Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١
الجُرعُ (١٥) - الإشرارةِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩
وهذا السجود من هؤلاء تعريض بأهل الجاهلية والشرك، فإنهم إن لم
يؤمنوا بالقرآن، فإن خيراً منهم وأفضل علماء أهل الكتاب الذين قرؤوا
الكتب، وعلموا ما الوحي، وما الشرائع، فآمنوا وصدقوا به، وثبت لديهم
أنه النبي الموعود به في كتبهم، فإذا تلي عليهم خروا سجداً لله، تعظيماً لأمره،
ولإنجاز ما وعد في الكتب المنزلة، وبشر به من بعثة محمد وَّله، وإنزال القرآن
عليه، وهو المراد بالوعد في الآية: ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي بإنزال
القرآن وبعثة محمد.
وصفة سجودهم ما قال تعالى: ﴿ وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
١٠٩
أي ويخرون ساجدين باكين خاشعين خاضعين لله عز وجل من خشية
الله، وإيماناً وتصديقاً بكتابه ورسوله.
ويزيدهم السجود خشوعاً، أي إيماناً وتسليماً، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
(١٧) ﴾ [محمد: ٤٧ /١٧] .
أُهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ
وقد امتدح النبي ير البكاء في أحاديث كثيرة منها: ما رواه الترمذي عن
ابن عباس قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((عينان لا تمسُّهما النار: عينٌ
بكت من خَشْية الله تعالى، وعينٌ باتت تحرُسُ في سبيل الله تعالى)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى التالي:
اً - أيد الله نبيه موسى عليه السلام بمعجزات أو آيات تسع، كما ذكرت
الآية هنا، وهي بدلالة آيات أخرى ست عشرة معجزة، كما بينا في التفسير،
واخترنا ما اختاره الرازي وغيره أنها آيات الكتاب والأحكام.
ولم تكن الإحالة بالسؤال إلى بني إسرائيل عن هذه الآيات إلا من قبيل
الاستفهام والإلزام، ليعرف اليهود صحة ما يقول محمد واله.
٢٠٢
اِلُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ١٠١-١٠٩
وبالرغم من دعم موسى بهذه الآيات، فلم يؤمن فرعون برسالته، وإنما قال
له: ﴿إِ لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ أي ساحراً بغرائب أفعالك، أو مسحوراً
من غيرك مختلط العقل مخبولاً. والظن هنا على حقيقته المفيد رجحان الوقوع.
اً - لم يجد موسى جواباً لفرعون إلا الاعتصام بربه، وإعلانه أن هذه
الآيات منزلة من رب السماء والأرض بصائر، أي دلالات يستدل بها على
قدرته ووحدانيته وتصديقه موسى في نبوته، وقال له: ﴿وَإِ لَأَظُنُكَ يَنِفِرْعَوْثُ
مَثْبُورًا﴾ والظن هنا بمعنى التحقيق والتيقن، والثبور: الهلاك والخسران.
◌َّ - لم يجد الطاغية فرعون غير استخدام السلطة والقوة، وصمم على
إخراج موسى وبني إسرائيل إما بالقتل أو بالإبعاد، فأهلكه الله عز وجل،
وأسكن بني إسرائيل من بعد إغراقه أرض الشام ومصر. ثم يأتي الله بالجميع
يوم القيامة من قبورهم مختلطين من كل موضع، قد اختلط المؤمن بالكافر دون
تمييز ولا تحيز، ويحاسب كل امرئ على ما قدم.
٤ - أنزل الله القرآن متضمناً الحق والعدل والشريعة والحكم الأمثل،
والجمع بين الإنزالين لمعنيين، فقوله: ﴿ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ﴾ أي أوجبنا إنزاله
بالحق، وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي ونزل وفيه الحق، أو أن الأول معناه: مع
الحق، والثاني بالحق أي بمحمد وَله، أي نزل عليه.
ه - كان إنزال القرآن منجماً مقسطاً على حسب الوقائع والمناسبات في
مدى ثلاث وعشرين سنة، ليتمكن الناس من قراءته على مهل وتدبر وإمعان،
وليعملوا به تفصيلاً، فإنهم لو أخذوا بجميع الفرائض في وقت واحد لنفروا.
أَ - هدد الله تعالى مشركي قريش وأبدى إعراضه عنهم، لا على وجه
التخيير قائلاً لهم: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ- أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ فإن العلماء السابقين من
أهل الكتاب وهم مؤمنو أهل الكتاب آمنوا به عن يقين، ولم يتمالكوا
أنفسهم عند سماعه إلا السجود لله خاضعين خاشعين باكين من خشية
٢٠٣
الُ (١٥) - الإِشِرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
الله، قائلين: ﴿سُبْحَنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي منجزاً بإنزال
القرآن وبعث محمد دَله.
لاً - قوله ﴿يَتَكُونَ﴾ دليل على جواز البكاء في الصلاة من خوف الله
تعالى، أو على معصيته في دين الله، وأن البكاء لا يقطعها ولا يضرها. وقید
ذلك بعض الفقهاء بألا يكون مقروناً بصوت وكلام.
أما الأنين فلا يقطع الصلاة للمريض، ويكره للصحيح في رأي مالك.
وكذلك التنحنح والنفخ لا يقطع الصلاة عند مالك. وقال الشافعي: إن كان
له حروف تسمع وتفهم يقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة: إن كان من خوف الله
لم يقطع، وإن كان من وجع قطع.
دعاء الله بالأسماء الحسنى
﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَّ وَلَا تَجْهَرْ
بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ
وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ شَرِيٌِ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِرَهُ تَكْبِيرًا
القراءات:
﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾: قرئ:
١- (قلِ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) وهي قراءة عاصم، وحمزة.
٢- (قلُ ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿أَيَّا مَّا تَدْعُواْ﴾ ﴿أَيَّا﴾: شرطية، منصوب ب﴿ تَدْعُواْ﴾، والتنوين في ﴿
أَيًّا
٢٠٤
لُهُ (١٥) - الإِسِرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
عوض عن المضاف إليه، و﴿مَا﴾: زائدة للتأكيد، و﴿ تَدْعُواْ﴾: مجزوم بأي،
وفاء ﴿فَلَهُ﴾ جواب الشرط، وقوله ﴿أَدْعُواْ﴾ يتعدى إلى مفعولين، تقول:
دعوته زيداً.
البلاغة:
(تَجْهَرْ﴾ ﴿ُخَافِتْ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنّ﴾ أي سموه بأي واحد من هذين الاسمين،
أو نادوه بأن تقولوا: يا الله، يا رحمن ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُواْ﴾ أي هذين تدعوا فهو
حسن، والدعاء هنا: التسمية ﴿فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ فلله الأسماء الحسنى،
وهذان منها، وكونها أسماء حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام.
وقوله: ﴿فَلَهُ﴾ للمسمى؛ لأن التسمية له، لا للاسم، وكان أصل الكلام:
أيَّاً ما تدعو فهو حسن، فوضع موضعه ﴿فَلَهُ اٌلْأَسْمَاءُ الُْْنَى﴾ للمبالغة
والدلالة على ما هو الدليل على الله تعالى.
والأسماء الحسنى تسعة وتسعون، كما جاء في الحديث الذي رواه
الترمذي: ((الله الذي لا إله إلا هو: الرحمن، الرحيم، الملِك، القُدّوس،
السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجَبَّار، المتكبر، الخالق، البارئ،
المصوّر، الغفار، القهَّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض،
الباسط، الخافض، الرافع، الْمُعِزّ، المُذِلّ، السميع، البصير، الحكم، العَدْل،
اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير،
الحفيظ، المُقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع،
الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحقُّ، الوكيل، القوي، المتين،
الولي، الحميد، المُحْصي، الْبُدِى، الْمُعِيد، المحبي، الْمُميت، الحميُّ، القُّوم،
٢٠٥
الجُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمَد، القادر، المقتدر، المقدِّم،
المؤخِّر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعال، البَرّ، التواب،
المنتقم، العفُؤُ، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، الْمُقْسِط،
الجامع، الغني، المغني، المانع، الضارُّ، النافع، النور، الهادي، البديع،
الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور)).
﴿ وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ بقراءتك فيها، فيسمعك المشركون، فيسبوك
ويسبوا القرآن ومن أنزله ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ولا تسرّ بقراءتك، لينتفع
أصحابك ﴿وَأَبْتَغِ﴾ اقصد ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلًا﴾ طريقاً وسطاً.
﴿ شَرِيكُ فِ اَلْمُلْكِ﴾ في الألوهية ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِىٌ﴾ متولي أمره ينصره ﴿مِّنَ
الذُّلِ﴾ من أجل الذل، أي لم يذل، فيحتاج إلى ناصر، أي لم يكن له ولي يواليه
من أجل مذلَّة به، ليدفعها بموالاته ﴿وَكَبِرَهُ تَكْبِيرًا﴾ عظّمه تعظيماً تاماً منزهاً
عن اتخاذ الولد والشريك والذل وكل مالا يليق به.
وترتيب الحمد على ذلك للدلالة على أنه المستحق لجميع المحامد، لكمال
ذاته وتفرده في صفاته. وفيه تنبيه على أن العبد، وإن بالغ في التنزيه والتمجيد،
واجتهد في العبادة والتحميد، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك.
روى الإمام أحمد في مسنده عن معاذ الجُهَني عن رسول الله وَلِّ أنه كان
يقول: ((آية العز: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًّا وَلَ يَكُن لَّهُ شَرِيِكٌ فِىِ الْمُلْكِ﴾
إلى آخر السورة)).
سبب النزول:
نزول الآية: ﴿قُلِ أُدْعُواْ اللَّهَ﴾:
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: صلى صلوات الله عليه
بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى، فقال في دعائه: يا الله، يا رحمن، فقال
٢٠٦
الُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ، ينهانا أن ندعو إلهين، وهو يدعو إلهين،
فنزل: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ الآية.
وقال میمون بن مهران: کان رسول الله ێلټ یکتب في أول ما يوحى إليه:
باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ (٣) فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا
الرحيم نعرفه، فما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الضحاك: قال أهل التفسير: قيل لرسول الله وَله: إنك لتُقِلّ ذكر
الرحمن، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
نزول الآية: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾:
أخرج أحمد والشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: نزلت ورسول الله وَّهِ مُخْتَفٍ
بمكة، وكانوا إذا سمعوا القرآن، سبّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فقال
الله عز وجل لنبيه وَله: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي بقراءتك فيسمع المشركون،
فيسبوا القرآن ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك فلا يسمعون ﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلًا﴾.
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه كان يخفِت في قراءته، ويقول: أناجي ربي،
وقد علم حاجتي، وعمر كان يجهر بها ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ
الوَسْنان، فلما نزلت الآية، أمر رسول الله وَ لير أبا بكر أن يرفع صوته قليلاً،
وعمر أن يخفض قليلاً.
نزول الآية (١١١):
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أخرج ابن جريج عن محمد بن كعب القرظي قال: إن
اليهود والنصارى قالوا: ﴿أَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا﴾ وقالت العرب: لبيك لا شريك
٢٠٧
لُعُ (١٥) - الإنْراءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس، لولا أولياء
الله لذل، فأنزل الله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَوْ يَّخِذْ وَدَا﴾ الآية.
المناسبة:
بعد أن الله أثبت تعالى أنه أنزل القرآن على رسوله وَالر، وأن العرب عجزوا
عن معارضته، وأنه والإوقد جاءهم بتوحيد الله ورفض آلهتهم، عدلوا إلى رميه
عليه الصلاة والسلام بأن ما نهاهم عنه رجع هو إليه، فرد الله تعالى عليهم
بقوله: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ﴾ الآية.
ولما ذكر تعالى أنه واحد، وإن تعددت أسماؤه، أمر الله تعالى نبيه أن يحمده
على ما أنعم به عليه من شرف الرسالة والاصطفاء، ووصف نفسه بأنه لم يتخذ
ولداً، للرد على اليهود والنصارى والعرب الذين عبدوا الأصنام، وجعلوها
شركاء لله، والعرب الذين عبدوا الملائكة واعتقدوا أنهم بنات الله، فنفى
الولد أولاً، ثم نفى الشريك في ملكه، ثم نفى الولي وهو الناصر، والشريك
أعم من الولد، والولي الناصر أعم من نسبة الولد والشريك، فهو أعم من أن
يكون ولداً، أو شريكاً أو غير شريك.
التفسير والبيان:
هذا رد على المشركين الذين أنكروا إطلاق اسم الرحمن على الله عز وجل،
فقال: ﴿قُلِ أُدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أُدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين في مكة
المنكرين صفة الرحمة لله تعالى، المانعين من تسميته بالرحمن: لا فرق في دعائكم
لله باسم ﴿اَللَّهَ﴾ أو باسم ﴿الرَّحْمَنَ﴾ فإنه ذو الأسماء الحسنى. قال في الكشاف:
الله والرحمن المراد بهما الاسم، لا المسمى، وأو للتخيير، فمعنى ﴿أُدْعُواْ اللَّهَ
أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ سموا بهذا الاسم أو بهذا، واذكروا إما هذا وإما هذا،
والدعاء بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء(١).
(١) الکشاف: ٢٤٩/٢
٢٠٨
الُعُ (١٥) - الإشِرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
وقوله ﴿أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التقدير: أيّ هذين الاسمين سميتم
وذكرتم، فكل أسمائه حسنى، فيها تعظيمه وتقديسه، كما قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ
اُلْحُسْنَىِّ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [الحشر: ٢٤/٥٩] فأي اسم تدعونه به
فهو حسن.
ثم أرشد الله إلى كيفية القراءة والدعاء، فقال:
﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي ولا تجهر
بقراءة صلاتك، حتى لا يسمع المشركون فيسبوا القرآن، ويسبوا من أنزله،
ومن جاء به، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه
عنك، وابتغ بين الجهر والمخافته سبيلاً وسطاً، فهذه هي الطريقة المثلى في
القراءة، وهي الحد الوسط بين الجهر بالصوت والإسرار والإخفات فيه، ففي
الجهر حتى لا يتفرقوا عنه ويأبوا أن يسمعوا منه، أو يسبوا القرآن، وفي
الإسرار ليسمع من أراد السماع فينتفع به.
ثم علَّمنا تعالى كيفية الحمد، فقال:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي وقل: لله الحمد والشكر على ما أنعم على عباده،
وهو الموصوف بالصفات الثلاث التالية لتنزيه نفسه عن النقائص:
الأولى - إنه لم يتخذ ولداً: فهو غير محتاج إليه، واتخاذ الولد من صفات
الحوادث، وهو منزه عنها. وفي هذا رد على اليهود القائلين: عزير ابن الله،
والنصارى القائلين: المسيح ابن الله.
الثانية - ليس له شريك في الْمُلَّك والسلطان: لأنه أيضاً غير محتاج إليه،
ولو احتاج إلى شريك لكان عاجزاً، ولأن تعدد الآلهة يؤدي إلى الفساد
والنزاع: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢/٢١]. ولم يعرف
المستحق للعبادة والحمد والشكر.
٢٠٩
الجُزُ (١٥) - الإسْرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
الثالثة: لم يكن له ولي من الذل: أي ليس بذليل حتى يوالي أحداً لمذلة، من
ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لاشريك له،
ومدبرها ومقدرها بمشيئته(١).
ومجموع هذه الصفات في قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿َ اللَّهُ
الصَّمَدُ ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ
﴾ [الإخلاص: ١/١١٢-٤].
٤
﴿وَكَيْرَهُ تَكْبِيرًا﴾ أي عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً،
فذلك التعظيم الذي يتناسب مع جلاله وعظمته وقدسيته، فهو الكبير المتعال
في ذاته باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته وأنه غني عن كل الوجود؛ وفي صفاته
فله صفات الكمال المنزه عن كل صفات النقصان؛ وفي أفعاله، فلا يحدث
شيء في مُلكه إلا بمقتضى حكمته ومشيئته؛ وفي أحكامه، فله مطلق الأمر
والنهي والعز والذل، لا معقب لحكمه، ولا اعتراض لأحد على شيء من
أحكامه؛ وفي أسمائه فلا يذكر إلا بأسمائه الحسنى ولا يوصف إلا بصفاته
المقدسة العالية (٢).
روى أحمد عن معاذ الجهني أن رسول الله وَ لو كان يقول: ((آية العز:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدَا﴾ الآية)). وروى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن
أبي أمية قال: ((كان رسول الله وَ لهل يعلِّم الغلام من بني هاشم إذا أفْضَح:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآية، سبع مرات)).
فقه الحياة أو الأحكام:
أوضحت الآيات أن دعاء الله وتسميته يكون بكل اسم من أسمائه الحسنى،
(١) تفسير الرازي: ٧١/٢١
(٢) تفسير الرازي: ٧٢/٢١
٢١٠
لُُ (١٥) - الإِسْرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
التي منها الله والرحمن، وليس ذلك تعدداً في الآلهة كما فهم المشركون خطأ،
وإنما التسمية بأسماء متعددة لمسمى واحد.
والدعاء أو القراءة في الصلاة يكون بطريقة متوسطة بين الجهر والإسرار،
وإذا كان السبب الداعي لذلك وهو تفادي سماع المشركين وسبهم القرآن ومن
أنزله ومن جاء به، أو نفرتهم عنه وإبائهم سماعه، فإننا نحتفظ بالتزام هذه
الطريقة، تذكراً لحال التشريع وظروفه الأُولى التي صاحبته.
وقد عبر الله تعالى بالصلاة في الآية هنا عن القراءة، كما عبر بالقراءة عن
الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:
٧٨/١٧] لأن كل واحد منهما مرتبط بالآخر؛ لأن الصلاة تشتمل على قراءة
وركوع وسجود فهي من جملة أجزائها، فعبَّر بالجزء عن الجملة، وبالجملة عن
الجزء على عادة العرب في المجاز، وهو كثير.
وقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَدَا﴾ رد على اليهود والنصارى
والعرب في قولهم: عزير وعيسى والملائكة ذرية الله سبحانه، فهو تعالى لا والد
له ولا صاحبة ولا ولد، وهو واحد لاشريك له في ملكه وعبادته، وليس له
ناصر مدافع عنه يجيره من الذل، لم يحالف أحداً، ولا ابتغى نصر أحد.
وهو تعالى يستحق التعظيم التام والإجلال، ويقال: أبلغ لفظة للعرب في
معنى التعظيم والإجلال: الله أكبر، أي أنه أكبر من كل شيء، وكان النبي وَل
إذا دخل في الصلاة قال: ((الله أكبر)). وقال عمر بن الخطاب: قول العبد: الله
أکبر خير من الدنيا وما فيها .
وهذه الآية ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هي خاتمة التوراة. قال عبد الله بن كعب:
افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام، وختمت بخاتمة هذه السورة.
وفي خبر معاذ بن جبل عن النبي وَله: ((أنها آية العز))، كما بينا.
٢١١
لُعُ (١٥) - الإِشْرَاءِ: ١٧ / ١١٠-١١١
وقال عبد الحميد بن واصل: سمعت عن النبي ◌َّو أنه قال: ((من قرأ:
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية، كتب الله له من الأجر مثل الأرض والجبال؛ لأن
الله تعالى يقول فيمن زعم أن له ولداً: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ
[مريم: ٩٠/١٩] .
٩٠
اُلْأَرْضُ وَتَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا
وجاء في الخبر أن النبي نَّهِ ((أمر رجلاً شكا إليه الدَّيْن بأن يقرأ: ﴿قُلِ
أُدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَ﴾ إلى آخر السورة، ثم يقول: توكَّلت على الحي الذي
لايموت؛ ثلاث مرات)).
٢١٢
الُزُ (١٥) السورة (١٨) الكَهْفِظَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمِ الرَّحِيَةِ
سُورَةُ الْكَهْفِ
مڪية، وهي مئة وعشر آيات
تسميتها:
سميت سورة الكهف، لبيان قصة أصحاب الكهف العجيبة الغريبة فيها في
الآيات [٩ - ٢٦] مما هو دليل حاسم ملموس على قدرة الله الباهرة.
وهي إحدى سور خمس بدئت بـ ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: وهي الفاتحة، الأنعام،
الكهف، سبأ، فاطر. وهو استهلال يوحي بعبودية الإنسان لله تعالى، وإقراره
بنعمه وأفضاله، وتمجيد الله عز وجل، والاعتراف بعظمته وجلاله وكماله.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة وضع هذه السورة بعد سورة الإسراء من نواح: هي افتتاح
الإسراء بالتسبيح، وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام
بحيث يسبق التسبيح التحميد، نحو: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [الحجر: ٩٨/١٥] وفي
الحديث: ((سبحان الله وبحمده)). كما أن الإسراء اختتمت بالتحميد أيضاً،
فتشابهت الأطراف أيضاً.
ولما أمر اليهود المشركين أن يسألوا النبي ◌َّ عن ثلاثة أشياء: عن الروح،
وعن قصة أصحاب الكهف، وعن قصة ذي القرنين، أجاب تعالى في آخر
٢١٣
اِلُعُ (١٥) السورة (١٨) الكفَفِّ
سورة بني إسرائيل عن السؤال الأول، وقد أفرد فيها لعدم الجواب عن
الروح، ثم أجاب تعالى في سورة الكهف عن السؤالين الآخرين، فناسب
اتصالهما ببعضهما.
ولما ذكر تعالى في الإسراء: ﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [٨٥] ناسب
ذكر قصة موسى مع العبد الصالح الخضر، كالدليل على ما تقدم. وقد ورد في
الحديث: أنه لما نزل: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال اليهود: قد أوتينا
التوراة فيها علم كل شيء، فنزل: ﴿قُل لَّوْ كَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ
اَلْبَحْرٌ﴾ [١٠٩].
ولما قال تعالى في الإسراء: ﴿فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾
[١٠٤] أعقبه في سورة الكهف بالتفصيل والبيان بقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِ
جَعَلَهُ دَكَّةَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَتَّمَ يَؤْمَِدٍ لِلْكَفِرِينَ
عَرْضًا (ثم) [٩٨ - ١٠٠](١).
والخلاصة: إنه تعالى لما قال في آخر الإسراء: ﴿وَبِاَلْحَقِّ أَنزَلْنَهُ وَيَلْحَقِّ نَزَلِّ ﴾
وذكر المؤمنين به أهل العلم، وأنه يزيدهم خشوعاً، وأنه تعالى أمر بالحمد له
وأنه لم يتخذ ولداً، أمره تعالى بحمده على إنزال هذا الكتاب السالم من العوج،
القيم على كل الكتب، المنذر من اتخذ ولداً، المبشر المؤمنين بالأجر الحسن.
ثم استطرد إلى حديث كفار قريش، والتفت من الخطاب في قوله: ﴿وَكَيْرَهُ
تَكْبِيرًا﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ لما في عبده من الإضافة المقتضية
تشریفه.
ما اشتملت عليه السورة:
استهلت السورة ببيان وصف القرآن بأنه قيم مستقيم لا اختلاف فيه
ولاتناقض في لفظه ومعناه، وأنه جاء للتبشير والإنذار.
(١) تناسق الدرر في تناسب السور للسيوطي ٦٤ وما بعدها، طبع دار الكتاب العربي - دمشق.
٢١٤
الُهُ (١٥) السورة (١٨) الكَهْفِتْ
ثم لفتت النظر إلى ما في الأرض من زينة وجمال وعجائب تدل دلالة واضحة
على قدرة الله تعالى.
وتحدثت السورة عن ثلاث قصص من روائع قصص القرآن وهي قصة
أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين. أما قصة
أصحاب الكهف [٩-٢٦] فهي مثل عالٍ، ورمز سام للتضحية بالوطن
والأهل والأقارب والأصدقاء والأموال في سبيل العقيدة، فقد فرّ هؤلاء
الشباب الفتية المؤمنون بدينهم من بطش الملك الوثني، واحتموا في غار في
الجبل، فأنامهم الله ثلاث مئة وتسع سنين قمرية، ثم بعثهم ليقيم دليلاً حسياً
للناس على قدرته على البعث.
وأتبع الله تعالى تلك القصة بأمر النبي وَّر بالتواضع ومجالسة الفقراء
المؤمنين وعدم الفرار منهم إلى مجالسة الأغنياء لدعوتهم إلى الدين: ﴿وَاصْبِرُ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [٢٨].
ثم هدد الله تعالى الكفار بعد إظهار الحق، وذكر ما أعده لهم من العذاب
الشديد في الآخرة: ﴿وَقُلِ اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [٢٩] وقارن ذلك بما أعده
سبحانه من جنات عدن للمؤمنين الصالحين [٣٠-٣١].
وأما قصة موسى مع الخضر في الآيات [٦٠-٧٨] فكانت مثلاً للعلماء في
التواضع أثناء طلب العلم، وأنه قد يكون عند العبد الصالح من العلوم في غير
أصول الدين وفروعه ماليس عند الأنبياء، بدليل قصة خرق السفينة، وحادثة
قتل الغلام، وبناء الجدار.
وأما قصة ذي القرنين في الآيات [٨٣-٩٩] فهي عبرة للحكام
والسلاطين، إذ أن هذا الملك تمكن من السيطرة على العالم، ومشرق الأرض
ومغربها، وبنائه السد العظيم بسبب ما اتصف به من التقوى والعدل
والصلاح.
٢١٥
اِلُ (١٥) السورة (١٨) الكَهْفِ
وتخللت هذه القصص أمثلة ثلاثة بارزة رائعة مستمدة من الواقع، لإظهار
أن الحق لا يقترن بالسلطة والغنى، وإنما يرتبط بالإيمان، وأول هذه الأمثلة:
قصة أصحاب الجنتين [٣٢-٤٤] للمقارنة بين الغني المغتر بماله، والفقير
المعتز بإيمانه، لبيان حال فقراء المؤمنين وحال أغنياء المشركين.
وثانيها : مثل الحياة الدنيا [٤٥- ٤٦] الإنذار الناس بفنائها وزوالها. وأردف
ذلك بإيراد بعض مشاهد القيامة الرهيبة من تسيير الجبال، وحشر الناس في
صعيد واحد، ومفاجأة الناس بصحائف أعمالهم [٤٧-٤٩].
وثالثها: قصة إبليس وإبائه السجود لآدم [٥٠- ٥٣] للموازنة بين التكبر
والغرور - وما أدى إليه من طرد وحرمان وتحذير الناس من شر الشيطان-
وبين العبودية لله والتواضع، وما حقق من رضوان الله تعالى.
وأردف ذلك بيان عناية القرآن بضرب الأمثال للناس للعظة والذكرى،
وإيضاح مهام الرسل للتبشير والإنذار، والتحذير من الإعراض عن آيات الله
[٥٤-٥٧ ].
وأن سياسة التشريع اقتران الرحمة بالعدل، فليست الرحمة فوق العدل ولا
العدل فوق الرحمة: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [٥٨-٥٩].
وختمت السورة بموضوعات ثلاثة: أولها - إعلان تبديد أعمال الكفار
وضياع ثمرتها في الآخرة [١٠٠ - ١٠٦] وثانيها - تبشير المؤمنين الذين عملوا
الصالحات بالنعيم الأبدي الأخروي [١٠٧- ١٠٨] وثالثها - أن علم الله
تعالى لا يحده حد ولا نهاية له [١٠٩-١١٠].
فضل هذه السورة:
ورد في فضائل سورة الكهف أحاديث صحاح ثابتة، منها: ما رواه مسلم
وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ قال: ((من حفظ
عشر آيات من أول سورة الكهف، عصم من الدجال)).
٢١٦
لُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ١-٨
ومنها: ما رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي، عن أبي الدرداء عن النبي
وَله قال: ((من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، عصم من فتنة الدجال)).
وفي لفظ النسائي: ((من قرأ عشر آيات من الكهف .. )) الحديث.
ومنها: ماأخرجه النسائي في سننه عن ثوبان، عن رسول الله وَالقيل أنه قال:
((من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، فإنه عِصْمة له من الدجال)).
دلت هذه الأحاديث على أن قراءة الآيات العشر الأوائل أو الأواخر أو
أي عشر آيات عصمة من فتنة الدجال.
والسنة أن يقرأ الشخص الكهف يوم الجمعة وليلتها، لما رواه الحاكم
وقال: صحيح الإسناد عن النبي ◌َّ: ((من قرأ الكهف في يوم الجمعة، أضاء
له من النور مابين الجمعتين)) وروى الدارمي والبيهقي: ((من قرأها ليلة
الجمعة، أضاء له من النور مابينه وبين البيت العتيق)).
كيفية الحمد والثناء على الله تعالى
ومهام القرآن العظيم
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ قَيِمًا لِيُنْذِرَ
بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا
حَسَنًا ﴿ فَكِتِينَ فِيهِ أَبَدًّا ﴿ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أُمَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا
مَّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمِ وَلَا لِّبَابِهِمَّ كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ
إِلَّا كَذِبًا ﴿َ فَلَعَلَّكَ بَحِعُ نَّفْسَكَ عَلَىَ ءَاثَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ
أَسَفَا ﴿ إِذَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
٧
٨
وَإِنَّا لَجَِعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا
٢١٧
الُ (١٥) - الكهف: ١٨/ ١-٨
القراءات:
﴿عِوَجَاْ، فَيِّمَا﴾ :
قرأ حفص بالسكت على ألف (عوجاً) حالة الوصل سكتة لطيفة بدون
تنفس، وقرأ الباقون بغیر سكت.
﴿ بَأَسًا
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (باساً).
﴿ وَيُبَشِّرَ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي (ويَبْشُرَ).
الإعراب:
﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً﴾ الواو للعطف على ﴿أَنزَلَ﴾. والأولى جعل الواو
للحال من الكتاب، على تقدير: أنزل الكتاب على عبده غير مجعول له عوج
﴿فَيِّمًا﴾. وهو أولى من جعل معطوفاً على ﴿أَنَزَلَ﴾ لما فيه من الفصل بين بعض
الصلة وبعض، فلو كان للعطف، كان المعطوف فاصلاً بين أبعاض المعطوف
عليه، ولذلك قيل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل الكتاب قيماً، ولم
يجعل له عوجاً.
﴿قَيِّمًا﴾ قال في الكشاف: الأحسن أن ينتصب بمضمر، ولا يجعل حالاً
من ﴿اَلْكِنَبَ﴾، منعاً من الفصل بين الحال وصاحبه. وقيل: حال من
﴿اُلْكِنَبَ﴾.
{لِيُنذِرَ بَأْسًا﴾ اللام متعلقة بأنزل، و﴿بَأْسًا﴾: مفعول ثانٍ لينذر،
والمفعول الأول محذوف، تقديره: لينذركم بأساً شديداً من لدنه.
٢١٨
الُرُ (١٥) - الكَهْفَ: ١٨ / ١-٨
﴿مِّن لَُّنْهُ﴾ قرئ بضم الدال على الأصل، وبإسكانها على وزن عضُد
وحذف الضمة فيقال: عضْد ولذْن، وبإشمامها بالضم للتنبيه على أن أصلها
هو الضم.
﴿مَّكِئِينَ فِيهِ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَهُم﴾.
( كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ تمييز منصوب، أي: كبرت الكلمة كلمة. و﴿تَخْرُجُ﴾
جملة فعلية صفة ﴿كَلِمَةً﴾.
﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ أي ما يقولون إلا كذباً. و﴿ كَذِبًا﴾ منصوب
ب﴿ يَقُولُونَ﴾، مثل: قلت شعراً أو خطبة.
﴿أَسَفًا﴾ منصوب على المصدر، في موضع الحال، أو مفعول لأجله.
(زِينَةً لًَّا﴾ مفعول ثانٍ لجعلنا بمعنى صيَّرنا. وإن جعل بمعنى خلقنا فهو
مفعول به له.
البلاغة:
﴿ وَيُبَشِّرَ﴾ ﴿وَبُنْذِرَ﴾ بينهما طباق.
(لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أُمَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّا ﴿1﴾ فيـ
إطناب بذكر الخاص بعد العام. وفي كل منهما حذف بديع، فحذف من الجملة
الأولى المفعول الأول أي لينذر الكافرين بأساً، وحذف من الجملة الثانية
المفعول الثاني، وهو عذاباً، فحذف لدلالة الأول عليه، وحذف من الأول
المنذرين لدلالة الثاني عليه.
﴿بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاتَرِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حاله وَّة مع المشركين
بحال من فارقته الأحباب، فهمّ بإهلاك نفسه حزناً عليهم.
٢١٩
لِلُ (١٥) - الكَهْفَ: ١٨/ ١-٨
﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النهي، أي لا تبخع نفسك
الإعراضهم عن الإيمان أسفاً.
المفردات اللغوية:
﴿الْحَهْدُ لِلَّهِ﴾ الحمد: الوصف بالجميل ثابت لله تعالى، وهو تعليم للعباد
كيف يثنون على الله ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام،
وما أنزل على عبده محمد ولي من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم
﴿اَلْكِتَبَ﴾ القرآن ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ ولم يجعل له شيئاً من العوج قط،
والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن
معانيه وألفاظه.
﴿فَيِّمًا﴾ مستقيماً معتدلاً، لا إفراط فيه ولا تفريط، فلا إفراط فيما اشتمل
عليه من التكاليف منعاً للمشقة والحرج، ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه.
وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هو التأكيد، فرب مستقيم لا
يخلو من أدنى عوج عند التأمل. وقيل: قيماً على سائر الكتب، مصدقاً لها،
شاهداً بصحتها، وقيل: قيماً بمصالح العباد، وما لابد لهم منه من الشرائع،
فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.
[ِّيُنذِرَ﴾ ليخوف بالكتاب الكافرين وهو متعلق بأنزل ﴿بَأَسًا﴾ عذاباً في
الآخرة ﴿مِّن لَّكُنْهُ﴾ من قبله أو من عنده. حذف المفعول الأول لفعل (ينذر) -
وهذا من بديع الحذف وجليل الفصاحة - لأن المنذر به هو الغرض المسوق
إليه، فاقتصر عليه، ودل عليه ذكر المنذَرين في قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ
اَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا (٣)﴾ من غير ذكر المنذر به لتقدم ذكره، كما ذكر المبشر به في
قوله: ﴿ وَيُنَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ اُلَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾
والأجر الحسن: الجنة.
﴿مَّا لَهُم بِهِ،﴾ بهذا القول أو باتخاذ الولد ﴿وَلَا لَِّبَابِهِمْ﴾ من قبلهم،
٢٢٠
لُ (١٥) - الكَهْفِ: ١٨ / ١-٨
والمعنى: أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب، أو تقليداً لما سمعوه من
أوائلهم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ﴾ عظمت، والمخصوص بالذم محذوف أي مقالتهم
المذكورة ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ ما يقولون في ذلك إلا مقولاً كذباً.
﴿بَخٌِ﴾ مهلك نفسك أو قاتلها ﴿عَلَ ءَاثَِهِمْ﴾ أي من بعدهم، أي من
بعد توليهم عن الإيمان ﴿اَلْحَدِيثِ﴾ القرآن ﴿أَسَفًا﴾ غيظاً وحزناً منك،
لحرصك على إيمانهم. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب ﴿مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾
من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبر الناس،
ناظرين إلى نتيجة الاختبار ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في تعاطيه، وهو من زهد فيه،
ولم يغتر به، وصرفه على ما ينبغي من الإتقان ﴿صَعِيدًا﴾ تراباً ﴿جُزًا﴾ يابساً
لا نبات فیه.
التفسير والبيان:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ يحمد الله تعالى نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم
صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ أخرج الناس من الظلمات إلى النور، حيث
جعله كتاباً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم،
فمعنى قوله: ﴿وَلَّ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَاً﴾ أي لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا زيغاً ولا
ميلاً بل جعله معتدلاً مستقيماً.
والحمد معناه: الشكر والثناء بالجميل على الفعل الصادر بالاختيار من الله
تعالى. والله تعالى محمود على كل حال، ويحمد نفسه أحياناً عند فواتح السور
وخواتهما، لتعليم العباد كيف يحمدونه على نعمه الجليلة التي أنعم بها عليهم،
ومن أهمها نعمة الإسلام وما أنزل على عبده محمد وَلّ من الكتاب الذي هو
سبب نجاتهم وفوزهم.
﴿قَيِّمَا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ﴾ أي مستقيماً، وأتى بهذه الصفة بعد
نفي الاعوجاج للتأكيد، فربَّ مستقيم مشهود له بالاستقامة لا يخلو من أدنى