Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
◌ِلُعُ (١٤) - الجَخْرِّ: ٢٦/١٥-٤٤
((لما صوّر الله تعالى آدم عليه السلام في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه،
فجعل إبليس يطيف به، وينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق خلقاً
لا يتمالك)»(١).
اً - كرم الله الأصل الإنساني، فأمر الملائكة بالسجود له سجود تحية
وتكريم، لا سجود عبادة، ولله أن يفضل من يريد، ففضل الأنبياء على
الملائكة، وامتحنهم الله بالسجود له تعريضاً لهم للثواب الجزيل.
◌َّ - سجد الملائكة له كلهم أجمعون إلا إبليس رفض وأبى، وإبليس ليس
من جملة الملائكة: ﴿إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠/١٨].
وهذا الاستثناء دليل للشافعي في جواز استثناء غير الجنس من الجنس،
مثل: لفلان علي دينار إلا ثوباً أو عشرة أثواب إلا رطل حنطة، سواء
المكيلات والموزونات والقيميات. وأجاز مالك وأبو حنيفة رضي الله عنهما
استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل، كاستثناء الدراهم من الحنطة
والحنطة من الدراهم، ولم يجيزا استثناء القيميات من المكيلات أو الموزونات،
كالمثالين المذكورين في بيان مذهب الشافعي، ويلزم المقرّ جميع المبلغ.
٤ - سئل إبليس عن سبب امتناعه من السجود، فأجاب بأنه مخلوق من
عنصر وهو النار أشرف من التراب.
٥ - كان عقاب إبليس الطرد من السماوات أو من جنة عدن أو من جملة
الملائكة، وملازمة اللعنة له إلى يوم القيامة.
٩ - سأل إبليس تأخير عذابه، زيادة في بلائه، كالآيس من السلامة،
وأراد الإنظار إلى يوم يبعثون: ألا يموت؛ لأن يوم البعث لا موت فيه ولا
(١) أي لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات، أو لا يملك دفع الوسواس عنه.
٣٤٢
لُعُ (١٤) - الِحْر: ٤٥/١٥-٤٨
بعده، فأجله الله تعالى إلى الوقت المعلوم: وهو النفخة الأولى، حين تموت
الخلائق.
لاً - صمم إبليس على مدى الحياة إغواء بني آدم وإضلالهم عن طريق
الهدى، إلا المؤمنين سواء أكانوا مخلصين أم غير مخلصين، فلا سلطان له
عليهم في أن يلقيهم في ذنب يمنعهم عفو الله، وهم الذين هداهم الله واجتباهم
واختارهم واصطفاهم.
٨ - قول الله: ﴿هَذَا صِرَطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ على سبيل الوعيد والتهديد،
كقولك لمن تهدده: طريقك علي، ومصيرك إلي، ومعنى الكلام: هذا أي طريق
العبودية طريق مرجعه إلي، فأجازي كلاً بعمله.
١)﴾ و﴿إِلَّا مَنِ أَنْبَعَكَ مِنَ
١ - استثناء ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
اُلْغَاوِينَ﴾ دليل على جواز استثناء القليل من الكثير، والكثير من القليل،
مثل: علي عشرة إلا درهماً، أو عشرة إلا تسعة. وقال ابن حنبل: لا يجوز أن
يستثنى إلا قدر النصف فما دونه، وأما استثناء الأكثر من الجملة فلا يصح.
١٠ - إن جهنم موعد إبليس ومن اتبعه. ولجهنم سبعة أطباق، طبق فوق
طبق، لكل طبقة حظ معلوم. وجهنم أعلى الدركات، وهي مختصة بالعصاة من
أمة محمد نصير. والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.
جزاء المتقين يوم القيامة
أُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ◌َإِنِينَ
١٤٥
﴿إِنَ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَغُيُونٍ
وَنَزَعْنَا مَا فِى
٤٦
صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا
هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ
٤٨
القراءات:
﴿ وَعُيُونٍ﴾ :
٣٤٣
لُ (١٤) - الِحْر: ٤٥/١٥-٤٨
وقرأ ابن كثير، وابن ذكوان، وحمزة، والكسائي (وعُيُون).
وَعُيُونٍ ، أَدْخُلُوهَا﴾ :
كسر التنوين وصلاً: أبو عمرو، وابن ذكوان، وعاصم، وحمزة. وضمه
الباقون.
الإعراب:
﴿إِخْوَانًا﴾ حال من ﴿الْمُنَّقِينَ﴾ أو من واو ﴿اَدْخُلُوهَا﴾ أو من الضمير في
﴿ءَامِنِينَ﴾.
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَِلِينَ﴾ حال أيضاً.
البلاغة:
﴿اَدْخُلُوْهَا بِسَلَمٍ﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي يقال لهم: ادخلوها.
المفردات اللغوية:
﴿إِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين اتقوا الكفر والفواحش (جَنَّاتٍ﴾ بساتين
﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار جارية ﴿بِسَلَمٍ﴾ أي سالمين من المخاوف والآفات ﴿ءَامِنِينَ﴾
من كل فزع ﴿غِلّ﴾ حقد وحسد دفين في القلب ﴿سُرُرٍ﴾ جمع سرير، وهو
المجلس العالي عن الأرض ﴿مُنَقَبِلِينَ﴾ لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران
الأسرّة بهم ﴿نَصَبٌّ﴾ تعب وإعياء ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ أبداً.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٥):
﴿إِنَّ الْمُنَّفِينَ﴾: أخرج الثعلبي عن سلمان الفارسي أنه لما سمع قوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَتَمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (®﴾ فرّ ثلاثة أيام هارباً من الخوف، لا
٣٤٤
الجُرُ (١٤) - الِحْر: ٤٥/١٥-٤٨
يعقل، فجيء به للنبي وَّر، فسأله فقال: يارسول الله، أنزلت هذه الآية:
﴾ فوالذي بعثك بالحق، لقد قطّعت قلبي،
٤٣
﴿وَإِنَّ جَهَتََّ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (
فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُنَّفِينَ فِى جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
٤٥
٠
نزول الآية (٤٧):
﴿ وَنَزَعْنَا﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في
أبي بكر وعمر: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ﴾ قيل: وأي غل؟ قال: غل
الجاهلية، إن بني تميم، وبني عدي، وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية عداوة،
فلما أسلم هؤلاء القوم تحابّوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن
يده، فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أتبعه ببيان حال
السعداء من أهل النعيم المقيم الذين لا سلطان لإبليس عليهم، وهم المتقون.
التفسير والبيان:
إن المتقين الذين اتقوا عذاب الله ومعاصيه، وأطاعوا أوامره، واجتنبوا
نواهيه، فلم يتأثروا بسلطان إبليس ووساوسه، هم في جنات أي بساتين ذات
ثمار دائمة وظلال وارفة، وتتفجر من حولهم عيون هي أنهار أربعة: من ماء،
ولبن، وخمر غیر مسکرة، وعسل مصفی، خاصة بهم أو عامة، دون تنافس أو
نزاع عليها، كما قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن مٍَّ غَيْرِ
ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنْ لََّنٍ لَّمْ يَنَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَهَرٌ مِّنْ خَرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَرِنَ وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ
مُصَفَّىّ وَلَهُمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمْ﴾ [محمد: ١٥/٤٧].
يقال لهم: ادخلوها سالمين من الآفات،
٤٦
ءَامِنِينَ
ادخلُوهَا
بِسَلَمِ
مسلَّماً عليكم، آمنين من كل خوف وفزع. ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع
ولا فناء.
٣٤٥
الجُزُ (١٤) - ◌ِالجَّْرّ: ٤٥/١٥-٤٨
﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ﴾ ونزع الله كل مافي صدورهم في الدنيا من
حقد وعداوة، وضغينة وحسد، حالة كونهم إخواناً متحابين متصافين،
جالسين على سرر متقابلين، لا ينظر الواحد منهم إلا لوجه أخيه، ولا ينظر
إلى ظهره، فهم في رفعة وكرامة.
والمراد: أن الله طهر قلوبهم من معكّرات الدنيا، فلا تحاسد، ولا
تباغض، ولا تدابر، ولا غيبة ولا نميمة، ولا تنازع، وألقي فيها التوادّ
والتحابّ والتصافي؛ لأن خصائص المادة زالت بالموت في الدنيا.
جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله وَليل قال: ((يخلُص
المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من
بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا، أُذن لهم في دخول
الجنة)).
وروى ابن جرير وابن المنذر عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال: دخل عمران
ابن طلحة على علي رضي الله عنه، بعدما فرغ من أصحاب الجمَل، فرحَّب به
وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى
صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ ﴾﴾ فقال رجلان إلى ناحية
البساط: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس، وتكونون إخواناً؟! فقال علي
رضي الله عنه: قُوما أبعد أرض وأسحقها، فمن هم إذن، إن لم أكن أنا
وطلحة؟.
﴿لَا يَمَتُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي لا يصيبهم في تلك الجنات تعب ولا مشقة
ولا أذى، إذ لا حاجة لهم إلى السعي والكدح، لتيسير كل ما يشتهون أمامهم
دون جهد. جاء في الصحيحين: ((إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة
من قَصَب، لا صَخَبَ فيه، ولا نَصَبَ)).
﴿ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَحِينَ﴾ أي وهم ماكثون فيها، خالدون فيها أبداً، لا
٣٤٦
لالُعُ (١٤) - الِحْرّ: ٤٥/١٥-٤٨
يُخرجون منها ولا يُحِوَّلون عنها. جاء في الحديث الثابت: ((يقال: يا أهل
الجنة، إن لكم أن تصحّوا فلا تمرضوا أبداً، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا
أبداً، وإن لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تقيموا فلا تطغوا
(٢٨) ) [الكهف: ١٨ /
أبداً». وقال الله تعالى: ﴿خَلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا
١٠٨] .
والخلاصة: إن مقومات النعيم والثواب والمنافع ثلاثة: الاقتران
بالاطمئنان والاحترام، وهو قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ◌َامِنِينَ
،
٤٦
والصفاء من شوائب الضرر والمعكرات الروحية كالحقد والحسد، والجسمية
كالإعياء والمشقة، وهو قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا﴾
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ والدوام والخلود بلا زوال، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا
هُم مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - إن جزاء المتقين الذين اتقوا الفواحش والشرك جنات أي بساتين
وعيون هي الأنهار الأربعة: ماء وخمر ولبن وعسل. ويقال لهم: ادخلوها
بسلامة من كل داء وآفة، آمنين من الموت والعذاب، والعزل والزوال، فهم
في احترام وتعظيم. والقول الحق الصحيح وهو قول جمهور الصحابة والتابعين
أن المراد بالمتقين: الذين اتقوا الشرك بالله تعالى والكفر به. وقال المعتزلة: هم
الذين اتقوا جميع المعاصي.
أَ - لا يتعرض أهل الجنة لشيء من الأضرار والمؤذيات، فهم في خلوص
من شوائبها الروحانية كالحقد وغيره، والجسمانية كالتعب والمرض، وهم في
نعمة وكرامة لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، تواصلاً وتحايُباً.
(١) تفسير الرازي: ١٩/ ١٩٣
٣٤٧
الجُزُ (١٤) - الجَخْر: ٤٩/١٥-٥٠
◌َ - إن نعيم الجنة دائم لا يزول، وإن أهلها باقون: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا
بِمُخْرَجِينَ﴾ ﴿أَكُلُهَا دَآئِهٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥/١٣] ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن
نَّفَادٍ {وَجَ﴾ [ص: ٥٤/٣٨].
٤ - الجنات أربع والعيون أربع، أما عدد الجنات فلقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ
[الرحمن: ٤٦/٥٥] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِمَا جَنَّنَانِ
خَافَ مَقَامَ رُبِهِ، جََّانِ
٦٢
[الرحمن: ٦٢/٥٥]. وأما العيون فهي أربعة أيضاً وهي المذكورة في الآية
المتقدمة: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾.
المغفرة والعذاب
وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ اُلْعَذَابُ
نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
٥٠
اُلْأَلِيمُ
القراءات:
﴿عِبَادِىّ أَنِّ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (عباديَ أني).
البلاغة:
نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنَّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ اُلْعَذَابُ
ة
يوجد مقابلة بين العذاب والمغفرة، وبين الرحمة والعذاب.
٥٠
الْأَلِيمُ
المفردات اللغوية:
﴿نَبِّئْ﴾ أخبر يا محمد. ﴿اُلْغَفُورُ﴾ للمؤمنين. (الرَّحِيمُ﴾ بهم.﴿وَأَنَّ
عَذَابِ﴾ للعصاة. ﴿الْأَلِيمُ﴾ المؤلم.
٣٤٨
الُ (١٤) - الججرّ: ٤٩/١٥-٥٠
قال البيضاوي: وفي ذكره المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي
الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها، وفي توصيف ذاته بالمغفرة والرحمة دون
التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده.
سبب النزول:
أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: مرّ رسول الله وَله بنفر من
أصحابه يضحكون، فقال: ((أتضحكون، وذِكْر الجنة والنار بين أيديكم،
فنزلت هذه الآية: ﴿﴿ نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ
((@
٥٠
هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن رجل من أصحاب النبي وَّ قال:
اطلع علينا رسول الله ﴿ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: ((لا
أراكم تضحكون، ثم أدبر ثم رجع القَهْقرى، فقال: إني خرجت حتى إذا كنت
عند الحجْر، جاء جبريل، فقال: يا محمد، إن الله يقول: لم تُقْنِط عبادي:
﴿﴿ نَبِىْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
﴾)). وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه قال في قوله: ﴿نَبِئْ عِبَادِىّ﴾
٥٠
الآية: بلغنا أن رسول الله بَل* قال: ((لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورّع من
حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبَخَّع نفسه)).
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أحوال المتقين في الآية المتقدمة، ذكر أحوال غير
المتقين في هذه الآية، فقال: ﴿نَبِّئَّ عِبَادِىّ﴾ وهو إخبار عن سنة الله في عباده
أنه غفار لذنوب التائبين المنيبين إلى ربهم، ومعذّب بعذاب مؤلم من أصروا على
المعاصي ولم يتوبوا منها.
التفسير والبيان:
أخبر يا محمد عبادي أني ذو مغفرة ورحمة، وذو عذاب أليم. وهذا دال على
٣٤٩
الجُزُ (١٤) - الجِحْرّ: ٤٩/١٥-٥٠
مقامي الرجاء والخوف. فالله تعالى يستر ذنوب من تاب وأناب، فلا يفضحهم
ولا يعاقبهم، ويرحمهم فلا يعذبهم بعد توبتهم. وهذا يشمل المؤمن الطائع
والعاصي.
وأخبرهم أيضاً بأن عذابي لمن أصرّ على الكفر والمعاصي ولم يتب منها هو
العذاب المؤلم الشديد الوجع. وهذا تهديد وتحذير من اقتراف المعاصي.
ففي الآية كغيرها من الآيات الكثيرة جمع بين التبشير والتحذير، والترغيب
والترهيب، ليكون الناس بين حالي الرجاء والخوف.
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن قتادة أنه قال في قوله تعالى:
﴿نَبِىّ عِبَادِىّ﴾ الآية: بلغنا أن رسول الله بَ له قال: ((لو يعلم العبد قدر عفو
الله، لما تورّع من حرام، ولو يعلم العبد قدر عذاب الله، لبَخَع نفسه)).
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله وَ ل قال: ((إن الله
سبحانه خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة،
وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر كل الذي عنده من رحمة
لم ييأس من الرحمة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله تعالى من العذاب لم
يأمن من النار)).
ورواية مسلم هي: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته
أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنِط من رحمته أحد)».
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية دليل آخر على وسطية الإسلام، فينبغي للإنسان أن يذكّر نفسه
وغيره، فيخوِّف ويرجِّي، ويكون الخوف في حال الصحة أغلب عليه منه في
حال المرض، فهو في حال دائمة بين الخوف والرجاء؛ لأن القنوط إياس،
والرجاء إهمال، وخير الأمور أوسطها.
٣٥٠
لُزُ (١٤) - الِحْر: ٤٩/١٥-٥٠
فالله تعالى وسعت رحمته كل شيء، وهو كثير المغفرة لمن تاب وأناب،
ولكنه أيضاً لتحقيق التوازن وقمع الفاحشة والمنكر والشرك شديد العذاب لمن
أصرّ على معصيته، ومات قبل التوبة والإنابة، وذلك هو العدل المطلق.
وكل من اعترف بالعبودية ظهر في حقه كون الله غفوراً رحيماً، ومن أنكر
ذلك، كان مستوجباً للعقاب الأليم؛ لأنه كما يقول الأصوليون: ترتيب
الحكم على الوصف يشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم أو ((تعليق
الحكم بالمشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق)). فقد وصفهم بكونهم عباداً له، ثم
ذكر عقيب هذا الوصف: الحكم بكونه غفوراً رحيماً.
قال الرازي: وفي الآية لطائف:
﴿عِبَادِىّ﴾ وهذا تشريف
إحداها - أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله :
عظیم.
وثانيها - لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة هي: ﴿أَنّ﴾
و﴿أَنَا﴾ وإدخال الألف واللام على قوله: ﴿اٌلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. ولما ذكر
العذاب لم يقل: إني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: ﴿وَأَنَّ
٥٠
عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
وثالثها - أنه أمر رسوله بأن يبلغهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على
نفسه في التزام المغفرة والرحمة.
ورابعها - أنه لما قال: ﴿نَبِّئَّ عِبَادِىّ﴾ كان معناه: نبئ كل من كان معترفاً
بعبوديتي، وهذا يدخل فيه المؤمن المطيع والمؤمن العاصي. وكل ذلك يدل على
تغليب جانب الرحمة من الله تعالى(١).
(١) تفسير الفخر الرازي: ١٩٤/١٩ - ١٩٥
٣٥١
الُُ (١٤) - الحِجْر: ١٥/ ٥١-٧٧
قصة ضيف إبراهيم وإخبارهم بإهلاك قوم لوط
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ إِنَّا مِنَكُمْ
٥١
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ عَلَّ أَنْ
وَجِلُونَ ﴿٨ قَالُواْ لَا نَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُلَكَ بِغُلَمٍ عَلِيمِ (٥)
مَّسَّتِىَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴿﴿ قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِّنَ الْقَلِطِينَ
٥٥
﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا
قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ، إِلَّا الضَّالُونَ
إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِذَا
٥٨
قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ
الْمُرْسَلُونَ
٥٧
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَذَّرُنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ
٥٩
لَمُنَبُوهُمْ أَجْمَعِينَ
قَالُواْ بَلْ جِئْنَكَ بِمَا
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكُرُونَ
(٦١
ءَالَ لُوطٍ اُلْمُرْسَلُونَ
وَأَيْنَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ
كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ
مِّنَ الَّتْلِ وَأَنَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
﴿ وَقَضَيْنَا
وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
٦٦
إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَتَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ مُصْبِحِينَ
٦٩
وَنَقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ
٦٨
يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ
قَالُواْ أَوَلَمَّ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ (٣٥) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيٌ إِن كُمْ فَعِلِينَ ﴿ لَعَمْرَ
إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرِمْ يَعْمَهُونَ
، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴿ فَجَعَلْنَا عَزِلِيَهَا سَافِلَهَا
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِلْمُتَوَسِمِينَ (١٥) وَإِنَّهَ
لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
القراءات:
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾:
وقرأ حمزة (نَبْشُرك).
﴿ تُبَشِّرُونَ﴾ :
قرئ:
٣٥٢
الجُعُ (١٤) - الِحْر: ٥١/١٥-٧٧
١- (تَبْشُرون) وهي قراءة نافع.
٢- (تبشرونٌ) وهي قراءة ابن كثير.
٣- (تُبَشِّرون) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَقْنَطُ﴾ :
وقرأ أبو عمرو، والكسائي (يَقْنِط).
﴿ لَمُنَجُوهُمْ﴾ :
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (المُنُّجُوهم).
جِئْتَكَ﴾ :
وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً (جيناك).
﴿فَأَسْرٍ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير (فاشر).
﴿ بَنَاتِىّ﴾:
وقرأ نافع (بَناتِيَ).
الإعراب:
﴿فَبِمَ﴾ هي ما الاستفهامية دخلها معنى التعجب، أي فبأي أعجوبة
تبشروني؟
﴿تُبَشِّرُونَ﴾ فتحت النون؛ لأنها نون الجمع، قياساً على فتحها في جمع
الاسم، نحو الزيدونَ، كما كسرت النون بعد ضمير الفاعل إذا كان مثنى في
٣٥٣
الجُزءُ (١٤) - الِاخْرُ: ٥١/١٥-٧٧
نحو (تفعلانٍ) قياساً على كسرها في تثنية الاسم، نحو ((الزيدانٍ)) حملاً للفرع على
الأصل. و﴿ تُبَشِّرُونَ﴾ هنا فعل متعدٍ، والمفعول محذوف.
وقرئ: ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بنون خفيفة مكسورة، وأصله: تبشرونني، فاجتمع
حرفان متحركان من جنس واحد، وهما نون الوقاية ونون الإعراب، فحذف
إحداهما تخفيفاً، وحذفت ياء الإضافة وبقيت الكسرة قبلها تدل عليها.
وقرئ ﴿ُبَشِّرُونَ﴾ بنون مشددة مكسورة، ولما استثقل اجتماع النونين
المتحركتين، سكّن النون الأولى، وأدغمها في الثانية، قياساً على كل حرفين
متحركين من جنس واحد في كلمة واحدة. ثم حذفت الياء وبقيت الكسرة قبلها
تدل علیھا.
﴿إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ منصوب؛ لأنه استثناء منقطع؛ لأن (أتباع لوط) ليسوا
من القوم المجرمين. و﴿أَمْرَأَنَهُ﴾ منصوب على الاستثناء من آل لوط. وهذا
الاستثناء يدل على أن الاستثناء من الإيجاب نفي ومن النفي إيجاب؛ لأنه
استثنى آل لوط من المجرمين، فلم يدخلوا في الإهلاك، ثم استثنى من آل لوط
﴿أَقْرَأَتَهُ﴾ فدخلت في الهلاك.
﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ﴾ لما دخلت اللام علقت الفعل عن العمل، مثل:
﴿ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١/٦٣].
﴿أَتَّ دَابِرَ﴾ منصوب على البدل من موضع ﴿ذَلِكَ﴾ إن جعل الأمر عطف
بيان، أو بدل من ﴿اَلْأَمْرَ﴾ إن كان ﴿اَلْأَمْرَ﴾ بدلاً من ﴿ذَلِكَ﴾.
و﴿قُصْبِحِينَ﴾ حال من ﴿هَؤُلَاءِ﴾. وعامل الحال معنى الإضافة: ﴿دَابِرَ
هَؤُلاءِ﴾ من المضامّة والممازجة.
﴿عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ أي عن ضيافة العالمين، فحذف المضاف وأقام المضاف
إليه مقامه.
٣٥٤
الجُرُ (١٤) - الخضر: ٥١/١٥-٧٧
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ﴾ مبتدأ، والخبر محذوف، أي لعمرك قسمي.
البلاغة:
﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَرِينَ﴾ أسند فعل التقدير إلى الملائكة مجازاً وهو لله
وحده، لما لهم من القرب.
﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعُ تُصْبِحِينَ﴾ كناية عن عذاب الاستئصال.
﴿عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ بينهما طباق.
(الْقَيِطِينَ﴾ ﴿الْغَرِينَ﴾ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ ﴿قُصْبِحِينَ﴾ ﴿مُشْرِقِينَ﴾
لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ فيها سجع، وكذا في ﴿الضَّالُّونَ﴾ ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿لَصَدِقُونَ﴾
المفردات اللغوية:
﴿وَنَبِئْهُمْ﴾ أخبرهم وهو معطوف على ما سبق وهو: ﴿نَبِىِّ عِبَادِىّ﴾ وفي
العطف تحقيق لهما ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة،
منهم جبريل، بشروه بالولد، وبهلاك قوم لوط. وكلمة ضيف تستعمل بلفظ
واحد للمفرد والمثنى والجمع والمؤنث والمذكر. ﴿فَقَالُواْ سَلَمًا﴾ أي نسلم عليك
سلاماً، أو سلمنا سلاماً. ﴿وَجِلُونَ﴾ خائفون فرعون. ﴿لَا نَوَجَلْ﴾ لا تخف.
﴿إِنَّا﴾ رسل ربك. ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل.
(بِغُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ أي ذي علم كثير إذا بلغ، هو إسحاق، لقوله تعالى:
﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ﴾ [هود: ٧١/١١].
﴿ أَبَشَّرْتُمُونِ﴾ بالولد. ﴿عَّ أَنْ مَسَّنِىَ اُلْكِبَرُ﴾ حال، أي مع مسّه إياي.
﴿فَبِمَ﴾ فبأي شيء. ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجب. ﴿ِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر المحقق
الذي لا شك فيه، أي بالصدق أو باليقين. ﴿اَلْقَنِطِينَ﴾ الآيسين من الولد
للكبر . ﴿ وَمَن يَقْنَطُ﴾ أي لا يقنط. ﴿الضَّالُّونَ﴾ الكافرون الذي لا يعرفون
٣٥٥
الجُزُ (١٤) - الخضر: ٥١/١٥-٧٧
كمال قدرته تعالى وسعة رحمته، أو البعيدون عن الحق. ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ ما
شأنكم وحالكم؟ والخطب: الأمر الخطير. ﴿ُجُرِمِينَ﴾ كافرين، هم قوم
لوط، وأرسلنا لإهلاكهم . ﴿لَمُنَُّوهُمْ﴾ لمخلّصوهم مما هم فيه؛ لإيمانهم.
﴿قَدَّرْنَا﴾ قضينا وكتبنا، والتقدير: جعل الشيء على مقدار معين، وأسند
الملائكة التقدير لأنفسهم مع أنه هو فعل الله تعالى، لما لهم من القرب
والاختصاص به.
﴿الْغَبِينَ﴾ الباقين في العذاب؛ أي بقيت امرأته في العذاب لكفرها.
﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ﴾ أي لوطاً. ﴿قَالَ﴾ لوط لهم. ﴿مُّكُرُونَ﴾ أي لا
أعرفكم . ﴿بِمَا كَانُواْ فِيهِ﴾ أي قومك. ﴿يَمْتَرُونَ﴾ يشكّون، وهو العذاب.
﴿لَصَدِقُونَ﴾ في قولنا.
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ اذهب بهم ليلاً. ﴿يِقِطْعِ مِّنَ الَّيْلِ﴾ بجزء أو طائفة من
الليل. ﴿ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ﴾ امش خلفهم أو على إثرهم. ﴿ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾
لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم، أو يطلع على أحوالهم، فيرى من الهول ما لا
يطيقه، أو فيصيبه ما أصابهم . ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ إلى حيث أمركم الله، وهو
الشام أو مصر، ففيه تعدية الفعل: ﴿وَأَمْضُواْ﴾ إلى حيث، وتعدية:
﴿ تُؤْمَرُونَ﴾ إلى ضميره المحذوف. ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ أوحينا إلى لوط. ﴿أَنَّ
دَابِرَ﴾ آخر. ﴿مَقْطُوٌُ﴾ مهلَك مستأصَل. ﴿قُّصْبِحِينَ﴾ حال، أي يتم
استئصالهم في الصباح، أي عند طلوع الصبح.
﴿وَجَآَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ مدينة سدوم، وهي مدينة قوم لوط، أي جاء قوم
لوط لما أخبروا أن في بيت لوط مرداً حساناً وهم الملائكة. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ حال،
طمعاً في فعل الفاحشة بهم، والاستبشار: إظهار السرور . ﴿فَلَ نَفْضَحُونِ﴾ في
ضيفي، والفضيحة: إظهار ما يوجب العار، فإن من أسيء إلى ضيفه فقد
أسيء إليه. ﴿ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ﴾ في اقتراف الفاحشة. ﴿ وَلَا تُخْزُونِ﴾ ولا تذلون
٣٥٦
لُ (١٤) - الجِّعْرُ: ١٥ /٥١-٧٧
بسببهم، والخزي: الذل والهوان أي لا تلحقوا بي ذلاً بقصدكم إياهم، بفعل
الفاحشة بهم، أو لا تخجلوني فيهم، من الخزاية وهو الحياء.
﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ أي عن إضافتهم أو إجارة أحد منهم، أو لمَ
تمنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرضون لكل غريب، وكان لوط يمنعهم عنه
بقدر وُسْعه . ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِىَ﴾ يعني نساء القوم، فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم،
أو هؤلاء بناتي فتزوجوهن. ﴿إِن كُتُمْ فَعِلِينَ﴾ أي قضاء الوطر. ﴿لَعَمْرُكَ﴾
يكون بفتح العين حال القسم، وهو قسم من الله تعالى بحياة المخاطب وهو
النبي ◌َّرَ، أي وحياتك، والعمر: بفتح العين وضمها: الحياة. ﴿سَكْرَنِهِمْ﴾
غوايتهم . ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون. ﴿اَلْصَّيْحَةُ﴾ صيحة جبريل، وهي الصاعقة،
قال ابن جرير: وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة . ﴿ مُشْرِقِينَ﴾ وقت
شروق الشمس، أي داخلين في وقت الشروق.
﴿عَلِيَهَا﴾ أي قراهم. ﴿سَافِلَهَا﴾ بأن رفعها جبريل إلى السماء وأسقطها
مقلوبة إلى الأرض، فصارت منقلبة بهم . ﴿سِجِيلٍ﴾ طين متحجر، طبخ
بالنار، وهو لفظ معرَّب. ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ المذكور. ﴿لَيَتٍ﴾ دلالات على
وحدانية الله. ﴿لِلْمُتَوَسّمِينَ﴾ للناظرين المتفكرين المعتبرين. ﴿وَإِنَّهَا﴾ قرى قوم
لوط. ﴿لَبِسَبِيلٍ ◌ُّقِيمٍ﴾ على طريق قومك قريش إلى الشام، بنحو واضح لم
تندرس آثارها، يمر بها الناس ويرون آثارها، أفلا يعتبرون بها. ﴿لَآَيَةً﴾ لعبرة.
{ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسله.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى دلائل التوحيد، وأحوال القيامة، وصفة الأشقياء
والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء عليهم السلام ليكون سماعها مرغباً في
الطاعة الموجبة للفوز بدرجات الأنبياء، ومحذراً عن المعصية لاستحقاق
دركات الأشقياء. وكان ذكر هذه القصص تفصيلاً للوعد والوعيد، فبدأ أولاً
٣٥٧
◌ِلُعُ (١٤) - الجَحْر: ٥١/١٥-٧٧
بقصة إبراهيم عليه السلام للبشارة بغلام عليم، ثم ذكر إهلاك قوم لوط،
لاقترافهم جريمة فاحشة ما سبقهم بها أحد من العالمين.
التفسير والبيان:
وأخبرهم يا محمد عن ضيوف إبراهيم المكرّمين، وهم الملائكة الذين
أرسلهم الله لإهلاك قوم لوط، فقالوا حين دخلوا عليه: سلاماً، أي سلاماً
من الآفات والآلام والمخاوف. وكان إبراهيم عليه السلام يكنى: أبا الضيفان.
فقال إبراهيم للضيوف: إنا خائفون منكم؛ لدخولهم عليه بلا إذن، أو لما
رأى أيديهم لا تمتد إلى ما قربه إليهم من الضيافة، وهو العجل السمين الحنيذ
(المشوي بالحجارة المحماة). وهذا يعني أنهم يبيتون شراً، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا
رَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَصِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠/١١].
فأجابوه بقولهم: ﴿لَا نَوْجَلْ﴾ لا تخفْ، وفي سورة هُودٍ: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّ
أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠/١١] فهذا تعليل النهي عن الوجل في تلك
السورة، وأما هنا فعلوا ذلك بقولهم: ﴿إِنَّا نُكَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ أي أتينا
لبشارتك بميلاد غلام ذي علم وفطنة وفهم لدين الله؛ لأنه سيكون نبياً، وهو
إسحاق عليه السلام، كما تقدم في سورة هود [٧١] وفي سورة الصافات:
﴿ وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ
﴾ [الصافات: ١١٢/٣٧].
﴿ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِ﴾ أجاب إبراهيم متعجباً من مجيء ولد حال كبره وكبر
زوجته، ومتحققاً من الوعد، أبشرتموني بذلك بعد أن أصابني الكِبر، فبأي
أعجوبة تبشروني، أو إنكم تبشرونني بما هو غير متصور في العادة، فبأي شيء
تبشرونٍ؟ يعني لا تبشرونني في الحقيقة بشيء؛ لأن البشارة بمثل هذا بشارة
بغير شيء.
فأجابوه مؤكدين لما بشروه به: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ أي قال ضيوف
٣٥٨
لُعُ (١٤) - الِغْرِ: ١٥/ ٥١-٧٧
إبراهيم له: بشرناك بما هو حق ثابت؛ إذ هو صنع الله ووعده الذي لا
يتخلف، فلا تكن من القانطين اليائسين، فالذي أوجد الإنسان من التراب
من غير أب وأم قادر على إيجاده من أي شيء، كأبوين عجوزين، أي إن
إبراهيم استعظم نعمة الله عليه في وقت غير مألوف عادة، لا أنه استبعد ما هو
داخل في نطاق القدرة الإلهية.
فأجابهم ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ﴾ أي أجاب إبراهيم الضيوف بأنه ليس يقنط،
فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك، ولا ييأس من رحمة الله إلا
الضالون: أي المخطئون طريق الصواب، كما قال يعقوب: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيِّئَسُ
مِن رَّوَجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧/١٢].
ثم بعد تأكد إبراهيم الخليل عليه السلام من هذه البشرى وعلمه أنهم
ملائكة، وذهاب الروع عنه، سألهم عن أمرهم بسبب مجيئهم مختفين: ﴿قَالَ
فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ أي قال لهم: فما شأنكم وما الأمر الذي أرسلتم به غير البشرى
أيها الملائكة المرسلون؟ كأنه فهم من قرائن الأحوال أن لهم مهمة أصلية غير
البشرى؛ لأن البشرى كما حدث لزكريا ومريم يكفيها واحد.
فأجابوه: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآَ﴾ أي قالوا له: إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين
مشركين هم قوم لوط، الذين يتعاطون المنكر، ويأتون الرجال شهوة من دون
النساء، لنهلکھم.
ثم أخبروه أنهم سينجّون آل لوط جميعهم من بينهم إلا امرأته التي كانت
متواطئة مع قومها، فإنها من الغابرين، أي الباقين مع الكفرة الهالكين، فإنا
مخلصوهم أجمعين من ذلك العذاب: عذاب الاستئصال، إلا امرأة لوط،
قضى الله عليها أن تكون مع المهلكين، لإعانتهم على مقاصدهم الخبيثة.
وقد أضاف الملائكة التقدير في قولهم: ﴿قَدَّرْنَآَ﴾ إلى أنفسهم، مع أنه الله
تعالى، لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى، كما يقول خاصة الملك:
دَبَّرنا كذا وأمرنا بكذا، والآمر هو الملك، وليس هم.
٣٥٩
الجُزءُ (١٤) - الجِّغْر: ١٥/ ٥١-٧٧
ثم بدأت قصة الدمار والعذاب ومجيئهم إلى لوط عليه السلام ﴿فَمَّا جَآءَ ءَالَ
أُوطٍ اُلْمُرْسَلُونَ ﴾﴾ أي لما انتهت مهمة الملائكة مع إبراهيم فبشروه بالولد،
وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين، ذهبوا بعدئذ إلى لوط وآله في
صورة شباب حسان الوجوه، في بلدهم (سدوم) ولم يعرف لوط وقومه أنهم
ملائكة الله، كما لم يعرفهم إبراهيم بادئ ذي بدء، فقال لهم لوط: ﴿قَالَ
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ (٣)﴾ أي إنكم قوم غير معروفين لدي، تنكركم نفسي،
وأخاف أن تباغتوني بشر، فمن أي الأقوام أنتم؟! كما جاء في آية أخرى:
﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطَا سِىّءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧/١١] . وقيل:
أنكر حالتهم، وخاف عليهم من إساءة قومه، لما رآهم شباناً مُرْداً حسان
الوجوه.
فأجابوه ﴿بَلْ جِئْنَكَ بِمَا كَانُوْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي قالت الملائكة له:
جئناك بما يسرّك، وهو عذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكون في
وقوعه بهم، ویکذبونك فيه قبل مجيئه.
ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: ﴿وَأَنَّتَكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالأمر المحقق واليقين
والأمر الثابت الذي لا شك فيه، وهو عذاب قوم لوط، وهذا مثل قوله
تعالى ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَتَئِكَةَ إِلَّا بِالْحِ﴾ [الحجر: ٨/١٥].
﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ وهذا تأكيد آخر، أي وإنا لصادقون فيما أخبرناك به،
من هلاكهم ونجاتك مع أتباعك المؤمنين.
وإنما وصفوا مهمتهم بهذا الوصف، ولم يصرحوا بعذابهم، لإفادة تحقق
عذابهم، وإثبات صدقه عليه السلام فيما دعاهم إليه.
ثم جاءت مرحلة التنفيذ وبيان خطة النجاة للوط وأتباعه، فقالوا له:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اَلَيْلِ﴾ أي فسر بأهلك بعد مضي جزء من الليل،
وأهله: ابنتاه فقط ﴿ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ﴾ أي وامش وراء أهلك ليكون أحفظ لهم.
٣٦٠
لُ (١٤) - الِحْر: ٥١/١٥-٧٧
﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنَكُمْ أَحَدٌ﴾ أي إذا سمعتم الصيحة بالقوم، فلا تلتفتوا إليهم،
وذروهم فيما أصابهم من العذاب والنكال، حتى لا يرق قلبه لهم.
وأكدوا النهي بقوله: ﴿ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي سيروا بأمر ربكم غير
ملتفتين إلى ما وراءكم، إلى الشام، كما قال ابن عباس، أو حيث يوجهكم
جبريل الذي أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة، لم يعمل أهلها مثل عمل قوم
لوط.
وأوحى الله إليه أن التنفيذ سريع الحصول فقال: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ
اٌلْأَمْرَ﴾ أي وأوحينا إليه أو تقدمنا إليه أن أمر هلاكهم مقضي قضاء مبرماً،
وأن آخر هؤلاء وأولهم مستأصل وقت الصباح، كقوله في الآية الأخرى:
﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الضُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١/١١]. فقوله: ﴿دَابِرَ
هَؤُلَاءِ﴾ يعني آخرهم، أي يستأصلون عن آخرهم، حتى لا يبقى منهم أحد.
ثم ذكر الله تعالى في ثنايا القصة ما عزم عليه قوم لوط من الإساءة لهؤلاء
الضيوف، فقال: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (4) أي جاء قوم لوط
أهل سدوم، حين علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، مستبشرين بهم فرحين،
أملاً في ارتكاب الفاحشة معهم. وهذا جرم فظيع، وأمر مستهجن، ينافي
الأعراف والأذواق السليمة من إكرام الغريب والإحسان إليه.
قيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن، اشتهر خبرهم حتى وصل إلى
قوم لوط. وقيل: إن امرأة لوط أخبرتهم بذلك. وعلى أي حال قال القوم: نزل
بلوط ثلاثة من المرْد، ما رأينا قط أصبح وجهاً، ولا أحسن شكلاً منهم،
فذهبوا إلى دار لوط.
فقال لهم لوط جملتين مؤثِّرتين، الأولى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ﴾
أي هؤلاء ضيوف، فلا تفضحوني فيهم، أي بارتكاب ما يؤدي إلى العار
معهم، والضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموهم بالسوء، كان ذلك إهانة لي.