Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ الجُزءُ (١٤) - الجِّْرّ: ٥١/١٥-٧٧ والثانية مؤكدة للأولى: ﴿ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (9)﴾ أي وخافوا عذاب الله، ولا تخزون أي ولا تذلوني بإذلال ضيفي، ولا توقعوني في الخزي (أي الهوان) والعار، بالإساءة إليهم. فأجابوه: ﴿قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ أي ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة، ونهيناك أن تضيف أحداً. أي قال لوط لقومه فأجابهم ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيَ إِن كُمْ فَعِلِينَ مرشداً لهم: تزوجوا النساء اللاتي أباحهن الله لكم، وتجنبوا إتيان الرجال، إن كنتم فاعلين ما آمركم به، منتهين إلى أمري. والمراد ببناته: نساء قومه؛ لأن رسول الأمة يكون كالأب لهم، كما قال تعالى في حق نبينا ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمَّ وَأَزْوَجُهُ أُمَّهَُهُمٌ﴾ [الأحزاب: ٦/٣٣] وفي قراءة أَبَّ: وهو أب لهم. وقيل: المراد بناته من صلبه، أي التزوج بهن. وهذا كله، وهم غافلون عما يراد بهم، ويحيط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المستقر، لهذا قال تعالى لمحمد ول# أو قالت الملائكة ﴾ أي أقسم بحياتك وعمرك للوط: ﴿لَعَمُرَكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (49) وبقائك في الدنيا أيها الرسول - وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع - إنهم في غوايتهم يتحيرون، فلا يلتفتون إلى نصيحتك، ولا يميزون بين الخطأ والصواب. و﴿سَكْرَنِهِمْ﴾ ضلالتهم، و﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون أو يلعبون. قال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ، وما برأ نفساً أكرم عليه من محمد وَلّر، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره. ثم أخبر الله تعالى عن نوع عذابهم فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (13) أي فنزل فيهم صيحة جبريل عليه السلام: وهي ما جاءهم من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، فقوله ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس. وكان ابتداؤها من الصبح وانتهاؤها حين الشروق، لذا قال أولاً ﴿مُصْبِحِينَ﴾ ثم قال هنا ﴿مُشْرِقِينَ﴾. ٣٦٢ المُعُ (١٤) - الِحْرّ: ٥١/١٥-٧٧ وأخذ الصيحة: قهرها لهم وتمكنها منهم، وقد أدت بهم إلى رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم. والصيحة: صوت شديد مهلك من السماء. وهذا ما تضمنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ ﴿﴾ أي جعلنا عالي المدينة وهو ما على وجه الأرض سافلها أي في أعماقها، فانقلبت عليهم، وأنزل تعالى عليهم حجارة من طين متحجر طبخ بالنار. يظهر مما سبق أن الآية ذكرت أنه تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب هي: ١ - الصيحة الهائلة المنكرة. ٢ - أنه جعل عاليها سافلها. ٣ - أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل. ثم ذكر تعالى العبرة من تلك القصة، فقال: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوَسّمِينَ أي إن في ذلك العذاب الواقع بقوم لوط لدلالات للمتأملين المتفرِّسين، الذين يتعظون بالأحداث، ويتفهمون ما يكون لأهل الكفر والفواحش من عقاب أليم. وبالمناسبة: روى البخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً قال: قال رسول الله وَ لَّه: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ النبي وَلّ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ ٧٥ لَيَتٍ لِلْمُنَوَسِمِينَ ثم وجَّه تعالى أنظار أهل مكة وأمثالهم إلى الاعتبار بما حدث فقال: ﴿وَإِنَّهَا ٣٦٣ المُعُ (١٤) - الخضر: ٥١/١٥-٧٧ لَبِسَبِيلِ مُقِيمٍ (®﴾ أي وإن مدينة سَدُوم التي أصابها هذا العذاب لبطريق واضح، لا تخفى على المسافرين المارّين بها، فآثارها ما تزال باقية إلى اليوم، في الطريق من الحجاز إلى الشام، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُتْ لَنَهُرُونَ ﴾ [الصافات: ١٣٧/٣٧-١٣٨]. وَ بِأَلَيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ عَلَيْهِم مُصْبِحِينٌ فقوله: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي بطريق واضح. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةً لِّلْمُؤْمِنِينَ (٣) أي إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإنجاءنا لوطاً وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله، أي إن المنتفعين حقاً من مغزى القصة هم المؤمنون الذين يدركون أن العذاب انتقام من الله لأنبيائه. أما غير المؤمنين بالله، فينسبون الدمار للطبيعة والشؤون الأرضية. فقه الحياة أو الأحكام: أرشدت القصة إلى مايأتي: اً - تعليم أدب الضيف بالتحية والسلام حين القدوم على الآخرين. أَ - وصف أحاسيس المضيف ومخاوفه حين تقديم الطعام لضيفه وامتناعهم عن الأكل. ◌َّ - كانت بشارة الملائكة لإبراهيم بولادة إسحاق سبباً في طرد مخاوفه وإشعاره بالأمن والسلامة. ٤ - كان استفهام إبراهيم الخليل استفهام تعجب من مخالفة العادة، وحصول الولد حال الشيخوخة التامة من الأبوين معاً، ولم يكن استفهامه استبعاد قدرة الله تعالى على خلق الولد منه في زمان الكبر؛ لأن إنكار قدرة الله تعالی حینئذ كفر. ٣٦٤ الُعُ (١٤) - الجِخْرُ: ٥١/١٥-٧٧ ه - أكد الملائكة البشارة، وأنها حق ثابت لا خلف فيه، وأن الولد لابد منه، ثم نهوه عن القنوط واليأس. ويلاحظ أن نهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهي عنه، كما في قوله تعالى لنبيه وكلية: ﴿وَلَا نُطِعِ اُلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨/٣٣]. وقد نفى إبراهيم القنوط عن نفسه قائلاً ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُونَ﴾ أي المكذبون الذاهبون عن طريق الصواب. وهذا يعني أنه استبعد الولد لكبر سنه، لا أنه قنط من رحمة الله تعالى. أَ - لا خلاف في اللغة العربية في أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ، إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ﴾ استثنى آل لوط من القوم المجرمين، فهم ناجون، ثم استثنى امرأته من آل لوط، فهي هالكة. لاً - لم يعرف لوط وآله أن الضيوف ملائكة، كما لم يكن إبراهيم قد عرفهم. وقيل: كانوا شباباً، ورأى جمالاً، فخاف عليهم من فتنة قومه، فهذا هو الإنكار في قوله ﴿قَوْمُ شُكَرُونَ﴾. ٨ - ليس محموداً إطالة المكث أو النظر إلى آثار القوم الذين دمرهم الله، ويسن الإسراع حين المرور في تلك الديار؛ لأنها أماكن غضب ولعنة. ٩ - نهى الله تعالى لوطاً وأتباعه عن الالتفات أثناء نزول العذاب بقوم لوط، حتى لا تأخذهم الشفقة عليهم، وليجدّوا في السير، ويتباعدوا عن القرية قبل أن يفاجئهم الصبح. ٠ ١ - كان تصميم قوم لوط على ارتكاب الفاحشة مع هؤلاء الضيوف دليلاً مادياً آخر على فحشهم وكفرهم وضلالهم. راً - قول لوط عليه السلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِىَ إِن كُمْ فَعِلِينَ﴾ سواء كنَّ ٣٦٥ اِلُعُ (١٤) - الجِخْرُ: ١٥/ ٥١-٧٧ بناته الصلبيات أو نساء قومه: إرشاد إلى الشيء المباح غير الحرام، أي فتزوجوهن ولا تركنوا إلى الحرام. ويكفر من فهم غير ذلك؛ لأن الزنى حرام في كل الملل والأديان، ولا يقره نبي قط ولو للضرورة. ١٢ - قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ﴾: قال القاضي عياض وابن العربي فيه: أجمع أهل التفسير في هذا: أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد بقليل، تشريفاً له، وأن قومه من قريش في سكرتهم أي في ضلالتهم يعمهون وفي حيرتهم يترددون. ويحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوط، أنهم كانوا في سكرتهم يعمهون، وأن الملائكة قالت له ﴿لَعَمْرُكَ﴾. ويكره لدى كثير من العلماء أن يقول الإنسان: لعمري؛ لأن معناه: وحياتي، فهو حلف بحياة نفسه، وذلك من كلام ضعفة الرجال. وقال الإمام أحمد: من أقسم بالنبي ◌َّ لزمته الكفارة. ١٣ - كان عقاب قوم لوط بالصيحة وقلب بلدهم عاليها سافلها، وإمطار حجارة من سجيل أي طين متحجر مطبوخ بالنار عليهم. ١٤ - إن في هذه القصة لعبرة وعظة للمؤمنين الصادقين. والآثار المادية لديار قوم لوط في طريق الشام خير شاهد وأصدق دليل للمتعظين. هذا .. ولم يجز المالكية القضاء بالتوسم والتفرس، فذلك دليل غير متيقن، فلا يترتب علیه حکم. ٣٦٦ الزُهُ (١٤) - الِجْر: ٧٨/١٥-٨٦ قصة أصحاب الأيكة (قوم شعيب) وأصحاب الحجر (ثمود) فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامِ مُّبِينٍ ٧٨ ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ اُلْأَيْكَةِ لَظَلِمِينَ ٧٩ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اٌلِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ٨٠ وَءَانَيْنَهُمْ ءَيَزِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُونَاءَمِنِينَ فَمَا فَأَخَذَتْهُمُ الضَيْحَةُ مُصْبِحِينَ ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ وَمَا يَتْنَهُمَآ إِلَّا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (® بِالْحَقُّ وَإِنَ السَّاعَةَ لَنِيَّةٌ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِلَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ ٨٦ اُلْعَلِيمُ القراءات: ہوتا @ ٠ قرئ: ١- (بُيُوتاً) وهي قراءة ورش، وأبي عمرو، وحفص. ٢- (بُيُوتاً) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿وَإِن كَانَ﴾ ﴿وَإِن﴾ هنا: مخففة من الثقيلة، ومعنى إن ولام ﴿لَظَلِمِينَ للتوکید. البلاغة: ﴿الْخَلَقُ الْعَلِيمُ﴾ صيغة مبالغة. ٣٦٧ الجُرُ (١٤) - الِجْرُ: ٧٨/١٥-٨٦ المفردات اللغوية: ﴿أَصْحَبُ الْأَئِكَةِ﴾ هم قوم شعيب عليه السلام، والأيكة: الغيضة: وهي الشجر الكثير الملتف بعضه على بعض، وهي بقرب مدين. ﴿لَظَلِمِينَ﴾ بتكذيبهم شعيباً . ﴿ فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بأن أهلكناهم بشدة الحر. ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ قرى قوم لوط والأيكة. ﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي لبطريق واضح. والإمام: ما يؤتم به، سمي به الطريق؛ لأنه يُؤْتَمَ ويَتَبع. ﴿ أَصْحَبُ اَلِجْرِ﴾ هم ثمود، والحجر: واد بين المدينة والشام، كانوا يسكنونه، ويسمى كل مكان أحيط بالحجارة حجراً، ومنه حِجْر الكعبة. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ أي كذب أصحاب الحجر صالحاً، وعبر بالجمع عن المفرد؛ لأنه تكذيب لباقي الرسل، لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد. ﴿َِنَا﴾ هي الناقة التي فيها آيات كثيرة، كعظم خلقها، وكثرة لبنها، وكثرة شربها، أو المراد آيات الكتاب المنزل على نبيهم . ﴿مُعْرِضِينَ﴾ لا يتفكرون فيها. ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الصباح. ﴿أَغْنَ﴾ دفع. ﴿عَنْهُمْ﴾ العذاب. ﴿مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ من بناء البيوت الوثيقة والحصون وجمع الأموال. ﴿ إِلَّ بِالْحَقِّ﴾ أي خلقاً ملتبساً بالحق، ملازماً له، لا يلائم استمرار الفساد، ودوام الشرور ﴿لَنِيَةٌ﴾ لا محالة، فيجازي كل أحد بعمله. ﴿فَأَصْفَحِ﴾ يا محمد عن قومك. ﴿ الصَّفْحَ الْجَمِلَ﴾ أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه، أو لا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم . ﴿اٌلْخَلَّقُ﴾ لكل شيء، خلقك وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم. ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل إليه الأمر. المناسبة: هذه هي القصة الثالثة والرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، فأولها: قصة آدم وإبليس، وثانيها: قصة إبراهيم ولوط، وثالثها : هذه القصة ٣٦٨ الزُعُ (١٤) - الجِخْرُّ: ٧٨/١٥-٨٦ - قصة أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام، كانوا أصحاب غياض (أشجار متشابكة كثيرة) فكذبوا شعيباً، فأهلكهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، أي الصيحة وقت الصباح، لشركهم بالله، ونقصهم المكاييل والموازين. ورابعها: قصة صالح مع قومه، كان في الناقة آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظم خلقها، وظهور نتاجها عند خروجها، وكثرة لبنها. والهدف من إيراد هذه القصص كما بينا الترغيب في الطاعة الموجبة للفوز بالجنان، والتحذير من المعصية المؤدية لعذاب النيران، وتسلية النبي ◌َّةٍ بها عن تكذیب قومه له. وأما مناسبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ﴾ فهو أنه تعالى لما ذكر أنه أهلك الكفار، فكأنه قيل: الإهلاك والتعذيب كيف يليق بالرحيم؟ فأجاب عنه بأني إنما خلقت الخلق ليكونوا مشتغلين بالعبادة والطاعة، فاذا تركوها وأعرضوا عنها، وجب في الحكمة إهلاكهم وتطهير وجه الأرض منهم. أو إن المراد من هذه الآية تصبير الله تعالى محمداً عليه السلام على سفاهة قومه، فإنه إذا عرف أن الأنبياء السابقين عاملتهم أممهم بمثل هذه المعاملات الفاسدة، سهل عليه تحمل السفاهات من قومه. التفسير والبيان: أي إن أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب ظالمون، بسبب شركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبي الزمان من قوم لوط بعدهم، ومجاورين لهم في المكان، لذا لما أنذر شعيب قومه قال: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ سَِعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩/١١]. والأيكة: الشجر الملتف. ٣٦٩ الُعُ (١٤) - الجِجْر: ١٥ /٧٨-٨٦ روى ابن مردويه وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله . وَ له: ((إن مدين وأصحاب الأيكة أمَّتان بعث الله إليهما شعيباً)). ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي فعاقبناهم جزاء كفرهم ومعاصيهم، عاقبنا أهل الأيكة بيوم الظلة: وهو إصابتهم بحر شديد سبعة أيام، لا ظل فيه، ثم أرسلت عليهم سحابة، فجلسوا تحتها، فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم. وعاقبنا أهل مدين بالصيحة. ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي وإن كلاً من قرى قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة لبطريق واضح يسلكه الناس في سفرهم من الحجاز إلى الشام. والإمام: ما يؤتم به، وجعل الطريق إماماً لأنه يُؤَمّ ويُتَّبع حتى يصل إلى الموضع الذي یریده. ثم ذكر تعالى قصة أصحاب الحجر وهم ثمود، فقال: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ اَلْحِجْرِ﴾ أي ولقد كذبت ثمود صالحاً نبيهم عليه السلام، ومن كذب رسولاً فقد كذب بجميع المرسلين، لاتفاق أصول دعوتهم في التوحيد وعبادة الله وأمهات الفضائل، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين. ﴿ وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَِنَا﴾ أي وآتيناهم وأعطيناهم من الآيات والدلائل ما يدلهم على صدق نبوة صالح عليه السلام، كالناقة التي أخرجها الله من صخرة صماء بدعاء صالح، فأعرضوا عنها وعقروها ولم يعتبروا بها، فكانت تسرح في بلادهم، لها شِرْب يوم من نهر صغير ولهم شرب يوم آخر، ولبنها كثير كان يكفي القبيلة. ﴿وَكَانُواْ يَنْحِنُونَ﴾ أي وكانت لهم بيوت نحتوها في الجبال وأصبحوا بها آمنين من الأعداء، من غير خوف، لقوة إحكامها، وهي ما تزال مشاهدة بوادي الحجْر الذي مرّ به رسول الله وَله، وهو ذاهب إلى تبوك، فقنَّع رأسه، وأسرع دابته، وقال لأصحابه - فيما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر -: ((لا ٣٧٠ لِلُرُ (١٤) - الجفر: ٧٨/١٥-٨٦ تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أُن یصیبکم ما أصابهم)). بعدبجوز ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾ أي لما عَتَوْا وبغوا وعقروا الناقة، أخذتهم صيحة الهلاك في وقت الصباح من اليوم الرابع من موعد العذاب، كما قال تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥/١١] . ﴿فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ أي فما نفعتهم تلك الأموال لما جاء أمر ربك، وما دفعت عنهم ذلك العذاب، ولم يستفيدوا من مكاسبهم وهي ما كانوا ينحتونه من البيوت في الجبال، وما كانوا يستغلونه من الزروع والثمار، التي ضنوا بمائها عن الناقة، حتى عقروها، لئلا تضيق عليهم في المياه، بل أصبحوا هَلْكى جاثمين. ولما أخبر الله تعالى عن إهلاك الكفار، فكأن شخصاً تساءل، كيف يليق التعذيب والإهلاك بالرحيم الكريم؟ فأجاب تعالى عنه بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي وما خلقنا هذه المخلوقات في السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق، أي بالعدل والحكمة، لا ظلماً، ولا باطلاً ولا عبثاً، ليكون الخلق مشتغلين بالعبادة والطاعة، فإذا تركوها وأعرضوا عنها، وجب في مقتضى العدل والحكمة إهلاكهم وتطهير الأرض منهم. وفي هذا إشارة إلى أن تعذيب المكذبين للنبي وَله في الآخرة هو حق وعدل وحكمة ومصلحة للبشر أنفسهم. ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ﴾ أي وإن يوم القيامة آت لا ريب فيه، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وفي هذا تهديد للعصاة، وترغيب للطائعين. ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي فأعرض يا محمد عن المشركين، واحتمل ما ٣٧١ الجُزءُ (١٤) - الجَحْر: ٧٨/١٥-٨٦ تَلْقى منهم من أذى إعراضاً جميلاً بحلم وإغضاء، وهذا مخالفة للناس بخلق حسن، فهو غير منسوخ. والشائع أن هذا الصفح قبل الأمر بالقتال، فهو منسوخ. قال الرازي: كون الصفح منسوخاً بآية السيف بعيد؛ لأن المقصود من ذلك أن يُظهر الخلق الحسن والعفو والصفح، فكيف يصير منسوخاً(١)؟! ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴾﴾ أي إن ربك كثير الخلق، خلَق كل شيء، واسع العلم، عليم بكل شيء، وهذا تقرير للمعاد، وإنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء، العليم بما تبدد من الأجساد، وتفرق في سائر أنحاء الأرض، فالجمیع صائرون إليه، محاسبون بين یدیه. فقه الحياة أو الأحكام: هاتان قصتان من قصص الأمم البائدة الظالمة المكذِّبة لرسلها، تهزّ أعماق البشر، وتحرِّك مشاعرهم، وتوقظ ضرورة الصحوة والمبادرة إلى ساحة الإيمان وصلاح الأعمال. فلقد كذب أصحاب الأيكة (قوم شعيب) رسولهم شعيباً، مع أنهم كانوا يرفلون بالنعم والخيرات الكثيرة المغدقة، فكانوا أصحاب غياض(٢) وریاض وشجر مثمر. وظلت بحكمة الله تعالى آثار مدينة قوم لوط وبقعة أصحاب الأيكة ماثلة مشاهدة قائمة، ليعتبر بهما من يمرّ عليهما. (١) تفسير الرازي: ٢٠٦/١٩ (٢) الأيكة: الغيضة، وهي جماعة الشجر، والجمع: الأَ يْك. ٠ ٣٧٢ الجُزءُ (١٤) - الحِ جر: ٧٨/١٥-٨٦ وكذلك كَذَّب أصحاب الحجر (ديار ثمود بين المدينة وتبوك) نبيهم صالحاً، فلم يؤمنوا برسالته، ومن كذب نبياً فقد كذب الأنبياء كلهم؛ لأنهم على دين واحد في الأصول، فلا يجوز التفريق بينهم. وكان عقاب هؤلاء المكذبين وهو التدمير والإبادة والهلاك التام عبرة للمعتبرين، ومثار تفكير وعظة للمتفكرين، فما أغنت عنهم الأموال والحصون في الجبال وقوة الأجسام. والله الخالق السماوات والأرض قادر على البعث والمعاد والقيامة لإقامة العدل بين الخلائق وحساب الناس أجمعين. وقد استنبط العلماء من الآيات في ضوء السنة ما يأتي: اً - كراهة دخول مواطن العذاب، ومثلها دخول مقابر الكفار، فإن دخل الإنسان إلى تلك المواضع والمقابر، فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي وَلّ مما ذكر سابقاً من الاعتبار والخوف والإسراع، وقد قال رسول الله وَالت: ((لا تَدْخلوا أرض بابل، فإنها ملعونة)). وهناك روايات أخرى لحديث ابن عمر عند البخاري وهي: أن رسول الله وَلّ لما نزل الحجْر في غزوة تَبُوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَبًا واستقينا، فأمرهم رسول الله وَط ◌ِّ أن يُهْرِيقوا الماء، وأن يطرحوا ذلك العجين. وفي لفظ آخر: إن الناس نزلوا مع رسول الله وَليل على الحجر - أرض ثمود، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله وَّر أن يُهرِيقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تَرِدها الناقة. أَ - عدم جواز الانتفاع بماء السخط، فراراً من سخط الله؛ لأن النبي أمر بإهراق ماء بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به، وتقديمه علفاً للإبل. وهذا ينطبق على الماء النجس وما يعجن به. ٣٧٣ لُزُ (١٤) - الجِجْر: ٧٨/١٥-٨٦ ◌َّ - قال مالك: إن ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن تعلفه الإبل والبهائم؛ إذ لا تكليف عليها. وكذلك قال في العسل النجس: إنه يعلفه النحل. - أمر رسول الله وَ لم بعلف ما عجن بهذا الماء الإبل، ولم يأمر بطرحه، كما أمر في لحوم الحمر الإنسية يوم خيبر، فدل على أن لحم الحمير أشد في التحريم وأغلظ في التنجيس. ٥ - يجوز للرجل حمل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها؛ لأمره و ◌ّ و بعلف الإبل العجين. أَ - جواز التبرك بآثار الأنبياء والصالحين، وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم؛ لأمره وَلّ أن يستقوا من بئر الناقة. لاً - منع بعض العلماء الصلاة في موضع العذاب، وقال: لا تجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط، وبقعة غضب. فلا يجوز التيمم بترابها، ولا الوضوء من مائها، ولا الصلاة فيها. وقد روى الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله وَل قوله نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله)). وزاد المالكية: الدار المغصوبة، والكنيسة والبيعة، والبيت الذي فيه تماثيل، والأرض المغصوبة، أو موضعاً تستقبل فيه نائماً أو وجه إنسان، أو جداراً عليه نجاسة. لكن أجمع العلماء على جواز التيمم في الموضع الطاهر من مقبرة المشركين، وجواز الصلاة في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر. وقال مالك: لا يصلى على بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة. والممنوع مما ذكر مستثنى من قوله صلله فيما رواه الشيخان والنسائي عن جابر: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)). ٣٧٤ ◌ِلُ (١٤) - الجِجْر: ١٥ / ٨٧-٩٩ ٨ - لا يصلى في البستان (الحائط) الذي يلقى فيه النتن والعَذِرة لإصلاحه، حتى يسقى ثلاث مرات، لما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن النبي رَّ في الحائط يلقى فيه العَذِرة والنتن، قال: ((إذا سقي ثلاث مرات فصلِّ فيه)). أفضال اللّه تعالى على نبيه المصطفى صَلى له وَسَلم ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ﴿ لَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا وَقُلْ ٨٨ مَتَّغْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَنَا النَّذِيُرُ الْمُبِيْثُ ٨٩ كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْسِمِينَ () الَّذِينَ جَعَلُواْ ٩٣ ﴿﴿ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ فَوَرَبِّكَ لَنَسْشَلَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩١ الْقُرْءَانَ عِضِين الَّذِينَ ٩٥ ﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ فَأُصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهَا ءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّجِدِينَ ﴿ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ يقَوَّلُونَ ٩٩ اَلْيَقِيكُ القراءات: ﴿ وَالْقُرْءَانَ﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (والقران). ﴿إِنَّ أَنَا﴾: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (إني أنا). ﴿ فَاصْدَعْ﴾ : بإشمام الصاد صوت الزاي قرأ: حمزة والكسائي، وخلف. والباقون بالصاد الخالصة. ٣٧٥ الجُزُ (١٤) - الِحْر: ٨٧/١٥-٩٩ الإعراب: كَمَا أَنزَلْنَا﴾ الكاف متعلقة بقوله: ﴿ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ اُلْمَثَانِىِ﴾ ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا ٤، أو متعلقة بقوله: ﴿أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾، أي أنذرُكم ٩٠ عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ من العذاب ﴿ كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى الْمُفْتَسِمِينَ وهم الذين اقتسموا طرق مكة ٩٠ وعقابها، يمنعون الناس عن استماع كلام النبي وَلّ. عِضِينَ﴾ أي جعلوه أعضاء، حين آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، و﴿ عِضِينَ﴾ جمع عِضة. ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ ما: إما اسم موصول بمعنى الذي، و﴿تُؤْمَرُ﴾ صلته، وعائده محذوف تقديره: فاصدع بالذي تؤمر به، كما حذف من قوله تعالى: ﴿أَهَذَا أُلَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١/٢٥] أي بعثه الله، ومثل: أمرتك الخير أي أمرتك بالخير، وإما أن تكون ((ما)) مصدرية، أي فاصدع بالأمر. ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ﴾: صفة، وقيل: مبتدأ، ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فَسَوْفَ﴾. البلاغة: ﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ عطف عام وهو القرآن على خاص وهو الفاتحة. ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيه استعارة تبعية، شبَّه خفض الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كلٍ، واستعير اسم المشبّه به للمشبّه. المفردات اللغوية: ﴿ اَلْمَثَانِ﴾ جمع مثنى، من التثنية وهو التكرير والإعادة، والسبع المثاني: هي الفاتحة، كما قال ◌َ له في حديث رواه الشيخان؛ لأنها تثنى في كل ركعة، وآياتها سبع ﴿لَا تَمُذَنَّ عَيْنَيَّكَ﴾ لا تطمح ببصرك إلى ما عند غيرك من حطام الدنيا. ﴿أَزْوَاجًا﴾ أصنافاً. ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إن لم يؤمنوا ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ ٣٧٦ الجُزُ (١٤) - الجِجْرُّ: ١٥ / ٨٧-٩٩ ألن جانبك، والمراد به: التواضع واللين، مأخوذ من خفض الطائر جناحه على فرخه: إذا غطاه وضمه إليه. ﴿الَّذِيرُ﴾ من عذاب الله أن ينزل عليكم و﴿النَّذِيرُ﴾ المخوّف بعقاب الله من لم يؤمن به . ﴿اَلْمُبِينٌ﴾ البيّن الإنذار، أي أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا. ( كَمَآ أَنْزَلْنَا﴾ العذاب. ﴿عَلَى الْمُفْتَسِمِينَ﴾ هم الاثنا عشر الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، لينفروا الناس عن الإيمان بالرسول وَر، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. وقيل: هم أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ﴿اَلْقُرْءَانَ﴾ حيث قال المشركون عناداً: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين. وإذا كان المراد أهل الكتاب فالقرآن: كتبهم المنزلة عليهم، آمنوا ببعض كتبهم، وكفروا ببعض، فيكون ذلك تسلية للنبي وَ ل﴾. عِضِينَ﴾ أجزاء، جمع عضة بمعنى الكذب، أي جعلوه مفترى، أو آمنوا سؤال توبيخ عن ببعض وكفروا ببعض . ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ التقسيم أو النسبة إلى السحر، فيجازيهم عليه، أو هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي. فليس المقصود بالسؤال سؤال استخبار واستعلام؛ لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ، فيقول لهم: لم عصيتم القرآن، وما حجتكم فيه؟ هذا قول ابن عباس. وقال عكرمة: إن القيامة مواطن، فمرة يكون هناك سؤال وكلام كما في هذه الآية، ومرة لا يكون هناك سؤال وكلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَّمَبِذٍ لَّا يُشَلُ عَن ذَنْبِهِةٍ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (9َ﴾ [الرحمن: ٣٩/٥٥]. ﴿فَأَصْدَعْ﴾ يا محمد. ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ به أي اجهر وأمضه، من صدع بالحجة: بك، بإهلاكنا كلا منهم ١٩٥ إذا تكلم بها جهاراً. ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ بآفة، وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود ٣٧٧ ◌ِلُعُ (١٤) - الجخرّ: ١٥ /٨٧-٩٩ ابن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم في الدارين. ﴿وَلَقَدْ﴾ للتحقيق. ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ أي ينقبض حسرة وحزناً. ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ من الاستهزاء والتكذيب. ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي قل: سبحانه وبحمده، أي التسبيح مقترناً بالحمد. ﴿السَّجِدِينَ﴾ المصلين. ﴿اَلْيَقِيرُ﴾ الموت. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حَزَبه أمر فزع إلى الصلاة. سبب النزول: نزول الآية (٩٥): ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ﴾: أخرج البزار والطبراني عن أنس بن مالك قال: مر النبي وَالر على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي، ومعه جبريل، فغمز جبريل بأصبعه، فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحاً حتى نتنوا، فلم يستطع أحد أن يدنو منهم، فأنزل الله: ﴿إِنَّا ٩٥ كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ المناسبة: لما صبّر الله تعالى محمداً على أذى قومه، وأمره بأن يصفح الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمداً وَل و بها؛ لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه، سهل عليه الصفح والتجاوز. التفسير والبيان: وتالله لقد أعطيناك وأنزلنا عليك أيها الرسول السبع المثاني والقرآن العظيم، والسبع المثاني: هي سورة الفاتحة، ذات الآيات السبع، التي تُثْنَى وتكرر في كل ركعات الصلاة، والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها. روى البخاري حديثين في تفسير السبع المثاني، الأول عن أبي سعيد بن المعلى، والثاني عن أبي هريرة. ٣٧٨ لِلُ (١٤) - الجِغْر: ٨٧/١٥-٩٩ أما حديث أبي سعيد فقال: ((مرّ بي النبي ◌َّر، وأنا أصلّي، فدعاني، فلم آتّه حتى صليت، فأتيته فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٨/ ٢٤] ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أَخرُج من المسجد؟ فذهب النبي وَلّ ليخرج، فذكَّرتُه فقال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)». وأما حديث أبي هريرة فقال: قال رسول الله وَلي: ((أم القرآن: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم)). وقيل: السبع المثاني: هي السبع الطوال: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة؛ لتكرار القصص والأحكام والحدود وتثنيتها فيها. وقيل: المراد بالسبع المثاني: جميع القرآن، ويكون العطف من باب الترادف، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه. والراجح أن تفسير البخاري نص في أن الفاتحة: السبع المثاني. ولا مانع - كما قال ابن كثير - من وصف غيرها بذلك، لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضاً، والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة(١). ثم رتب تعالى على هذا العطاء العظيم قوله: ﴿لَا تَمُذَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي لا تطمح أيها الرسول - والخطاب لأمته - إلى ما متعنا به الأغنياء من زينة الحياة الدنيا، فمن وراء ذلك عقاب شديد، واستغن بما آتاك الله من القرآن العظيم (١) تفسير ابن كثير: ٥٥٧/٢ ٣٧٩ اِلُحُ (١٤) - الجِْر: ٨٧/١٥-٩٩ عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية. والمقصود: فاخر بما أوحي إليك، وقدِّر عظمة نعمته عليك، ولا تنظر إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية، لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تتحسر عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك، وإذا كنت في نعمة عظمى، هانت أمامها بقية النعم وكانت حقيرة. وهذا دليل على أن القرآن ثروة كبرى وخير وفلاح. ونظير الآية: ﴿ وَلَا تَمُذَنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ [طه: ١٣١/٢٠]. قال أبو بكر رضي الله عنه: من أوتي القرآن، فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أُوتي، فقد صغّر عظيماً، وعظّم صغيراً. ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيَّهِمْ﴾ أي ولا تتأسف على المشركين إذا لم يؤمنوا، ليتقوى بهم الإسلام، ويعتز بهم المسلمون. وقيل: المعنى: لا تحزن على ما متعوا به في الدنيا، فلك في الآخرة أفضل منه. وبعد النهي عن الالتفات لأغنياء الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين فقال : ﴿ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ألن جانبك وتواضع للمؤمنين، ولا تجافهم ولا تقس عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرُهُمْ فِى اُلْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣]. ثم وجهه تعالى لوظيفته، وهي الإنذار فقال: ﴿وَقُّلْ إِنَّ أَنَا النَّذِيرُ﴾ أي وقل يا محمد للناس: إني منذر ومحوِّف من عذاب أليم، بسبب التكذيب والتمادي في الغي، كما حل بالأمم المتقدمة المكذبة لرسلها، وما أحاط بهم من انتقام وعذاب. ٣٨٠ الجُزُ (١٤) - الجَخْر: ١٥ /٨٧-٩٩ جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي وَلّ قال: ((إنما مَثَلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العُرْيان، فالنَّجاءَ النجاءَ، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مَهَلهم، فنجَوْا، وكذَّبه طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيشُ، فأهلكهم واجتاحَهم، فذلك مَثَلُ من أطاعني واتَّبع ما جئتُ به، ومَثَلُ من عصاني وكذّب ما جئت به من الحق)). الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ (®]) هناك ٩٠ ﴿كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ رأيان في تعلق قوله: ﴿كَمَا أَنزَلْنَا﴾(١). أحدهما - أن يتعلق بقوله ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ﴾ أي أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا التوراة والإنجيل على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) من قبلك، وهم المقتسمون الذين اقتسموا القرآن إلى أجزاء، فآمنوا ببعضه الموافق للتوراة والإنجيل، وكفروا ببعضه المخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل. وهذا مروي عند البخاري وسعيد بن منصور والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس. والثاني - أن يتعلق بقوله: ﴿وَقُلْ إِّ أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (﴾﴾ أي وأنذر قريشاً بالعذاب مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين - يعني اليهود - وهو ما جرى على قريظة والنضير، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز؛ لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان. فكل من هذين الرأيين جعل المقتسمين من أهل الكتاب، والمقتسم هو القرآن. ويجوز أن يراد بالقرآن كتبهم التي يقرؤونها، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ويكون هذا من باب التسلية للنبي ◌ّ﴿ حيث قال قومه عن القرآن؛ إنه سحر، أو شعر، أو كهانة. (١) الكشاف: ١٩٥/٢