◌َّ، وفي ذلك تكريم له،
وتسلية عما يلقاه من إعراض قومه.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه هي:
أولاً - إن طه نزلت بعد سورة مريم، كما روي عن ابن عباس.
ثانياً - إنه ذكر في سورة مريم قصص عدد من الأنبياء والمرسلين (عشرة)
مثل زكريا ويحيى وعيسى وإبراهيم، وموسى الذي ذكرت قصته موجزة مجملة،
فذكرت في هذه السورة موضحة مفصلة، كما وضحت قصة آدم عليه السلام
الذي لم يذكر في سورة مريم إلا مجرد اسمه فقط.
ثالثاً - إنه ذكر في آخر سورة مريم تيسير القرآن باللسان العربي، لسان محمد
وَلو للتبشير والإنذار، وابتدئ ذكر هذه السورة بتأكيد هذا المعنى.

٥٢٠
الْجُرُ (١٦) السورة (٢٠) ظَنْز
ما اشتملت عليه السورة:
موضوع هذه السورة كموضوعات سائر السور المكية وهو إثبات أصول
الدين من التوحيد والنبوة والبعث. وكانت بداية السورة ذات إيحاء وتأثير
عجيب، من خلال الحديث عن سلطان الله وعظمته وقدرته وشمول علمه،
وقد أدرك هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حین تلاوتها في بداية إسلامه،
كما هو معروف في قصة إسلامه.
وتضمنت السورة ما يأتي:
اً - القرآن الكريم تذكرة لمن يخشى رب الأرض والسماوات العلا،
وتثبيت لشخصية النبي ◌َّر في قيامه بواجب الدعوة والتبليغ، والإنذار
والتبشير، وعدم الالتفات لمكائد المشركين [الآيات: ١-٨].
أَ - البيان الجلي لقصة موسى وتكليم الله له، وإلقائه صغيراً في اليم في
صندوق، وإرساله مع أخيه هارون إلى فرعون الطاغية الجبار، وجداله
بالحسنى لإثبات ربوبية الله وحده، ومبارزته السحرة، وتأييد الله له وانتصاره
المؤزر، وإيمان السحرة بدعوته، ومعجزة انفلاق البحر وعبور بني إسرائيل
فيه، وإهلاك فرعون وجنوده، وكفران بني إسرائيل بنعم الله الكثيرة عليهم،
وحديث السامري وإضلاله بني إسرائيل باتخاذ العجل إلهاً لهم، وغضب موسى
من أخيه هارون، الآيات [٩-٩٨].
◌َّ - الإشارة لفائدة القصص القرآني، وتوضيح جزاء من أعرض عن
القرآن [٩٩-١٠١].
٤ - بيان حالة الحشر الرهيبة، وإبادة الجبال، وأوصاف المجرمين يوم
القيامة، والحساب العادل [١٠٢-١١٢].
٥ - عربية القرآن ووعيده وعصمة رسوله من نسيانه [١١٣-١١٤].