Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ الْمُرُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٣٠-٣٤ محمد صاحب الرسالة والرسول وبيان عظمة القرآن وقدرة الله شاملة كَذَلِكَ أَرْسَلْتَكَ فِيَ أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ قُلْ هُوَ رَبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ مَنَاپٍ اَلْمَوْنَىّ بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَأْتِفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهُدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيُهُم بِمَا صَنَعُواْ فَارِعَةُ أَوْ تَحُلُّ قَرِيِبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْنِىَ وَعْدُ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اُلْمِيْعَادَ ﴿ وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن أَفَمَنْ هُوَ قَابِهُ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْنُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ قُلْ سَمُوهُمْ أَمْ تُنِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى اُلْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوْ مَكْرُهُمْ وَصُدُواْ عَنِ السَِّلِ وَمَنْ لَهُمْ عَذَابٌ فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ فَـ ٣٤ لَهُمْ مِّنَ اَللَّهِ مِن وَافٍ القراءات: ﴿ قُرْءَانًا﴾ : وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (قراناً). ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾: قرئ: ١- (ولقدِ استهزئ) وهي قراءة أبي عمرو، وعاصم، وحمزة. ٢- (ولقدُ استهزئ) وهي قراءة الباقين. ﴿ وَصُدُّواْ﴾: ١٨٢ لُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٣٠-٣٤ وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (وصَدّوا). الإعراب: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾: جواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف، أي لكان هذا القرآن. وما بعده جمل فعلية في موضع نصب؛ لأنها صفة قرآن. وجاء ﴿سُتِرَتْ﴾ و﴿قُطِّعَتْ﴾ بلفظ التأنيث لتأنيث الجبال والأرض، وجاء ﴿كُلِمَ بِهِ الْمَوْنَى﴾ على التذكير، لوجود الفصل الذي يتنزل منزلة إلحاق التأنيث. ﴿أَوَ تَّحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ﴾ ﴿تَحُلُّ﴾: إما للتأنيث، أي قارعة تحل قريباً من دارهم، وهي جملة فعلية في موضع رفع صفة: قارعة، وتقديره: قارعة حالة، وإما للخطاب، أي أو تحل أنت قريباً من دارهم، وهو معطوف على خبر ﴿وَلَا يَزَالُ﴾ أي: ولا يزال الكافرون تصيبهم بصنيعهم قارعة، أو حالاً أنت قريباً من دارهم. البلاغة: كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ﴾ : تشبيه مرسل مجمل. المفردات اللغوية : كَذَلِكَ﴾ أي مثل ذلك وهو إرسال الرسل، أي كما أرسلنا الأنبياء قبلك أرسلناك ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا﴾ مضت وتقدمتها أمم ﴿لِنَتْلُوَأْ﴾ تقرأ ﴿الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي القرآن ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ حيث قالوا لما أمروا بالسجود له: وما الرحمن؟ أي وهم يجحدون ببليغ الرحمة، فلم يشكروا نعمه ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ﴾ لا مستحق للعبادة سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نصرتي عليكم ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾ مرجعي ومرجعكم. ﴿سُبِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي نقلت عن أماكنها ﴿أَوْ قُطِعَتْ﴾ شققت فجعلت ١٨٣ لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٣٠-٣٤ عيوناً وأنهاراً، أو تصدعت من خشية الله عند قراءته ﴿أَوْ كُلِمَ بِهِ الْمَوْنَىّ﴾ بأن يحيوا لما آمنوا ﴿بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي لله القدرة على كل شيء، لا لغيره، فلا يؤمن إلا من شاء إيمانه دون غيره، إن أوتوا ما اقترحوا، وهو إضراب عما تضمنته ﴿لَّوْ﴾ من معنى النفي، أي بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك، لعلمه بأن قلوبهم لا تلين له. ﴿يَأَْسِ﴾ المراد يعلم، وهو لغة هوازن، وهو رأي الأكثر، وقيل: هو يأس على الحقيقة، أي أفلم ييأس الذين آمنوا من إيمانهم، مع ما رأوا من أحوالهم، علماً منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً. ﴿أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اَللَّهُ﴾ ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، أي إنه لو شاء الله لهدى الناس جميعاً إلى الإيمان من غير آية، ومعناه: نفي هدى بعض الناس، لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكة ﴿بِمَا صَنَعُواْ﴾ بصنعهم أي كفرهم ﴿قَارِعَةٌ﴾ داهية تقرعهم بصنوف البلاء من القتل والأسر والحرب والجدب، وتفزعهم وتقلقهم ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أي القارعة، ويجوز أن يكون الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، فإنه حل بجيشه قريباً من دارهم عام الحديبية، أو إنه حل مكة ﴿حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ بالنصر عليهم، أو الموت أو القيامة أو فتح مكة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لا متناع الكذب في كلامه، وقد حل بالحديبية حتى أتى فتح مكة. ﴿وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَ﴾ أي كما استهزئ بك، وهذه تسلية للنبي وَلَّهِ ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ صِے أمهلت مدة طويلة ﴿ثُمَّ أَخَذَتُهُمْ﴾ بالعقوبة، أي هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك. وهذه تسلية للنبي وَّهِ ﴿فَائِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ رقيب وحافظ عليها ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ بما عملت من خير وشر، وهو الله، کمن لیس كذلك من الأصنام، لا ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ له من هم، أي صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ﴿تُلُِّنَهُ﴾ بل تخبرون الله ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ١٨٤ الُزْءُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ٣٠-٣٤ اُلْأَرْضِ﴾ أي بشريك، والاستفهام إنكار، أي لا شريك له، إذ لو كان لعلمه ﴿أَمْ﴾ بل تسمونهم شركاء ﴿أَمْ بِظَهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ﴾ بظن باطل لا حقيقة له في الواقع ﴿مَكْرُهُمْ﴾ كفرهم ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ طرِيق الهدى ﴿لَّمْ عَذَابٌ فِىِ الْحَيَّةِ اُلُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر ﴿وَلَعَذَابُ اُلْآَخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشد وأنكى منه ﴿وَمَا لَهُم ◌ِنَ اللَّهِ﴾ من عذابه ﴿مِن وَاقٍ﴾ مانع أو حافظ. سبب النزول: نزول الآية (٣١): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾: أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس، قال: قالوا للنبي وَّ: إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأُوَل، نكلمهم من الموتى، وافسح لنا هذه الجبال - جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ اٌلْجِبَالُ﴾ الآية. ورواية ابن جرير وأبي الشيخ بن حيان الأنصاري عن ابن عباس أنهم قالوا: سيِّر بالقرآن الجبال، قطّعْ بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطية العوفي قال: قالوا للنبي تَّ: لو سيرت لنا جبال مكة، حتى تتسع، فتحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض، كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى، كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾ الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله بَّه: إن كنت نبياً كما تزعم، فباعد جَبَلي مكة أَخْشَبيْها (جبلين فيها) هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة، فإنها ضيقة، حتى نزرع فيها ونرعى، وابعث لنا آباءنا من الموتى، حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي، أو احملنا إلى الشام أو اليمن أو إلى الحيرة، حتى نذهب ونجيء في ليلة، كما زعمت أنك فعلته، فنزلت هذه الآية. ١٨٥ لُجُزْعُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٣٠-٣٤ المناسبة: بعد أن قص الله علينا ما طلبه المشركون من آيات تثبت نبوة محمد دولية، أوضح أن محمداً كغيره من الرسل مع أقوامهم، طلبوا الآيات من أنبيائهم، وأجابهم الله إلى مطلبهم، ولكنهم لم يؤمنوا، فعذبوا بعذاب الاستئصال. ولو أرادوا آية، فقد أعطيناك هذا الكتاب، وأنت تتلوه، والله قادر على كل شيء من الإتيان بما اقترحوه، ولكنه لا يحقق المقصود. ثم هددهم الله بداهية تحل بهم، ثم أتبع ذلك بتسلية النبي ◌َّر على استهزائهم به. التفسير والبيان: مثلما أرسلنا رسلاً في الأمم الماضية، أرسلناك يامحمد في هذه الأمة لتبلغهم رسالة الله إليهم، وما أوحيناه إليك، وقد كُذِّب الرسل من قبلك، فلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، قال تعالى: ﴿ثَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣/١٦] وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتََّ أَنَنُهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ ٣٤ [الأنعام: ٣٤/٦]. والخلاصة: إننا أرسلناك بكتاب تبلّغه للناس وتقرؤه عليهم، کما أرسلنا رسلاً إلى أمم من قبلك، ولما كذّب الرسل، انظر كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة. ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنَّ﴾ أي والحال أن هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، لا يقرون به، ولا يشكرون نعمه وفضله، وقالوا: إن له شريكاً. ﴿قُلْ هُوَ رَبِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي قل لهم: إن الرحمن الذي تكفرون به، ١٨٦ الُرُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٣٠-٣٤ أنا مؤمن به معترف، مقرّ له بالربوبية والألوهية، فهو متولي أمري وخالقي، وهو ربي لا إله إلا هو، لا رب غيره ولا معبود سواه. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي توكلت عليه في جميع أموري، وفوضتها إليه، ووثقت به. ﴿ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ﴾ أي إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه، أو إليه توبتي، بمعنى قوله: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنِْكَ﴾ [غافر: ٥٥/٤٠]. ثم بَيَّن الله تعالى عظمة القرآن وشأنه وتفضيله على سائر الكتب المنزلة قبله، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا﴾ [الرعد: ٣١/١٣] أي لو كان هناك في الكتب الماضية كتاب تسيّر بتلاوته الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتشقق وتجعل أنهاراً وعيوناً، أو تكلم به الموتى في قبورها بإحيائهم بقراءته، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، بل هو الأولى لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ولأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لا شتماله على الأدلة الكونية الدالة على وجود الصانع، والأحكام والأنظمة التي تصلح البشر وتسعدهم في الدارين. والآية مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ. خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ الَّهَّ﴾ [الحشر: ٩ ﴿ بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ بل مرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فماله من مضل، فهو سبحانه صاحب الإرادة والأمر في إنزال الآيات، وهو القادر على كل شيء، فلو كان تحقيق طلب ما اقترحوه مناسباً مشتملاً على الحكمة والمصلحة، لأنجزه تعالى، ولكن كفى بالقرآن آية لأولي الألباب، والإرادة الإلهية لم تتعلق بغير ذلك؛ لعلمه تعالى ألّا فائدة في مجاراتهم، وأن قلوبهم لا تلين، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، فكان الإضلال والهداية مرتبطاً بنظام ١٨٧ لُرُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ /٣٠-٣٤ السببية، أي إن الله أنزل في القرآن آيات كافية للهداية، فمن أعرض عنها ضل، فكان ترك الآيات سبباً في ضلاله. ﴿أَفَلَمْ يَأْتِفَسِ﴾ أي ألم يعلم المؤمنون أن الله قادر لو شاء على هداية الناس أجمعين إلى الإيمان بالقرآن. أو ألم ييأس الذين آمنوا من إيمان جميع الخلق، ويعلموا أو يتبينوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً إلى دينه، فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ، ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن. ثبت في الصحيح الذي رواه البخاري أن رسول الله وَلّ قال: ((مامن نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)). والمراد: أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلّق على كثرة الرد، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار، قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي لا تزال القوارع والبلايا من القتل والأسر، والسلب تصيب الكافرين في الدنيا بسبب تكذيبهم لك وتماديهم في الكفر، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ اُلْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأحقاف: ٤٦ /٢٧] . ﴿حَّ ◌َأَنِىَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١/١٣] حتي ينجز الله وعده لك فيهم، بنصرك عليهم، وهو فتح مكة كما قال ابن عباس وآخرون، أو حتى ينتهي هذا العالم بالنسبة إلى كفار آخرين. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ إن الله ينجز وعده الذي وعدك به، من النصر عليهم، ولا ينقض وعده لرسله بالنصر لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنْشِقَامِ [إبراهيم: ١٤/ ٤٧]. ٤٧ ١٨٨ الُءُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٣٠-٣٤ ثم أنزل الله تسلية لنبيه عن استهزائهم بطلب هذه الآيات، وتخفيفاً عما كان يشق عليه من ذلك، وعن تكذيب بعض قومه، فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهُزِئَ بِرُسُلٍ﴾ أي إن كذَّبك بعض قومك واستهزأ بك المشركون منهم، وطلبوا آيات منك عناداً ومكابرة، فاصبر على أذاهم، فلك في الرسل المتقدمين أسوة، ثم بين تعالى شأنه معهم فقال: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي أنظرتهم وأجّلتهم مدة من الزمان، ثم أوقعت بهم العذاب، فانظر كيف عقابي لهم حين عاقبتهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَا وَهِىَ ظَالِمَةُ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ اَلْمَصِيرُ (﴿٤﴾ [الحج: ٤٨/٢٢] وجاء في الصحيحين: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى (؟))). والمراد بالآية أني سأنتقم من هؤلاء وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدُ الكفار، كما انتقمت من أولئك المتقدمين. ثم ذكر الله تعالى ما يكون توبيخاً لهم على موقفهم وعقلهم، وما يدعو إلى التعجب منهم فقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِهُ﴾ أي إن الله مطلع على كل نفس، عالم بما يكسبونه من أعمال الخير أو الشر، ولا يخفى عليه خافية، قادر على كل شيء كما قال: ﴿وَمَا تَكُنُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ﴾ [يونس: ٦١/١٠] ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: ٥٩/٦] ﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود: ٦/١١] . رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِ كِتَبٍ مُبِينٍ وبما أن الله قادر على كل شيء وعالم بكل شيء، فكيف يجعلون القادر العالم كمن لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، وكيف يتخذونه رباً يطلبون منه النفع ودفع الضر؟! والمراد نفي المماثلة. ثم أكد تعالى ماسبق بقوله: ﴿ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ﴾ أي واتخذوا شركاء لله، عبدوها معه، من أصنام وأوثان وأنداد. ١٨٩ الُرءُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ٣٠-٣٤ ثم وبخهم مرة أخرى بقوله: ﴿قُلُ سَمُّوهُمْ﴾ أي صفوهم لنا، وأعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، وليسوا أهلاً للعبادة لعدم نفعهم وضرهم. ﴿أَمْ تُِّعُونَمُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي بل أتخبرونه بشركاء معبودين لا وجود لهم؛ لأنه لو كان لهم وجود في الأرض، لعلمهم؛ لأنه لا تخفى عليه خافية. وهذا نفي لوجودهم. والاستفهام: استفهام توبيخ. ﴿أَمَ بِظَهِرٍ مِّنَ اٌلْقَوْلِ﴾ أي بل أتسمونهم شركاء بظن من القول أنهم ينفعون ويضرون، أم بباطل من القول، أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَيْتُمُوهَاً أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤَّكُمُ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنٍّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الَنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّتِهِمُ الْهُدَىَ (جَ﴾ [النجم: ٢٣/٥٣]. والخلاصة: إن آية ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآَبِهُ﴾ حجاج للمشركين وتوبيخ لهم وتعجيب من عقولهم، ويقصد منه نفي الدليل العقلي والدليل النقلي على استحقاق تلك الشركاء للعبادة. ﴿بَلّ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ أي لا فائدة من هذا النقاش أو الحجاج معهم، فإنهم قوم زُيِّن لهم كفرهم وكيدهم: وهو ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار، كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُمٍ﴾ [فصلت: ٢٥/٤١]. ﴿ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلُ﴾ أي وصرفوا عن سبيل الحق وسبيل الله والدين القويم، بما زين لهم من صحة ماهم عليه. ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أي ومن يخذله الله لكفره وعصيانه، فماله من أحد يوفقه إلى الهداية وسلوك طريق النجاة والسعادة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ ١٩٠ اِلُحُ (١٣) - الرَّحْلِ: ١٣ / ٣٠-٣٤ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١/٥] وقوله سبحانه: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَنُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ ٣٧ [النحل: ٣٧/١٦]. ثم ذكر الله تعالى جزاءهم فقال: ﴿لَّمْ عَذَابٌ فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي لهم عقاب شديد في الدنيا بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر والذلة والحرب، أو البلايا في أجسامهم ونحو ذلك من المصائب. صِے ﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أي والعذاب المدخر في الآخرة أشد وأنكى من عذاب الدنيا، كما قال رسول الله وَ ل للمتلاعنين فيما رواه مسلم عن ابن عمر: ((إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)) لأن عذاب الدنيا مؤقت، وذاك دائم أبداً في نار، هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفاً. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍِ﴾ أي ومالهم ساتر يقيهم ويحفظهم من العذاب ويحميهم، ولا شفاعة لأحد عند الله إلا بإذنه. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على مايأتي: اً - إرسال الرسل قبل إرسال محمد ◌ًا﴾ كان ظاهرة عامة، قد يؤمن بهم بعض أقوامهم، وقد یکذبهم الأكثرون، ویکفرون بالرحمن. أَ - كما أرسل الله رسلاً إلى أمم وأعطاهم كتباً تتلى عليهم، كذلك أعطى الله نبيه محمداً وَليل هذا الكتاب (القرآن) وهو يتلوه عليهم، فلماذا اقترحوا غيره. ◌َّ - الله هو الإله بحق الذي لا إله غيره، ولا معبود سواه، وهو واحد بذاته، وإن اختلفت صفاته، عليه يتوكل العبد ويعتمد ويثق، وإليه مرجع ١٩١ لُ (١٣) - الرِّعْلِ: ١٣ /٣٠-٣٤ العباد غداً، وعليه يتوكل المؤمن اليوم وفي كل وقت، رضى بقضائه، وتسليماً لأمره. ٤ - لو كان هناك كتاب سماوي يقوم بنقل الجبال من أماكنها، وتفجير الأنهار والعيون وشق الأرض، وتكليم الموتى لإحيائها، لكان هذا القرآن، ولو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم. ٥ - ليعلم البشر أن الله لو يشاء لهدى الناس جميعاً من غير أن يشاهدوا الآيات، ويروا المعجزات، وينظروا في دلائل الكون. ولكن ما شاء تعالى هداية جميع الناس. أ - لا يزال الكافرون في كل زمان تصيبهم داهية مهلكة من صاعقة، أو أسر أو جدب أو زلزال أو بركان، أو غيرها من العذاب والبلاء كما نزل بالمستهزئين، وهم رؤساء قريش. وقد تصيب من حولهم ممن هو قريب منهم، فيتأثرون بالعذاب. لاَ - دلت آية ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَ﴾ على تسلية النبي وَلّهِ والتبصير له على سفاهة قومه، فإن أقوام سائر الأنبياء استهزؤوا بهم، كما أن قومك يستهزئون بك. ودلت أيضاً على تهديدهم، فإنه تعالى يمهلهم مدة ليؤمن من علم الله أنه يؤمن منهم، ثم لما حق القضاء أخذهم بالعقوبة، وكما صنع بمن قبلهم يصنع بمشرکی مکة، وبکل الكفار في كل زمان. ٨ - لا مماثلة إطلاقاً بين الله تعالى النافع والضارّ بسبب فعل العبد وبين الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، فالله تعالى هو القادر على كل شيء، وهو العالم بكل شيء، وتقدير الآية: أفمن هو قائم على كل نفس بالرقابة والحفظ بما كسبت كشركائهم التي لا تضر ولا تنفع؟! ـة - ليس للأصنام حقيقة تذكر، فلا وجود للشركاء مع الله، وما يعتمد ١٩٢ لُحُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ عليه المشركون إن هو إلا مجرد ظن لا يغني من الحق شيئاً، وباطل من القول لا يفيد شيئاً، وكل ما في الأمر أن الشيطان زين لهم سوء اعتقادهم وصدهم عن سبيل الله ودينه الحق، أو زين لهم ضلالهم وكفرهم. ٠ ١ - من يخذله الله ويعلم أنه لا يهتدي، فماله من هادٍ يقدر على هدايته وتوفيقه والأخذ بيده إلى طريق النجاة والسعادة. (أَ - للمشركين الصادّين عن الحق ودين التوحيد العذاب في الدنيا بالقتل والسبي والأسر والذم والإهانة، وغير ذلك من الأسقام والأمراض والمصائب، والعذاب الأشد في الآخرة، وليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله، ولا دافع يدفعه عنهم. ففي الآية إخبار بأنه تعالى جمع لهم بين عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة الذي هو أشق، وأنه لا دافع لهم عنه، لا في الدنيا ولا في الآخرة. صفة الجنّة وموقف أهل الكتاب صَلىالله من نبوة النّبي وَسَّكم وشبهات المشركين حولها مَّثَلُ اُلْجَنَّةِ اُلَتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونِّ تَجْرِى مِن تَحْنَهَا الْأَنْهَرِّ أُكُلُهَا دَآبِدٌ وَظِلُّهَ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ أَنَّقَوْ وَعُقْبَى الْكَفِرِينَ النَّارُ (﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اُلْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّاً أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَّ أُشْرِكَ بِدَّةٍ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ وَلَبِنِ اتَّعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ اُلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإِّ وَلَ وَاقٍ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابُ ﴿ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُخْبِتٌ ٣٩ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَبِ ١٩٣ الجُرُ (١٣) - الرَّحْلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ القراءات: ﴿أُكُلُهَا﴾: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أُكْلها). ﴿ وَيُثْبِتٌ﴾: قرئ: ١- (ويُثْبِت) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم. ٢- (ويثبِّت) وهي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿مَّثَلُ اُلْجَنَّةِ﴾ مبتدأ مرفوع، وخبره إما محذوف، تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الجنّة، وهو قول سيبويه، وإما قوله: ﴿تَجْرِى مِن تَحْنَهَا الْأَنْهَرِّ﴾ وهو قول الفرّاء. ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ منصوب على الحال. البلاغة: ٥ ١ وَكَذَلِكَ أنزلته تشبيه مرسل مجمل. ﴿أُكُلُهَا دَآئٌِ وَظِلُهَا﴾ فيه إيجاز بالحذف، أي وظلّها دائم، حذف منه الخبر بدليل السابق. ﴿ِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَعُقْبىَ اَلْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمّى المقابلة. ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ فيهما جناس اشتقاق. ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِثُ﴾ بينهما طباق. ١٩٤ لُرُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اَللَّهَ﴾ فيه قصر إضافي من قصر الموصوف على الصفة، أي ليس لك إلا الأمر بعبادة الله. ﴿وَلَيْنِ أَتَبَّعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ من باب التّهييج والإلهاب والبعث للسّامعين على الثَّبات في الدِّين والتَّصلُّب فيه، وعدم التأثّر بالشُّبهة بعد التَّمسُّك بالحجة، وإلا فكان رسول الله وَله من شدّة الشَّكيمة بمكان. المفردات اللغوية: ﴿مَّثَلُ اُلْجَنَّةِ﴾ أي صفتها التي هي مثل في الغرابة. ﴿أُكُلُهَا﴾ ما يؤكل فيها. (دَآبِرٌ﴾ لا ينقطع ثمرها ولا يفنى. ﴿وَظِلُهَا﴾ واحد الطِّلال، فيه خبر محذوف، أي دائم لا تنسخه شمس لعدمها فيها . ﴿تِلْكَ عُقْبَىَ﴾ أي الجنة عاقبة ﴿الَّذِينَ أَتَّقَواْ﴾ الشِّرك ومالهم ومنتهى أمرهم. ﴿وَّعُقْبَ اَلْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ لا غير، وفي ترتيب النّظمين إطماع للمتّقين وإقناط للكافرين. ﴿وَالَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ اُلْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المسلمين من أهل الكتاب، كعبد الله ابن سَلام وأصحابه من مؤمني اليهود، ومن آمن من النّصارى، وهم ثمانون رجلاً: أربعون بنجران، وثمانية باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة، أو عامّتهم، فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم. ﴿ اَلْأَخْزَابِ﴾ جمع حزب: وهو الطَّائفة المتحزِّبة، أي المجتمعة لشأن من الشؤون كحرب أو مكيدة ونحوهما، وهم الذين تحزَّبوا عليك من المشركين واليهود، مثل كعب بن الأشرف اليهودي وأصحابه. ﴿مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يخالف شرائعهم أو ما يوافق ما حرّفوه منها، وكذكر الرّحمن وما عدا القصص . ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ جواب للمنكرين، أي قل لهم: إنِّي أُمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وأوحِّده، ولا سبيل إلى إنكاره؛ وأما ما تنكرونه مما يخالف شرائعكم فليس ببدع اختلاف الشَّرائع والكتب الإلهية في جزئيات الأحكام . ﴿إِلَيْهِ أَدْعُواْ﴾ لا إلى غيره. ﴿وَإِلَيْهِ مَثَابٍ﴾ وإليه مرجعي ١٩٥ لُزْءُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ للجزاء، لا إلى غيره، وهذا هو القدر المتّفق عليه بين الأنبياء، وأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكارهم الاختلاف فيه. وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ﴾ أي مثل هذا الإنزال المشتمل على أُصول الديانات المجمع عليها . ﴿أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا﴾ أي أنزلنا القرآن يحكم بين الناس في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة. ﴿عَرَبِيًّا﴾ بلغة العرب، ليسهل لهم حفظه وفهمه .﴿ وَلَیِنِ اتَّعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ أي الكفار فيما يدعونك إليه من ملّتهم على سبيل الافتراض، كالصّلاة إلى قبلتهم بعدما حوّلت عنها. ﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ﴾ ينسخ ذلك. ﴿وَلٍِ﴾ ناصر. ﴿وَاقٍ﴾ حافظ أو مانع من عذابه، أي مالك من أحد ينصرك، ويمنع العقاب عنك، وهو حسم لأطماعهم، وتهييج للمؤمنين على الثبات على دينهم. ﴿أَزْوَجًا﴾ نساءً. ﴿وَذُرِّيَّةً﴾ أولاداً، كما هي لك. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ وما صحّ له ولم يكن في وسعه . ﴿أَن يَأْتِيَ بِئَايَةٍ﴾ تقترح عليه، وحكم يلتمس منه. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ بمشيئته وإرادته، فإنهم عبيد مربوبون لله تعالى. ﴿أَجَلٍ﴾ مدة أو وقت . ﴿ كِتَابٌ﴾ مكتوب فيه تحديده، أي لكل وقت وأمد تحديد أو حكم معين يكتب على العباد، على ما يقتضيه استصلاحهم. ﴿يَمْحُواْ اللّهُ مَا يَشَآءُ﴾ ينسخ ما يستصوب نسخه. ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يبقي ما يشاء من الأحكام حسبما تقتضي حكمته، وقيل: يمحو سيئات التائب، ويثبت الحسنات مكانها.﴿وَعِندَهُ, أُمُّ الْكِتَبِ﴾ أي أصل الكتب، وهو اللوح المحفوظ، وهو الذي لا يتغيَّر منه شيء، وهو ما كتبه في الأزل، فما من كائن إلا وهو مكتوب فيه، أو العلم الإلهي. ١٩٦ الجُزْءُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ /٣٥-٣٩ سبب النزول: نزول الآية (٣٨): قال الكلبي: عيَّرت اليهود رسول الله وَله وقالت: ما نرى لهذا الرّجل مهمّة إلا النِّساء والنكاح، ولو كان نبيّاً كما زعم، لشغله أمر التُّبوة عن النِّساء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً﴾(١). وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت قريش حين أنزل: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِثَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اُللَّهِ﴾: ما نراك يا محمد تملك من شيء، لقد فرغ من الأمر، فأنزل الله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِثُ﴾(٢). المناسبة: بعد أن ذكر الله تعالى عذاب الكفار في الدُّنيا والآخرة، أتبعه بذکر ثواب المتَّقين وما أعدّه للمؤمنين من جنّات النّعيم، وذلك هو شأن القرآن الكريم، إذا وصف النّار وعذابها، ذكر الجنّة ونعيمها، مثل المذكور في سورة الفرقان: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِلسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴿﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا ﴿ وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿﴿ لَا تَدْعُواْ الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَلِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا ١٥ [الفرقان: ١١/٢٥-١٦]. ثم ذكر تعالى فرح مؤمني أهل الكتاب بتوافق القرآن مع المنزل إليهم من ربِهم، وإنكار فئة آخرين لذلك. (١) أسباب النّزول للواحدي ١٥٨ (٢) لباب النّقول في أسباب النّزول بهامش تفسير الجلالين للسيوطي ٣٣٤ ١٩٧ لُعُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣/ ٣٥-٣٩ ثم أورد الله تعالى شبهات المشركين لإبطال نبوّة النَّبِي وَ لَّ، كالطّعن بتعدُّد الزّوجات، وعجزه عن الإتيان بالمعجزات، فردّ الله عليهم بأن محمداً وَله كسائر الأنبياء له أزواج وأولاد، وأن أمر المعجزات مفوّض إلى الله تعالى، لا إلى أحد سواه، وأن إنزال العذاب محدد بأجل معيَّن، ولكل أجل كتاب، أي لکل حادث وقت معیّن. التّفسير والبيان: فيما نقصّه عليك، أو فيما يتلى عليك صفة الجنّة ونعتها الذي يشبه المثل في الغرابة، تلك الجنّة التي وعدها الله للمتّقين، ذات أنهار تجري في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجّرونها تفجيراً، ويوجّهونها حيث أرادوا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَّ فِيهَا أَنْهَرٌ مِّن ◌ٍَّ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَرٌ مِّنْ أَبٍَ لَّمْ يَخَّرْ طَعْمُهُ, وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَرِبِنَ وَأَنْهٌَ مِّنْ عَسَلِ مُصَفَى وَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَسُقُواْ مَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ ﴾ [محمد: ١٥/٤٧] . ١٥) أَمْعَاءَ هُمْ ( ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُهَا﴾ أي ما يؤكل فيها من الفواكه والمطاعم والمشارب لا ينقطع، ولا يفنى، وكذلك ظلّها دائم لا ينسخ ولا يزول، فليس فيها شمس ولا حرّ ولا برد: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيَهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣/٧٦] . وفي الصَّحیحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه: قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئاً في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: ((إنِّي رأيت الجنّة، فتناولت منها عنقوداً، ولوأخذته لأكلتم منه ما بقيت الدُّنيا)). وبعد وصف الجنّة بهذه الصِّفات الثلاث، قال تعالى: ﴿تِلْكَ عُقْبَىَ﴾ أي تلك الجنّة هي عاقبة ومصير أهل التّقوى، وعاقبة الكافرين النار، بسببٍ كفرهم وذنوبهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُّ الْجَنَّةِ [الحشر: ٢٠/٥٩] . ٢٠ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ ٠٫٠ ١٩٨ الُرُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ والمراد أن ثواب المتقين منافع خالصة عن الشّوائب موصوفة بصفة الدّوام. والآية إطماع للمؤمنين المتّقين، وإقناط للكافرين. ثم ذكر الله تعالى انقسام أهل الكتاب فئتين من القرآن، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ﴾ أي والذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنّصارى قسمان: فالقائمون بمقتضاه يفرحون بما أنزل إليك من القرآن الكريم؛ لما في كتبهم من الشواهد على صدقه، والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَتْلُونَمُ حَقَّ تِلَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِءٌ﴾ [البقرة: ١٢١/٢]، وهم جماعة من اليهود كعبد الله ابن سَلام وأصحابه، وجماعة من النّصارى وهم ثمانون رجلاً من الحبشة واليمن ونجران. ومن الأحزاب، أي ومن جماعة أهل الكتاب الذين تحزَّبوا على رسول الله وَالر، مثل كعب بن الأشرف اليهودي، والسيد والعاقب أُسقفَيْ نجران وأتباعهم، من ينكر بعض ما جاءك من الحقّ، وهو ما لم يوافق شرائعهم أو ما حرّفوه منها. وأمام هذا الانقسام في الرأي بين اليهود والنّصارى بالنّسبة إلى القرآن الكريم ذكر تعالى طريق النّجاة والسّعادة، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أي قل يا محمد: إنّما بعثت بعبادة الله وحده لاشريك له، كما أُرسل الأنبياء من قبلي، فإلى سبيله وطاعته وعبادته أدعو الناس، وإليه وحده مرجعي ومصيري ومصيركم للجزاء والحساب. وذلك كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن (٦٤) ﴾ [آل عمران: ٦٤/٣]. دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ والآية تشير إلى مبدأ التّوحيد ورفض الشّرك، كما تشير إلى مبدأ البعث والحساب والجزاء يوم القيامة. ١٩٩ الجُرُ (١٣) - الرّعْدِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ ﴿وَكَذَلِكَ أَنَزَلْنَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب، كذلك أنزلنا عليك القرآن الكريم محكماً لا زيغ فيه، معرباً بلسان قومك، ليسهل عليهم فهمه وحفظه. وهذا دليل على أن كل رسول أُرسل بلغة قومه، كما قال تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِسُبَيِّنَ لَمْ﴾ [إبراهيم: ٤/١٤]. وأراد بالحكم: أنه يفصل بين الحقّ والباطل، ويحكم في الأمور، مبيّناً الحلال والحرام، والشّرائع والأنظمة المؤدية إلى سعادتي الدُّنيا والآخرة. ثم قال تعالى على سبيل الافتراض: ﴿وَلَيْنِ أَتَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ أي ولئن اتَّبعت آراءهم وجاملتهم، كالتّوجّه إلى قبلتهم في بيت المقدس بعد تحويلها إلى البيت الحرام، فليس لك ناصر ينصرك من الله، ولا حافظ ولا مانع يمنع عنك العقاب، وينقذك من العذاب. وهذا تعريض بهم على طريقة: (إياك أعني واسمعي يا جارة) وهو وعيد شديد لأهل العلم أن يتّبعوا سبل أهل الضَّلالة، بعدما عرفوا الدِّين الحقّ، وهو أيضاً حسم وقطع لأطماع الكفار، وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم. والخطاب للنَّبِي وَلَّ، والمراد: الأمة. ثم ردّ الله تعالى على طعن المشركين على النَّبِي وَّهِ بتعدُّد الزّوجات، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا﴾ أي وكما أرسلناك يا محمد رسولاً بشراً، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشراً، يأكلون الطّعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزّوجات، ولهم ذريَّة وأولاد، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىّ إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠/١٨]، وفي الصَّحيحين عن أنس أنّ رسول الله وَّه قال: ((أما أنا فأصوم وأُفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوّج النِّساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس مِّ))، وروى الإمام أحمد والتِّمذي عن أبي أيوب قال: قال رسول الله وَالر: ((أربع من سنن المرسلين: التّعطّر، والنكاح، والسّواك، والحناء)). ٢٠٠ لِلُّعُ (١٣) - الرَّعِ: ١٣ / ٣٥-٣٩ أما تعدُّد زوجات النبي بعد سنّ الأربع والخمسين - وهي سنّ تضعف فيه عادة الرغبة إلى النِّساء - فكان من أجل نشر الدَّعوة الإسلامية، وما تقتضيه المصلحة في التأليف بين القبائل العربية، وضرب المثل في الأخلاق والعدل بين الزّوجات والرّأفة ببعض النّساء تعويضاً عن زوجها الذي فقدته في الجهاد أو غيره. ثم ردّ الله على طعنهم بعجزه عن تلبية ما اقترحوه من آيات فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾. أي وما صحّ لرسول ولم يكن في وسعه أن يأتي قومه بمعجزة أو خارق للعادة، إلا إذا أُذن له فيه، ليس ذلك إليه، بل إلى الله عزّ وجلّ، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وقد جاءكم القرآن الكريم معجزة خالدة على ممر الزّمان، فيه تحدٍّ وإفحام يثبت كونه من عند الله تعالى. ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾ لكل حادث وقت معيَّن وزمن محدد، فالآيات تأتي في وقتها لحكمة وفي زمن يعلمه الله، وكل شيء عِنْده بمقدارٍ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ٤٩ [القمر: ٤٩/٥٤]، فقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلِ كِتَابٌ﴾ أي لكل مدّة كتاب مكتوب، مثل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَلٍ مُسْتَقَرٌ﴾ [الأنعام: ٦٧/٦]. وقال الزّمخشري: لكل وقت حكم يكتب على العباد، أي يفرض عليهم ما يقتضيه صلاحهم، والشَّرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات. فشرائع الأنبياء السَّابقين كموسى وعيسى عليهما السّلام، ثم شريعة محمد مرَله جاءت فيما يناسب عصورها، وأعمار النّاس وآجالهم وأرزاقهم وحدوث أعمالهم لها أوقات محددة لا تتقدّم ولا تتأخّر كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤/٧]. ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِتُ﴾ أي ينسخ الله ما شاء وما يستصوب نسخه من الشَّرائع، ويثبت بدله ما أراد إثباته وما رأى المصلحة في إثباته، وهو