Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
اِلُُّ (١٢) - جُوم: ١١ / ٣٦-٤١
في الآخرة. فسوف تعلمون قريباً بعد تمام عملنا من يأتيه عذاب يهينه في الدنيا،
وهو عذاب الغرق، ويحل عليه عذاب مقيم، أي دائم مستمر أبداً في الآخرة.
﴿حَتَّ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي حتى إذا حان وقت أمرنا بالهلاك من الأمطار
المتتابعة، وفار التنور أي نبع الماء من التنور، موقد الخبز، وارتفع كما تفور
القدر بغليانها، والفوران: الغليان، وكان ذلك علامة لنوح عليه السلام،
وعن ابن عباس: التنور وجه الأرض، أي صارت الأرض عيوناً تفور، حتى
فار الماء من التنانير التي هي مكان النار، صارت تفور ماء. وهذا هو المعنى
الأول؛ لأن العرب تسمي وجه الأرض تنوراً، قال تعالى: ﴿فَفَنَحْنَآَ أَبْوَبَ
وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْفَقَى الْمَآءُ عَلَىّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
السَّمَآءِ بِمَاْءٍ مُنْهَمٍِ
١٣
وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَحِ وَدُسُرٍ
[القمر: ١١/٥٤ - ١٣] .
وقلنا لنوح حينئذ: احمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوان زوجين
اثنين: ذكراً وأنثى، للحفاظ على أصل النوع الحيواني. واحمل فيها أهلك أي
أهل بيتك من الذكور والإناث إلا امرأتك وابنك: يام أو كنعان، وهما مِمَّنْ
سبق عليه القول إنه من أهل النار، للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه،
تعالى الله عن ذلك.
وخذ معك من آمن من قومك، وإن لم يؤمن إلا عدد قليل، أو نزر يسير،
مع طول المدة ودعوتهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاماً. قيل: كانوا ستة
أو ثمانية رجال، ونساءهم: نوحاً عليه السلام وأهله وأبناءه الثلاثة
وأزواجهم، وقال ابن عباس: كانوا ثمانين نفساً، منهم نساؤهم.
ولم ير الحق سبحانه وتعالى حاجة لبيان العدد لقلتهم التي لا تستحق
الذكر، ولم يبين أنواع الحيوان المحمولة ولا كيفية حملها، فذلك متروك للبشر.
﴿ وَقَالَ أَرْكَبُواْ فِهَا﴾ أخبر تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال لمن حملهم
معه في السفينة: باسم الله يكون جريها على سطح الماء، وباسم الله يكون
هـے
٣٨٢
الُ (١٢) - هُوّيٍ: ١١ / ٣٦-٤١
منتهى سيرها وهو رسوها، أي بتسخيره تعالى وقدرته يكون مجراها ومرساها،
لا بقوتنا.
إن ربي غفور لذنوب عباده رحیم بهم، فلولا مغفرته لذنوبکم ورحمته بکم
لما نجاكم فقوله: ﴿إِنَّ رَبِى لَغَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ أي لأهل السفينة. أخرج الطبراني عن
الحسين بن علي رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله وعليه: ((أمان لأمتي من
الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا: باسم الله الملِك الرحمن الرحيم: ﴿بِسْمِ
اللَّهِ بَجْرِبِهَا وَمُرْسَهَاْ إِنَّ رَبِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾)).
وفي رواية أخرى لأبي القاسم الطبراني عن ابن عباس عن النبي وَّ قال:
((أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: باسم الله الملك الرحمن:
﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ﴾ الآية. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرِبُهَا﴾ الآية)).
وذكر المغفرة والرحمة بعد ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين هو في
الجملة شأن القرآن في بيان الأضداد والمتقابلات، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧/٧] وقوله: ﴿وَإِنَّ
رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦/١٣]
ونحو ذلك من الآيات التي تقرن بين الرحمة والانتقام.
وذكر آية المغفرة والرحمة هنا في وقت الإهلاك وإظهار القهر لبيان فضل الله
على عباده الذين نجاهم، فهم في جميع الأحوال بحاجة إلى إعانة الله وفضله
وإحسانه، والإنسان لا ينفك عادة عن أنواع الزلات والخطايا، فإن نجاتهم لا
ببركة علمهم كما قد يظنون، وإنما بمحض فضل الله، لإزالة العُجْب منهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
اً - الإياس من إيمان قوم نوح واستدامة كفرهم، تحقيقاً لنزول الوعيد
بهم. وهذا يدل على صحة قول أهل السنة في القضاء والقدر، فإنه تعالى أخبر
٣٨٣
الزُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٣٦-٤١
عن قوم نوح أنهم لا يؤمنون، ولا بد أن يقع ما يتفق مع هذا الخبر، وإلا
انقلب علم الله جهلاً و کذباً، وذلك محال.
اً - لطف الله بنبيه نوح، إذ أخبره قبل الهلاك بألا يغتم بهلاك قومه، حتى
لا يصبح بائساً حزيناً.
◌َّ - أول سفينة عبرت البحر هي سفينة نوح، وكان صنعها برعاية الله
وتعليمه نوحاً كيفية الصنع. والمقصود من ﴿بِأَعْيُذِنَا﴾ معنى الإدراك والإحاطة،
لا التجسيم؛ لأنه سبحانه منزه عن الحواسّ والتشبيه والتكييف، لا ربّ غيره.
واتخذ نوح عليه السلام السفينة في سنتين، كما قال ابن عباس، وقيل: في
ثلاثين سنة، كما قال كعب، وقيل في مئة سنة كما ذكر زيد بن أسلم. وجاء في
الخبر أن الملائكة كانت تعلّمه كيف يصنعها. أما طولها وعرضها فعن ابن
عباس: كان طولها ثلاث مئة ذراع، وعرضها خمسون، وسمكها ثلاثون
ذراعاً؛ وكانت من خشب الساج.
٤ - من الغباوة سخرية الناس من نبي يوحى إليه فيما يفعل، وسخريتهم
إما بقولهم: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً، وإما لأنهم لم يشاهدوا سفينة تبنى
وتجري على الماء. وسخرية نوح كانت عند الغرق، والمراد بالسخرية
الاستجهال؛ أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلوننا.
ه - ماء الطوفان جاء من السماء: ﴿فَفَنَحْنَآ أَبَوَبَ السَّمَآءِ﴾ وفوران التنور
على وجه الأرض كان علامة.
٩ - من رحمة الله بخلقه نجاة نوح ومن آمن معه من قومه، وهم ثمانون
إنساناً، منهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث وزوجاتهم. ومن فضله تعالى
الحفاظ على أصل الثروة الحيوانية، إذ أمر الله نوحاً عليه السلام باصطحاب
الحيوانات من كل شيء زوجين ذكراً وأنثى.
٧ - الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل.
٣٨٤
لُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٤٢-٤٧
انتهاء الطوفان ونجاة السفينة
وهلاك ابن نوح مع استشفاع أبيه
﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوعُ ابْنَهُ, وَكَانَ فِى مَعْزٍِ
يَبُنَّ أَرْكَبِ مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ فَعَ الْكَفِرِينَ ﴿٨ قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى
مِنَ الْمَدْءِّ قَالَ لَا عَاصِمَ أَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا اُلْمَوْعُ
وَقِيلَ يَأَرَّضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ وَيَسَمَاءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَآءُ
فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ
وَقُضِىَ اٌلْأَمْرُ وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الَِّمِينَ ﴿ وَنَادَى نُورٌ رَّبَّهُ
فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِى وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَكِمِينَ لـ
قَالَ
٤٥
يَنْنُوُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَِحٍّ فَلاَ تَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ إِنَّ
صنے
أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى
بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ اُلْخَسِرِينَ
القراءات:
{ يَبُنَىَّ﴾:
قرئ:
١- (يا بنّيَّ) وهي قراءة عاصم.
٢- (يا بنيٍّ) وهي قراءة الباقين.
﴿ وَقِيلَ﴾ ... ﴿ وَغِيضَ﴾
بإشمام الكسرة الضم فيهما قرأ: الكسائي، وقرأ الباقون بالكسرة.
﴿وَبَسَمَاءُ أَقْلِعِى﴾
٣٨٥
لُ (١٢) - جُود: ١١ / ٤٢-٤٧
بإبدال الهمزة الثانية واواً خالصة وصلاً قرأ: نافع، وابن كثير، وأبو
عمرو.
وقرأ الباقون بتحقيقها.
﴿عَمَلُ غَيْرُ﴾:
وقرأ الكسائي (عَمِلَ غيرَ).
﴿فَلَا تَسْشَلْنِ﴾ :
قرئ:
١- (فلا تسألَنّ) وهي قراءة قالون، وابن عامر وصلاً ووقفاً.
٢- (فلا تسألَمي) بإثبات الياء وصلاً، وحذفها وقفاً قرأ ورش.
٣- (فلا تسألَنَّ) وهي قراءة ابن كثير وصلاً ووقفاً.
٤- (فلا تسألني) وهي قراءة أبي عمرو بإثبات الياء وصلاً، وحذفها وقفاً.
٥- (فلا تسألنٍ) وهي قراءة الباقين وصلاً ووقفاً.
﴿إِنّ أَعِظُكَ﴾ .. ﴿إِنَّ أَعُوذُ﴾ :
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبوعمرو: (إنيَ أعظك .. إني أعوذ).
الإعراب:
﴿لَا عَاصِمَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، وخبرها: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، وهو متعلق
بمحذوف، تقديره: لا ذا عصمة كائن من أمر الله . ﴿اَلْيَوْمَ﴾ معمول الظرف،
وإن تقدم عليه، کقولهم: کل یوم لك درهم. أي في اليوم.
٣٨٦
الزُُ (١٢) - جُورٍ: ١١ / ٤٢-٤٧
﴿مَنْ زَّحِمَّ﴾ منصوب على أنه استثناء منقطع؛ لأن ﴿عَاصِمَ﴾ فاعل،
و﴿مَنْ زَّحِمَّ﴾ مفعول. وقيل: ﴿لَا عَاصِمَ﴾ بمعنى معصوم، فلا يكون ﴿مَن
زَحِمَّ﴾ استثناء منقطعاً، وإنما هو بدل مرفوع من ﴿عَاصِمَ﴾. والتقدير: لا
عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم أي الراحم، وهو الله تعالى.
﴿ وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَكِينَ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحْ﴾ يعود الضمير إلى السؤال، أي إن سؤالك أن أُنجِي
كافراً عمل غير صالح، أو يعود إلى الابن، والمراد: إنه ذو عمل غير صالح،
فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ومن قرأه (عَمِل غيرَ) جعله فعلاً
ماضياً، ونصب (غَيْرَ) على أنه مفعول به، وهذه القراءة تدل على أن الضمير
في ﴿إِنَّهُ﴾ يعود على الابن.
﴿فَلَا تَتْشَلْنِ﴾ الأصل فيه أن تأتي بثلاث نونات: نوني التوكيد ونون
الوقاية، فاجتمعت ثلاث نونات فاستثقلوا اجتماعها، فحذفوا الوسطى؛
لأن نون الوقاية لا تحذف، وكسرت الشديدة للياء، ثم حذفت اكتفاء
بالكسرة.
البلاغة:
﴿يَتَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ وَبَنسَمَاءُ أَقْلِعِ﴾ بين الأرض والسماء طباق، وبين
ابلعي وأقلعي جناس ناقص.
قال أبو حيان: في هذه الآية واحد وعشرون نوعاً من البديع بالرغم من أن
ألفاظها تسع عشرة لفظة: المناسبة في قوله: ﴿أَقْلِعِى﴾ و﴿اَبْلَعِى﴾، والمطابقة
بذكر الأرض والسماء، والمجاز في قوله ﴿وَيَدسَمَاءُ﴾ المراد مطر السماء.
والاستعارة في قوله: ﴿أَقْلِعِى﴾، والإشارة في قوله ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ فإنها
إشارة إلى معان كثيرة، والتمثيل في قوله: ﴿وَقُضِىَ اُلْأَمْرُ﴾ عبر بالأمر عن
٣٨٧
لُعُ (١٢) - هُوٍّ: ١١ / ٤٢-٤٧
إهلاك الهالكين ونجاة الناجين، والإرداف في قوله: ﴿وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾
فلفظ ﴿ وَأَسْتَوَتْ﴾ كلام تام، أردفه بقوله ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قصداً للمبالغة في
التمكن بهذا المكان، والتعليل في قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَآءُ﴾ فإنه علة للاستواء،
والاحتراس في قوله: ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظِّمِينَ﴾ وهو أيضاً ذم لهم ودعاء
عليهم، والإيضاح بقوله ﴿اُلظَّالِمِينَ﴾ أي القوم الذين سبق ذكرهم في قوله:
﴿ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأَ﴾ فالألف واللام في القوم للعهد، والمساواة
﴿وَأُسْتَوَتْ﴾ فلفظها مساوٍ لمعناها، وحسن النَّسَق، لعطف قضايا بعضها على
بعض، والإيجاز لذكر القصة باللفظ القصير مستوعباً للمعاني الجمة،
والتسهيم؛ لأن أول الآية ﴿يَتَأَرْضُ أَبْلَعِى﴾ فاقتضى آخرها ﴿وَيَسَمَاءُ أَقْلِ﴾
والتهذيب؛ لأن مفردات الألفاظ موصوفة بكمال الحسن، والتمكين؛ لأن
الفاصلة مستقرة في قرارها، والتجنيس في قوله ﴿ أَفْلِعِ﴾ و﴿ أَبْلَعِى) والمقابلة
في قوله: ﴿يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ وَيَسَمَاءُ أَقْلِ﴾ والذم في قوله: ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ والوصف: قص القصة ووصفها بأحسن وصف (النهر الماد من
البحر لأبي حيان: ٢٢٧/٥) بهامش البحر المحيط.
المفردات اللغوية:
﴿وَهِىَ تَّجْرِى بِهِمْ﴾ متصل بمحذوف دل عليه: ﴿أَرْكَبُواْ﴾ أي فركبوا
مسمين، وهي تجري وهم فيها ﴿مَوْجَ﴾ جمع موجة: وهي ما يرتفع من الماء
الكثير عند اضطرابه ﴿كَالْجِبَالِ﴾ في الارتفاع والعظم ﴿ وَنَادَى نُوحُ أَبْنَهُ﴾
كنعان ﴿ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ﴾ عن السفينة عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه
﴿سَنَاوِيّ﴾ سألجأ ﴿يَعْصِمُنِ﴾ يمنعني ويحفظني ﴿مِنْ أَمْرِ اُللَّهِ﴾ عذاب ﴿.
لكن ﴿مَنْ زَّحِمَّ﴾ الله، فهو المعصوم ﴿أَبْلَعِى مَآءَكِ﴾ اشربي الماء الذي نبع
منك، فشربته دون ما نزل من السماء، فصار أنهاراً وبحاراً ﴿ أَقْلِعِ﴾ أمسكي
عن المطر، فأمسكت.
٣٨٨
الزُُّ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٤٢-٤٧
﴿وَغِيضَ﴾ نقص ﴿وَقُضِىَ اٌلْأَمْرُ﴾ تم أمر هلاك قوم نوح الكافرين وإنجاء
المؤمنين ﴿وَأَسْتَوَتْ﴾ وقفت واستقرت السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ جبل بالجزيرة
بقرب الموصل في ديار بكر. وهذا النداء والخطاب بالأمر استعارة مجازية
﴿بُعْدًا﴾ هلاكاً ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. والآية في غاية الفصاحة لفخامة
لفظها وحسن نظمها، والدلالة على كنه الحال، مع الإيجاز الخالي عن
الإخلال. وإيراد الأخبار للمجهول للدلالة على تعظيم الفاعل، وأنه متعين في
نفسه.
﴿إِنَّ أَبْنِي مِنْ أَهْلِى﴾ إن كنعان من أهلي وقد وعدتني بنجاتهم ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ
اُلْحَقُّ﴾ الذي لا خلف فيه ﴿وَأَنْتَ أَحْكُمُ الْحَلِمِينَ﴾ أعلمهم وأعدلهم.
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الناجين أو ليس من أهل دينك. قال ابن عباس:
كان ابنه من صلبه، ولكنه لم يكن مؤمناً، وما بغت امرأة نبي قط. ومعنى
الآية: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك. ﴿ إِنَّهُ﴾ أي سؤالك
إياي بنجاته أو إن ابنك ذو عمل غير صالح، فإنه كافر، ولا نجاة للكافرين.
وفي قراءة بكسر ميم (عَمِلَ) ونصب غير، فالضمير لابنه ﴿مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ،
عِلْمُ﴾ من إنجاء ابنك ﴿مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾ بسؤالك مالم تعلم؛ لأن استثناء من
سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال، وأغناه عن السؤال، لكن أشغله
حب الولد عنه، حتى اشتبه عليه الأمر.
﴿أَنْ أَسْئَلَكَ﴾ في المستقبل ﴿مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَّمٌ﴾ مالا علم لي بصحته
﴿ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ﴾ ما فرط مني من السؤال ﴿ وَتَرْحَمْنِيّ﴾ بالتوبة والتفضل علي
﴿أَكُنْ مِّنَ اُلْخَسِرِينَ﴾ أعمالاً.
المناسبة:
بعد أن أمر نوح عليه السلام أهله والمؤمنين بركوب السفينة قائلين: باسم
الله، أعقبه بتصوير إلهي رائع لسير السفينة وسط المياه ذات الأمواج العظيمة،
بسبب الرياح الشديدة العاصفة، وبقصد بيان شدة الهول والفزع.
٣٨٩
الُ (١٢) - جُودٍ: ١١/ ٤٢-٤٧
التفسير والبيان:
السفينة تجري بسرعة، سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع
الأرض، حتى طفت على رؤوس الجبال، وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعاً،
وقيل: بثمانین میلاً.
إنها تجري بهم وسط أمواج كالجبال الشاهقة في ارتفاعها وعظم حجمها،
وهذا يدل على حصول رياح عاصفة شديدة حينذاك، والمقصود: بيان شدة
الهول والفزع.
وهي تسير بإذن الله وتحت كنفه ورعايته وحراسته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَا
◌َا الْمَآءُ حَمَلْنَكُمْ فِيِ الْجَارِيَةِ ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌّ وَعِيَةٌ
١٣
[الحاقة: ١١/٦٩- ١٢] وقال سبحانه: ﴿وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلَّوَيَحِ وَدُسُرٍ ﴿١) تَجْرِى
بِأَعْيُنِنَا جَزَآءٌ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تَرَّكْنَهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ (5َ)﴾
[القمر:
١٣/٥٤-١٥] .
واستولت الشفقة وعاطفة الأبوة على نوح، فنادى ابنه وهو الابن الرابع،
واسمه يام أو كنعان، وكان في مكان منعزل عنه، وكان كافراً دعاه أبوه عند
ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم، ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون،
ناداه بقوله: يا بني اركب معنا الفلك، ولا تكن مع الكافرين الهالكين.
فرد الابن العاصي عليه قائلاً: سآوي وأصير إلى جبل يحفظني من الغرق في
الماء، ظناً منه أنه ماء سيل عادي يمكن النجاة منه بالتحصن في مكانٍ عالٍ أو
جبل شامخ.
فأجابه نوح عليه السلام: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله وعذابه الذي
يعاقب به الكافرين، لكن يحفظ من رحم الله، ومن رحمه الله فهو المعصوم،
أي إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، وكان لهم غفوراً رحيماً، غفوراً
٣٩٠
لِلُ (١٢) - جُوَّي: ١١ / ٤٢-٤٧
لذنوبهم رحيماً بهم إذا تابوا وأنابوا. أو إلا الراحم وهو الله، وقيل: إن
عاصماً بمعنى معصوم، كما يقال: طاعم وكاسٍ، بمعنى مطعوم ومكسو.
وحال الماء الذي بدأ يرتفع بين الوالد والولد أثناء النقاش فكان من
المغرقين الهالكين.
وما أدهش هذا المنظر الرهيب، ماء ينهمر من السماء، وأرض تتفجر
بالمياه، فيرتفع حتى يغطي أعالي الجبال، ويغمر الأرض.
ولما أغرق أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة، أمر الله الأرض أن
تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر، وتم
النداء العلوي: يا أرض ابلعي ماءك الذي تفجر منك، ويا سماء كفّي عن
المطر، فغاض الماء، أي نقص، امتثالاً للأمر، وقضى الأمر، أي وأنجز ما
وعد الله نوحاً من هلاك قومه الظالمين، واستقرت السفينة بمن فيها على جبل
الجودي بالجزيرة شمال العراق، في الموصل، وقيل: هلاكاً وخساراً للقوم
الظالمين، وبعداً من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم، فلم يبق لهم بقية،
بسبب ظلمهم وکفرهم.
واستبدت العاطفة مرة أخرى بنوح على ابنه، فسأل ربه سؤال تسليم
وكشف عن حال ولده، فقال منادياً ربه: رب إن ابني من أهلي، وقد وعدتني
بنجاتهم، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فما مصيره، وأنت أحكم الحاكمين
وأعدلهم بالحق، فحكمك يصدر عن كمال العلم والحكمة، وتمام العدل
والصواب، حكمت على قوم بالنجاة، وعلى قوم بالغرق.
فأجابه ربه: يا نوح إن ابنك ليس من أهلك الذين وعدت بإنجائهم؛ لأني
إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، وابنك ذو عمل غير صالح، أي تنكر
لدعوة الهدى والصلاح، وانضم مع الكافرين وهذا تعليل لانتفاء كونه من
أهله، قال الجمهور: ليس من أهل دينك ولا ولايتك، فهو على حذف
مضاف.
٣٩١
اِلُعُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٤٢-٤٧
فلا تطلب مني شيئاً ليس لك به علم صحيح، ولا تلمس مني التماساً لا
تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه.
إني أنهاك أن تكون من فئة الجاهلين الذين يطلبون إبطا حكمته وحكمه
وتقديره في خلقه، رعاية لأهوائهم، ومجمل المعنى: أنهاك ن هذا السؤال
وأحذرك أن تكون من الآثمين.
وقد تضمن دعاؤه معنى السؤال أو سمي نداؤه سؤالاً ، ولا ؤال فيه، أي
وإن لم يصرح به؛ لأن ذكر الوعد بنجاة أهله من الغرق استنز له، فرتب
عليه طلب نجاة ابنه. وجعل سؤال مالا يعرف كنهه جهلاً وغباو ووعظه ألا
يعود إليه وإلى أمثاله من أفعال الجاهلين.
وفي الآية دلالة على أن العبرة بقرابة الدين، لا بقرابة النسب وأن حكم
الله في خلقه قائم على العدل المطلق دون محاباة نبي أو ولي، وأدلأنبياء قد
يخطئون في اجتهادهم، ويعد ذلك ذنباً بالنظر إلى مقامهم الرفيع و معرفتهم
بربهم، وأنه لا يجوز الدعاء بطلب ما يغاير سنن الله في خلقه، وأن الجهالة
أن يدعو ولي بما نهي عنه الأنبياء.
وهذا يدل على غاية التقريع ونهاية الزجر، وعلى جعل الجهلاية عن
الذنب، وهو أمر مشهور في القرآن، كما قال تعالى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَكُونَ مِنَ
اَلْجَهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧/٢] وقال: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بَجَهَلَةٍ﴾ [النساء: ١١].
ويحمل كل ما صدر من نوح وغيره من خطأ الاجتهاد على ترك فضل
والأكمل، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وبناء عليه حصل ،اب
والأمر بالاستغفار، ولا يدل هذا الأمر على سابقة ذنب، مثل: ﴿إِذَا سَآءَ
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ؟
نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ (
ج
فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ١/١١٠-٣] ومعلوم أن مجيء نصر!
والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ليست بذنب يوجب الاستغف
٣٩٢
لِلُ (١٢) - جُوَّدٍ: ١١ / ٤٢-٤٧
وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ﴾ [محمد: ١٩/٤٧] وليس
جميعهم مذنبين، فدا ذلك على أن الاستغفار قد يكون بسبب ترك الأفضل.
لذا طلب نوع المغفرة من ربه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيَّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أي قال
نوح: رب إني تجئ إليك وأستعيذ بك وبجلالك أن أسألك ماليس لي به علم
صحيح، وإن تغفر لي ذنب سؤالي هذا، وترحمني بقبول توبتي وإنابتي، أكن
من الخاسرين عمالاً.
فقه الحياة، الأحكام:
تضمنت لآيات العبر والعظات التالية:
٢ - إاء السفن في البحار بقدرة الله تعالى وإرادته، وحفظه ورعايته.
٠
٢ - يحقق العناد والاستكبار فائدة أو مصلحة لمن يتصف بهما، فقد
أغرق الأبن نوح واسمه كنعان، وقيل: يام؛ لأنه كان كافراً، ولم يستفد شيئاً
من الاسام بأعالي الجبال، فإذا وقع العذاب العام على الكفار فلا مانع
منه؛ لا يوم حقَّ فيه ذلك العذاب، إلا من رحمه الله، فهو يعصمه.
◌َّ أية ﴿وَقِيلَ يَأَرْضُ أَبْلَعِى مَآءَكِ﴾ في أعلى مستوى البلاغة والفصاحة
والإي لما فيها من التعبير عن قضايا كثيرة تحتاج إلى بيان ضاف، بعبارة
محكموجزة، محققة لأغراض عديدة، وذات ألوان بيانية بلاغية وآفاق
متنو.
- إنما سأل نوح عليه السلام ربه ودعا لإنجاء ابنه، لوعده تعالى له بانجاء . .
أه في قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ﴾ وترك قوله: ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بدليل قوله
ـ، ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ﴾ أي لا تكن منهم؛ لأنه كان عنده مؤمناً في ظنه؛
ذ عمال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم؛ وكان ابنه يُسرّ
كر ويظهر الإيمان، فأخبر الله تعالى نوحاً بما تفرد به من علم الغيوب، أي
٣٩٣
الجُُ (١٢) - هُودٍ: ١١/ ٤٢-٤٧
علمتُ من حال ابنك مالم تعلمه أنت. وقال الحسن: كان منافقاً؛ ولذلك
استحل نوح أن يناديه. وعنه أيضاً: كان ابن امرأته، بدليل قراءة علي:
((ونادى نوحُ ابنَها)) لكنها قراءة شاذة، فلا نترك المتفق عليها، والصحيح أنه
كان ابنه، لكن ليس على منهج أبيه في الدين والإيمان والاستقامة.
ة - لم يعص نوح الله تعالى فيما سأل من إنجاء ابنه، وإنما كان خطأ في
الاجتهاد، بنية حسنة، وعدَّ هذا ذنباً؛ لأنه ما كان ينبغي لأمثاله من أهل
العلم الصحيح الوقوع في هذا الخطأ غير المقصود، وترك الأفضل والأكمل،
وحسنات الأبرار سيئات المقربين، لذا عاتبه الله تعالى وأمره بالاستغفار.
٩ - إن رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، ولا علاقة للصلاح والتقوى
بالوراثة والأنساب، لذا نَجَّى الله المؤمنين من قوم نوح، وأهلك ابنه وزوجته
مع الكافرين. والصحيح أنه كان ابنه، ولكن كان مخالفاً في النية والعمل
والدّين، لذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكٌ﴾.
٧ - هذه الآية تسلية للخلق في فساد أبنائهم، وإن كانوا صالحين. وفيها
أيضاً دليل على أن الابن من الأهل لغة وشرعاً، ومن أهل البيت؛ فمن أوصى
لأهله دخل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزلُه، وهو في عياله. قال تعالى في آية
أخرى: ﴿وَلَقَدْ نَادَثَنَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
وَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
[الصافات: ٧٥/٣٧-٧٦] .
(٧٦)
الْعَظِيم
٨ - العدل الإلهي مطلق، لا محاباة فيه لنبي أو ولي، وإنه تعالى يجزي الناس
في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم، لا بأنسابهم: ﴿فَإِذَا نُفُخَ فِىِ الصُّورِ فَلَا
(١٠)) [المؤمنون: ١٠١/٢٣].
أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ
فمن يغتر بنسبه ولا يعمل بما يرضي ربه، فهو جاهل بشرع الله ودينه، قال
٣٩٤
المُعُ (١٢) - هُوّي: ١١ / ٤٢-٤٧
وَلخير فيما رواه الترمذي: ((يا معشر قريش لا يأتيني الناس بالأعمال، وتأتوني
بالأنساب)».
٩ - إن غيرة الله على حرماته اقتضت تحذير الأنبياء من الأخطاء ولو كانت
غير مقصودة. قال ابن العربي عن آية: ﴿ إِنَّ أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَِهِلِينَ﴾:
وهذه زيادة من الله وموعظة، يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى
مقام العلماء والعارفين، فقال نوح: ﴿رَبِّ إِنّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ
لِ بِهِ، عِلْمٌ﴾ وهذه ذنوب الأنبياء عليهم السلام، فشكر الله تذلله وتواضعه.
٠ ١ - كان اعتذار نوح بمثابة توبة كاملة تتضمن عنصري حقيقة التوبة
وهما: الأول - في المستقبل: وهو العزم على الترك، وإليه الإشارة بقوله:
﴿إِنِّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِ بِهِ، عِلْمٌ﴾ والثاني - في الماضي: وهو
الندم على ما مضى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُن مِّنَ
اُلْخَسِرِينَ﴾.
١١ - كان الطوفان عاماً شاملاً لكل الأرض، في رأي المفسرين وأهل
الكتاب، ويؤيدهم ما يقول علماء الجغرافية من وجود بعض الأصداف
والأسماك المتحجرة في أعالي الجبال، وهي لا تكون إلا في البحر. والذي يجب
اعتقاده أن الطوفان كان شاملاً لقوم نوح الذين لم يكن في الأرض غيرهم،
وذلك في منطقة الشرق الأوسط، أما أجزاء الكرة الأرضية الأخرى فلا يدل
نص قاطع في القرآن على تغطيتها بالطوفان.
٣٩٥
لِلُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٤٨-٤٩
العبرة من قصة نوح عليه السلام
{قِيلَ يَنُحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِنَّا وَبَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمِ مِمَّن ◌َّعَكَْ وَأُمَمُ
(﴿َ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا
سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرٌ إِنَّ الْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ
٤٩
القراءات:
قيلَ﴾
بإشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي، وبكسرة خالصة قرأ الباقون.
الإعراب:
(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيَهَا إِلَيْكٌ﴾: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿مِنْ
أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. و﴿نُوحِيَهَا﴾ خبر بعد خبر، أو في موضع نصب على الحال، أي
تلك كائنة من أنباء الغيب نوحيها إليك.
ويجوز أن يكون: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ، و﴿نُوحِيَهَا﴾: خبره، و﴿ مِنْ أَنْبَاءِ
اٌلْغَيْبِ﴾: من صلته، وتقديره: تلك نوحيها إليك من أنباء الغيب.
﴿ وَأُمَّمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ ﴿وَأَمَمٌ﴾ مبتدأ، و﴿سَنُمَّتِّعُهُمْ﴾ صفة، والخبر محذوف
تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، ودل عليه قوله ﴿مِّمَّن ◌َّعَكَّ﴾.
المفردات اللغوية:
﴿أَهْبِطَّ بِسَلَمِ﴾ انزل من السفينة بسلامة أو بتحية، أي مسلماً من المكاره
من جهتنا أو مسلماً عليك ﴿وَبَكَتٍ عَلَيْكَ﴾ خيرات عليك ومباركاً عليك، أو
زيادات في نسلك حتى تصير آدم ثانياً ﴿ وَعَلَىَّ أُمَمِ مِّمَن ◌َّعَكَ﴾ أي وعلى
٣٩٦
الُجُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٤٨-٤٩
أمم هم الذين معك في السفينة، أي من أولادهم وذريتهم هم المؤمنون، سموا
أمماً لتشعب الأمم منهم، فهم أصول البشرية، وقد تسللت الأعراق
والأجناس من أولاد نوح: سام (وهم السامانيون) وحام (وهم الأفارقة)
ويافث (وهم أهل الصين واليابان وأمثالهم).
﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِعُهُمْ﴾ أي وممن معك أمم سنمتعهم في الدنيا، ثم يمسّهم منا
عذاب أليم في الآخرة، والمراد بهم الكفار من ذرية من معه، وقيل: قوم هود
وصالح ولوط وشعيب، والعذاب: هو ما نزل بهم.
﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى قصة نوح عليه السلام ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ من بعض
أخبار ما غاب عنك ﴿نُوحِيَهَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِن قَبْلِ هَذَا﴾ القرآن
﴿ فَاصْبِرٌ﴾ على التبليغ وأذى قومك كما صبر نوح ﴿إِنَّ اٌلْعَقِبَةَ﴾ المحمودة في
الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز ﴿لِلْمُنَّقِينَ﴾ عن الشرك والمعاصي.
المناسبة:
بعد أن أخبر الله تعالى عن استواء السفينة واستقرارها على الجودي، ونجاة
المؤمنين وهلاك الكافرين، ذكر تعالى أمرين هما عبرة القصة:
الأول - تكريم نوح عليه السلام والمؤمنين معه بوعده تعالى عند الخروج
من السفينة بالسلامة أولاً، ثم بالبركة ثانياً، والسلامة تتضمن الدعوة لهم
بالوقاية من المكروه؛ لأنهم كانوا كالخائفين على وضعهم: كيف يعيشون
وكيف يحققون حاجاتهم من المأكول والمشروب، بعد أن عم الغرق جميع
الأرض، وعلموا أنه ليس في الأرض شيء مما ينتفع به من النبات والحيوان.
ثم إنه تعالى لما وعد نوحاً ومن معه بالسلامة، أردفه بأن وعدهم بالبركة
وهي عبارة عن الدوام والبقاء والثبات ونيل الأمل.
والثاني - الإخبار عن أمور غائبة عن الخلق، تكون بمثابة الإنذار
والإرهاب والاعتبار، وإعطاء الأمثلة للصبر الذي هو مفتاح الفرج.
٣٩٧
اِلُعُ (١٢) - جُودٍ: ١١ / ٤٨-٤٩
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عما قيل لنوح عليه السلام، حين أرست السفينة على
الجودي، من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين وعلى كل مؤمن من ذريته
إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن
ومؤمنة إلى يوم القيامة. وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم
القيامة.
والمعنى: قال الله أو الملائكة لنوح بعد انتهاء الطوفان وحبس المطر وابتلاع
الأرض ماءها: اهبط من السفينة إلى الأرض، أو من جبل الجودي إلى
الأرض، فقد ابتلعت الماء وجفَّت، بسلام منا، أي بسلامة وأمن أو بتحية،
أي مسلماً محفوظاً من جهتنا، أو مسلماً عليك مكرَّماً كما قال تعالى: ﴿سَلَمُ
؛ [الصافات: ٧٩/٣٧]، وبركات عليك، والبركات:
عَلَى نُوحٍ فِى الْعَلَمِينَ
نعم ثابتة وخيرات نامية، أي ومباركاً عليك في المعايش والأرزاق، تفيض
عليك، وعلى أمم ممن معك نسلاً وتولداً، أي هم ومن يتناسل منهم من
ذرية، ويصير التقدير: وعلى ذرية أمم ممن معك، وذرية أمم سنمتعهم،
فيدخل في قوله ﴿مِّمَّن مَّعَكَ﴾ كل مؤمن إلى يوم القيامة، وفي قوله: ﴿وَأَمَمُ
سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ كل كافر إلى يوم القيامة، كما روي ذلك عن محمد بن كعب.
والمعنى: إن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين، ينشؤون ممن
معك. وممن معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون إلى النار.
وكان نوح عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان
معه في السفينة.
وهكذا عم السلام والتبريك كل المؤمنين، على اختلاف تجمعاتهم. لكن من
أولئك المؤمنين سيكون من نسلهم أمم وجماعات آخرون من بعدهم، يمتعون
في الدنيا بالأرزاق والبركات، ثم يصيبهم العذاب الأليم في الآخرة، لكفرهم
٣٩٨
الزُعُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٤٨-٤٩
وعنادهم، فانقسم الناس بعد نوح قسمين: قسم مؤمنون صالحون ممتعون في
الدنيا والآخرة، وقسم ممتعون في الدنيا فقط معذبون في الآخرة.
ثم ذكر الله تعالى العبرة العامة من قصة نوح: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ ﴾ أي
تلك الأخبار عن نوح وقومه من أخبار الغيوب السابقة، نوحيها إليك على
وجهها، كأنك تشاهدها، ونعلمك بها وحياً منا إليك، ما كنت تعلمها أنت
ولا أحد من قومك، حتى يقول من يكذبك: إنك تعلمتها من إنسان، بل
أخبرك الله بها.
فاصبر على تكذيب المكذبين من قومك، وأذاهم لك، وعلى تبليغ رسالتك
كما صبر نوح على أذى الكفار، فإن النصر والفوز والنجاة للمتقين الذين
يطيعون الله ويتجنبون المعاصي، وإنا سننصرك ونرعاك ونجعل العاقبة لك
ولأتباعك في الدنيا والآخرة، كما فعلنا بالمرسلين، حيث نصرناهم على
أعدائهم: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٥١/٤٠] الآية، وقال
تعالى: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِثْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَصُورُونَ
[الصافات: ١٧١/٣٧ - ١٧٢].
فقه الحياة أو الأحكام.
أرشدت الآيتان إلى ما يأتي:
أَ - السلامة والأمن، والتحية والتسليم والتكريم، والبركات والنعم من
الله تعالى، على كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وذلك بدءاً من نوح عليه
السلام ومن آمن معه.
أَ - المتاع والانتفاع بنعم الدنيا، والتعذيب في الآخرة، لكل كافر وكافرة
إلى يوم القيامة، بدءاً من ذرية المؤمنين في عصر نوح عليه السلام وذرية أمم من
بعدهم.
٣٩٩
الزُُ (١٢) - جُوٍّ: ١١ / ٤٨ -٤٩
٣ - كان خبر نوح وقصته مع قومه من أنباء ما غاب عن النبي محمد وَّل،
أوحى الله بها إليه وأطلعه عليها، دون أن يكون عالماً هو وقومه بها قبل ذلك،
فلم يعرف أحد أمر الطوفان، وكانت القصة على النحو الصحيح الدقيق
مجهولة عند النبي ◌َّ وعند قومه.
٤ - كان الغرض من ذكر قصة نوح في سورة يونس هو معرفة وجه الشبه
بين قوم نوح وقوم محمد عليهما السلام، وهو أن قوم نوح كذبوه؛ لأنه
هددهم بنزول العذاب، فاستعجلوه، ثم ظهر في نهاية الأمر، وكذلك قوم
محمد مَله استعجلوا نزول العذاب مثل قوم نوح. فوجه الشبه في سورة يونس
هو استعجال العذاب.
وفي هذه السورة (هود) أعاد الله تعالى ذكر هذه القصة لهدف آخر، وهو
بيان أن إقدام الكفار على الإيذاء كان حاصلاً في زمن نوح، فلما صبر عليه
السلام، نال الفتح والظفر، فلتكن يا محمد كذلك، لتنال المقصود، فقد
عرفت مآل الصبر عند نوح والمؤمنين، وعاقبة الكفر، فوجه الشبه هو
الإيذاء، وأن الصبر عليه مؤد إلى النصر.
5 - إن الصبر على مشاق تبليغ الرسالة الإلهية، وإذاية القوم، مفتاح
الفرج، وسبيل الظفر والنصر، كما صبر نوح ومحمد وأولو العزم من الرسل
عليهم الصلاة والسلام، فقد صبر نوح على أذى قومه، ثم نصره الله علیهم،
وكذلك صبر النبي وَلّ على أذى العرب الكفار، فأيده الله، وأعزَّه، ونصره
عليهم نصراً مؤزراً.
٩ - إن العاقبة في الدنيا بالظفر، وفي الآخرة بالفوز للمتقين عن الشرك
والمعاصي، القائمين بأوامر الله، الملتزمين حدوده، المطيعين شرعه.
لاً - يدل إيراد قصة نوح عليه السلام على نبوة محمد ودلالات، فما كان يعلم هو
ولا أحد من قومه ذلك القصص المحكم التام الشامل لأخبار نوح وقومه.
٤٠٠
لُزْءُ (١٢) - جُوّدٍ: ١١ / ٥٠-٦٠
قصة هود عليه السلام
﴿وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوَّدًّا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِنْ
صِلے
يَقَوْمِ لَآَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّاً إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى
٥٠
أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ
الَّذِى فَطَرَنِيٍّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٥١
وَيَقَوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوْ مُجْرِمِينَ
قَالُواْ يَهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيِّ ◌َالِهَئِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ
ـ) إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَنِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٍ قَالَ إِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّأَ
بِمُؤْمِنِينَ
أَنِىِ بَرِىٌّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿﴿ مِن دُونِّهِ، فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ (®) إِ
تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِى وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَنِهَا إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَطِ
فَإِن تَوَلَّوْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِ قَوْمًا غَيْرَكُمْ
مُسْتَقِيمٍ (4)
وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا هُودًا
وَلَا تَضُرُونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا وَنَتْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ، غَلِظٍ
وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ
٥٨
◌ِئَايَتِ رَبِهِمْ وَعَصَوْ رُسُلَهُ وَأَتَبَعُواْ أَمْيَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
وَأُنْعُواْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا
٥٩
لَعْنَةً وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ أَلَّ إِنَّ عَادَا كَفَرُوْ رَبَّهُمُّ أَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ
القراءات:
﴿مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾:
وقرأ الكسائي (من إلهٍ غيرِهِ).
﴿أَجْرِىَ إِلَّا﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص (أجرىَ إلا).
{إِّ أُشْهِدُ﴾: