Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
لُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
وقرأ نافع (إنيَ أُشهد).
(صِرَطِ﴾ :
وقرأ قنبل (سراط).
﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾ :
بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، قرأ: قالون والبزي، وأبو عمرو،
وبتسهيل الهمزة الثانية قرأ ورش، وقنبل.
وبتحقيقهما قرأ الباقون.
الإعراب:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًّا﴾ ﴿أَخَاهُمْ﴾ منصوب بفعل مقدر، أي وأرسلنا إلى
عاد أخاهم هوداً. و﴿غَيْرُهُ﴾ بالرفع صفة على محل الجار والمجرور، وقرئ
بالجر صفة على اللفظ.
﴿مِّدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَآءَ﴾، والعامل فيه ﴿يُرْسِلِ﴾. والأصل في
مدرار أن يكون مدرارة، ولكنهم يحذفون هاء التأنيث عادة من مِفْعال كامرأة
مِعْطار، ومن مِفْعيل كامرأة معطير، ومن فاعل كامرأة طالق وحائض . ﴿عَن
قَوْلِكَ﴾ حال من الضمير في تاركي. ﴿مَّا مِن دَآئَةٍ﴾ في موضع رفع بالابتداء.
﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَكَ بَعْضُ ◌َإِلِهَتِنَا﴾ إن: حرف نفي بمعنى ما، أي ما نقول
إلا هذه المقالة، فالاستثناء من المصدر الذي دل عليه الفعل، مثل ﴿أَفَمَا نَحْنُ
بِمَّتِينَ ﴿ إِلَّا مَوْنَتَنَا الْأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨/٣٧-٥٩] فموتتنا مستثنى من أنواع
الموت الذي دل عليها قوله: ﴿بِمَيِّتِينَ﴾. فقد ذكر الفعل ويستثنى من مدلوله،
كما يستثنى من الظرف والحال، مثال الأول: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا
سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ﴾ [يونس: ٤٥/١٠] ﴿سَاعَةٌ﴾: مستثنى مما دل عليه ﴿لَّمَّ

٤٠٢
◌ِلُهُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
يَلْبَثُواْ﴾، أي كأن لم يلبثوا في الأوقات إلا ساعة من النهار؛ ومثال الثاني:
﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢/٣] أي
ضربت عليهم الذلة في جميع الأحوال أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل من الله،
أي عهد من الله. ﴿وَتَلْكَ عَادٌ﴾ مبتدأ وخبر، و﴿بُعْدًا﴾ منصوب بفعل مقدر،
أي أن المصدر قائم مقام فعله.
البلاغة:
﴿يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ عبر بالسماء عن المطر من قبيل المجاز
المرسل، لنزوله من السماء، ومدرار: للمبالغة.
﴿فَكِيدُونِ جَمِيعًا﴾ أمر بمعنى التعجيز.
﴿مَّا مِن دَابَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌُ بِنَاصِيَتِهَا﴾ استعارة تمثيلية، شبه الخلق وهم في
قبضة الله وملكه بمن يقود دابة بناصيتها، فهي مقدورة له.
﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ استعارة، فإنه استعار الطريق المستقيم
للدلالة على كمال العدل.
﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ الأمر كناية عن العذاب.
( نَيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا وَنَخَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ فيه
إطناب، لتكرار لفظ الإنجاء بقصد بيان أن الأمر شديد عظيم الأهوال.
﴿ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ المراد عصوا رسولهم هوداً، من قبيل المجاز المرسل من
باب إطلاق الكل وإرادة بعضه.
﴿أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ تكرار حرف التنبيه، وإعادة لفظ
﴿ِعَادٍ﴾ للمبالغة في تهويل حالهم.

٤٠٣
لِلُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١/ ٥٠-٦٠
المفردات اللغوية:
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم من القبيلة وواحداً
منهم، وهو عطف على قوله ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ و﴿هُودًا﴾: عطف
بيان. ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وحده. ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ﴾ ﴿مِّنْ﴾: زائدة للتأكيد.
﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ ما أنتم في عبادتكم الأوثان. ﴿إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ كاذبون على الله
باتخاذ الأوثان شركاء لله وجعلها شفعاء عند الله تعالى.
﴿لَآَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائد على الدعاء إلى الله وتوحيده.
﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾ ما أجري. ﴿فَطَرَنِ﴾ خلقني على الفطرة السليمة - فطرة
التوحيد لله - والمقصود من الآية بيان إخلاصه في النصيحة، فإنها لا تفيد ما
دامت مشوبة بالمطامع.
﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ من الشرك. ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ أخلصوا التوبة من
المعاصي والكفر الله، وارجعوا إليه بالطاعة، أي اطلبوا المغفرة من الله
بالإيمان، ثم توسلوا إليها بالتوبة، ثم لا يكون التبري من الغير إلا بالإيمان بالله
والرغبة فيما عنده . (يُرْسِلِ السَّمَاءَ﴾ المطر، وكانوا قد مُنعوه واشتدت
حاجتهم إليه؛ لأنهم كانوا أصحاب زروع. ﴿مِّدْرَارًا﴾ كثير الدر. ﴿وَيَزِدُكُمْ
قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ أي يزدكم قوة مع قوتكم بالمال والولد، أو يضاعف قوتكم
بالتناسل والأموال . ﴿وَلَا تَنَوَلَّوْ مُجْرِمِينَ﴾ مشركين.
بِبَيِّنَةٍ﴾ ببرهان على قولك، وبحجة تدل على صحة دعواك، وهذا لفرط
عنادهم، وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات . ﴿بِتَارِكِيّ ◌َالِهَئِنَا﴾
بتاركي عبادتهم. ﴿عَن قَوْلِكَ﴾ صادرين عن قولك أو لقولك. ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ
بِمُؤْمِنِينَ﴾ إقناط له من الإجابة والتصديق.
﴿إِن تَّقُولُ﴾ ما نقول في شأنك. ﴿أَعْتَرَنكَ﴾ أصابك. ﴿بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾
بجنون، لسبك إياها وصدك عنها، فأنت تهذي وتتكلم بالخرافات، والجملة

٤٠٤
المُرُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
مفعول القول، وإلا لغو؛ لأن الاستثناء مفرغ. ﴿فَكِيدُونِ﴾ اجتمعوا على
الكيد لي في إهلاكي من غير إنظار. ﴿جَمِيعًا﴾ أنتم وأوثانكم. ﴿ثُمَّ لَا تُظِرُونِ﴾
تمهلون. والمراد بيان عجزهم عن إلحاق الضرر به ليعلموا أن آلهتهم جماد لا
تضر ولا تنفع . ﴿إِنِ تَوَكَلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ﴾ أي وإن بذلتم غاية وسعكم لم
تضروني، فإني متوكل على الله، واثق برعايته.
﴿مَّا مِن دَآبَةٍ﴾ نسمة تدب على الأرض. ﴿إِلَّ هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنِهَا﴾ أي إلا
وهو مالك لها، قادر عليها، يصرفها على ما يريد بها، فلا نفع ولا ضرر إلا
بإذنه، والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك. وخص الناصية بالذكر؛ لأن من أخذ
بناصيته يكون في غاية الذل. ﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على الحق
والعدل، لا يضيع عنده معتصم، ولا يفوته ظالم.
﴿ فَإِن تَوَلَّوْا﴾ أي تعرضوا وتتولوا، وقد حذفت فيه إحدى التاءين . ﴿فَقَدْ
أَبْلَغَتَّكُمْ﴾ أي فقد أديت ما علي من الإبلاغ، وإلزام الحجة، فلا تفريط مني ولا
عذر لكم، فقد أبلغتكم رسالة ربي. ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ استئناف
بالوعيد لهم، بأن الله يهلكهم، ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم.
﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بتوليكم وإشراككم. ﴿حَفِيظُ﴾ رقيب.
﴿ أَمْرُنَا﴾ عذابنا أو أمرنا بالعذاب. ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ هداية،
وكانوا أربعة آلاف . ﴿غَلِظِ﴾ شديد، وهذا تعريض بأنهم كما عذبوا في الدنيا
بريح السموم، فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الشديد.
﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ أنث اسم الإشارة باعتبار القبيلة، أو لأن الإشارة إلى
قبورهم وآثارهم، أي فانظروا آثارهم في الأرض. ﴿جَحَدُواْ﴾ كفروا.
﴿وَعَصَوْ رُسُلَهُ﴾ جمع الرسل؛ لأن من عصى رسولاً، عصى جميع الرسل؛
لاشتراكهم في أصل ما جاؤوا به وهو التوحيد . ﴿ وَتَّبَعُواْ﴾ أي السفلة. ﴿أَفََّ
كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي معاند للحق، يعني كبراءهم ورؤساءهم الطاغين،

٤٠٥
الْخُرُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ٥٠-٦٠
والمعنى: عصوا من دعاهم إلى الإيمان وما ينجيهم، وأطاعوا من دعاهم إلى
الكفر وما يرديهم.
﴿وَأُتْبِعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين، في
الدنيا من الناس، ويوم القيامة لعنة على رؤوس الناس، توقعهم في العذاب.
كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ جحدوه أو كفروا نعمه، أو كفروا به، فحذف الجار . ﴿أَلَا
بُعْدًا لِّعَادٍ﴾ أي من رحمة الله، وهو دعاء عليهم بالهلاك. والمراد به الدلالة على
أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم من العذاب، بسبب أفعالهم . ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾
عطف بيان لعاد، لتمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم.
المناسبة:
هذه هي القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة،
وقد ذكرت هذه القصة في سورة الأعراف بأسلوب ونظم آخر. وكان هود أول
من تكلم بالعربية من ذرية نوح.
وفي إيراد هذه القصة هنا شبه بقصة نوح مع قومه، ففيها تبليغ هود الدعوة
والتكاليف إلى قومه، وردهم عليه، وما انتهت به القصة من إنجاء المؤمنين،
وإهلاك الكافرين.
التفسير والبيان:
دعا هود قومه إلى أنواع من التكاليف:
النوع الأول - دعوتهم إلى التوحيد، في قوله تعالى: ﴿يَدَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾
أي وكما أرسلنا نوحاً، أرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، والمراد أخاً لهم في
النسب والقبيلة، لا في الدين؛ لأن هوداً كان رجلاً من قبيلة عاد، فيقال
للرجل: يا أخا العرب، والمراد رجل منهم، وكانت هذه القبيلة قبيلة عربية
تسكن بناحية اليمن في الأحقاف (شمال حضرموت) وكانت قبيلة ذات قوة
وشدة، وأصحاب زرع وضرع.

٤٠٦
الُهُ (١٢) - هُوّيٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
إنه أمرهم بعبادة الله وحده لاشريك له، ناهياً لهم عن الأوثان التي
افتروها، فقال لهم: آمركم بعبادة الله الذي لا إله غيره، ولا تعبدوا من دونه
وثناً ولا صنماً، ولا تشركوا به شيئاً، ما لكم من إله غيره، خلقكم ورزقكم،
وأمدكم بالنعم الوفيرة، فما أنتم إلا مفترون الكذب على الله باتخاذكم الشركاء
لله، ووصفكم إياهم بأنهم شفعاء.
ويا قوم، لا أطلب على ما أدعوكم عليه من عبادة الله ونبذ عبادة الأوثان
أجراً أو مالاً ينفعني، فما أجري أو ثوابي إلا على الله الذي خلقني على الفطرة
السليمة فطرة التوحيد، أفلا تعقلون قول من يدعوكم إلى ما يصلحكم في
الدنيا والآخرة من غير أجرة، وتقدرون ما يقال لكم من نصح قائم على
الإخلاص والأمانة، وتعلمون أني مصيب في المنع من عبادة الأصنام.
والنوع الثاني - من التكاليف التي ذكرها هود لقومه: الاستغفار والتوبة.
فقال: ويا قوم، اطلبوا المغفرة من الله على الشرك والكفر والذنوب
السابقة، وأخلصوا التوبة له، وعما تستقبلون، فإذا استغفرتم وتبتم يرسل الله
عليكم مطراً كثيراً متتابعاً، وقد كانوا بأشد الحاجة إلى المطر بعد أن مُنِعوه؛
لأنهم أصحاب زروع وبساتين، ويزدكم قوة إلى قوتكم بالأموال والأولاد،
وعزاً إلى عزكم، وقد كانوا أشداء أقوياء يهمهم التفوق والغلبة على الناس،
والاعتزاز بالقوة، كما قال تعالى: ﴿ وَأَذْكُرُوْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ
نُوُجِ وَزَادَكُمْ فِىِ الْخَلْقِ بَصْطَةً فَأَذْكُرُوْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ
٢٨
٦٩/٧] وقال سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع ءَايَةً تَعْبَثُونَ
فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ
لَعَلَّكُمْ تَخْلُونَ (9َ
وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ﴿١٨) أَمَذَّكُمُ بِأَنْعَمِ وَبَنِينَ (َ﴾ [الشعراء: ١٢٨/٢٦-
١٣٣] وقال عز وجل: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ
مِنَّا قُوَّةٌ﴾ [فصلت: ٤١ /١٥].

٤٠٧
الزُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١/ ٥٠-٦٠
﴿ وَلَا نَوَلَوْ مُجْرِمِينَ﴾ ولا تعرضوا عني وعن دعوتي وعما أرغبكم فيه،
مصرّين على إجرامكم وآثامكم . .
وفائدة الاستغفار المذكورة في الآية، لها ما يؤيدها في السنة النبوية، ففي
الحديث الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: ((من لزم
الاستغفار، جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من
حیث لا يحتسب)).
وبعد أن حكى تعالى ما ذكره هود لقومه، حكى ما ذكره القوم له: ﴿قَالُواْ
يَهُودُ﴾ أي قالوا لنبيهم: ما جئتنا بحجة وبرهان على ماتدعيه أنك رسول من
عند الله، ولن نترك عبادة آلهتنا بمجرد قولك: اتركوهم، وما نحن لك
بمصدقين، وما نظن إلا أن بعض آلهتنا أصابك بجنون وخبل في عقلك بسبب
شتمك لها ونهيك عن عبادتها وعيبك لها.
فكان جوابهم متضمناً أربعة أشياء كلها عناد وحماقة واستكبار، وهي
المطالبة بالبينة؛ والإصرار على عبادة الآلهة، مع أنهم كانوا يعترفون بأن النافع
والضار هو الله تعالى، وأن الأصنام لا تنفع ولا تضر؛ وعدم التصديق برسالة
هود مما يدل على الإصرار والتقليد والجحود؛ وإفساد عقله وجعله مجنوناً
بواسطة الآلهة.
فقال لهم هود: أشهد الله على نفسي واشهدوا على أني بريء من شرككم
ومن عبادة الأصنام، ولا يعني هذا أنهم كانوا أهلاً للشهادة، ولكنه نهاية
للتقرير، أي لتعرفوا، ولم يقل: إني أشهد الله وأشهدكم، لئلا يفيد التشريك
بين الشهادتين والتسوية بينهما، فإن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد
صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون
بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم.
وإذا كنت بريئاً من جميع الأنداد والأصنام، أي مما تشركون من دون الله،

٤٠٨
لِلُزُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
فإني أعلن ذلك صراحة، فاجمعوا كل ما تستطيعون من أنواع الكيد لي، جميعاً
أي أنتم وآلهتكم، ولا تمهلوني طرفة عين، إني فوضت أمري كله لله ربي
ورېکم، ووکلته في حفظي، فهو على كل شيء قدير.
فما من دابة تدب على الأرض أو السماء إلا هي تحت سلطان الله وقهره
فهو مصرف أمرها ومسخرها، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، إن ربي على
الحق والعدل.
وقد تضمن جوابه الدال على التحدي والمعجزة الباهرة وقلة المبالاة بهم
عدة أمور هي: البراءة من الشرك، وإشهاد الله على ذلك، وإشهادهم على
براءته من شركهم، وطلبه المكايدة له، وإظهار قلة المبالاة بهم وعدم خوفه
منهم ومن آلهتهم. وهذا موقف مشابه تماماً لموقف نوح في قوله السابق:
﴿فَأَحْمِعُواْ أَنَّكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَّ وَلَا
تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١/١٠] وقوله: ﴿قُلِ أَدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا نُنظِرُونِ﴾
[الأعراف: ١٩٥/٧] .
﴿فَإِن تَوَلَّوْ﴾ أي فإن تتولوا وتعرضوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم
وحده لا شريك له، فقد بلغتكم رسالة ربي التي بعثني بها إليكم، ولا عتاب
علي على تفريط في التبليغ، وكنتم محجوجين بأن ما أرسلت به إليكم قد
بلغكم، فأبيتم إلا تكذيب الرسالة وعداوة الرسول. ثم استأنف كلاماً جديداً
فقال: ويهلككم الله ويجيء بقوم آخرين، يخلفونكم في دياركم وأموالكم
ويكونون أطوع الله منكم، ولا تضرونه شيئاً بتوليكم وكفركم، بل يعود وبال
ذلك علیکم، وما تضرون إلا أنفسكم، إن ربي على كل شيء رقيب، مهيمن
عليه، فما تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم.
ثم ذكر الله تعالى العذاب وآثاره وعاقبة أمر هود وقومه، فقال: ﴿وَلَمَّا جَآءَ
أَمْرُنَا﴾ أي ولما حان وقت نزول أمرنا بالعذاب، ووقع عذابنا، وهو الريح

٤٠٩
اِلُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
العقيم، نجينا هوداً والمؤمنين معه من عذاب شديد شاق ثقيل، برحمة من لدنا
ولطف منا، وأهلكنا قومه عن آخرهم.
وسبب ذلك العقاب أن عاداً کفروا بآيات ربهم وحججه، وعصوا رسله،
وقد جمع الرسل والمقصود رسولهم هوداً؛ لأن من كفر بنبي فقد كفر بجميع
الأنبياء، فهم كفروا بهود، فصار كفرهم كفراً بجميع الأنبياء، واتبعوا أمر
رؤسائهم الجبابرة الطغاة المعاندين.
فلهذا لحقت بهم لعنة الله في الدنيا، ولعنة عباده المؤمنين كلما ذكروا،
وينادى عليهم يوم القيامة على رؤوس الخلائق: ألا إن عاداً كفروا بربهم
وبنعمه، وجحدوا بآياته، وكذبوا رسله، ألا بعداً وطرداً من رحمة الله لعاد
قوم هود، وهذا دعاء عليهم بالهلاك والدمار والبعد من الرحمة.
والخلاصة: إنه تعالى جمع أوصاف عاد في ثلاثة: جحود دلائل المعجزات
على الصدق، ودلالة المحدثات على وجود الصانع الحكيم، وعصيان رسولهم،
ومن عصى رسولاً واحداً، فقد عصى جميع الرسل، لقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِه٤ٌِ﴾ [البقرة: ٢٨٥/٢]، وتقليد القوم رؤساءهم، ثم ذكر
تعالى عاقبة أحوالهم في الدنيا والآخرة وهي مصاحبة اللعن لهم في الدنيا
والآخرة، ومعنى اللعنة: الإبعاد من رحمة الله تعالى ومن كل خير، ثم بين تعالى
السبب الأصلي في استحقاق تلك الأحوال فقال: ﴿أَلَّ إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمُّ﴾
أي جحدوه، أو كفروا بربهم على حذف الباء، أو نعمة ربهم، على حذف
المضاف. وفائدة قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَتْبِعُواْ﴾ الدلالة على غاية
التأكيد. وفائدة قوله ﴿لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ تعيين عاد القديمة، تمييزاً لهم عن عاد
التي هي إرم ذات العماد، فقصد به إزالة الاشتباه، أو لمزيد التأكيد.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة هود مع قومه على مايلي:

٤١٠
لُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
اً - حصر هود عليه السلام دعوته في نوعين من التكاليف هما: الدعوة إلى
التوحيد وعبادة الله وحده، والاستغفار ثم التوبة، والفرق بينهما أن
الاستغفار: طلب المغفرة وهو المطلوب بالذات، والتوبة: هي السبب إليها،
وذلك بالإعراض أو الإقلاع عما يضاد المغفرة، وقدم المغفرة؛ لأنها هي
الغرض المطلوب، والتوبة سبب إليها. وقد تقدم في أول السورة توضيح
الفرق.
أَ - اقتصرت إجابة عاد قوم هود له على التركيز على عبادة الآلهة من
الأصنام والأوثان، وتقليد الأسلاف، وذلك يدل على تعطيل الفكر والعقل،
وعدم النظر الحر الطليق القائم على الاستدلال بالأدلة الكثيرة والمعجزات
المتضافرة التي أظهرها الله على يد هود عليه السلام، ومنها تحديهم بالمكايدة
والمعاداة والإضرار له جميعاً هم وآلهتهم، وعدم الإمهال ساعة، وهو موقف
يدل مع كثرة الأعداء على كمال الثقة بنصر الله تعالى، وهو أيضاً من أعلام
النبوة: أن يكون الرسول وحده يقول لقومه: ﴿فَكِدُونِ جَمِيعًا﴾ وكذلك قال
النبي ◌َّ لقريش، وقال نوح عليه السلام: ﴿فَأَحْمِعُوْ أَمْرَكُمْ وَشُرَّكَآءَ كُمْ﴾ [يونس:
١٠ / ٧١] .
٣ - التوكل على الله الخالق القاهر المتصرف بالمخلوقات كيف يشاء، والمانع
مما يشاء هو من أصول الإيمان التي تمنع وصول الضرر إلى النبي هود عليه
السلام وكل مؤمن صادق مخلص، فما من نفس تدب على الأرض أو في
السماء إلا وهي تحت سلطان الله وقهره وتصرفه.
٤ - الله تعالى قادر على الحق والعدل، وهو سبحانه وإن كان قادراً على
قوم عاد العتاة الأشداء، لكنه لا يظلمهم، ولا يفعل بهم إلا ماهو الحق
والعدل والصواب.
٥ - مهمة الأنبياء هي تبليغ الرسالات ومحاجة الكفار، فإن أعرض الناس

٤١١
اِلُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١/ ٥٠-٦٠
عن دعواتهم وبيانهم، فهم أي الأنبياء قد أبرؤوا الذمة، وأدوا الغرض،
وكان الناس الكافرين المعرضين هم الذين يخسرون، ويتضررون، ويتعرضون
للعذاب في الدنيا بالإهلاك، واستخلاف قوم آخرين هم أطوع الله منهم
يوحدونه ويعبدونه، وفي الآخرة بدخول جهنم. والله رقيب على كل شيء من
أقوال العباد وأفعالهم، ويحاسبهم ونجازيهم عليها.
أَ - أحوال قبيلة عاد خطيرة ذات أوصاف ثلاثة: هي الجحود بآيات
ربهم، وعصیان رسولهم، واتباعهم أو تقلیدهم أوامر رؤسائهم دون تفكير
ولا روية.
لاً - كانت عقوبة قبيلة هود لحوق اللعنة عليهم في الدنيا من الله ومن
الناس، وهلاكهم بريح صرصر عاتية وبعدهم عن الخير، والطرد من رحمة الله
في يوم القيامة، وما ربك بظلام للعبيد.

٤١٢
◌ِزُجُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٦١ -٦٨
قصة صالح عليه السلام
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَةُ
هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِى قَرِيبٌ تُجِيبٌ
٦١
قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا أَنَتْهَننَّا أَن تَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَآبَاؤُنَا
وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
قَالَ يَنَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ
مِّن رَّبِى وَءَاتَنِ مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُبِىِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ، فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ
تَخْسِيرٍ ﴿﴿ وَيَقَوْمِ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىّ أَرْضِ
فَعَفَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِى
اللَّهِ وَلَا تَمَسُوهَا بِسُوَءٍ فَأْخُذَّكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ◌َ
فَلَمَا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا
٦٥
دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ
اُلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ
١٨
كَأَن لَّمَّ يَغْنَوْ فِهَا أَلَّ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّشَمُودَ
TV
القراءات:
﴿مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾:
وقرأ الكسائي (من إلهٍ غيرِهِ).
﴿جَآءَ أَمْرُنَا﴾:
تقدم في القراءات للآيات (٣٦-٤١)
﴿وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِذٍ﴾:
وقرأ نافع، والكسائي (من خزي يومَئذ).

٤١٣
: اِلُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٦١-٦٨
﴿أَّ إِنَّ ثَمُودَا﴾
:
قرئ:
١- (ألا إنَّ ثمودَ) وهي قراءة حفص، وحمزة.
٢- (ألا إن ثموداً) وهي قراءة الباقين.
﴿أَ بُعْدًا لِّثَمُودَ﴾ :
وقرأ الكسائي (ألا بعداً لثمودٍ).
الإعراب:
﴿ثَمُودَ﴾ ممنوع من الصرف عند الجمهور، على إرادة القبيلة، وقرأه
بعضهم مصروفاً على إرادة الحي . ﴿لَكُمْ ءَايَةٌ﴾ إما حال من ﴿نَاقَةُ اُللَّهِ﴾
أي: هذه ناقة الله لكم آية بيِّنة ظاهرة، وعامله معنى الإشارة، وإما تمييز أي:
هذه ناقة الله لكم من جملة الآيات .﴿وَمِنْ خِرَّى يَوْمِذٍ﴾ من قرأه بالكسر أعربه
على الأصل، ومن قرأه بالفتح بناه لإضافته إلى غير متمكّن؛ لأن ظرف الزمان
إذا أضيف إلى اسم غير متمكن أو مبني أو فعل ماضٍ، بُني، كما في قول
الشاعر :
على حين عاتبت المشيب على الصِّبا فقلت: ألَّا تصْحُ، والشيب وازع
فبنىٍ (حين) على الفتح لإضافته إلى الفعل الماضي. والتنوين في (إذٍ) من
﴿يَوْمِيِذٍ﴾ عوض عن جملة محذوفة، ويسمى تنوين التعويض.
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ قال: أخذ لأنه فصل بين الفعل والفاعل
بالمفعول وهو ﴿الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أو لأن تأنيث الصيحة غير حقيقي، أو محمول
على المعنى؛ لأن الصيحة في معنى الصياح، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ﴾
لأن موعظة في معنى وعظ.

٤١٤
الُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٦١ -٦٨
﴿أَلَاَ إِنَّ ثَمُودَأْ﴾ من صرفه جعله اسم الحي، ومن لم يصرفه جعله اسم
القبيلة معرفة، فلم ينصرف للتعريف والتأنيث.
﴿كَأَنْ﴾ مخففة، واسمها محذوف، أي كأنهم.
البلاغة:
﴿فَمَن يَنصُرُنِ مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ استفهام معناه النفي، أي لا ينصرني
منه إن عصیته أحد.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ أي وأرسلنا إلى ثمود ﴿أَخَاهُمْ﴾ من القبيلة ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ﴾
وحّدوه ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ﴾ ابتدأ خلقكم وتكوينكم منها، لا غيره، فإنه خلق آدم
ومواد النُّطَف التي خلق نسله منها من التراب ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيَهَا﴾ جعلكم
تعمرونها، وأبقاكم عمركم فيها، تسكنون بها ﴿فَأَسْتَغْفِرُوهُ﴾ من الشرك ﴿ثُمَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ ارجعوا إليه بالطاعة وأقلعوا عن الذنب ﴿إِنَّ رَبِّ قَرِيبٌ﴾ قريب
الرحمة من خلقه بعلمه ﴿مُجِيبٌ﴾ لمن سأله أو لداعيه.
﴿مَرْجُوًا قَبْلَ هَذَا﴾ مأمولاً أن تكون لنا سيداً أو مستشاراً في الأمور؛ لما
نرى فيك من مخايل الرشد والسداد، فلما سمعنا هذا القول الذي صدر منك،
انقطع رجاؤنا عنك ﴿أَنَتْهَمنَآ أَنْ تَعْبُدَ مَا يَغْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ من الأوثان، على
حكاية الحال الماضية ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، والتبري
من الأوثان ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع في الريبة أو الريب أي الظن والشك ﴿أَرَءَيْتُمْ
من رؤية القلب، أي أتدبرتم؟
﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بيان وبصيرة، واستعمل حرف الشك في قوله ﴿إِن
كُنْتُ﴾ باعتبار المخاطبين ﴿رَحْمَةً﴾ نبوة ﴿فَمَن يَنْصُرُفِ﴾ يمنعني ﴿مِنَ
اللَّهِ﴾ أي من عذابه ﴿إِنْ عَصَيْنُهُ﴾ في تبليغ رسالته، والمنع عن الإشراك به

٤١٥
الُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٦١-٦٨
﴿فَمَا تَزِيدُونَنِ﴾ أي فما تطلبون مني باتباعكم ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ تضليل أو إيقاع في
الخسران باستبدال الشرك بالتوحيد، أو بإبطال ما منحني الله به والتعرض
لعذابه، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران ﴿فَذَرُوهَا
تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اٌللَّهِ﴾ دعوها ترعى نباتها وتشرب ماءها ﴿وَلَا تَمَسُوهَا
بِسُوْءٍ﴾ عقر ﴿فَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجل لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء
إلا يسيراً، وهو ثلاثة أيام، إن عقرتموها ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ قتلوها، عقرها قدار
بأمرهم ﴿فَقَالَ﴾ صالح ﴿تَمَتَّعُواْ﴾ عيشوا في منازلكم ثلاثة أيام: الأربعاء
والخميس والجمعة، ثم تهلكون ﴿غَيِرُ مَكْذُوبٍ﴾ فيه.
﴿فَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ بإهلاكهم ﴿نَجَيْنَا صَلِحًا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُوْ مَعَهُ﴾ وهم
أربعة آلاف ﴿وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِذٍ﴾ أي ونجيناهم من هلاكهم بالصيحة أو ذلهم
أو فضيحتهم يوم القيامة ﴿اُلْقَوِىُّ﴾ القادر على كل شيء ﴿اٌلْعَزِيزُ﴾ الغالب
على كل شيء. ﴿الصَّيْحَةُ﴾ المرة الواحدة من الصوتِ الشديد المهلك، والمراد
بها الصاعقة التي أحدثت رجفة في القلوب، وصعق بها الكافرون
﴿جَثِمِينَ﴾ باركين على الركب ميتين، أو ساقطين على وجوههم مصعوقين،
والجثوم للطائر كالبروك للبعير ﴿يَغْنَوْاْ﴾ يقيموا ﴿فِيهَا﴾ في دارهم ﴿بُعْدًا}
هلاكاً وطرداً من رحمة الله، وهو اللعن.
المناسبة:
هذه هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة، وهي قصة
صالح مع ثمود، وصالح هو الرسول الثاني من العرب، ومساكن قبيلته ثمود:
الحجْر: وهي بين الحجاز والشام، وآثار مدائنهم باقية إلى اليوم.
ونظم هذه القصة مثل النظم المذكور في قصة هود، إلا أنه لما أمرهم
بالتوحيد ههنا ذكر في تقريره دليلين: الإنشاء من الأرض، والاستعمار فيها
أي جعلكم عمارها. وقد ذكرت قصة صالح في سورة الأعراف.

٤١٦
الزُُ (١٢) - هُوَّدٍ: ١١ / ٦١-٦٨
وسيأتي ذكر هذه القصة أيضاً في سورة الشعراء والنمل والقمر والحجر
وغيرها، ومضمون القصة تبليغ صالح دعوته، ومناقشتهم، وإنذارهم
بالهلاك، وردودهم عليه، وتأييد صدقه بمعجزة الناقة، وقتلهم لها،
وإهلاكهم بالصيحة أو الصاعقة.
التفسير والبيان:
ولقد أرسلنا إلى ثمود الذين كانوا يسكنون مدائن الحجْر بين تبوك والمدينة،
وكانوا بعد عاد، أرسلنا لهم رجلاً منهم أي من قبيلتهم، وهو صالح عليه
السلام، فأمرهم بعبادة الله وحده، وأقام لهم دليلين على التوحيد:
الدليل الأول - قوله: ﴿هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي ابتدأ خلقكم منها، إذ
خلق منها أباكم آدم فهو أبو البشر، ومادة التراب هي المادة الأولى التي خلق
منها آدم، ثم خلقكم أنتم من سلالة من طين، بالوسائط التالية: من نطفة، ثم
من علقة، ثم من مضغة تكسى بعدئذ بهيكل عظمي ولحم، وأصل النطفة من
الدم، والدم من الغذاء، والغذاء إما من نبات الأرض أو من اللحم الذي
يرجع إلى النبات.
والدليل الثاني - ﴿ وَاُسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي جعلكم عماراً تعمرونها وتستغلونها
بالزراعة والصناعة والبناء والتعدين. فكون الأرض قابلة للعمارة النافعة
للإنسان، وكون الإنسان قادراً عليها، دليل على وجود الصانع الحكيم، الذي
قدر فهدى، ومنح الإنسان العقل الهادي والأداة لتسخير موجودات الدنيا،
وجعل له القدرة على التصرف.
وإذا كان الله هو المستحق للعبادة وحده، فاستغفروه لسالف ذنوبكم، من
الشرك والمعصية، ثم توبوا إليه بالإقلاع عن الذنب في الماضي، والعزم على
عدم العودة إليه وإلى أمثاله في المستقبل.

٤١٧
لِلُعُ (١٢) - جُوّد: ١١ / ٦١-٦٨
إن ربي قريب من خلقه بالرحمة والعلم والسمع، مجيب دعوة الداعي المحتاج
المخلص بفضله ورحمته، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِ قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦/٢].
فأجابوه بكلام يدل على الجهل والعناد: ﴿قَالُواْ يَصَلِحُ﴾ أي قال قوم ثمود:
ياصالح، قد كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت، أو كنا نأمل أن تكون
سيداً أو مستشاراً في الأمور؛ لما نرى لك من رجاحة في العقل وسداد في
التفكير، فالآن خيبت الآمال وقطعت الرجاء. وقال كعب: كانوا يرجونه
للمملكة بعد ملكهم؛ لأنه كان ذا حسب وثروة. وعن ابن عباس: كان
فاضلاً خيراً. والظاهر الذي حكاه الجمهور أن قوله: ﴿مَرْجُوًا﴾ مشوراً نؤمل
فيك أن تكون سيداً ساداً مسدّ الأكابر.
ثم تعجبوا من دعوته قائلين:
أتنهانا عن عبادة الآباء والأسلاف؟ وقد تتابعوا على تلك العبادة كابراً عن
کابر دون إنكار من أحد.
وإننا نشك كثيراً في صحة ما تدعونا إليه من عبادة الله وحده، وترك
التوسل إليه بالشفعاء المقربين عنده، وهو شك موقع في التهمة وسوء الظن.
والشك: هو أن يبقى الإنسان متوقفاً بين النفي والإثبات، والمريب: هو
الذي يظن به السوء.
والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد، ووجوب متابعة الآباء
والأسلاف. وهذا نظير ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ
اَلْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ ﴿َ﴾ [ص: ٥/٣٨].
فأجابهم صالح مبيناً ثباته على المبدأ ومنهج النبوة: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ﴾
أي كيف أعصي الله في ترك ما أنا عليه من البينة؟ أخبروني ماذا أفعل، إن

٤١٨
لُعُ (١٢) - جُوّي: ١١ / ٦١-٦٨
كنت على برهان وبصيرة ويقين فيما أرسلني به إليكم، وآتاني منه رحمة، أي
نبوة تتضمن تبليغ ما أوحى به إلي.
وقدّروا أني نبي على الحقيقة، وكان على يقين أنه على بيِّنة؛ لأن خطابه
للجاحدين، وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، فمن يمنعني من
عذاب الله؟! وإذا تابعتكم وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة الله وحده، لما
نفعتموني، ولما زدټوني حينئذ غير خسارة وضلال، باستبدال بما عند الله ما
عندكم.
ولما كانت عادة الأنبياء ابتداء الدعوة إلى عبادة الله، ثم اتباعها بدعوى
النبوة، فإن صالحاً عليه السلام الذي طلبوا منه المعجزة على صحة قوله،
أتاهم بمعجزة الناقة. روي أن قومه خرجوا في عيد لهم، فسألوه أن يأتيهم
بآية، وأن يخرج لهم من صخرة معينة أشاروا إليها ناقة، فدعا صالح ربه،
فخرجت الناقة كما سألوا.
وقال لهم: هذه آية على صدقي: ناقة الله، التي تتميز عن سائر الإبل بأكلها
وشربها وغزارة لبنها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ
واصطبرْ
[القمر: ٢٧/٥٤-
وَنَبِثْهُمْ أَنَّ أَلْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ
٣٧
٢٨] .
فاتركوها تأكل ما شاءت في أرض الله من المراعي، دون أن تتحملوا عبء
مؤونتها، ولا تمسوها بسوء أياً كان نوعه، فيأخذكم عذاب عاجل لا يتأخر
عن إصابتكم إلا يسيراً وذلك ثلاثة أيام، ثم يقع عليكم.
فلم يسمعوا نصحه، وكذبوه وعقروها، عقرها بأمرهم قدار بن سالف،
[القمر: ٢٩/٥٤] فقال لهم:
كما قال تعالى: ﴿فَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فَنَعَاطَى فَعَفَرَ (19)﴾
استمتعوا بالعيش في داركم، أي بلدكم، وتسمى البلاد الديار، مدة ثلاثة
أيام، ذلك وعد مؤكد غیر مکذوب فيه.

٤١٩
الُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٦١-٦٨
ثم وقع ما أوعدهم به: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي فلما حان وقت أمرنا
بالعذاب والإهلاك، وحل العقاب ووقعت الواقعة، ونزلت الصاعقة، نجينا
صالحاً والمؤمنين معه، برحمة منا، ونجيناهم من عذاب شديد، ومن ذل ومهانة
حدثت يومئذ أي يوم وقوع الهلاك أو يوم القيامة، والخزي: الذل العظيم
البالغ حد الفضيحة، إن ربك هو القوي القادر الغالب على كل شيء، الذي
ج
لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وكلمة ﴿يَوْمِذٍ﴾ إما بفتح الميم فهو
معرب، أو بكسرها فهو مبني مضاف لغير متمكن.
وأصبح أمرهم أنه أخذتهم صيحة العذاب وهي الصاعقة ذات الصوت
الشديد المهلك، التي تزلزل القلوب، وتصعق عند سماعها النفوس، فصعقوا
بها جميعاً، وأصبحوا جثثاً هامدة ملقاة على الأرض.
وكأنهم لسرعة هلا کهم لم یوجدوا في الدنيا، ولم یقیموا في ديارهم، بسبب
كفرهم وجحودهم بآيات ربهم، ألا إنهم كفروا بربهم، فاستحقوا عقابه
الشديد، ألا بعداً لهم عن رحمة الله، وسحقاً لثمود، وهلاكاً لهم ولأمثالهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت قصة صالح مع قومه ثمود على العبر والعظات التالية:
اً - إن جحود ثمود وكفرهم بآيات الله وعدم إطاعتهم أوامر رسولهم كان
هو شأن هؤلاء القوم إيثاراً لتقليد الآباء والأسلاف، بالرغم من أن صالحاً
عليه السلام منهم نسباً وقبيلة، وأقام لهم الأدلة الكافية الشافية على وجوب
عبادة الله وتوحيده، من الخلق والإيجاد في الأرض، وجعلهم عماراً لها.
٢ - إن الاستغفار من الذنوب والتوبة من المعاصي سبب سريع الإجابة
الدعاء؛ لأن الله قريب من عباده، رحيم بهم، مجيب دعوة المحتاجين
والمضطرين، قريب الإجابة لمن دعاه.

٤٢٠
المُعُ (١٢) - هُوّدٍ: ١١ / ٦١-٦٨
٣ - لا تلاقي بين جحود الجاحدين من ثمود وأمثالهم وبين النبي صالح
وأمثاله من الأنبياء؛ لأن الجاحدين متمسكون بتقليد الآباء والأسلاف،
والنبي ثابت على مبدئه ثبوت الجبال الراسيات، لأنه على يقين من صحة
دعوته، وبصيرة من صدق ما أوحى الله به إليه، ولأنه أشد الناس خوفاً من
عذاب الله إن عصاه وخالف أمره.
٤ - كانت الناقة معجزة عجيبة مدهشة؛ لخلقها من الصخرة وخلقها في
جوف الجبل، وخلقها حاملاً من غير ذكر، وخلقها على تلك الصورة دفعة
واحدة من غير ولادة، ولما كان لها من شرب يوم، ولكل القوم شرب يوم
آخر، ولإدرارها بلبن كثير يكفي الخلق العظيم، فهذه ستة وجوه، كل وجه
منها معجز، مما جعل تلك الناقة آية ومعجزة.
٥ - اقتضى العدل الإلهي ورحمة الله إنجاء صالح عليه السلام ومن آمن معه،
وكانوا أربعة آلاف، وإهلاك قبيلة ثمود بسبب الجحود برسالة نبيهم، وكفرهم
بربهم، وإنکارهم وجوده.
٩ - لا شك بأن وعد الأنبياء صادق صحيح، ووعيذهم مؤكد الحصول،
وقد أوعد صالح قومه بالعذاب بعد ثلاثة أيام، وتحقق ذلك في اليوم الرابع.
لاً - كان عذابهم بالصيحة أو بالصاعقة أو بالرجفة، صيح بهم فماتوا،
وأصبحوا جثثاً ملقاة هنا وهناك في أنحاء ديارهم. والصيحة: إما صيحة
جبريل، أو صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في
الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا، لما أحدثته من رهبة وهيبة عظيمة.
٨ً - سحقاً وهلاكاً لثمود الذين كفروا ربهم، وبعداً وطرداً لهم عن رحمة
الله بسبب جحودهم وكفرهم.