Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ الُرُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٢٧-٣١ ﴿سُنْدُسٍ﴾ ما رَقَّ من الديباج، وهو فارسي مُعَرَّب، والمُعَرَّب يصبح عربياً بخضوعه لقوالب العربية . ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ منه، وهو رومي معرَّب. جاء في آية من سورة الرحمن ﴿بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [٥٤] وجمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ﴿الْأَرَابِكِ﴾ السرر، جمع أريكة وهي السرير الذي عليه الحَجَلة (الناموسية في عرفنا). ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ الجنة ونعيمها. سبب النزول نزول الآية (٢٨): ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: عن سلمان الفارسي قال: جاءت المؤلفة القلوب إلى رسول الله وَلَى: عُيَيْنة بن حِصْن، والأقرع بن حابسٍ وذووهم، فقالوا: يا رسول الله، إنك لو جلست في صدر المجلس، ونَحَيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف، ولم يكن عليهم غيرها، جلسنا إليك، وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَتْلُ مَآ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلَّلِمِينَ نَارًا﴾ يتهددهم بالنار، فقام النبي ◌َّ يلتمسهم، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله تعالى قال: ((الحمد لله الذي لم يمتني، حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات))(١). وفي رواية أخرى: أن عُيَيْنة بن حِصْن الفَزاري أتى النبي ◌َّ قبل أن يُسْلِم، وعنده جماعة من فقراء أصحابه، فيهم سلمان الفارسي، وعليه شملة قد عَرِق (١) أسباب النزول للواحدي ١٧١ ٢٦٢ الُرُ (١٥) - الكَهْف: ١٨ / ٢٧-٣١ فيها، وبيده خوص يشقّه، ثم ينسجه، فقال له: أما يؤذيك ريح هؤلاء، ونحن سادات مضر وأشرافها، فإن أسلمنا أسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء، فنجِّهم حتى نتَبعك، أو اجعل لهم مجلساً، ولنا مجلساً، فنزلت الآية. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: جاء رسول الله وَله، ورجل يقرأ سورة الحِجْر، أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله وَله: ((هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم)) . نزول آية ﴿ وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ قال: نزلت في أُمَية بن خَلَف الجُمَحي، وذلك أنه دعا النبي وَّ إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة، فنزلت. المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى قصة أصحاب الكهف التي يجهلها كثير من الناس لكونها من المغيبات، مما يدل على أن القرآن وحي من عند الله تعالى، أمر تعالى رسوله والمؤمنين ببعض الأوامر: وهي المواظبة على تلاوة القرآن، وملازمة مجالس أصحابه الفقراء الذين يتدارسون القرآن، وإظهار أن القرآن وكلّ حق هو من عند الله تعالى. ثم ذكر تعالى جزاء الكافرين وعقابهم الأليم، وثواب المتقين ونعيمهم الدائم، جزاءَ كلِّ بما يستحق. التفسير والبيان: ﴿وَآَتْلُ مَآ أُوْجِىَ﴾ يأمر الله تعالى رسوله مَ له في هذه الآية بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس، قائلاً له: واتل الكتاب الموحى به إليك، واتبع ما جاء فيه ٢٦٣ اِلُحُ (١٥) - الكَهْفِظ: ١٨/ ٢٧-٣١ من أمر ونهي، فإنه لا مغير لكلمات ربك من وعد الطائعين ووعيد العصاة، ولا محرف ولا مزيل لها، فإن لم تعمل به، فوقعت في الوعيد، فلن تجد ملجأ ولا وليّاً ناصراً من دون الله تعالى. هذا هو التوجيه الأول: تلاوة القرآن والعمل بمقتضاه. والتوجيه الثاني هو مجالسة الفقراء والمستضعفين فقال تعالى: ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ أي جالس الذين يذكرون الله ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه ويدعونه في الغداة (صباحاً) والعشي (مساء) أي في كل وقت، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، يريدون وجهه (أي طاعته) ورضاه. يقال كما بيّنا: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي وَل ◌ّ أن يجلس معهم وحده، من غير وجود أصحابه الفقراء أو الضعفاء، كبلال، وعمار، وصهيب، وخبَّاب، وابن مسعود، وليفردوهم في مجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك، وأمره أن يصبر ويثبِّت نفسه في الجلوس مع هؤلاء، ونظير الآية قوله: ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْهِ وَاَلْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢/٦]. وهذا شبيه بقول قوم نوح عليه السلام: ﴿﴿﴿ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَأَتَبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ﴾ [الشعراء: ١١١/٢٦]. وأكد تعالى الأمر السابق بقوله: ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ أي ولا تجاوز بصرك ونفسك إلى غيرهم، فتطلب بدلهم أصحاب الثروة والنفوذ، والمقصود النهي عن احتقارهم لسوء حالهم وفقرهم، قال رسول الله ميليو لما نزلت هذه الآية: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرتُ أن أصبر نفسي معه)). ثم أكد تعالى هذا النهي بقوله: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي وإياك أن تطيع من وجدناه غافلاً، وشغل عن الدين وعبادة ربّه بالدنيا، وكان مسرفاً مفرطاً في أعماله وأفعاله غاية الإسراف والتفريط، متبعاً شهواته، وهو ٢٦٤ الُرُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٢٧-٣١ دليل على أن سبب البعد عنهم انشغالهم عن اتباع أمر الله بمفاتن الدنيا وزينتها. والتوجيه الثالث: إعلان مجيء الحق واضحاً ظاهراً من الله تعالى، بحيث لم يبق إلا التهديد والوعيد الشديد على كفرهم فقال: ﴿ وَقُلِ اٌلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ أي قل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، وهو النظام الأصلح للحياة، فمن شاء آمن به، ومن شاء كفر به، فأنا في غنى عنكم، ومن عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم يحاسبكم ربکم على أعمالكم، وفي هذا تهديد ووعيد شدید. ثم ذكر الله تعالى نوع الوعيد على الكفر، والوعد على العمل الصالح، فقال واصفاً الأول: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًّا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي إنا أرصدنا وهيأنا وأعددنا للكافرين بالله ورسوله وكتابه نار جهنم، الذي أحدق وأحاط بهم سورها من كل جانب، حتى لا يجدوا مخلصاً منها. أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: ((السرادق النار أربعة جُدُرٍ، كُثُف(١) كل جدار مسافة أربعين سنة)) والشُرادق: واحد السرادقات التي تُمُدُّ فوق صحن الدار، أو السور. ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ أي إن يطلب هؤلاء الكافرون الظالمون الإغاثة والمدد والماء وهم في النار، لإطفاء عطشهم، بسبب حَرّ جهنم، يغاثوا بماء غليظ كدُردي (عَكَر) الزيت، أو كالدم والقيح، يشوي جلود الوجوه من شدة حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى تسقط جلدة وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَلّ قال: ((الُهْل كعَكَر الزيت، فإذا قرَّبه إلى وجهه، سقطت فَرْوة وجهه فيه)) . (١) الكثف: جمع كثيف، وهو الثخين الغليظ. ٢٦٥ الُعُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٢٧-٣١ ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مْتَفَقًا﴾ أي بئس هذا الشراب شرابهم، فما أقبحه، فهو لا يزيل عطشاً، ولا يُسكِّن حرارة، بل يزيد فيها، وساءت جهنم مرتفقاً، أي وساءت النار منزلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق والانتفاع، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: ٦٦/٢٥] . ثم وصف الله تعالى وعده للمؤمنين الصالحين السعداء فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أي إن الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلا يضيع الله أجرهم على إحسانهم العمل. والعطف بين الإيمان والعمل يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان؛ لأن العطف يوجب المغايرة. وأوصاف نعيمهم هي: اَ - ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَّجْرِى مِن تَحِمُ اُلْأَنْهَرُ﴾ أي أولئك لهم جنان إقامة دائمة، تجري فيها الأنهار من تحت غرفهم ومنازلهم. أَ - ﴿يُحُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ أي يلبسون فيها حلية فيها أساور من ذهب، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)). وفي آية أخرى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيْرٌ﴾ [الحج: ٢٣/٢٢]. ◌َّ - ﴿وَيَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ أي ويلبسون سندساً هو رقيق الحرير، وإستبرقاً هو غليظ الديباج أو الحرير، واختير الأخضر لراحة العين عند إبصاره. ٤ - ﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِ﴾ أي مضطجعين فيها على السرر، شأنهم شأن الملوك والعظماء، والأرائك: جمع أريكة وهي السرير. ٢٦٦ اِلُعُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٢٧-٣١ ﴿نِعْمَ الثَّوَبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي نعمت الجنة ثواباً على أعمالهم، وحَسُنت منزلاً ومقراً ومقاماً، كما قال في آية أخرى: ﴿خَلِينَ فِيهَاً حَسُنَتْ [الفرقان: ٧٦/٢٥]. ٧٦ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا فقه الحياة أو الأحكام: تضمنت الآيات الإرشادات التالية: اً - وجوب اتباع القرآن وما جاء به: لأنه لا مغيِّر لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه، ووعد أهل طاعته المتبعين ما أمر به، المبتعدين عما نہی عنه. أَ - الإسلام دين المساواة: فلا فرق في نظامه بين شريف ووضيع، وغني وفقير، ورئيس ومرؤوس، ولا تفرقة في أموره الاجتماعية بين الطبقات، الكل سواء في المجلس والمعاملة والحقوق والواجبات. وقد قضى القرآن بآية ﴿ وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ على الامتيازات في المجلس والخطاب والكلام بين أشراف قريش وساداتها وبين فقراء المسلمين وضعفائهم. بل إن الإسلام مع الضعيف التقي الذي يبتغي بعمله رضوان الله وطاعته، وينفر من الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، ويتبعون أهواءهم، ويبلغون في إسرافهم في المعاصي حد الإفراط ومجاوزة الحد. لهذا فلا داعي لتزيين مجلس النبي والمؤمنين من بعده بمجالسة الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد الفقراء من مجلسه، ولم يُرد النبي ◌َّ أن يفعل ذلك، ولكن الله نهاه عن أن يفعله. وكان القوم قالوا: نحن أشراف مُضَر إن أسلمنا أَسْلَمَ الناس؛ وكان هذا من التكبر والإفراط في القول. ٣ - الحق من الله ربِّ الناس، فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر، ليس إلى أحد، ٢٦٧ لِلُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٢٧-٣١ ولو النبي ◌َّ، من ذلك شيء، فالله يؤتي الحق من يشاء، وإن كان ضعيفاً، ويحرمه من يشاء، وإن كان قوياً غنياً، وليس للنبي و القر أن يطرد المؤمنين من مجلسه لهوى السادة الزعماء من قريش. فإن شئتم أيها السادة فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا، وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد، أي إن كفرتم فقد أعدَّ لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. والدليل على كون ذلك تهديداً قوله تعالى بعدئذٍ مباشرة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا ◌ِلَِّمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ أي إنا أعتدنا للكافرين الجاحدين ناراً شديدة اللهب، أحاط بهم سرادقها، أي سورها، أو ما يعلو الكفار من دخان أو نار. وشراب أهل النار: هو المُهْل، وهو ماء غليظ مثل دُرْدِيّ الزيت (وهو ما يبقى في أسفل الوعاء)، أو النحاس المذاب، أو كالقيح والدم، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَزَعُهُ, وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦/١٤-١٧]، وقوله سبحانه: ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٥/٤٧]. وما أسوأ وأقبح العذاب في نار جهنم، لذا قال تعالى: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا﴾ أي مجتمعاً ومنزلاً ومقراً. ٤ - بعد أن ذكر تعالى ما أعد للكافرين من الهوان، ذكر أيضاً ما للمؤمنين من الثواب، فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً من المؤمنين، مما يدل على أن أساس النجاة: الإيمان مع العمل الصالح. أما من أحسن عملاً من غير المؤمنين، فعمله محبط. وثواب المؤمنين: جنات عدن أي وسطها وسائر الجنات محدقة بها، باللؤلؤ ٢٦٨ الْجُرُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٣٢-٤٤ وأساور الذهب، ويلبسون الثياب الخُضْر من الرقيق والغليظ الكثيف، ويتكئون على الأرائك وهي الشُّرُر في الحِجال(١). فما أجمل وأحسن ذلك الثواب، لذا قال تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي نعمت الجنة ثواباً للمؤمنين الصالحين، وحسنت مقراً ومقاماً ومجلساً ومجتمعاً. صاحب الجنتين مثل الغني المغتر بماله والفقير المعتز بعقيدته وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلاَ رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَ بِنَخْلٍ ﴿ كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئَأْ وَفَجَّرْنَا وَجَعَلْنَا بَيْهُمَا زَرْعًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ يُحَاوِّرُهُ، أَنَاْ أَكْثَّرُ مِنْكَ مَالَاً خِلَلَهُمَا نَهَرًّا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ- أَبَدًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا (هـ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَبِن رُّدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَتَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا ٣٥٦ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ ٣٦ سَوَّنَكَ رَجُلًاً (﴿َ لَّكِنَأْ هُوَ اللَّهُ رَبٍِّ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا ٣٩ فَعَسَى رَبِىِّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِن جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَنُصْبِحَ وَأُحِيطَ بِشَرِهِ. ٤١ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ( فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِ لَوْ أُثْرِكِ بِرَبِّ أَحَدًّا ﴿﴿ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِتَّةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْنَصِرًا (®) هُنَالِكَ ٤٤ الْوَةُ لِلّهِ الْحَقَّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (١) الحجال: جمع الْحَجَلة كالقبة، وموضع يزين بالثياب والستور والأسرة للعروس. ٢٦٩ المُعُ (١٥) - الكَهْفْظَ: ١٨/ ٣٢-٤٤ القراءات: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أُكْلَها). ﴿ثَمَرٌ﴾: قرئ: ١- (ثُمْر) وهي قراءة أبي عمرو. ٢- (َمَر) وهي قراءة عاصم. ٣- (ثُر) وهي قراءة الباقين. ﴿ أَنَاْ أَكْثَرُ﴾ : وقرأ نافع، بإثبات ألف (أنا) وصلاً، والباقون بحذفها وصلاً. ﴿مِّنْهَا﴾ : وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (منهُما). ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ﴾ : قرأ ابن عامر بإثبات الألف وصلاً، والباقون بحذفها وصلاً. ﴿ِرَبِيِّ أَحَدًا﴾ آية ٣٨ و٤٢، ﴿رَبِّ أَنْ﴾ آية ٤٠ وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر (بربيَ أحداً، ربيَ أن). ﴿أَنَاْ أَقَلَ﴾: قرأ نافع بإثبات ألف (أنا) وصلاً، والباقون بحذفها. ﴿ بِشَمَرِهِ﴾: ٢٧٠ لُحُ (١٥) - الكَهْفْظَ: ١٨ / ٣٢-٤٤ وهي مثل ﴿ثَمَرٌ﴾ ﴿ وَلَمْ تَكُنْ﴾: وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (ولم يكن). ﴿ اَلْوَلَيَةُ﴾ : وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (الوٍلاَية). ﴿اَلْحَقَّ﴾: وقرأ أبو عمرو، والكسائي (الحقُّ). ﴿عُقْبًا﴾: قرئ: ١- (عُقْباً) وهي قراءة عاصم، وحمزة، وخلف. ٢- (عُقُباً) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اللَّهُ رَبِ﴾ ﴿لَّكِنَّأ): أصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة، وأدغمت النونان ببعضهما أو نقلت حركة الهمزة إلى النون. ومن قرأ (لكنّ) بحذف الألف فعلى الأصل في حالة الوصل. ولكن هنا هي الخفيفة التي لا يراد بها الاستدراك. وأنا: مبتدأ، وهو: مبتدأ ثانٍ، والله؛ خبر المبتدأ الثاني، وربي: صفته، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره: خبر المبتدأ الأول. والعائد إليه: الياء المجرور بالإضافة في ﴿رَبِ﴾. ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾: إما اسم موصول، و﴿شَآءَ اللَّهُ﴾: صلته، وهو في موضع مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف، أي الذي شاءه الله كائن، فحذف الهاء التي هي العائد تخفيفاً، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر ما ٢٧١ الُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٣٢-٤٤ شاء الله، وحُذفَ العائد تخفيفاً؛ وإما أن تكون شرطية في موضع نصب بشاء، وجوابها محذوف، أي ما شاء الله كان. ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ﴾ ﴿إِن﴾: شرطية، وجوابها: ﴿فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْنِيَنِ﴾ و﴿أَنَّأْ﴾: ضمير فصل، لا موضع له من الإعراب؛ لأنه وقع بين معرفة ونكرة تقارب المعرفة، فالمعرفة ياء (ترني) والنكرة التي تقارب "المعرفة: ﴿ أَقَلَّ مِنْكَ﴾ قرب من المعرفة لتعلق ﴿مِنْكَ﴾ به، وهو مفعول ثان، وياء (ترني): مفعول أول. ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ ﴿غَوْرًا﴾: إما بمعنى غائر، أو فيه مضاف محذوف، أي ذا غور، مثل ﴿وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ﴾ أي مثل رجلين. و﴿غَوْرًا﴾: خبر أصبح المنصوب. ﴿ وَأُحِيطَ بِشَرِهٍ﴾ ﴿بِشَرِهِ﴾: اسم جنس كخشبة وخشب، وشجرة وشجر. وقرئ (بُثُمُره) بضمتين، وهو إما جمع ثمار، وثمار جمع ثمرة، فيكون جمع الجمع، كإزار وأُزُر، وإما أن يكون كخشبة وخُشُب. وقرئ بضمة واحدة (تُمْره) مخففاً من ثُمُرُ، مثل: خُشُب وخُشْب. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ فِئَةٌ﴾ قرئ ﴿تكن﴾ بالتاء؛ لأن الفئة مؤنثة، وقرئ بالياء لوجود الفصل. ﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ﴾ ﴿هُنَالِكَ﴾: يجوز أن يكون ظرف زمان وظرف مكان، والأصل فيه أن يكون للمكان، واللام للبعد، ويتعلق بقوله: ﴿مُنْتَصِرًا﴾ وتكون ﴿اَلْوَلَيَةُ لِلّهِ﴾ مبتدأ وخبر. و﴿اَلْحَقِّ﴾: بالرفع صفة للولاية، وجعله خبراً أولى من جعله صفة، لما فيه من الفصل بين الصفة والموصوف. وعلى قراءة الجر: صفة الله، فلا فصل فيه. ويجوز أن يتعلق بخبر المبتدأ الذي هو ﴿الله﴾. ويجوز جعل ﴿هُنَالِكَ﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿الْوَلَيَةُ﴾ وعامله: استقر، الذي قام ﴿هُنَالِكَ﴾ مقامه، و﴿اللَّهِ﴾: حال. ٠٠٠, ٢٧٢ لُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٣٢-٤٤ ﴿خَيْرٌ نَوَابًا﴾ ﴿وَخَيْرُ عُقْبًا﴾: نصبهما على التمييز. البلاغة: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلاَ رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ﴾ تشبيه تمثيلي؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ ﴿غَوْرًا﴾: مبالغة بإطلاق المصدر على اسم الفاعل، أي غائراً. ﴿ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيَهَا﴾ كناية عن التحسر والندم؛ لأن النادم يضرب بيمينه على شماله. المفردات اللغوية: ﴿ وَأَضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾ اجعل للكفار مع المؤمنين مثلاً. ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ بدل، وهو وما بعده تفسير للمثل. ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ للكافر. ﴿جَنَّنَيْنِ﴾ بساتين، وسميت الجنة بذلك لاجتنان أرضها واستتارها بظل الشجر . ﴿أَعْنَبِ﴾ كروم العنب. ﴿ وَحَفَقْنَهُمَا بِنَخْلٍ﴾ جعلنا النخل محيطة بهما. ﴿كِلْنَا الْجَنََّيْنِ ءَانَتْ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿كِنَا﴾: مفرد يدل على التثنية. ﴿أَكُلَهَا﴾ ثمرها. ﴿وَلَمْ تَظْلِ﴾ تنقص. ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا﴾ شققنا وسطهما. ﴿نَهَرَا﴾ أو بتسكين العين: مجرى الماء العذب. ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله. ﴿فَقَالَ لِصَحِبِهِ﴾ المؤمن. ﴿يُحَاوِرُ﴾ يجادله ويراجعه في الكلام، من حاور: إذا راجع. ﴿وَأَعَزَّ نَفَرًا﴾ النفر هنا: الخدم والحشم والولد والأعوان. ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أي دخل مع صاحبه بستانه يطوف به فيه، ويريه أثماره ويفاخره. وأفرد الجنة ولم يقل جنتيه، للتنبيه على أنه ماله جنة غيرها، فلا نصيب له في جنة الخلد في الآخرة التي وعد بها المؤمنون، فما ملكه في الدنيا : هو جنته لا غير، أو الاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول ٢٧٣ الُُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٣٢-٤٤ يكون عادة في واحدة ثم الأخرى . ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ،﴾ معجب بما أوتي، مفتخر به، كافر لنعمة ربه، معرّض بذلك نفسه لسخط الله، وهو أفحش الظلم . ﴿تِيدَ﴾ تنعدم أو تفنى وتهلك. ﴿وَلَيِن رُدِدْتُ إِلَى رَبٍ﴾ بالبعث في الآخرة كما زعمت. ﴿خَيْرًا مِّنْهَا﴾ من جنته. ﴿مُنقَلَبًا﴾ مرجعاً وعاقبة؛ لأنها فانية وتلك باقية. وإنما أقسم هذا الخاسر على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه هذه النعم، لاستحقاقه إياها لذاته. ﴿ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يجاوبه. ﴿خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي خلق أصلك من تراب، وهو آدم عليه السلام. ﴿نُطَّفَةٍ﴾ مني. ﴿سَوَّكَ رَجُلًا﴾ عدلك وصيَّرك إنساناً كامل الرجولة. وجعل كفره بالبعث كفراً بالله تعالى؛ لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى، ولذلك رتب الإنكار على خلقه إياه من التراب، فإن من قدر على بدء خلقه منه، قدر علی أن یعیده منه. ﴿لَّكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِىِ﴾ ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن، تفسره الجملة بعده، والمعنى: أنا أقول: الله ربي. ﴿وَلَوْلَا﴾ هلا. ﴿قُلْتَ﴾ عند إعجابك بها، أو عند دخولك. ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ الأمر ما شاء الله، أو ما شاء الله كائن، على أن ما موصولة، أو أي شيء شاء الله كان، على أنها شرطية، يعني إقراراً بأن الجنة وما فيها بمشيئة الله، إن شاء أبقاها، وإن شاء أبادها . ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِّ﴾ فهلا قلت: لا قوة إلا بالله، اعترافاً بالعجز على نفسك والقدرة لله، وإن ما تيسر من عمارتها، فبمعونته وإقداره. جاء في الحديث الذي رواه ابن السني عن أنس، وهو ضعيف: ((من رأى شيئاً فأعجبه، فقال: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، لم تضره العين)) . وفي رواية أخرى: ((من أُعطي خيراً من أهل أو مال، فيقول عند ذلك: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، لم ير فيه مكروهاً)). ﴿إِن تَرَنِ أَنَا﴾ ضمير فصل بين المفعولين أو تأكيد للمفعول الأول. ﴿فَعَسَى رَبِىّ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّئِكَ﴾ أي في الدنيا أو في الآخرة لإيماني، ٢٧٤ الُعُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٣٢-٤٤ وهو جواب الشرط .﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ على جنتك لكفرك. ﴿حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ جمع حسبانة، وهي الصواعق. ﴿فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أرضاً ملساء لا يثبت عليها قدم .﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ غائراً، ويصبح: عطف على ﴿يرسل﴾ لا على: ﴿فَنُصْبِحَ﴾ لأن غور الماء لا يتسبب عن الصواعق. ﴿طَلَبًا﴾ للماء، أي عملاً أو حيلة لرده. ﴿ وَأُحِيطَ بِشَرِهِ﴾ أهلكت أمواله، بما فيها جنته، حسبما توقع صاحبه وأنذره منه . ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَفَّيْهِ﴾ هذا كناية في اللغة عن التحسر والندم. ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ في عمارة جنته. ﴿وَهِىَ خَاوِيَّةٌ﴾ ساقطة. ﴿عَلَى عُرُوِشِهَا﴾ دعائمها التي كانت منصوبة للكرم، بأن سقطت عروشها على الأرض، ثم سقطت الكروم .﴿يَلَيْكَنِىِ لَوْ أُشْرِلْ بِرَبِّ أَحَدًا﴾ (يا): للتنبيه، وكأنه تذكر موعظة أخيه. ﴿فِئَّةٌ﴾ جماعة. ﴿يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عند هلاكها، بدفع الإهلاك فإن الله هو القادر على نصره وحده . ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ بنفسه عند هلاكها، ممتنعاً بقوته عن انتقام الله منه . ﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المقام أو تلك الحال أو يوم القيامة. ﴿ اَلْوَلَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِىَّ﴾ بفتح الواو: النصرة له وحده لا يقدر عليها غيره، وبكسر الواو: الملك والسلطان. ﴿هُوَ خَيْرٌ نَوَابًا﴾ من ثواب غيره لو كان يثيب . ﴿وَخَيُِّ عُقْبًا﴾ عاقبة للمؤمنين. سبب النزول: قيل: نزلت في أخوين من بني مخزوم: الأسود بن عبد الأسود بن عبد ياليل، وكان كافراً، وأبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، كان مؤمناً، وهو زوج أم سلمة قبل زواج الرسول ◌َيقوم بها. وقيل في قول ابن عباس: أخوان من بني إسرائيل، أحدهما كافر، اسمه فرطوس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا أو قطفير، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف ٢٧٥ الُءُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٣٢-٤٤ دينار، فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعاً وعقاراً، وصرفها المؤمن في وجوه الخير، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى. وعن مقاتل: هما المذكوران في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَابِلٌ [٥١]. وهما من بني سرائيل، كما ذكر ابن ٥١ مِنْهُمْ إِنِ كَانَ لِ فَرِينٌ عباس. المناسبة: بعد أن أمر الله تعالى نبيه بملازمة مجالس أصحابه الفقراء، وعدم الاستجابة لمطالب المشركين المتجبرين بطرد الضعفاء المؤمنين، حتى لا يتساووا معهم، ولا يؤذوا بمناظرهم وروائحهم، فيمتهن كبرياؤهم وتتدنى عزتهم، أردف ذلك بمثل للغني الكافر، والفقير المؤمن؛ لأن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، فأبان الله تعالى أن المال ليس سبيل الافتخار، لاحتمال أن يصير الفقير غنياً، والغني فقيراً، وإنما المفاخرة تكون بطاعة الله وعبادته، وهي حاصلة لفقراء المؤمنين. التفسير والبيان: هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين وأمثالهم المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا بأموالهم وأحسابهم. ﴿ وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلاَ رَّجُلَيْنِ﴾ المعنى: اضرب مثلاً أيها الرسول لهؤلاء المشركين بالله الذين طلبوا منك طرد المؤمنين الدعاة المخلصين لله صباح مساء وفي كل وقت. ذلك المثل هو حال رجلين، جعل الله لأحدهما جنتين، أي بستانين من أعناب، محاطين بنخل، وفي وسطهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، فجمع بين القوت والفاكهة. فقوله: ﴿وَحَفَفْتَهُا يِنَخْلِ﴾ أي وجعلنا النخل محيطاً بالجنتين. ٢٧٦ لُزُ (١٥) - الكهف: ١٨ / ٣٢-٤٤ والرجلان أخوان أو صديقان أو شريكان من بني إسرائيل، أحدهما : كافر مغتر بدنياه، والثاني: مؤمن موحد بالله. والقصد من هذا المثل العظة والعبرة، فقد آل حال الكافر المغرور إلى الدمار والإفلاس، لكفران النعم وعصيان الله، وظل المؤمن الفقير على طاعة الله، بالرغم من معاناته الشدائد والمتاعب، فآتاه الله الخلود في الجنة. ﴿ كِنَا اُلْجَنََّيْنِ ◌َتْ أَكْلَهَا﴾ أي أخرجت الجنتان ثمرهما. ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئًاً﴾ ولم تنقص منه شيئاً في كل عام. ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَا﴾ أي وشققنا وأجرينا وسط الجنتين نهراً، تتفرع عنه عدة جداول، لسقي جميع الجوانب. ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي وكان لصاحب البستانين أنواع أخرى من المال من النقدين (الذهب والفضة) بسبب التجارة وتنمية ثمار الأرض. وأدى به هذا الغنى إلى الزهو والكبرياء والاغترار بالمال، شأن كل غني مغرور. ﴿فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي فقال صاحب هاتين الجنتين لصاحبه المؤمن الفقير، وهو يجادله ويخاصمه ويحاوره الحديث، ويفتخر عليه: أنا أكثر منك ثروة، وأعز نفراً، أي أكثر خدماً وحشماً وولداً، وأقوى عشيرة ورهطاً يدافعون عني. وازداد به الغرور ظنه استمرار تلك الثروة وعدم فنائها لقلة عقله وضعف يقينه بالله، وهذا ما حكاه القرآن عنه: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ،﴾ أي ودخل هذا الثري المترف بستانه ذا الجناحين مع صاحبه المؤمن الفقير الصالح، فقال اغتراراً منه، وهو ظالم لنفسه بكفره وتمرده وتجبره وإنكاره المعاد حين عاين الثمار والزروع والأنهار ٢٧٧ ◌ِلُعُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ٣٢-٤٤ المتدفقة في مزرعته: ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبداً، وما أظن أن يوم القيامة آتٍ، كما تقول يا صاحبي، فقوله: ﴿السَّاعَةَ قَآئِمَةً﴾، أي القيامة كائنة. وكان في الحالين مخطئاً ظالماً لنفسه بوضعه الشيء في غير محله؛ إذ كان يجب عليه شكر تلك النعمة، وتفكره في عالم الآخرة، وذلك لطول أمله، وشدة حرصه، وتمام غفلته، وشدة اغتراره بالدنيا. ثم أقسم على فرض لقاء ربِّه بقوله: ﴿ وَلَيِن رُدِدْتُ إِلَى رَبٍ لَأَجِدَنَ خَيْرً مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي إن رجعت إلى ربي، على سبيل الفرض والتقدير، وكما يزعم صاحبي، لألفين في الآخرة عند ربي خيراً وأحسن من هذا الحظ في الدنيا، تمنياً على الله، وادعاء لكرامتي عنده ومكانتي لديه، وأنه لولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، ولولا استحقاقي واستئهالي ما أغناني في الدنيا، كما جاء في آية أخرى على لسان الكافر: ﴿ وَلَيِنِ تُّجِعْتُ إِلَى رَبِيِّ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠/٤١]. فأجابه المؤمن بقوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا (2)﴾ أي أجابه صاحبه المؤمن واعظاً له، وزاجراً عما هو فيه من الكفر والاغترار: أكفرت بمن خلقك من تراب؟ أي خلق أصلك من تراب، وخَلْق أصله سبب في خلقه، فكان خلقه خلقاً له، وكذلك غذاؤك وغذاء الحيوان من النبات، وغذاء النبات من الماء والتراب، ثم يتحول هذا الغذاء دماً، يتحول بعضه إلى نطفة تكون وسيلة للخلق، ثم خلقك بشراً سوياً تام الخلق والأعضاء، فقوله: ﴿سَوَّكَ﴾ معناه عدَّلك وكمَّلك إنساناً تاماً، بالغاً مبلغ الرجال. وقد وصفه صاحبه بأنه كافر بالله، جاحد لأنعمه؛ لشكه في البعث. ﴿لَكِنَأْ هُوَ اللَّهُ رَبٍِّ وَلَّ أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا (٣) أي لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أقرُّ بالوحدانية والربوبية، ولا أشرك به أحداً، بل هو الله المعبود وحده لا شريك له. ٢٧٨ ◌ِلُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٣٢-٤٤ ثم قال له مذكراً بوجوب الإيمان بالله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وقلت: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، أي الأمر ما شاء الله، والكائن ما قدره الله، ليكون ذلك دليلاً على عبوديتك والاعتراف بالعجز. ولهذا قال بعض السلف: مِن أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، عملاً بهذه الآية، وبما روي من الحديث المرفوع الذي أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَسقال: ((ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ﴿مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، فيرى فيه آفة دون الموت)). وثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى أن رسول الله و لو قال له: ((ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله)). ثم أجابه عن قضية الافتخار بالمال والولد: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالَا وَوَلَدًا، فَعَسَى رَبِّيَّ أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّئِكَ﴾ أي إنك إذ تنظر إلي بأني أفقر منك في المال، وأقل منك أولاداً وعشيرة في هذه الدنيا الفانية، فإني أتوقع انقلاب الحال في الآخرة، وأرجو أن يعطيني الله خيراً من جنتك في الدار الآخرة، ويرسل على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى عذاباً من السماء، كمطر شديد يقلع زرعها وأشجارها أو صواعق، فيسلبك نعمته ويخرّب بستانك، وتصبح أرضاً بيضاء لا نبات فيها، وتراباً أملس، لا يثبت فيه قدم، وينزلق عليها لملامستها انزلاقاً، وقوله: ﴿ فَعَسَى رَبِّ﴾ أي فلعل ربي. أو يصبح ماؤها غائراً في الأرض، فلن تتمكن من إدراكه بعد غوره، ولن تستطيع ردّ الماء الغائر بأية حيلة. ٢٧٩ الُعُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨/ ٣٢-٤٤ وتحقق ما توقعه المؤمن فقال: ﴿ وَأُحِيطَ بِشَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي ونزل الإهلاك والجائحة بالأموال والثمار بإرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها، وألهته عن الله عز وجل، ودمرت أمواله وثماره، فأصبح نادماً متحسراً على ضياع نفقته التي أنفقها عليها، فتقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر، وتمنى متذكراً موعظة صاحبه أن لم يكن أشرك بربه أحداً، والخاوية على عروشها: هي التي سقطت عرائشها على الأرض، قيل: أرسل الله عليها ناراً فأكلتها، وسقط بعضها على بعض. ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴾﴾ أي ولم تنصره وتفيده عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واعتز، وما كان منتصراً أي ممتنعاً بقوته عن انتقام الله تعالى. ﴿ هُنَالِكَ الْوَلَيَّةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ هذا تأكيد للجملة السابقة، أي إنه في هذه الحال من الشدة والمحنة تكون النصرة لله وحده، ويؤمن فيها البرّ والفاجر، ويرجع كل أحد مؤمن أو كافر إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب. والولاية: السلطان والملك والنصرة والحكم. ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرُ عُقْبًا﴾ أي إن الله خير جزاءً، وأفضل عاقبة لأوليائه المؤمنين، فينصرهم ويعوضهم عما فقدوه في دار الدنيا، ويكون ثواب الأعمال التي تكون لله خيراً، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير؛ لأن الله هو خير ثواباً لمن آمن به، وخير عاقبة لمن رجاه وآمن به. ونظير الآية: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّاً بِهِ، مُشْرِكِينَ [٨٤)﴾ [غافر: ٤٠ / ٨٤] . ٢٨٠ الُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ٣٢-٤٤ فقه الحياة أو الأحكام: في هذه القصة عبر وعظات وهي: اً - هذا مثل واضح للمؤمنين والكافرين، مثل رجل مؤمن موحد بالله، فقير صالح آثر الآخرة على الدنيا، فآتاه الله الجنة وثوابه العظيم، ومثل رجل كافر مغتر بدنياه مستنكف عن مجالسة المؤمنين، وهما - كما ذكر الكلبي - أخوان مخزوميان من أهل مكة، أو أخوان من بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، كما ذكر ابن عباس ومقاتل، كان للكافر بستانان فيهما الأشجار والزروع والثمار والأنهار، وأموال أخرى، فكفر بأنعم الله، وتفاخر على صاحبه بالمال والأولاد، وشك في البعث، فدمّر الله ثروته، وأتلف البستانين بحسبان من السماء، وهو السحابة ذات المطر الغزير جداً، أو الصاعقة، أو العذاب، فندم وتحسر على ما أنفق، وقال: ﴿يَلَيْنَنِ لَمْ أُشْرِهِ بِرَبِ أَحَدًا﴾ أي يا ليتني عرفت نعم الله علي، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به، وهذا ندم منه حيث لا ينفعه الندم. ٣- لا يمنع فضل الله عن الكافر، فقد آتى الله صاحب الجنتين ثروة ومالاً وولداً وأتباعاً. ٣- شأن الغني دائماً إلا من رحم الله المفاخرة بأمواله والاغترار بالدنيا، والترفع على الآخرين بالثروة، مع أنها مال زائل، وعرض متحول، فيمكن أن ينقلب صفر اليدين بين عشية وضحاها. ٤- على المؤمن ألا يستكين أمام عزة الغني الكافر، وعليه نصحه وإرشاده إلى الإيمان بالله، والإقرار بوحدانيته، وشكر نعمه وأفضاله عليه. 5- قد يكون الاغترار بالمال سبباً لإنكار البعث والقيامة والحشر والنشر؛ لأن الغني الظالم يرى في المادة كل شيء، وقد يستبد به الغرور لغفلة منه