Indexed OCR Text

Pages 161-180

٤
١٦١
لُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ١٧-١٩
والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس،
فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لا
تُمسك ماء، ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني
ونفع به، فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي
أرسلت به)) وهذا مثل مائي يشبه المثل الذي ضربه الله تعالى للمنافقين.
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة عن رسول الله وَليل أنه قال:
((مَثَلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش
وهذه الدواب التي يقعن في النار، يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه،
فيقتحمن فيها، فذلك مَثَلي ومثلكم أنا آخذ بحجَزكم عن النار، هلمَّ عن النار،
فتغلبوني، فتقتحمون فيها)) وهذا مثل ناري أبان فيه النبي ◌ُّل حرصه على إبعاد
أمته من النار، وتساقط بعضهم فيها كتساقط الفراش، وهو كالمثل الذي
ضربه الله للمنافقين.
ثم أبان الله تعالى مستأنفاً الكلام مصير أهل الحق وأهل الباطل، ومآل
السعداء والأشقياء، ترغيباً وترهيباً، فقال: ﴿لِلَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ﴾ أي الجنة
للذين أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية
والآتية، فلهم الجزاء الحسن ونعيم الجنة والثواب العظيم، كما قال تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦/١٠] وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا فَهُ جَآءَ الْحُسْنِىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًّا (َ﴾ [الكهف: ٨٨/١٨].
﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ أي والذين لم يطيعوا الله ورسوله، لا ينفعهم في
الآخرة الفداء بجميع ما في الدنيا وضِعْف ما فيها، أي لا يمكنهم في الدار
الآخرة أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهباً، ومثله معه. ولو كان لهم
ذلك لافتدوا به، ولكن لا يتقبل الله منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم
القيامة صرفاً ولا عدلاً، أي فداء وتوبة.

١٦٢
الُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ١٧-١٩
أولئك الذين لم يطيعوا الله لهم سوء العذاب في الدار الآخرة، ويناقشون
على كل ما قدموه، لا يغفر منه شيء، ومن نوقش الحساب عذب، ومرجعهم
إلى النار وبئس المستقر مستقرهم. وفي هذا تهويل شديد، وتخويف عظيم،
لغفلتهم من اتباع أوامر ربهم، وتقربهم إليه، وانغماسهم في شهواتهم.
ثم نزل في حمزة رضي الله عنه وأبي جهل، كما ذكر ابن عباس قوله تعالى:
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ﴾ أي لا يستوي من يعلم من الناس أن المنزل إليك يا محمد من
ربك هو الحق الذي لا شك فيه ولا لبس فيه، بل هو كله حق، فأخباره كلها
حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا
وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥/٦] أي صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الطلب، لا يستوي
من صدَّق بما جاء به محمد وَّةٍ، ومن لم يصدق به، وكان أعمى لا يستبصر،
ولا يهتدي إلى خير، ولا يفهمه، ولو فهمه، ما انقاد له ولا صدقه، ولا اتبعه.
إنما الذي ينتفع بهذه الأمثال ويعتبر بها ويتعظ ويعقل هم أولو العقول
السليمة، والأفكار الصحيحة، والآراء الرشيدة.
ونظير الآية: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
اَلْفَآبِزُونَ (َ﴾ [الحشر: ٢٠/٥٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
أبانت الآيات أموراً ثلاثة:
اً - تشبيه الحق والإيمان بالماء المستقر والمعدن النقي الصافي، وتشبيه
الباطل والكفر بالزبد الذي يعلو الماء، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية،
وتنسفه الرياح، أو تشبيهه بالطافي فوق المعدن المذاب فكذلك الكفر وشبهاته
وخيالاته تذهب وتضمحل، ويبقى الجوهر الصافي من الماء، والمعدن النقي.
وهذان المثلان اللذان ضربهما الله للحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله،
يلفتان النظر إلى عواقب الأمور.

١٦٣
الُ (١٣) - الرّحْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
وقيل وهو ما يروى عن ابن عباس: المراد تشبيه القرآن وما يدخل منه
القلوب بالمطر، لعموم خيره وبقاء نفعه، وشبّه القلوب بالأودية، يدخل فيها
من القرآن مثلما يدخل في الأودية بحسب سعتها وضيقها.
اً - للطائعين أهل السعادة الذين أجابوا إلى ما دعا الله من التوحيد
والنبوات الجزاء الحسن، وهو النصر في الدنيا، والنعيم المقيم غداً في الآخرة.
وللعصاة أهل الشقاوة الذين لم يجيبوا إلى الإيمان بنبوة محمد وَالت، لا
يتمكنون من فداء أنفسهم في الآخرة بملء الأرض ذهباً، ومثله معه، ولهم
سوء العذاب، فلا يقبل لهم حسنة، ولا يتجاوز لهم عن سيئة، ومسكنهم
ومقامهم النار، وبئس الفراش الذي مهدوا لأنفسهم، فهذه أربعة أنواع من
العذاب والعقوبة: عدم قبول الفداء، والتعرض لسوء الحساب، ومأواهم
جهنم، وبئس المهاد مهادهم أي بئس المستقر هي.
◌َّ - مثل آخر للمؤمن والكافر، روي أنه نزل في حمزة بن عبد المطلب رضي
الله عنه، وأبي جهل أخزاه الله، فالمؤمن بالمنزل من الله على نبيه، المتحقق
بصدقه، العامل بما بلغه إليه منه هو المستبصر الواعي العاقل، والكافر هو
الجاهل بالدين أعمى القلب، وأولو العقول هم المتعظون المعتبرون بذلك.
أوصاف أولي الألباب السعداء وجزاؤهم
وَاُلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ:
﴿ الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ
وَاُلَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَآَ وَجْهِ رَبِهِمْ
أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوْءَ اُلْحِسَابِ
وَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سَِّّا وَعَلَائِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَنَةِ السَِّئَةَ أُوْلَّكَ لَمْ
جَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَبَابِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ
عُقْبِىَ الدَّارِ
﴿٣َ سَلَمُّ عَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فِعْمَ عُقْبَىَ الَّارِ
وَالْعَلَبِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَنِهِم مِّن كُلِّ بَاٍ
٢٤

١٦٤
لُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
الإعراب:
﴿الَّذِينَ يُوُفُونَ﴾ إما صفة لأولي الألباب، وإما مبتدأ، خبره: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ
عُقْبىَ الذَّارِ﴾.
﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ مرفوع بالعطف على ضمير ﴿يَدْخُونَهَ﴾ المرفوع، وحَسُن
العطف لوجود الفصل بضمير المفعول. ويجوز نصبه على أنه مفعول معه. ولا
يجوز عطفه بالجر على ﴿لَّمْ عُقْبَى﴾ لأن العطف على الضمير المجرور إنما يكون
بإعادة حرف الجر. وأجاز الكوفيون ذلك من غير إعادة حرف الخفض.
﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿عُقْبَىَ الذَّارِ﴾، أو مبتدأ، خبره: ﴿يَدْخُلُونها)
﴿بِمَا صَبَرْتُ﴾ متعلق بعليكم، أو بمحذوف، أي هذا بما صبرتم، ولا
يتعلق بسلام؛ فإن الخبر فاصل، والباء: للسببية أو البدلية.
البلاغة:
﴿بِّرَّا وَعَلَائِيَّةً﴾ و﴿بِالْحَنَّةِ﴾ و﴿السَّيِّئَةَ﴾ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
﴿الَّذِينَ يُفُونَ بِعَهْدِ الَّهِ﴾ المأخوذ عليهم، وهم في عالم الذر أو كل عهد،
وهو ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: بلى، أو ما
عهده الله تعالى عليهم في كتبه . ﴿وَلَا يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ﴾ ما وثقوه من المواثيق
بينهم وبين الله تعالى وبين العباد، والنقض: الفك بترك الإيمان أو الفرائض،
وهو تعميم بعد تخصيص . ﴿﴿وَأَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ، أَن يُوصَلَ﴾ من الإيمان
بجميع الأنبياء عليهم السلام، والرحم وموالاة المؤمنين، ويندرج في ذلك
مراعاة جميع حقوق الناس. ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ تمتلئ قلوبهم مهابة منه وجلالاً
له. والخشية: الخوف مع العلم بمن تخشاه.

١٦٥
الُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
﴿ وَيَخَافُونَ سُوْءَ الْحِسَابِ﴾ فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويخشون خطر
الحساب. ﴿ وَاَلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على الطاعة والبلاء وعن المعصية. ﴿أَبْتِغَاءَ﴾ طلب.
﴿وَجْهِ رَبِهِمْ﴾ أي طلب رضاه، لا غيره من أغراض الدنيا، كالفخر أو
السمعة ونحوهما . ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ المفروضة. ﴿وَأَنْفَقُواْ﴾ في الطاعة بعض ما
رزقهم الله. ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويدفعون السيئة بالحسنة، فيجازون
الإساءة بالإحسان كالأذى بالصبر، والجهل بالحلم، أو يتبعون السيئة
الحسنة، فتمحوها . ﴿عُقْبَىَ الدَّارِ﴾ أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي
﴿جََّثُ عَدْنٍ﴾ إقامة يقيمون فيها. ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَآِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَتِمّ﴾ أي
ومن صلح، وإن لم يعملوا بعملهم، يكونون في درجاتهم تكرمة لهم، وهو
دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة، والتقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد
الأنساب لا تنفع . ﴿مِّنْ كُلِّ بَادٍ﴾ من أبواب الجنة أو من أبواب المنازل، أول
دخولهم للتهنئة.﴿سَلَمُ﴾ قائلين: سلام عليكم، بشارة بدوام السلامة. ﴿بِمَا
صَبَُّمْ﴾ بصبركم في الدنيا. ﴿فَنِعْمَ عُقْبَىَ الدَّارِ﴾ عقباكم.
المناسبة:
هذه الآية متعلقة بما قبلها، فهي تذكر الصفات الحميدة لأولي الألباب،
أو الصفات المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَِّكَ الْحَقُّ﴾
ومن اتصف بهذه الصفات لهم سعادة الدنيا والآخرة.
التفسير والبيان:
يصف الله تعالى أولي الألباب من المؤمنين الذين تحققوا من نبوة النبي محمد
وَّه واعتقدوا أن ما أنزل إليه هو الحق، يصفهم بالصفات التالية:
أ - الوفاء بالعهد:
الذين يوفون بما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبية الله تعالى،

١٦٦
لُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
وبالمواثيق بينهم وبين ربهم، وبينهم وبين العباد. وعهد الله: كل ما قام الدليل
على صحته من الأدلة العقلية والسمعية، والعهد: اسم للجنس، أي بجميع
فروض الله، وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل فيه التزام
جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي.
٢ - عدم نقض الميثاق:
أي لا يُخِلُّونَ بواجبات العهد والتزاماته، ولا ينقضون عهد الإيمان مع
ربهم، ولا بالعقود التي يبرمونها مع الناس من بيع وشراء وسائر المعاملات،
حتى لا يكونوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر،
وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، روى الشيخان والترمذي والنسائي عن
أبي هريرة أن رسول الله و لر قال: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا
وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)) وفي رواية أربع ومنها: ((وإذا عاهد غدر، وإذا
خاصم فجر)).
فعدم نقض الميثاق في رأي الأكثرين قريب من الوفاء بالعهد، وهما
مفهومان متلازمان، وإن كانا متغايرين، ونص على منع النقض لتأكيده. أو إنه
تعميم بعد تخصيص. قال قتادة: إن الله ذكر الوفاء بالعهد والميثاق في بضع
وعشرين موضعاً في القرآن، عناية بأمره، واهتماماً بشأنه.
◌ً . صلة الرحم ورعاية جميع الحقوق الواجبة لله وللعباد:
الذين يصلون كل ما أمر الله بصلته ونهى عن قطعه من حقوق الله، ومنها
مؤازرة النبي ◌َّيه ونصرته في الجهاد، وحقوق العباد، ومنها صلة الرحم. جاء
في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((من أحبَّ أن
يُبْسَط له في رِزقه، ويُنْسَأ له في أثره، فليصِل رَحِمَه)) ومنها الإحسان إلى الفقراء
والمحاويج وبذل المعروف. ونص على هذا الوصف مع دخوله في الوصفين
٠

١٦٧
الُ (١٣) - الرَّحْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
السابقين للتأكيد، ولئلا يظن ظان أن الوفاء بالعهد مقصور على ما بين
الإنسان وبين الله تعالى.
٤ - الخوف من الله:
و يخشون ربهم فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، يراقبون الله في ذلك.
والخشية: خوف مقرون بالتعظيم والعلم بمن يخشاه، لذا خص الله العلماء
بمزيد الخشية، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ [فاطر: ٢٨/٣٥].
ة - الخوف من العذاب:
ويحذرون سوء الحساب في الدار الآخرة، فيخافون المناقشة في الحساب؛
لأن من نوقش الحساب عُذِّب، ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا؛ لأن
الحساب يشمل كل صغير وكبير، ومن خاف الحساب أقبل على الطاعة،
وتجنب المعصية. ويلاحظ أن الوصف الرابع إشارة إلى الخشية من الله، وهذا
يقتضي خوف الجلال والمهابة والعظمة، وهذا الوصف إشارة إلى الخوف من
سوء الحساب.
٦ - الصبر:
وهو حبس النفس على ما تكره: والذين صبروا على الطاعة وعن المعصية،
وحال البلاء، ففعلوا الطاعات والتكاليف، وامتنعوا من المعاصي والسيئات
أو المنكرات، ورضوا بالقضاء والقدر عند التعرض للمصائب، وكان صبرهم
بقصد مرضاة الله عز وجل ونيل ثوابه، لا رياء ولا سمعة.
اً - إقامة الصلاة:
والذين أقاموا الصلاة أي أدَّوْها مستكملة أركانها وشروطها التامة، مع
خشوع القلب لله تعالى على الوجه المرضي.

١٦٨
لُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
٨ - الإنفاق في وجوه الخير:
وأنفقوا بعض ما رزقناهم في السر والجهر بحسب مقتضى الحال، فيسرُّون
النفقة بينهم وبين ربهم حتى لا يكون قصدهم الرياء والسمعة، ويعلنونها
أحياناً للناس إذا كانت بقصد التشجيع والتعليم والقدوة، سواء كان إنفاقاً
واجباً كالإنفاق على الزوجة والولد والأقارب الفقراء، أو مندوباً كالإنفاق
على الفقراء والمساكين الأباعد.
٩ - مقابلة السيئة بالإحسان:
ويدفعون الإساءة بالإحسان كالجهل بالحلم، والأذى بالصبر، كما قال
تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣/٢٥] ﴿وَإِذَا مَرُواْ
بِاللَّغْوِ مَنُوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢/٢٥]، ويتبعون السيئة بالحسنة لمحوها، لقوله
وَّل﴿ فيما يرويه أحمد عن أبي ذر: ((إذا عملت سيئة، فاعمل بجنبها حسنة تمحها))
وفي رواية أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر: ((وأتبع السيئة الحسنة
تُّحُها، وخالق الناس بخلق حسن)).
والثابت أن المعاملة الكريمة مع المسيء وغيره أفضل وأجدى وأوقع أثراً؛
لأنها تهوّن الأمر، وتستل الأحقاد، وتكون عاقبتها أسلم.
وبعد أن وصف الله المؤمنين العقلاء بتلك الصفات الحميدة، ذكر جزاءهم
بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبِىَ الذَّارِ﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم العقبى
الحسنة والسعادة في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فهو النصر على الأعداء،
وأما في الآخرة فهو الجنة.
ثم أوضح هذه العقبى فقال: (جَنَّتُ عَدْنٍ﴾ أي تلك العقبى هي الجنات التي
يقيمون فيها إقامة دائمة.
يدخلونها هم والصالحون المؤمنون من أزواجهم وأصولهم وفروعهم، وهو

١٦٩
لُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٢٠-٢٤
دليل على أن سمو الدرجة يكون بالشفاعة، وأن التقييد بالصلاح يدل على أن
مجرد الأنساب لا تنفع، فلا تفيد الأنساب شيئاً إذا لم تقرن بالعمل الصالح،
وكما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِدٍ﴾ [المؤمنون:
١٠١/٢٣] وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿٨) إِلَّا مَنْ أَنَى اللَّهَ بِقَلْبٍ
سَلِيمٍ
[الشعراء: ٨٨/٢٦-٨٩] وقال النبي وقلّ لفاطمة في مرض موته فيما
(٨٩)
رواه الترمذي: ((يا فاطمة بنت محمد، سَلِيني من مالي ما شئت، لا أغني عنك
من الله شيئاً)).
وتأتيهم الملائكة عند دخولهم الجنة من أبواب مختلفة قائلين لهم: سلام
عليكم بصبركم، أي أمن دائم عليكم، ورحمة من ربكم، فنعم عقبى الدنيا
الجنة. فقوله ﴿سَلَمُّ﴾ مشتمل على محذوف تقديره: ويقولون: سلام عليكم.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن النبي وسل* كان يزور قبور
الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم: ﴿سَلَمُّ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبىَ
الدَّارِ (٣) وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعثمان.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
اً - وجوب الوفاء بالعهد: وهو يشمل كل حقوق الله وفرائضه وحقوق
العباد.
٣ - تحريم نقض المواثيق الإلهية والبشرية: فإذا عقد الإنسان عهداً في طاعة
الله، أو مع الناس، لم يجز نقضه.
ءَّ - وجوب صلة الأرحام ورعاية جميع حقوق الله وحقوق العباد، وذلك
يتناول جميع الطاعات والإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم.

١٧٠
الْجُزْءُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢٠-٢٤
٤ - الخوف من سوء الحساب: وهو الاستقصاء فيه والمناقشة، ومن نوقش
الحساب عُذِّب، كما روى الشيخان عن عائشة.
٥ - الصبر بإخلاص لله تعالى على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزايا
والمصائب، والحوادث والنوائب.
٩ - إقامة الصلاة: وهو أداؤها بفروضها وخشوعها في مواقيتها.
لاً - الإنفاق من بعض المال سراً وجهراً، بأداء الزكاة المفروضة والتطوع
بالصدقات المندوبة في سبيل الله تعالى.
٨ - درء السيئة بالحسنة، أي الدفع بالعمل الصالح السيِّئ من الأعمال،
كالتخلق بالأخلاق الطيبة في مواجهة أذى الناس، كالحلم في وجه الجهل،
والصبر في وجه الأذى، ودفع الشر بالخير، والمنكر بالمعروف، وإتباع السيئة
بالحسنة لمحو أثرها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١/
١١٤] وقوله 18 فيما رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر:
((وأتبع السيئةَ الحسنة تمحُها، وخالقِ الناسَ بخلُق حسن)).
ـو - للسعداء الطائعين عاقبة الآخرة: وهي الجنة بدل النار، والدار غداً
داران: الجنة للمطيع، والنار للعاصي.
وجنان عدن: وسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن، جاء في صحيح
البخاري ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة،
وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة)).
٠ ١ - يدخل الجنة مع المؤمن الصالح آباؤه وأزواجه وأبناؤه إن صدقوا
وصلحت أعمالهم، وإن لم يعملوا مثل أعمالهم، واشتراط العمل الصالح
كاشتراط الإيمان، ولكن من فضل الله تعالى وإكرام المؤمن وثواب المطيع:
سروره واجتماعه مع قراباته في الجنة، وحضور أهله معه فيها، وان دخلها
كل إنسان بعمل نفسه من زاوية العدل، وبرحمة الله تعالى من ناحية الفضل.

١٧١
لُعُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢٥
١١ - التقييد بالصلاح بقوله: ﴿وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَبَِّهِمْ﴾ دليل على أن مجرد
الأنساب لا تنفع، فلا تفيد الأنساب شيئاً إذا لم تقرن بالعمل الصالح.
١٢ - تدخل أفواج الملائكة من مختلف أبواب الجنة مهنئة المؤمنين، ومبشرة
لهم بالسلامة، قائلين لهم: ﴿عَيْكُ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبِىَ اُلَّارِ﴾ أي قد سلمتم
من الآفات والمحن، أو هو خبر بمعنى الدعاء، أي ندعو لكم بدوام السلامة،
سلمكم الله، وهذا يتضمن الاعتراف بالعبودية. والسلام عليكم كان بصبركم
على ملازمة الطاعة، ومفارقة المعصية، فنعم عاقبة الدار التي كنتم فيها،
عملتم فيها ما أعقبكم هذا الذي أنتم فيه، فالعقبى على هذا اسم، وهو قول
ابن سَلام. أو فنعم عقبى الجنة عن النار أو عن الدنيا، وهو قول أبي عمران
الجوني.
١٣ - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الملَك أفضل من البشر
فقال: إنه سبحانه ختم مراتب سعادات البشر بدخول الملائكة عليهم على
سبيل التحية والإكرام والتعظيم، فكانوا به أجل مرتبة من البشر، ولو كانوا
أقل مرتبة من البشر، لما كان دخولهم عليهم لأجل السلام والتحية موجباً علو
درجاتهم وشرف مراتبهم(١).
صفات الأشقياء وجزاؤهم
﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الَعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الذَّارِ
٢٥
المفردات اللغوية:
﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ ذكر في مقابلة الأولين الذين يوفون بعهد الله.
(١) تفسير الرازي: ٤٥/١٩ - ٤٦

١٧٢
لالُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ / ٢٥
﴿ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ﴾ بالكفر والظلم والمعاصي وإثارة الفتن. ﴿لَهُمُ اُلَّعْنَةُ)
الطرد أو البعد من رحمة الله. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الذَّارِ﴾ العاقبة السيئة في الدار
الآخرة، وهي جهنم، أو سوء عاقبة الدنيا؛ لأنه في مقابلة عقبى الدار
للسعداء.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى صفات السعداء وجزاءهم الذي أعده لهم في دار
الكرامة، ذكر حال الأشقياء وما هيأه لهم من عذاب النار، وأتبع الوعد
بالوعيد، والثواب بالعقاب، على ما هي عليه عادة القرآن للموازنة والمقابلة،
وليكون البيان كاملاً فيكون أدعى للامتثال والزجر، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ
عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِشَقِهِ﴾.
التفسير والبيان:
وصف الله تعالى الأشقياء بصفات ثلاث هي:
اً - نقض العهد: والذين ينقضون عهد الله الذي ألزمه عباده وأمر به،
سواء ما يتعلق به سبحانه من الإيمان بوحدانيته وقدرته وإرادته، والإيمان
بأنبيائه ورسله وكتبه وما أوحى لهم به، أو ما يتعلق بحقوق الناس.
ونقض العهد: بألا ينظر في الأدلة الدالة على وجود الله وتوحيده أصلاً،
أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند، فلا يعمل بعلمه، أو بأن ينظر في
الشبهة، فيعتقد خلاف الحق.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِثَقِهِ﴾ أي من بعد الإقرار بصحته والالتزام به.
أَ - قطع ما أمر الله به أن يوصل، أي قطع كل ما أوجب الله وصله، من
الإيمان به وبرسله، وقطع الرحم والقرابات، وعدم صلة المؤمنين وسائر
أصحاب الحقوق وعدم التعاون معهم.

١٧٣
الجُرُ (١٣) - الرّعْلِ: ١٣ /٢٥
◌َّ - الإفساد في الأرض، أي ويفسدون في الأرض بأعمالهم الخبيثة،
فيظلمون أنفسهم وغيرهم، ويدعون إلى غير دين الله، ويلحقون الظلم
بالنفوس والأموال، ويرتكبون كل ما يؤدي إلى تخريب البلاد، وإثارة الفتن،
وتأجيج نار الحرب والدمار.
ثم أبان تعالى ما يستحق هؤلاء من عقاب، فقال: ﴿أُوْلِكَ لَهُمُ الَّعْنَةُ﴾ أي
أولئك الموصوفون بما ذكر يستحقون اللعنة، أي الطرد من رحمة الله والإبعاد
من خيري الدنيا والآخرة.
﴿وَهُمْ سُوَءُ الدَّارِ﴾ أي ولهم سوء العاقبة والمآل، وهو عذاب جهنم، وليس
فيها إلا ما يسوء الصائر إليها، كما قال سبحانه سابقاً: ﴿وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ
إِلْهَادُ﴾ [الرعد: ١٨/١٣].
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى الأحكام التالية:
اً - تحريم نقض العهد الإلهي بالإيمان وإيتاء الحقوق، الذي أقام عليه تعالى
الأدلة العقلية والسمعية، وأوجب الوفاء به في قرآنه وكتبه المنزلة على أنبيائه.
أَ - تحريم قطع ما أمر الله بوصله من صلة الأرحام والإيمان بجميع
الأنبياء، والتعاون مع المؤمنين.
◌َّ - تحريم الإفساد في الأرض بالكفر وارتكاب المعاصي والظلم وإثارة
الفتن، وارتكاب كل ما يؤدي إلى دمار البلاد وتخريبها، وإتلاف الأموال
والحقوق واغتصابها والاعتداء عليها.
٤ - المرتكبون لهذه المنكرات والفواحش لهم اللعنة، أي الطرد والإبعاد
من الرحمة، ولهم سوء الدار، أي سوء المنقلب، وهو جهنم.

١٧٤
الجُرُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ٢٦-٢٩
الرزق على الله والآيات بيد الله
والهداية من الله لمن آمن بالله
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَةِ الدُّنْيَا وَمَا اُلْخَيَوَةُ الدُّنْيَا فِى
﴿َ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّيّةٍ، قُلْ إِنَّـ
اَلْآَخِرَةِ إِلَّ مَتَعٌ
اَللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَبَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّلِحَتِ
٣٨
اللَّهِ أَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيِنُّ الْقُلُوبُ
طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ
٢٩
الإعراب:
﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بدل من قوله: ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ أو خبر مبتدأ محذوف.
﴿ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ معطوف على ﴿وَيُفْسِدُونَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ وفي الآية تقديم
وتأخير، وما سبق ذلك اعتراض.
﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ ﴿طُوبَى﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لَهُمْ﴾، والجملة
خبر المبتدأ: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾.﴿وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾: معطوف
مرفوع على ﴿طُوبَ﴾. وقرئ: (وَحُسْنَ مَآب) بالنصب، على أنه منادى
مضاف، حذف منه حرف النداء، أي ياحسن مآب، ويجوز أن يكون
﴿طُوبَ﴾ منصوباً بفعل مقدر، أي أعطاهم طوبى لهم، وأعطاهم حسن مآب،
فهذا معطوف بالنصب على ماسبقه.
البلاغة:
﴿يَبْسُطُ﴾ و﴿وَيَقْدِرُ﴾ و﴿ يُضِلُّ﴾ و﴿وَيَهْدِىّ﴾ بينهما طباق.
﴿إِلَّا مَتَعٌ﴾ تشبيه بليغ، حذف منه أداة الشبه ووجه التشبيه، أي ما الحياة

١٧٥
الُ (١٣) - الرّعَلِ: ٢٦/١٣-٢٩
الدنيا إلا مثل الذي يتمتع به الإنسان في منزله كالقَصْعة ونحوها، في حقارته
وسرعة زواله.
المفردات اللغوية:
﴿ يَسُطُ الْرِّزْقَ﴾ يوسعه ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيقه أو يعطي بقدر الكفاية فقط
﴿وَفَرِحُواْ﴾ أي أهل مكة فرح بطر ﴿بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ بما بسط لهم في الدنيا وما
نالوه فيها ﴿وَمَا الْخَيَّوَةُ الدُّنْيَا﴾ في جنب الآخرة ﴿إِلَّ مَتَهُ﴾ إلا متعة لا تدوم،
وشيء قليل يتمتع به ويذهب، والمعنى: أن الكفار بطروا بما نالوا من الدنيا،
ولم يستخدموه فيما يوصلهم إلى نعيم الآخرة، واغتروا بما هو قليل النفع
سريع الزوال.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكة ﴿لَوَّلَا﴾ هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ على محمد
﴿ءَايَةٌ مِّن رَّيّةٍ﴾ كعصا موسى ويده، وناقة صالح ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ إضلاله،
فلا تغني عنه الآيات شيئاً؛ لأنه عاند وأعرض عن الحق ﴿وَيَهْدِىّ ◌ِلَيْهِ مَنْ
أَنَابَ﴾ يرشد إلى دينه من رجع عن العناد وأقبل إلى الحق. والمعنى: هذا جواب
فيه تعجب من قولهم، كأنه قال لهم: ما أعظم عنادكم، إن الله يضل من يشاء
ممن كان على صفتكم، فلا سبيل إلى اهتدائهم، وإن أنزلت كل آية؛ ويهدي
إليه من أناب، أي من رجع عن العناد.
(وَتَطْمَئِنُّ﴾ تسكن ﴿ِذِكْرِ اللهِ﴾ أي بتوحيده ووعده ﴿وَتَطْمَيِنُّ قُلُوبُهُم
قلوب المؤمنين، والمعنى أن قلوب المؤمنين تسكن وتستأنس بتوحيد الله وتذكر
وعده، وتعتمد عليه وترجو منه، فتطمئن.
﴿طُوبَ﴾ مصدر من الطيب، أي لهم العيش الطيب والنعمة والخير
والسرور، والحسنى والكرامة. وقيل: هي شجرة في الجنة، يسير الراكب في
ظلها مئة عام ﴿مَثَابٍ﴾ مرجع ومنقلب.

١٧٦
الجُزُ (١٣) - الرَّعْلِ: ١٣ / ٢٦-٢٩
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عاقبة المؤمن وعاقبة المشرك، بيَّن أنه تعالى الذي
يبسط الرزق ويقدر في الدنيا؛ لأنها دار امتحان، فبسط الرزق على الكافر لا
يدل على كرامته، والتقتير على بعض المؤمنين لا يدل على إهانتهم، فلا تعلق
للرزق بالكفر والإيمان، فربما وسع على الكافر دون المؤمن استدارجاً له،
وضيق على المؤمن دون الكافر زيادة في أجره وثوابه.
ثم ذكر تعالى مقالة للمشركين، كثر في القرآن حكايتها وهي طلب آية مادية
حسية تدل على نبوة محمد بَّله؛ لإنكارهم أن القرآن آية دالة على النبوة، فرد
الله عليهم أن اقتراح الآيات على الرسل جهل.
ثم ذكر سبحانه حال المؤمنين المتقين وثوابهم عند الله تعالى. والتحدث عن
المشركين والمؤمنين هنا مناسب لما ذكر سابقاً من بيان عاقبة المؤمن وعاقبة
المشرك.
التفسير والبيان:
لما ذكر الله تعالى أن للمشركين سوء الدار، ناسب ذكر حكم الرزق في
الدنيا، وأنه لا تعلق له بالإيمان والكفر، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أي
إن الله تعالى هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لما له
في ذلك من الحكمة والعدل، بصرف النظر عن كون الإنسان مؤمناً أو كافراً،
فقد يضيق الله الرزق على المؤمن ابتلاء واختباراً، وزيادة في أجره، وقد يوسع
الله الرزق على الكافر استدراجاً له وحرماناً منه في الآخرة، عدالة، فليست
سعة الرزق للكافر دليلاً على الكرامة والرضا، وليس التقتير على المؤمن دليلاً
على الإهانة والسخط. كما قال تعالى في شأن رزق الكافر: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا
(٥٦) [المؤمنون:
◌ُسَارِعُ لَهُمْ فِى الْخَيْرَتَّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ
۵۵
نُعِدُّهُم بِهِ، مِن ◌َالٍ وَبَنِبِنَّ
٥٥/٢٣-٥٦] وقال: ﴿ وَاُلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
[الأعراف: ٧/ ١٨٢] .
١٨٢

١٧٧
لُُّ (١٣) - الرّعْلِ: ٢٦/١٣-٢٩
ثم ذكر الله تعالى حال المشركين في حال الغنى فقال: ﴿وَفَرِحُواْ﴾ أي وفرح
مشركو مكة بالدنيا فرح بطر، ولم يعرفوا غيرها، وجهلوا ما عند الله. لكن ما
نعيم الدنيا بالنسبة إلى الآخرة إلا متاع زائل، وشيء قليل ذاهب، يزول
بسرعة.
أخرج أحمد ومسلم والترمذي عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول
الله وَ﴾: ((ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم،
فلينظر بم ترجع)) وأشار بالسبابة.
وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: ((نام رسول الله وَّر على حصير،
فقام وقد أثَّر في جنبه، فقلنا: يارسول الله، لو اتخذنا لك، فقال: مالي
وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها)».
ولما أوضح تعالى أن المشركين اغتروا بمتع الحياة الدنيا، وطمست المادة
على مشاعرهم وقلوبهم، ذكر ما ترتب على الغرور والتأثر بالمادة، فطلبوا من
النبي ◌َّ آية واحدة مادية تدل على صدق نبوته، لعدم إيمانهم بكون القرآن
معجزة مصدقة، وبرهاناً قاطعاً على ذلك؛ لأنهم قوم ماديون، لا مجال لمخاطبة
العقل لديهم، والقائل: عبد الله بن أبي أمية وأصحابه، فقال تعالى حاكياً
اقتراحهم: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
أي ويطلب أهل مكة المشركون قائلين: هلا أنزل على محمد آية أو معجزة
قاهرة ظاهرة مادية مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام، كقولهم:
﴿فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ اُلْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥/٢١].
والله قادر على إجابة ما سألوا، لكن جاء في الحديث: ((إن الله أوحى إلى
رسوله، لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهباً، وأن يجري لهم ينبوعاً، وأن يزيح
الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد
أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، وإن

١٧٨
الجُرُ (١٣) - الرّعَلِ: ١٣ /٢٦-٢٩
شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: بل تفتح لهم باب التوبة
والرحمة)).
ورد الله عليهم بأن إنزال الآيات لا يؤثر في هداية ولا ضلال، بل الأمر
كله بيد الله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ﴾ أي ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم
على كفركم، فلا فائدة لكم في نزول الآيات، إن لم يرد الله هدايتكم، فمن
کان على صفتكم من التصميم والعناد في الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائكم، وإن
أنزلت كل آية، فإن الضلال والهداية بيد الله، والله يضل من يشاء، أي كما
أضلكم بعد ما أنزل من الآيات، وحرمكم الاستدلال بها، يضلكم عند نزول
غيرها، ويهدي إليه من أناب، أي رجع عن العناد وأقبل على الحق أو
الإسلام أو الله عز وجل، فهاء ﴿إِلَيْهِ﴾ عائد إلى واحد من المذكورات؛ على
تقدیر: ويهدي إلى دينه وطاعته من رجع إليه بقلبه.
وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّْنَا إِلَهِمُ الْمَلَِّكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمُوْنَى
وللآية نظائر كثيرة منها :
وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
[الأنعام: ١١١/٦] ﴿وَمَا تُغْنِ اُلْأَيَتُ وَاُلْتُّذُرُ عَن فَوْمٍ لَّ
يَجْهَلُونَ
يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١/١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
٩٦
﴾ [يونس: ٩٦/١٠-
وَلَوَّ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٩٧] .
ثم ذكر الله تعالى من يستحقون الهداية: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي يهدي الله الذين
صدقوا بالله ورسله، وسكنت قلوبهم إلى توحيد الله ووعده، أنساً به،
واعتماداً عليه، ورجاء منه، أَلا بتذكر الله، وتأمل آياته، ومعرفة كمال قدرته
عن بصيرة، تطمئن قلوب المؤمنين، ويذهب القلق والاضطرب عنهم، بما
وقر في تلك القلوب من نور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣/٣٩] والمؤمن إذا تذكر عقاب الله، خاف،

١٧٩
الزُ (١٣) - الرَّحْلِ: ١٣ / ٢٦ -٢٩
كما قال: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢/٨]
وإذا تذكر المؤمن وعده تعالى بالثواب والرحمة، اطمأن قلبه وهدأت نفسه:
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢/٨].
ثم أبان الله تعالى جزاء المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي للذين آمنوا
وعملوا الصالحات العيش الطيب والنعمة والخير وحسن الثواب، وحسن
المرجع.
والطوب في رأي ابن عباس: الجنة، وروي عنه أنها شجرة في الجنة،.
ورجح القرطبي أنها شجرة في الجنة، فقال: والصحيح أنها شجرة (١)؛
للحديث المرفوع عن عتبة بن عبد السُّلَمي وهو صحيح على ما ذكره السهيلي :
«نعم شجرة تدعی طوبى)).
وللحديث المرفوع أيضاً عن أبي سعيد الخدري فيما رواه الإمام أحمد:
((طوبى: شجرة في الجنة، مسيرة مئة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها))
وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد أن رسول الله وَ لو قال: ((إن في
الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام، لا يقطعها)) ولا حرج على فضل
الله ولا على قدرته، ففي الجنة كما ثبت في الحديث الذي أخرجه الجماعة إلا
النسائي عن أبي هريرة: ((فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر)).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الآتي:
اً - الله تعالى مصدر الرزق، يوسع فيه على من يشاء، ويقتره على من
يشاء، على وفق حكمته وعدله.
-
(١) تفسير القرطبي: ١٧/٩، تفسير ابن كثير: ٥١٢/٢

١٨٠
لِلُ (١٣) - الرَّعَلِ: ١٣ / ٢٦-٢٩
أَ - الكفار وكل أصحاب النزعات المادية يفرحون في الدنيا، ولا يعرفون
غيرها، ويجهلون ما عند الله من أفضال ونعم وخيرات كثيرة.
◌َّ - ليست الدنيا في جانب الآخرة إلا متاع من الأمتعة، وشيء قليل سريع
الزوال.
٤ - اقتراح الآيات على الرسل جهل، بعد أن رأوا آية واحدة تغني عن كل
آية، هي القرآن، تدل على الصدق، وصحة النبوة والوحي، وكونه كلام الله.
٥ - لا تعلق للرزق بالإيمان والكفر، فقد يرزق الله الكافر، ويحرم المؤمن،
استدراجاً للأول، وابتلاء واختباراً للثاني.
أَ - الإضلال والهداية من الله، وللإنسان دور فيهما، فالكافر هو الذي
عاند وعارض ولم يُؤمن، فلم يهده الله، والمؤمن هو الذي آمن وعمل
الصالحات، فزاده الله هدی.
اً - للمؤمنين الذين يعملون الصالحات الجنة والخير والنعمة والفرح
وحسن المرجع، وفي هذا ترغيب في الطاعة، وتحذير من المعصية، ومن سوء
العقاب والمصير.