Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ الزُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٧٧-٨٣ وقوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ قال الحسن: دليل على أنها ليست من حجارة الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَِّينَ بِبَعِيدٍ﴾ يعني قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم، وهي أيضاً عبرة لكل ظالم من أهل مكة وغيرهم. روي عن النَّبِي ◌ِّل أنه قال: ((سيكون في آخر أمتي قوم يكتفي رجالهم بالرّجال، ونساؤهم بالنّساء، فإذا كان ذلك، فارتقبوا عذاب قوم لوط، أن يرسل الله عليهم حجارة من سجِّيل))، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظِّلِينَ بِبَعِيدٍ﴾. ١أَ - دلّ قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ على أن من فَعَل فِعْل قوم لوط، حكمه الرّجم، كما تقدّم في سورة الأعراف. ٤٤٢ ◌ِلْهُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ قصة شعيب عليه السلام وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ ہے غَيْرُهُ، وَلَا تَنَقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنَّ أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا ٨٤ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ ٨٥ قَالُواْ يَشُعَيْبُ ٨٦ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَّ وَمَآ أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظِ ( أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَن نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤَأْ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنْكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَا وَقَوْمِ لَا ١٨ اَلْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ يَحْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحِ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوْاْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِِّ قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا ◌ِّمَا تَقُولُ وَإِنَا لَنَرَنِكَ فِيْنَا رَحِيمٌ وَدُودٌ ® ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيَكُم مِّنَ اللَّهِ وَاَخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنََّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِّ عَمِلُّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ ﴿ وَلَمَا جَآءَ أَمْرُنَا يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِنِِّ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ◌َّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَاْ أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ ٩٥ القراءات: ﴿مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ : ٤٤٣ الُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ وقرأ الكسائي (من إلهٍ غيرِهِ). ﴿إِنِّيَّ أَرَنِكُمْ﴾ : وقرأ نافع، والبزي، وأبو عمرو (إنيَ أراكم). ﴿ وَإِنِّيَّ أَخَافُ﴾: وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (وإني أخاف). ﴿بَقِيَّتُ﴾: رسمت بالتاء فوقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي. ووقف الباقون بالتاء. ﴿أَصَلَوْتُكَ﴾ : قرئ: ١- (أصلاتك) وهي قراءة حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف. ٢- (أصلواتك) وهي قراءة الباقين. ﴿نَشَؤُّأْ إِنَّكَ﴾ بتسهيل الهمزة الثانية، وإبدالها واواً خالصة، وصلاً قرأ: نافع، وابن کثیر، وأبو عمرو. ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر (وما توفيقيَ). ﴿ شِفَافِىَ أَنْ﴾ : ٤٤٤ الِزُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (شقافيَ أن). ﴿أَرَهْطِّ أَعَزُّ﴾: وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وابن ذكوان (أرهطيَ أعز). جَآءَ أَمْرُنَا﴾: تقدم في القراءات للآيات [٣٦-٤١]. الإعراب: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مؤكدة لمعنى عاملها: ﴿تَعْثَوْاْ﴾. ﴿أَنْ نَفْعَلَ﴾. في موضع نصب، معطوف على ﴿نَتْرُّكَ﴾ أي: أن نترك عبادة آبائنا وفعل ما نشاء في أموالنا. ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ﴾ فاعل، والضمير مفعول أول، والثاني: ﴿أَن يُصِيبَكُمْ﴾. ﴿ضَعِيفًا﴾ حال من كاف (نراك) لأنه من رؤية العين، ولو كان من رؤية القلب لكان مفعولاً ثانياً. ﴿مَن يَأْتِهِ﴾ اسم موصول بمعنى الذي في موضع نصب بتعلمون. ﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ جاء بالتاء هنا على الأصل، ولم يعتَد بالفصل بالمفعول به بين الفعل والفاعل، وقد جاء القرآن بالوجهين، وكأنه جيء بالتاء ههنا طلباً للمشاكلة؛ لأن بعدها: كما بعدت ثمود، وأنث الفعل على لفظ الصيحة، وذكر في قصة صالح على معنى الصياح. البلاغة: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ مجاز عقلي، أسند الإحاطة للزمان الذي هو اليوم، مع أنه ليس بجسم والعذاب فيه. ٤٤٥ الُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ ﴿ وَأَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ فيه استعارة تمثيلية كالشيء الذي يلقى وراء الظهر. المفردات اللغوية: ﴿ وَ إِلَى مَدْيَنَ﴾ أي وأرسلنا إلى مدين. والمراد أهل مدين، وهو بلد بناه مدين ابن إبراهيم عليه السلام، فسمي باسمه. ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وحدوه. ﴿إِنِّّ أَرَبِكُم بِخَيْرٍ﴾ بثروة، وسعة في الرزق، ونعمة تغنيكم عن التطفيف، أو أراكم بنعمة من الله تعالى، حقها أن تقابل بغير ما تفعلون، أو أراكم بخير، فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه . ﴿وَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تؤمنوا ﴿عَذَابَ یَوْمٍ نُحِيطِ﴾ بکم، لا یشذ منه أحد منکم، یہلککم، ووصف اليوم به مجاز، لوقوعه فیه. ﴿ أَوْفُواْ الْمِكْبَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ ي أوفوهما بالعدل، أمر بالإيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم السعي في الإيفاء، ولو بزيادة لا يتأتى دونها. ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوا من حقهم شيئاً . ﴿ وَلَا تَعْثَّوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي تفسدوا، بنقص الحق أو القتل أو غيره كالسرقة والغارة، وكل من الجملتين الأخيرتين تعميم بعد تخصيص، فقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ﴾ أعم من أن يكون في المقدار أو في غيره. وقوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ﴾ يعمّ العثو تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد. ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ رزقه الباقي لكم بعد إيفاء الكيل والوزن، أو ما أبقاه الله لكم من الحلال بعد التنزه عما حرم عليكم ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من البخس ومما تجمعون بالتطفيف ﴿إِن كُنتُم ◌ُؤْمِينَ﴾ بشرط أن تؤمنوا، فإن ثواب الفعل الصالح والنجاة مشروط بالإيمان ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظكم عن القبائح، أو رقيب أحفظ عليكم أعمالكم، فأجازيكم عليها، وإنما أنا نذير ناصح مُبلِّغ، وقد أعذرت حين أنذرت. ٤٤٦ الْجُرُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ﴾ قالوا له استهزاء. ﴿أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآَ﴾ من الأصنام، أجابوا به بعد أن أمرهم بالتوحيد. ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُّأْ﴾ معطوف على ﴿مَا﴾، أي: وأن نترك فعلنا ما نشاء بأموالنا، والمعنى: هذا أمر باطل لا يدعو إليه داع بخير، وقصدوا الاستهزاء بصلاته، وكان شعيب كثير الصلوات، فخصوا الصلاة بالذكر، وقالوا: إن دعوتك لا يؤيدها داع عقلي، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه من الصلاة . ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوا ذلك استهزاء، وتهكموا به وقصدوا وصفه بضد ذلك. والحليم: العاقل المتأني، والرشيد: المستقيم على الهداية الراسخ فيها. ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ﴾ إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة . ﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ضمير ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الله، وذلك إشارة إلى ما آتاه الله من الحلال، فهل أشوبه بالحرام، من البخس والتطفيف. وجواب الشرط محذوف تقديره: فهل يعقل لي مع هذه السعادة الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه وأخالفه في أمره ونهيه؟! وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء. ﴿إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ أذهب إلى ما نهيتكم عنه فأرتكبه . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ﴾ أي ما أريد إلا أن أصلحكم بالعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي وما قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات، وما توفيقي الإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فوضت أمري إليه، فإنه القادر المتمكن من كل شيء، وما عداه عاجز في ذاته، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار، وفيه إشارة إلى محض التوحيد . ﴿ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ أرجع، إشارة إلى معرفة المعاد، وهو أيضاً يفيد الحصر، بتقديم الصلة على الفعل. وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإصابة الحق من الله تعالى، والاستعانة به ٤٤٧ لِلُُّ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ في أموره كلها، والإقبال عليه، وحسم أطماع الكفار، وعدم المبالاة بمعاداتهم، وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء. ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ﴾ لا يكسبنكم خلافي الشديد معكم ومعاداتي . ﴿مَآ أَصَابَ قَوَّمَ نُوحٍ﴾ من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح ﴿أَوْ قَوْمَ صَلِحٍ﴾ من الرجفة ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي منازلهم أو زمن هلاكهم، أي مكاناً أو زماناً، فإن لم تعتبروا بمن قبلهم، فاعتبروا بهم. وإفراد ﴿بِبَعِيدٍ﴾ إما لأن المراد: وما إهلاكهم ببعيد، أو ما هم بشيء بعيد، أو بزمان أو مكان بعید. ﴿إِنَّ رَبِِّ رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين، عظيم الرحمة بالتائبين. ﴿وَدُودٌ﴾ محب لهم، فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل الصادق الود بمن يودّه، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار . ﴿قَالُواْ﴾ إيذاناً بقلة المبالاة. ﴿مَا نَفْقَهُ﴾ ما نفهم، والفقه: الفهم الدقيق المتعمق. ﴿مِّمَا تَقُولُ﴾ من التوحيد. ﴿ضَعِيفًا﴾ ذليلاً. ﴿رَهْطُكَ﴾ عشيرتك وقومك، والرهط: من الثلاثة إلى العشرة. ﴿لَرَجَمْنَكَ﴾ بالحجارة. ﴿ِعَزِيرٍ﴾ أي كريم عن الرجم. وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب والتهديد. ﴿أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ فتتركوا قتلي لأجلهم، ولا تحفظوني لله. ﴿ وَأَخَذْتُمُوهُ﴾ أي الله. ﴿ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِنًا﴾ جعلتموه بشرككم كالشيء الملقى خلف الظهر، لا تراقبونه، أو كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به وإهانة رسوله. ﴿مُحِيطٌ﴾ علماً بما تعملون، فيجازيكم؛ لأنه لا يخفى عليه شيء منها. ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ حالتكم وتمكنكم في قوتكم . ﴿إِنِّ عَمِلٌ﴾ على حالتي. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الذي يعذبه الله تعالى. ﴿وَأَرْتَقِبُواْ﴾ انتظروا عاقبة أمركم. ﴿رَقِيبٌ﴾ منتظر. وقد سبق مثله في سورة الأنعام بالفاء: ﴿فَسَوْفَ ٤٤٨ لُزُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥/٦] [ومواضع أخرى] والفاء للتصريح بأن الإصرار على الكفر سبب للعذاب، وحذفها هاهنا؛ لأنه جواب سائل قال: فماذا یکون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل. ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ بإهلاكهم. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ صاح بهم جبريل فهلكوا. جَئِمِينَ﴾ باركين على الرُّكَب ميتين. ﴿كَأَن﴾ مخففة أي كأنهم ﴿لَّمْ يَغْنَواْ﴾ يقيموا . ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ شبههم بهم؛ لأن عذابهم أيضاً كان بالصيحة، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم، وصيحة مدين كانت من فوقهم. المناسبة: · هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة، وقد تقدم ذكر هذه القصة في سورة الأعراف، وجيء بها في كل موضع لعظة وعبرة وأحكام مختلفة، مع اختلاف في الأسلوب والنظم. وتضمنت القصة هنا تبليغ شعيب عليه السلام دعوته، ومناقشة قومه له وردّه عليهم، وإنذار شعيب لهم بالعذاب، ثم وقوعه بالفعل، ونجاة المؤمنين. ومدين: اسم مدينة بين الحجاز والشام قرب (معان) بناها مدين بن إبراهيم عليه السلام. التفسير والبيان: ولقد أرسلنا إلى مدين أخاهم في القبيلة شعيباً الذي كان من أشرفهم نسباً، فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده لا شريك له، فهذا أمر بالتوحيد الذي هو أصل الإيمان، ثم نهاهم عن التطفيف في المكيال والميزان فقال: ﴿وَلَا نَنْقُصُواْ اَلْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي لا تنقصوا الناس حقوقهم في المكيال والميزان، كما قال تعالى: ﴿وَيَّلٌّ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا أَكْثَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ٢ وَإِذَا [المطففين: ١/٨٣-٣] والمطففون: المنقصون، ٣ كَالُوُهُمْ أَو ◌َّزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ و﴿يُخْسِرُونَ﴾: ينقصون. ٤٤٩ لِلُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ ﴿إِنِّيَّ أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي إني أراكم بثروة وسعة في الرزق ورفاه في المعيشة، تغنيكم عن الطمع والدناءة في بخس الناس حقوقهم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله تعالى، وإني أخشى عليكم عذاب يوم يحيط بكم جميعاً، فلا يترك أحداً منكم، وهو إما عذاب الاستئصال في الدنيا، وإما عذاب الآخرة في جهنم. ويا قوم وقُوا الكيل والوزن بالعدل، آخذين ومعطين، وهو أمر بالإيفاء بعد النهي عن البخس، للتأكيد والتنبيه على أنه لا يكفي الامتناع عن تعمد التطفيف، بل يلزمهم الإيفاء ولو بزيادة قليلة. ثم نهاهم عن النقص في كل الأشياء، فقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ والبخس: النقص في كل الأشياء، أي إياكم والظلم أو الجور في حقوق الناس .﴿ وَلَا تَعْثَوْا﴾ العثو: الفساد التام، أي لا تفسدوا شيئاً من مصالح الدين والدنيا، وقد كانوا يقطعون الطريق، وأنتم تتعمدون الإفساد، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ﴾ يشمل إنقاص الحقوق وغيره من أنواع الفساد الدنيوية والدينية، وقوله بعدها ﴿مُفْسِدِينَ﴾ معناه: حالة كونكم قاصدين الإفساد، فلا إثم في حال الخطأ أو إرادة الإصلاح. ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي ما يبقى لكم من الربح الحلال بعد إيفاء المكيال والميزان خير لكم من الحرام، وأكثر بركة وأرجى عاقبة مما تأخذونه بطريق الحرام، بشرط أن تكونوا مؤمنين؛ لأن جعل البقية خيراً لهم إنما هو متحقق في حال الإيمان، وأما مع الكفر فلا خير لهم في شيء من الأعمال، ثم إن الإيمان حافز باعث على الطاعة، فإنهم إن كانوا مؤمنين مقرين بالثواب والعقاب، عملوا على تحصيل ما يؤدي إلى الثواب والنجاة من العقاب، وذلك خير من مسعاهم في أخذ الزائد القليل من الحرام في أثناء الكيل والوزن. وما أنا عليكم برقيب على أعمالكم، ولا مستطيع منعكم من القبائح، ٤٥٠ الُجُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ وإنما أنا ناصح أمين، فافعلوا الحلال والواجب بدافع من أنفسكم لله عز وجل، ولا تفعلوه ليراكم الناس، ما علي إلا البلاغ، وعلى الله حساب الأقوال والأفعال. ثم ذكر الله تعالى ردّ أهل مدين على شعيب عليه السلام في الأمر بعبادة الله وحده، وترك البخس أو عدم نقص الكيل والميزان. أما الردّ على الأول وهو العبادة لله فقالوا: ﴿يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ﴾ أي هل صلاتك (أي الأعمال المخصوصة) - وكان شعيب كثير الصلاة - تأمرك بترك عبادة الآباء والأجداد وهي عبادة الأوثان والأصنام؟! قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والسخرية، وأعلنوا التمسك بطريقة التقليد في التدين والإيمان، كما يقال اليوم لعالم الدين المصلح: هل علمك أو مشيختك دافع لك إلى ترك ما نحن عليه؟! وأما الردّ على الأمر الثاني وهو ترك البخس فقالوا: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمَوَلِنَا﴾ أي وهل صلاتك تأمرك أن نفعل في أموالنا ما نريد فعله؟ والمقصود بيان أنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما هو مصلحة لهم، ولا يؤدون الزكاة، ولا ينفقون منها شيئاً في سبيل الخير، وإنما يزيدونها بمختلف الوسائل، فما أمرتنا به من ترك التطفيف والبخس، والاقتناع بالحلال القليل، وأنه خير من الحرام الكثير، مناف لسياسة تنمية المال وتكثيره، وما ذلك إلا حَجْر على حريتنا الاقتصادية. والخلاصة: إن ردهم على شعيب في الأمرين تضمن إمعانهم في التمسك بالتقليد، وفي الطمع المادي الذي لا يبالي فيه صاحبه بالحلال والحرام. ثم أكدوا سخريتهم وهزأهم بقولهم: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أي إنك لصاحب الحلم والأناة والعقل والتروي، والرشد والاستقامة! وأرادوا وصفه بضد ذلك من الجهالة والطيش وسفاهة الرأي، وغواية الفعل، فعکسوا ليتهکموا به. ٤٥١ الُعُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ ثم حسم أطماع الكفر فقال: ﴿يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ﴾ أي أخبروني يا قوم إن كنت على بصيرة من ربي فيما أدعو إليه، ويقين تام وحجة واضحة فيما آمركم به وأنهاكم عنه، ورزقني من لدنه رزقاً طيباً من النبوة والحكمة، أو رزقاً حسناً. حلالاً طيباً من غیر بخس ولا تطفيف، أخبروني إن كنت علی یقین من ربي، وكنت نبياً على الحقيقة، أيصح لي ألا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك، فجواب الكلام محذوف. ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ أي لا أنهاكم عن الشيء، وأخالف أنا في السر، فأفعله خفية عنكم، والمراد لم أكن أنهاكم عن أمر وأرتکبه، بل أنا متمسك به. ثم أكد مهمته: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ﴾ أي ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي، وأمري بالمعروف، ونهي عن المنكر، مدة استطاعتي للإصلاح، لا ألو جهداً في ذلك. وفيه إيماء إلى إثبات عقله ورشده، وإبطال تهکمهم. وما توفيقي في إصابة الحق فيما أريده إلا بالله وهدايته وعونه، عليه توكلت في جميع أموري، ومنها تبليغ رسالتي، وإليه أنيب أي أرجع. وهذا يعني ثباته على المبدأ والدعوة، دون أن يخشى منهم سوءاً. ويا قوم، لا يحملنكم خلافي معكم، ولا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم ما أصاب غيركم وأمثالكم من العذاب والنقمة، مثل ما أصاب قوم نوح من الغرق، أو قوم هود من الريح الصرصر العاتية، أو قوم صالح من الرجفة. وما حدث بقوم لوط من العذاب ليس ببعيد زماناً ولا مكاناً، فإن لم تعتبروا بمن قبلهم، فاعتبروا بهم. ٤٥٢ لُ (١٢) - جُورٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ أي اطلبوا المغفرة من ربكم على سالف الذنوب من عبادة الأوثان وبخس المكيال والميزان، ثم توبوا إليه فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، وارجعوا إلى طاعته، فإن ربي رحيم بمن تاب إليه وأناب، كثير الود والمحبة، يحب من تاب، فهو عظيم الرحمة للتائبين، كثير المودة فاعل بهم ما يفعل البليغ المودّة بمن يودّه من الإحسان. وهذا دليل على أن الاستغفار والتوبة عن الذنوب يسقطها، ويكون سبباً لخيري الدنيا والآخرة. وبعد أن فشلت المحاورات والمجادلات، لجأ القوم إلى الإهانة والتهديد وإلصاق التهم الباطلة بشعيب عليه السلام، وعدم المبالاة به. ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ قال أهل مدين: يا شعيب ما نفهم كثيراً من قولك، مع أنه كما قال الثوري: كان يقال له خطيب الأنبياء، وأنت واحد ضعيف، لا حول لك ولا قوة ولا قدرة على شيء من النفع والضر، ولولا جماعتك وعشيرتك الأقربون ومعزتهم علينا، لرجمناك بالحجارة، وليس عندنا لك معزة ولا تكريم، ولا حرمة ولا منزلة في الصدور. والرهط: من الثلاثة إلى العشرة، ورهط الرجل: عشيرته الذين يستند إليهم ويتقوى بهم. والمعنى أنك لما لم تكن علينا عزيزاً، سهل علينا الإقدام على قتلك وإيذائك. وكل ما ذكروه لا يبطل ما قرره شعيب عليه السلام من الدلائل، بل هو مقابلة الدليل والحجة بالشتم والسفاهة. فوبخهم شعيب على سفاهتهم: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ﴾ أي يا قومي وأهلي، أرهطي أعز وأكرم عليكم من الله، أتتركوني لأجل قومي؟ ولا تتركوني لأجل الله، والله تعالى أولى أن يتبع أمره، وقد اتخذتم جانب الله وراءكم ظهرياً، أي نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه، ولا تخافون بأسه وعقابه إن أقدمتم على الإساءة لنبيه ورسوله. إن ربي محيط علمه بعملكم، عالم بأحوالكم، فلا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم. وذلك تحذير وتهديد ووعيد. ٤٥٣ لِلُزُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ ولما يئس شعيب عليه السلام من استجابتهم لدعوته أعلن موقف الحسم والفصل فيما بينه وبينهم: ﴿وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي يا قوم اعملوا على طريقتكم، واعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم على إلحاق الشر بي، فإني أيضاً عامل على طريقتي بما آتاني الله من القدرة، أي أنتم باقون على الكفر والضلال، وأنا ثابت على الدعوة والثقة بقدرة الله تعالى، وهذا تهديد شدید. سوف تعلمون من ينزل به عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة، ومن هو كاذب في قوله مني ومنكم، وانتظروا ما أقول لكم من إيقاع العذاب، إني معكم رقيب منتظر. وهذا تصريح منه بالوعيد، بعد الترك على ما هم عليه. ثم جاء ما يؤيد صدقه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي ولما جاء أمرنا بعذابهم، ونفذ قضاؤنا فيهم، نجينا رسولنا شعيباً والمؤمنين معه، برحمة خاصة بهم، وأخذت الظالمين بظلمهم الصيحة: وهي صوت من السماء شديد مهلك مُرْجف، وفي سورة الأعراف: هي الرجفة، وفي الشعراء: عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة، اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، فأصبحوا قعوداً ميتين لا يتحركون، وقد اختلف التعبير في كل سورة بما يناسب الإساءة، ففي الأعراف هددوا بإخراج شعيب ومن معه من قريتهم، فذكر هناك الرجفة، وهنا أساؤوا الأدب في مقالتهم مع نبيهم فذكر الصيحة التي أخمدتهم، وفي الشعراء طلبوا إسقاط كسف من السماء عليهم، فأخذهم عذاب يوم الظلة. كأنهم لم يقيموا في بلادهم طويلاً في رغد عيش، ولم يعيشوا فيها قبل ذلك، ألا بُعْداً من رحمة الله، وهلاكاً لهم، كما بعدت وهلكت من قبلهم ثمود، وكانوا جيرانهم قريباً منهم في الدار، وشبيهاً بهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عرباً مثلهم. ٤٥٤ لُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ فكان عذابهم واحداً وهو الصاعقة ذات الصوت الشديد، التي زلزلت الأرض من شدتها ورجفت، فخروا ميتين. قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم. فقه الحياة أو الأحكام: دلت قصة شعيب مع قومه على ما يأتي، ومجمله: إيقاع العذاب بعد الإعراض عن رسالة السماء: اً - اشتملت دعوة شعيب على جانبين: إصلاح العقيدة وإصلاح الحياة الاجتماعية، ففي الجانب الأول: دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي الجانب الثاني: أمرهم بإيفاء الكيل والميزان وترك البخس والنقص أو التطفيف، فإنهم كانوا مع كفرهم أهل بخس ونقص في حقوق الناس؛ كانوا إذا جاءهم البائع بالطعام، أخذوا بكيل زائد، واستوفوا بغاية ما يقدرون عليه وظلموا؛ وإن جاءهم مشتر للطعام باعوه بكيل ناقص، وشحوا عليه بما يقدرون، فأمروا بالإيمان إقلاعاً عن الشرك، وبالوفاء بالحق التام الكامل نهياً عن التطفيف، علماً بأنهم كانوا بخير وفي سعة من الرزق وكثرة النعم، لكن الطمع والشره المادي أرداهم وجعل سمعتهم سيئة بين الناس. أَ - كان عذاب أهل مدين عذاب استئصال في الدنيا، ودمار عام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ وصف اليوم بالإحاطة، أي الإحاطة بهم، فإن يوم العذاب إذا أحاط بهم، فقد أحاط العذاب بهم، وهو كقولك: يوم شديد؛ أي شديد حره. وقيل: هو عذاب النار في الآخرة. جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عباس عن النبي وَلّ: ((ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بالقحط والغلاء)). ٣ - اكتفى شعيب بمرة واحدة بالدعوة إلى توحيد الإله، ولكنه کرر وأكد ٤٥٥ الُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ النهي عن بخس الحقوق بألوان مختلفة، فأمر بالإيفاء (أي الإتمام) بعد أن نهى عن التطفيف تأكيداً، ووصف الإيفاء بالقسط أي بالعدل والحق، لكي يصل كل ذي حق إلى حقه، وأراد ألا تنقصوا حجم المكيال عن المعهود، وكذا الصَّنجات، ثم عمم بعد التخصيص عن بخس الناس أشياءهم، أي لا تنقصوهم مما استحقوه شيئاً، ثم نهى عن الإفساد في مصالح الدنيا والآخرة: ﴿ وَلَا تَعْثَوْ فِى اُلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي إن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض. وذكر أن البخس بطر وترف وطمع، فلم يكونوا بحاجة، وإنما كانوا بخير: ﴿إِّيِّ أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ﴾ أي سعة في الرزق والمعيشة، وقال: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه أنتم لأنفسكم من فضل التطفيف بالتجبر والظلم. وشرط للاستقامة وجود الإيمان: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِينَ﴾ شرط هذا؛ لأنهم إنما يعرفون صحة كون بقية الله خيراً إن كانوا مؤمنين. وجعل رقابة الله في السر والعلن على كل تاجر هي الأساس والباعث على الخشية والطاعة وأداء الحقوق: ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي رقيب أرقبكم عند کیلکم ووزنکم، فلا یمکنني شهود كل معاملة تصدر منكم حتى أؤاخذكم بإيفاء الحق. ٤ - كانت ردود القوم المحجوجين بالأدلة والبينات في غاية الجهالة والسفاهة، فأعلنوا تمسكهم بالتقليد في عبادة الأوثان والأصنام، وادعاء حريتهم التجارية التي لا تقوم على العدل والحق، وسخروا من صلاته وعبادته التي كان يكثر منها، ونالوا من صفاته، فقالوا على سبيل الاستهزاء والسخرية: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمَُ﴾ ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ أي أنت ذو سفاهة وطيش، وغواية وضلال، لا لشيء إلا لأن شعيباً عليه السلام أمرهم . ٤٥٦ الُهُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ بترك ما كان يعبد آباؤهم !! وإنما أقروا له بذلك؛ لأنه كان مشهوراً فيما بين الناس بصفة الحلم والرشد. ٥ - كان من قبائحهم قرض الدراهم لتنقيص قدرها، وكسرها لإفساد وصفها، قال المفسرون: كان مما ينهاهم عنه، وعُذُّبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم، كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القُراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عَدّاً، وعلى المقروضة وزناً، وكانوا يبخسون في الوزن. وتلك معاصٍ ومفاسد تستحق العقاب، وتوجب ردّ الشهادة. ٩ - حسم شعيب عليه السلام أطماع الكفار، سواء في العقيدة أو في صلاح التعامل، وأعلن ثباته على مبدئه بقوله: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي ما أريد إلا فعل الصلاح وإزالة الفساد، وهو أن تصلحوا دنياكم بالعدل، وآخرتكم بالعبادة، ولم يتزحزح عن موقفه في توحيد الله تعالى: ﴿أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِ﴾ وثقته به وتفويض أمره إليه ورجوعه إليه في جميع النوائب، واعتماده في الرشد والتوفيق عليه: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. وإذا كانت هذه صفاتي فاعلموا أن أمري بالتوحيد وترك إيذاء الناس هو دين حق، وأن مهمتي هي الإبلاغ والإنذار، وأما الإجبار على الطاعة فلا أقدر عليه. ولم يتردد شعيب عليه السلام لحظة واحدة في إيفاء الحقوق وإتمام الكيل والميزان: ﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي واسعاً حلالاً، وكان شعيب عليه السلام كثير المال ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ﴾ أي ليس أنها كم ج عن شيء وأرتكبه، كما لا أترك ما أمرتكم به. وهكذا فإن فعل النبي مطابق لقوله؛ لأنه الأسوة الحسنة، ولا يعقل غير ذلك. ٤٥٧ اِلُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ والخلاصة: إنه تعالى لما آتاني جميع السعادات الروحانية والجسمانية، وهي المال والرزق الحسن، فهل يسعني مع هذا الإنعام العظيم أن أخون في وحيه، وأن أخالفه في أمره ونهيه. لاً - دلَّ قوله: ﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى وبإعانته، وأنه لا مدخل للكسب فيه، وفيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى، والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله فإن شعيباً أراد القول لهم: فأنا لا أبالي بمخالفتكم، ولا أفرح بموافقتكم، وإنما أقرر دين الله، وأوضح شرائعه. ٨ - التهديد والإنذار بالعذاب قبل وقوعه رحمة بالناس ولطف بهم، لعلهم يرعَؤُون ويرجعون من قريب إلى الله تعالى وإلى طاعته، وإلى توحيده، والتخلص من الشرك والوثنية. وقد أنذر شعيب عليه السلام قومه أهل مدين بقوله: لا یکسینکم معاداتي أن يصيبكم عذاب الاستئصال في الدنيا، مثل ما حصل لقوم نوح عليه السلام من الغرق، ولقوم هود من الريح العقيم، ولقوم صالح من الرجفة، ولقوم لوط من الخسف، وكانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط. ـة - الاستغفار والتوبة من الذنوب الماضية والتصميم على عدم العود إلى مثلها في المستقبل طريق النجاة والأمن من العذاب؛ لأن الله عظيم الرحمة كثير الودّ والمحبة لعباده لينقذهم من العقاب. روي عن النبي ◌َّ أنه كان إذا ذكر شعيباً قال: ((ذاك خطيب الأنبياء)). ٠ ١ - بعد أن يئس الكفار أهل مدين من تحقيق مآربهم عن طريق التهكم والاستهزاء والسخرية من شعيب عليه السلام، لجؤوا إلى التهديد والوعيد مظهرين أنه ضعيف لا سند له، وأنهم أعزة أقوياء، ولولا مجاملة عشيرته لقتلوه رجماً بالحجارة، وما هو بعزيز عليهم ولا كريم، ولا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع. ٤٥٨ لُُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٨٤-٩٥ وهذا شأن الكفار عادة، يعتمدون على القوة المادية، ويهملون النظر إلى تدبير الله وقوته وقهره وقدرته، لذا أراد شعيب أن يلفت نظرهم إلى ضرورة رعاية جانب الله تعالى، وليس مجرد رعاية جانب قومه، فقال: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراماً لرهطي، والله تعالى أولى أن يتبع أمره. ١١ - قابلهم شعيب عليه السلام بتهديد ووعيد أشد وآكد وأوقع وأصدق، وقال لهم: ﴿أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ سوف تعلمون الصادق من الكاذب، وسوف ترون من يأتيه عذاب يخزيه ويهلكه. وانتظروا العذاب والسخط، فإني منتظر النصر والرحمة. ١٢ - كان عذاب أهل مدين كثمود بالصيحة، قيل: صاح بهم جبريل صيحة، فخرجت أرواحهم من أجسادهم، وصاروا ميتين، كأن لم يعيشوا في دارهم. ١٣ - ينضم إلى العذاب الدعاء على الكفار وإعلان الطرد من رحمة الله تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ أي هلاكاً لهم وبعداً عن رحمة الله، كما هلكت قبلهم ثمود، وبعدت من رحمة الله تعالى. ١٤ - من فضل الله ورحمته أنه نجى شعيباً ومن معه من المؤمنين، وهو تنبيه على أن كل ما يصل إلى العبد، لا يكون إلا بفضل الله ورحمته، وأن الخلاص والنجاة والإيمان والطاعة والأعمال الصالحة لا تحصل إلا بتوفيق الله تعالى. ٤٥٩ للزُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٩٦-٩٩ قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِئَايَتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَانَهُوْ أَغَ فِرْعَوْنَّ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (١٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَتْمِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرُدُ الْمَوْرُودُ الَّ ٩٩ بِْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ القراءات: ﴿وَبِئْسَ﴾: وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً (وبيس). البلاغة: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ استعارة مكنية، شبه النار بماء يورد، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الورود، وشبه فرعون في تقدمه على قومه بمنزلة من يتقدم على الواردين إلى الماء، للري من العطش. ﴿ وَبِئْسَ الْوِرُدُ اٌلْمَوْرُودُ﴾ تأكيد لما سبق؛ لأن الورد يكون عادة لتسكين العطش، وفي النار إلهاب للعطش. المفردات اللغوية: ﴿بِشَايَكِنَا﴾ أي بالمعجزات، وهي الآيات التسع المذكورة في سورة الإسراء [الآية ١٠١] وسورة النمل [الآية ١٢] والمفصّلة في سورة الأعراف [الآية ١٣٣]. ﴿ وَسُلّطَانٍ مُّبِينٍ﴾ السلطان: الدلائل والحجج القوية الظاهرة، والمبين: الظاهر الجلي. والفرق بين هذه الكلمات الثلاث: أن الآيات: اسم ٤٦٠ الُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٩٦ -٩٩ للقدر المشترك بين العلامات التي تفيد الظن، وبين الدلائل التي تفيد اليقين. وأما السلطان: فهو اسم لما يفيد القطع واليقين، لكنه اسم للقدر المشترك بين الدلائل التي تؤكد بالحس، وبين الدلائل التي لم تتأكد بالحس. والسلطان المبين: هو الدليل القاطع الذي تأكد بالحس. ولما كانت معجزات موسى عليه السلام هكذا، وصفها الله بأنها سلطان مبين. ﴿وَمَلَيْهِ﴾ الملأ: أشراف القوم وزعماؤهم. ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي وما شأنه وتصرفه بمرشد أو سديد أو بذي رشد وهدى، وإنما هو غيّ محض وضلال صريح. ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أي يتقدمهم يوم القيامة إلى النار، كما كان يتقدمهم في الدنيا إلى الضلال ويتبعونه في الحالين، يقال: قدم بمعنى تقدم . ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أدخلهم فيها، ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه، ونزل النار لهم منزلة الماء، فسمي إتيانها مورداً . ﴿وَيِْسَ اُلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ هي، أي بئس المورد الذي وردوه، فإن المورد يراد عادة لتبريد الأكباد وتسكين العطش، والنار بالضد من ذلك. والآية كالدليل على قوله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ فإن من هذه عاقبته لم يكن في أمره رشيداً. ﴿وَأَتْبِعُواْ﴾ ألحقوا ﴿فِى هَذِهِ،﴾ الدنيا ﴿لَغْنَةٌ﴾ طرداً من رحمة الله ﴿وَيَوْمَ اٌلْفِيَمَةِ﴾ أي يلعنون في الدنيا والآخرة ﴿يِثْسَ اٌلْرِفَدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العون المعان، أو العطاء المعطى. والمخصوص بالذم محذوف، أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين. المناسبة: هذه هي القصة السابعة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وهي آخر قصة في هذه السورة، وقد ذكرت قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، فذكرت في سورة الأعراف