Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٣٤-٣٦
المفردات اللغوية:
ج
﴿َنْ يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ جعل الإعادة كالابتداء في الإلزام بها، لظهور
برهانها. ﴿ تُؤْفَكُونَ﴾ تصرفون عن الحق إلى الباطل وعن عبادته مع قيام الدليل.
﴿مَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ بإقامة الحجج، وإرسال الرسل، وخلق الاهتداء أو
التوفيق للنظر والتدبر. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ وهو الله ﴿أَمَّنَ لَّ يَهِدِىّ﴾ أم
الذي لا يهتدي، والاستفهام للتقرير والتوبيخ، أي الأول أحق. ﴿كَيْفَ
تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد من اتباع ما لا يحق اتباعه، وما يقتضي صريح
العقل بطلانه.
﴿وَمَا يَنَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ في عبادة الأصنام، والمراد بالأكثر الجميع، أو الذي
عنده تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد. ﴿إِلَّا ظَنَّا﴾ وهو تقليد الآباء بالاعتماد
على خيالات فارغة وقياسات فاسدة، كقياس الغائب على الشاهد والخالق
على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة. ﴿إِنَّ الَّنَ لَا يُغْنِىِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي لا
يفيد الظن فيما يطلب فيه العلم والاعتقاد الحق. ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء. ﴿إِنَّ
اَللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه.
المناسبة:
انتقل الله تعالى فوراً في بيانه من إثبات التوحيد إلى إثبات البعث، من طريق
معرفة القادر ابتداء على خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض، وأن
الإعادة كالابتداء، ثم عرض الأمر على العقلاء في بيان الأحق بالاتباع أهو
الله الذي يخلق الاهتداء والتوفيق إليه، أم المحتاج إلى هداية غيره؟
وصيغ البيان أو الحجة بطريق السؤال والاستفهام؛ لأنه أوقع في النفس،
وأبلغ تأثيراً على القلب.
التفسير والبيان:
قل للمشركين أيها الرسول: من الذي بدأ خلق السماوات والأرض، ثم

١٨٢
لالُزُ (١١) - يُونشر): ١٠/ ٣٤-٣٦
أنشأ ما فيهما من الخلائق؟ هل يستطيع أحد غير الله ذلك؟ سواء كان صنماً
أو وثناً أو كوكباً أو ملكاً أو جِنّاً أو رسولاً أو غيرهم؟ ومن يقدر أن يعيد
الخلق خلقاً جديداً؟
وبما أنهم بسبب اللجاج والمكابرة لا يؤمنون بالبعث والمعاد، فلم يجيبوا
كما أجابوا عن الأسئلة الخمسة المتقدمة، فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾
أي قل أيها الرسول: الله هو القادر على بدء الخلق وإعادته؛ لأن القادر على
البدء قادر على الإعادة، فهو سبحانه وتعالى الذي يفعل هذا ويستقل به وحده
لا شريك له. علماً بأنهم يعترفون بأن المبدئ والمعيد في النباتات هو الله، لما
يشاهدونه من تكرار بدء ظهور النبات بالمطر في فصل الشتاء، ثم موته في
الصيف، ثم عودته إلى الظهور في الشتاء القادم مرة أخرى. ولكنهم ينكرون
إعادة الحياة في الأحياء الحيوانية من إنسان وغيره.
﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل وعن الحق
وهو التوحيد إلى الضلال وهو الإشراك وعبادة الأصنام؟
أي إذا كانت فطرتكم وعقولكم أو أنظاركم وملاحظاتكم تؤدي إلى أن الله
تعالى هو الذي يعيد الحياة إلى النبات، فلِمَ لا تعترفون بقدرته على إعادة الحياة
إلى الإنسان؟ وذلك يؤدي بكم إلى الإيمان بالبعث والجزاء يوم القيامة؟!
ثم سألهم الله تعالى عن شأن من شؤون الربوبية، بقوله: ﴿قُلْ هَلْ مِن
شُرَكَبِكُمْ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: هل يستطيع أحد من شركائكم هداية
الضال والحيران: إما بالفطرة والغريزة، وإما بالحواس من سمع وبصر
ونحوهما، وإما بالعقل والتفكير، وإما بهداية الكتب السماوية والرسل، أو
هم عاجزون عن ذلك كله؟!
وهذه الهداية هي تماماً كالقدرة على الخلق والتكوين، كقوله تعالى: ﴿رَبُّنَا
الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠/٢٠].

١٨٣
الُ﴾ (١١) - يُوزير): ١٠/ ٣٤-٣٦
وبما أنهم يدركون تماماً أن شركاءهم لا يستطيعون شيئاً من الخلق والهداية
التشريعية، فلم يجدوا جواباً، فأجابهم الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ﴾ أي
قل أيها الرسول: هو الله الذي يهدي إلى الحق بما أوجد من الأدلة والحجج،
وأرسل من الرسل، وأنزل من الكتب، ومنح الإنسان مفاتيح العلم والمعرفة
والإيمان بالعقل والحواس.
ومن هو أحق باتباع قوله وطاعة أمره؟ أهو الذي يقدر على الهداية إلى الحق
والرشد والإيمان، أم الذي لا يهتدي بنفسه إلا أن يهديه غيره، وهو الله تعالى؟
وهذا يشمل جميع الشركاء من ملائكة وغيرهم كالمسيح وعزير ﴿فَمَا لَكُمْ
كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي فما بالكم وأي شيء دهاكم، كيف سوّيتم بين الله وبين
خَلْقه، وحكمتم بجواز عبادة غير الله وشفاعتهم؟ وهذا تعجب شديد من
حكمهم الجائر بالمساواة بين عبادة الله تعالى وعبادة شركائهم العاجزة عن كل
شيء.
ثم بين الله تعالى أنهم لا يتبعون في اعتقادهم هذا وشركهم وعبادتهم غير الله
دليلاً ولا برهاناً، وإنما يتبع جميعهم نوعاً من الظن الضعيف وهو التوهم
والتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئاً، لأن الظن الخائب لا يغني شيئاً من
الإغناء فيما يطلب فيه الحق الثابت، أي العلم والاعتقاد الصواب.
إن الله عليم بأفعالهم، فيجازيهم على كل فعل منها، كتكذيب الرسول
وَالر، مع قيام الأدلة القطعية على صدقه، وتقلید الآباء والأجداد بدون حجة
أو دليل. وهذا تهديد لهم ووعيد شديد؛ لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على
ذلك أتم الجزاء.
والخلاصة: أن مجموعات الآيات السابقة اشتملت على حجج ثلاث
للاستدلال على وجود الله تعالى: الأولى - أنه الرازق الموجد السمع والبصر
خالق الموت والحياة، والثانية - أنه خالق الإنسان والسماوات والأرض وما

١٨٤
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٣٤-٣٦
بينهما، والثالثة - أنه القادر على الهداية. والاستدلال على وجود الصانع
بالخلق أولاً ثم بالهداية ثانياً: عادة مطردة في القرآن.
فقه الحياة أو الأحكام:
اشتملت هذه الآيات من أجل إثبات البعث على توبيخين للمشركين
وتہدید.
أما التوبيخ الأول: فهو على عبادتهم شركاء عاجزين عن الخلق بدءاً
وإعادة، فكيف تصح تلك العبادة؟ وكيف تنقلبون أيها المشركون وتنصرفون
عن الحق إلى الباطل؟
وبما أن الحق تعالى هو القادر على الخلق، فخلق السماوات والأرض وما
بينهما، وخلق الإنسان من تراب ثم من نطفة ثم من علقة دم، وهو قدير على
إعادته، فيجب الإيمان بالبعث إيماناً لا يخالجه أي شك أو ريبة.
وأما التوبيخ الثاني: فهو أيضاً على اتخاذ الشركاء آلهة معبودة مع أنهم لا
يستطيعون هداية أنفسهم ولا غيرهم، فيكون الأحق بالعبادة والتوحيد هو الله
تعالى القادر على الإرشاد إلى الطريق المستقيم الذي هو القرآن ودين الإسلام ..
فما لكم كيف تحكمون، أي فأي شيء لكم في عبادة الأوثان، وكيف
ترضون لأنفسكم وعقولكم وتقضون بهذا الباطل الصراح، تعبدون آلهة لا
تغني عن أنفسها شيئاً إلا أن يُفعل بها، والله يفعل ما يشاء فتتركون عبادته؟
وأما التهديد: فهو على الكفر والتكذيب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾
وسيجازيكم عليه.
ودلت آية ﴿إِنَّ الَظَنَّ لَا يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ على أنه لا يكتفى بالظن في
العقائد، وعلى أن تحصيل العلم واليقين في الأصول واجب، وأما الاكتفاء

١٨٥
الُرُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٣٧-٣٩
بالتقليد والظن فيها فهو غير جائز؛ لأن أصول الإيمان أساسية، فتبنى على
اليقين، ولا يجدي فيها الظن، وإنما يكفي هذا في فروع الأعمال.
القرآن كلام الله وتحدي العرب به
﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْضِيلَ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأْتُواْ
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُ صَدِقِينَ ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ
بِمَا لَمَ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلَهُ, كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ
٣٩
كَانَ عَقِبَةُ الَّلِينَ
القراءات:
﴿ اَلْقُرْءَانُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً: (القران).
﴿ تَصْدِيقَ﴾:
بإشمام الصاد صوت الزاي قرأ حمزة، والكسائي، وخلف.
وقرأ الباقون بالصاد الخالصة.
الإعراب:
﴿ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ﴾ ﴿تَصْدِيقَ﴾: خبر كان مقدرة، تقديره: ولكن كان هو
تصديق، أي القرآن. وأجاز الكسائي الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره:
ولكن هو.
﴿ وَتَفْصِيلَ اَلْكِنَبِ﴾ خبر ثان.

١٨٦
الُ (١١) - يُوزير: ١٠/ ٣٧-٣٩
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك.
﴿مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ خبر آخر تقديره: كائناً من رب العالمين، أو متعلق
بتصديق أو بتفصيل، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: اعتراض، ويجوز أن يكون حالاً من
الكتاب أو الضمير في ﴿فِیهِ﴾.
البلاغة:
﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ استعارة لما سبقه من التوراة والإنجيل اللذين بشرا به.
﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ الهمزة فيه للإنكار، والمعنى: بل أيقولون افتراه محمد؟
المفردات اللغوية:
﴿أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أي أن يفترى افتراء من غير الله تعالى. ﴿وَلَكِنْ
تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيّهِ﴾ أي كان أو أنزل مطابقاً لما تقدمه من الكتب الإلهية
المشهود على صدقها وليس كذباً. ﴿ وَتَفْصِيلَ اَلْكِنَبِ﴾ تبيين ما كتبه الله من
الأحكام وغيره، وتوضيح ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع. ﴿لَا رَيْبَ
فِيهِ﴾ لا شك.
﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ﴾ أي بل أيقولون: اختلقه محمد، والهمزة للإنكار.
﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم وقوة المعنى، على
وجه الافتراء؛ فإنكم عرب فصحاء، مثلي في العربية والفصاحة، وأشدّ تمرناً
في النظم والعبارة. ﴿ وَأَدْعُواْ مَنِ اُسْتَطَعْتُم﴾ ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم
أن تستعينوا به . ﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ سوى الله أو غيره، فإنه وحده قادر على ذلك.
﴿إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ في أنه افتراء وأنه اختلقه، فلم يقدروا على ذلك.
﴿بَلْ كَذَّبُواْ﴾ بل سارعوا إلى التكذيب. ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ أي القرآن
أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه . ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلٌ﴾

٠١٨٧
الجُزء (١١) - يُونستون: ١٠/ ٣٧-٣٩
لم يطلعوا على تأويله، ولم تبلغ أذهانهم معانيه، ولم تتحقق عاقبة ما فيه من
الوعيد، أو تقع أخباره عن المغيبات، حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب.
والمعنى: أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى، ثم إنهم فاجؤوا بتكذيبه قبل
أن يتدبروا نظمه، ويتفحصوا معناه.
كَذَلِكَ﴾ التكذيب. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ﴾ رسلهم. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّلِينَ﴾ بتكذيب الرسل، أي آخر أمرهم من الهلاك،
فكذلك نهلك هؤلاء.
المناسبة:
ذكر الله تعالى مطلب المشركين من النبي وَطله بإنزال آية من ربه (الآية ٢٠)
لاعتقادهم أن القرآن ليس بمعجز، وأن محمداً إنما يأتي به من عند نفسه
اختلافاً، وأجابهم بأن محمداً عاجز كغيره عن إنزال آية والإتيان بمثله، ثم
أبطل شركهم بأدلة كثيرة، ثم عاد هنا إلى ترسيخ حقيقة أصيلة وهي أن القرآن
وحي من عند الله تعالى، وليس إتيان محمد عليه الصلاة والسلام به على سبيل
الافتراء على الله تعالى، مما يدل على أنه معجز نازل من عند الله، وأنه مبرأ
من الافتراء.
التفسير والبيان:
هذه الآيات في بيان إعجاز القرآن، وكونه كلام الله، وهذا من أصول
الدين، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن لإثبات أنه من عند الله تعالى، وليس
من عند النبي ◌َّ، وإنما هو معجزة خالدة تشهد بصدق النبي ◌َّ، وهو معنى
قول الله في الحديث القدسي: ((صدق عبدي في كل ما يبلغه عني)).
ومعنى الآية: ما شأن القرآن وما ينبغي أن يختلق من غير الله؛ لأنه
بفصاحته وبلاغته، ووجازته وحلاوته، وإخباره عن المغيبات، وأصالة

١٨٨
اِلُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ٣٧-٣٩
تشريعه، واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا
من عند الله تعالى، فهو كلامه الذي لا يشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر أحد إلا
الله أن يجاريه أو يعارضه.
وقد ثبت أن أبا جهل قال: إن محمداً لم يكذب على بشر قط، أفيكذب على
الله؟
وإنه مطابق ومصدِّق لما تقدمه من الكتب الإلهية المنزلة على الرسل،
كإبراهيم وموسى وعيسى، وموافق لها في الدعوة إلى أصول الدين من التوحيد
والإيمان بالله واليوم الآخر، وصالح الأعمال، وفضائل الأخلاق، وهو أيضاً
مهيمن عليها، ومبيِّن كاشف لما وقع فيها من تحريف وتبديل، كما قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨/٥].
﴿ وَتَفْضِيلَ الْكِتَبِ﴾ أي وبيان الأحكام والشرائع، والحلال والحرام،
والعبر والمواعظ، والآداب والأخلاق الشخصية والاجتماعية، بياناً شافياً
كافياً.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك فيه أبداً، ولا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه،
لوضوحه، وبيانه الحق والهدى والصواب.
﴿ مِن رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي منزل وموحى به من الله لا من غيره، بدليل سلامته
عن الاضطراب والاختلاف، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢/٤].
وبه يتبين أن الله سبحانه وصف القرآن بصفات خمس هي:
اً - لا يصح أن يفترى من دون الله؛ لأن القرآن معجز لا يقدر عليه
البشر.

١٨٩
المُرُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ٣٧-٣٩
اً - وهو مصدِّق مؤيد لما قبله في أصول الدين والفضائل، ومهیمن علیه،
فهو معجز لاشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والمستقبلة، وهو المراد
بقوله: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
ومن إخباره عن مغيبات المستقبل التي وقعت مطابقة للخبر: قوله تعالى:
: وقوله تعالى في فتح مكة: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ
غُلِبَتِ الزُّوُمُ
رَسُولَهُ الزُّعْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَ اُلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧/٤٨] وقوله في ظهور
الدولة الإسلامية: ﴿وَعَدُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَهُمْ فِىِ
اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥/٢٤] مما يدل على أن الإخبار إنما حصل بالوحي من الله
تعالی.
◌ّ - وهو مفصّل ما يحتاج إليه الإنسان من الأحكام الشرعية والعلوم
الكثيرة الدينية والدنيوية، ففيه علم العقائد والأديان: وهو معرفة الله تعالى
(ذاتاً وصفاتٍ) وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفيه علم الأعمال وهو
علم الفقه، وعلم الأخلاق مثل قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
﴾ [الأعراف: ١٩٩/٧] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ
١٩٩
الْجَهِلِين
وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغِيِ﴾ [النحل: ٩٠/١٦]
وهو المراد بقوله: ﴿وَتَفْضِيلَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [يوسف: ١١١/١٢].
٤ - لا ريب ولا شك فيه، لبيانه العلوم الكثيرة، وعدم وجود التناقض
فيه.
- كونه من عند الله تعالى، نزل به الروح الأمين على قلب محمد حلوه
لیکون من المنذرین.
ثم أنكر الله تعالى على المشركين الجاهلين القائلين بأن محمداً بال# قد افتراه،
وتحداهم أن يأتوا بمثله، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ﴾ أي بل أيقولون: اختلقه
محمد؟! فمحمد بشر مثلكم، وقد زعمتم أنه جاء بهذا القرآن، فأتوا بسورة

١٩٠
الُزْءُ (١١) - يُونِر): ٣٧/١٠-١٣٩
مثله، أي من جنس هذا القرآن، ولو بما يشابه أقصر سورة فيه في النظم
والأسلوب، والقوة والإحكام، والبلاغة والدقة، واستعينوا على ذلك بمن
قدرتم عليه من إنس وجان، ولن تستطيعوا فعل شيء؛ فإن جميع الخلق
عاجزون عن معارضته أو الإتيان بمثله: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَ أَنْ
يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُنَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ظَهِيْرًا
M
[الإسراء: ١٧ /٨٨].
فإن كنتم صادقين في ادعائكم أن القرآن من عند محمد، فلتأتوا بنظير ما
جاء به وحده، ولتستعينوا بمن شئتم.
ولقد كان التحدي للإتيان بمثل القرآن على مراحل: أولها - ما ذكر في هذه
الآية: ﴿قُل لَّيِّنِ اُجْتَمَعَتِ﴾ وهي أعلى المراتب. وثانيها - التنازل معهم إلى
عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَنُواْ بِعَشْرِ
سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
[١٣]. وثالثها - التنازل إلى سورة، فقال هنا في هذه السورة المكية: ﴿فَأَتُواْ
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وكذا في سورة البقرة المدنية: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا
عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ،﴾ [٢٣].
ثم أثبت القرآن موقف هؤلاء المشركين منه فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ﴾ أي بل
سارع هؤلاء إلى تكذيب القرآن من قبل أن يتدبروا ما فيه، أو يفهموه، وهذا
شأن المعاند الجاهل.
ج
﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ﴾ أي وكما أنهم كذبوا به بداهة قبل التدبر والمعرفة
تقليداً للآباء، كذلك كذبوه بعد التدبر ومعرفة علو شأنه وإعجازه وضعف
قواهم في المعارضة، تمرداً وعناداً، وبغياً وحسداً. ويجوز أن يكون معنى ﴿وَلَمَّا
يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ﴾: لم يأتهم بَعْدُ تأويل ما فيه من الإخبار بالمغيبات، حتى يتبين لهم
أهو كذب أم صدق؟

١٩١
الُرُ (١١) - يُونتر: ١٠/ ٣٧-٣٩
كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِوٌّ﴾ أي مثل ذلك التكذيب كذبت الأمم
السابقة بمعجزات الأنبياء قبل النظر فيها وقبل تدبرها من غير إنصاف من
أنفسهم، ولكن تقليداً للآباء وعناداً.
﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اُلَّلِينَ﴾ أي فانظر أيها الرسول كيف كانت
عاقبة أولئك الظالمين لأنفسهم بتكذيبهم رسلهم وطلبهم الدنيا وترك الآخرة،
وهي أننا أهلكناهم بسبب تكذيبهم رسلنا، ظلماً وعلواً، وكفراً وعناداً
وجهلاً، فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَئِةٍ.
فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ
خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٠/٢٩].
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات إثبات قاطع لكون القرآن كلام الله تعالى ووحيه إلى محمد دَائيقر،
وليس افتراء من محمد بَّلر، وذلك بدليل وصفه بالأوصاف الخمس التي
ذكرت في الآية، وأوضحتها في التفسير السابق.
وبدليل التحدي للعرب بأن يأتوا بمثل سورة من هذا القرآن، إذا كان في
زعمهم من كلام محمد ◌َّر وهو بشر مثلهم، وهم عرب فصحاء بلغاء مثله.
فالآية الأولى دلت على كون القرآن من عند الله تعالى؛ لأنه مصدّق الذي
بين يديه من الكتب، وموافق لها، من غير أن يتعلم محمد عليه الصلاة
والسلام عن أحد.
والآية الثانية إلزام بسورة مثله إن كان مفترى. وهذا مناسب لما اشتهر به
العرب من فصاحة وبلاغة وبيان، فالقرآن معجزة الرسول وَ ﴿ الخالدة في بيانه
ونظمه وتشريعه وعلومه. كما أن كل معجزة لنبي تناسب العصر الذي عاش

١٩٢
لِلُرُ (١١) - يُوذَّ): ١٠ / ٤٠-٤٤
فيه، مثل معجزة العصا واليد لموسى عليه السلام في زمن برع فيه السحرة
بفنون السحر، ومعجزة عيسى عليه السلام الذي بعث في زمان اشتهار علم
الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وهذا من غير
علاج ولا دواء. لهذا جاء في الحديث الصحيح المتقدم عن رسول الله وَله أنه
قال: ((ما من نبي من الأنبياء، إلا وقد أُوتي من الآيات ما آمن على مثله
البشر، وإنما الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)).
ودلت الآية الثالثة: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ على انهيار موقف
العرب من القرآن، فهم قبل أن يتأملوا بما فيه كذبوا به تقليداً للآباء وإبقاء
على عبادة الأوثان، وبعد أن تأملوا وتدبروا فيه كذبوا به أيضاً تمرداً وعناداً،
وبغياً وحسداً، وعجزاً وضعفاً من معارضته والإتيان بمثل أقصر سورة فيه في
سلامة النظم والأسلوب والمعنى والحكم. لذا أنذرهم القرآن بالدمار والهلاك
على ظلمهم كما أهلك الأمم الخالية بسبب تكذيب الرسل.
انقسام المشركين إلى فريقين
حول الإيمان بالقرآن والنبي
﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَن لَّا يُؤْمِرُ بِّ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِيْعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَا
تَعْمَلُونَ ﴿ وَمِنْهُم ◌َنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تُشْمِعُ الْضُمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ
٤٢
وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ
إِنَّ
اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
القراءات:
﴿ وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾.
33

١٩٣
المُجُرُ (١١) - يُونِّن: ١٠ / ٤٠-٤٤
وقرأ حمزة والكسائي وخلف (ولكنِ الناسُ).
الإعراب:
﴿مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ حملاً على معنى ﴿مَّن﴾ لأن معناها الجمع.
﴿َّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ينظر حملاً على لفظ ﴿مَن﴾ لأن لفظها مفرد.
﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾ ذهب جماعة من النحويين إلى أن الاختيار في (لكن) إذا
جاءت معها الواو أن تكون مشدّدة، وإذا جاءت بغير واو أن تكون مخففة،
قال الفراء: لأنها إذا كانت بغير واو أشبهت (بل)) فخففت لتكون مثلها في
الاستدراك، وإذا جاءت بالواو خالفت فشُدِّدت، فمن شددها، كان ما بعدها
منصوباً لأنه اسمها، ومن خففها رفع ما بعدها على الابتداء، وما بعده الخبر
﴿ أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به مقدم.
البلاغة:
﴿مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُم مَن لَّا يُؤْمِثُ بِّ﴾ بينهما طباق السلب.
﴿ اَلُمَّ﴾ ﴿الْعُمْىَ﴾ مجاز عن الكافرين، شبههم بالصم والعمي
الإعراضهم عن الحق والهدى.
المفردات اللغوية:
﴿وَمِنْهُم﴾ ومن المكذبين أهل مكة ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ يصدق به في نفسه
ويعلم أنه حق ولكن يعاند، أو من سيؤمن به ويتوب عن كفره. وضمير
﴿بِهِ﴾ يعود إلى القرآن ﴿مَن لَّا يُؤْمِبُ بِهِ﴾ في نفسه لفرط غباوته وقلة
تدبره، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر ﴿بِالْمُفْسِدِينَ﴾ بالمعاندين أو
المصرين على الكفر، وهو تهديد لهم.

١٩٤
الُعُ (١١) - يُونَِّ): ١٠ / ٤٠-٤٤
﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ﴾ أصروا على تكذيبك ﴿لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ أي لكلِ
جزاء عمله، وأنا بريء من عملكم، وبما أني تبرأت منه فقد أعذرت ﴿أَنْتُمْ
بَرِيُّونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ لا تؤاخذوني بعملي ولا أؤاخذ
بعملکم.
﴿َّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إذا قرأت القرآن وعلَّمت الشرائع، ولكن لا يقبلون
كالأصم الذي لا يسمع أصلاً ﴿أَفَنْتَ تُشْمِعُ اُلصُمَّ﴾ شبههم بهم في عدم
الانتفاع بالقرآن ﴿وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم
وتدبرهم. وهذا يدل على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه.
﴿َّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك ﴿أَفَأَنْتَ
تَهْدِى الْعُمْىَ﴾ شبههم بهم في عدم الاهتداء ﴿وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ولو
انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة، فإن المقصود من الإبصار: هو الاعتبار
والاستبصار. والآية كالتعليل للأمر بالتبري والإعراض عنهم.
﴿لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ بسلب حواسهم وعقولهم ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ﴾ بإفسادها وتفويت منافعها عليها. وفيه دليل على أن للعبد كسباً وأنه
ليس بمسلوب الاختيار بالكلية، كما زعمت المجبرة.
المناسبة:
بعد أن أبان الله تعالى طعن الكافرين في النبوة والوحي، وبعد أن أنذرهم
بالدمار والعذاب في الدنيا بقوله: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّلِينَ﴾
ذكر أنهم في الواقع فريقان: فريق يصدق بأن القرآن كلام الله، ولكنه يكابر
ويعاند، وفريق لا يصدق به أصلاً لفرط غباوته وجهله، فيصر على تكذيب
النبي؛ لفقده الاستعداد للإيمان به، فلا أمل في إصلاحه وهدايته، فتكون
المصلحة في إعطاء الفرصة للفريق الأول للإيمان دون الاستئصال.

١٩٥
الجُ (١١) - يُوزَّ: ١٠ / ٤٠-٤٤
التفسير والبيان:
المشركون في الحال والاستقبال فريقان: فريق يصدق بالقرآن في نفسه
ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب، وفريق يشك فيه لا يصدق به. هذا في
الحال. ويجوز أن يراد بفعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ الاستقبال، أي ومن هؤلاء الذين بعثت
إليهم يا محمد من سيؤمن بهذا القرآن، ويتبعك، وينتفع بما أرسلت به؛ ومنهم
من سيصرّ على كفره، ويموت على ذلك ويبعث عليه.
﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن
يستحق الضلالة فيضله، وهؤلاء هم المعاندون أو المصرّون، والله العادل
الذي لا يجور، بل يعطي كلاً ما يستحقه، فمعنى الآية: وربك أعلم بمن
يفسد في الأرض بالشرك والظلم والطغيان، فلا أمل في صلاحهم، لفقدهم
الاستعداد للإيمان، وسيعذبهم في الدنيا والآخرة.
وإن كذّبك هؤلاء المشركون وأصروا على ذلك، فتبرأ منهم ومن عملهم،
وقل لهم: ﴿لِ عَمَلِى﴾: وهو تبليغ الرسالة والإنذار والتبشير والطاعة
والإيمان، وسيجازيني الله عليه، ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: وهو الظلم والشرك
والفساد، وسيجازيكم الله عليه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُثُمُ
تَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٥٢].
﴿ أَنْتُم بَرِيْعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَأْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ﴾ يراد بذلك الزجر
والردع، وإعلان مبدأ المسؤولية الفردية: وهي انحصار مسؤولية كل إنسان
بنفسه، وعدم سؤاله عن ذنب غيره. والمعنى: فلا تؤاخذوني بعملي، ولا
أؤاخذ بعملكم فقد أعذرت وأنا بريء من عملكم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِ
اُفْتَرَيِّتُهُ فَعَلَىَّى إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِىّءٌ مِّمَّا تُحُرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥/١١] وقوله: ﴿قُل لَّا
تُسْتَلُونَ عَمَّا أَجْرَقْنَا وَلَا ◌ُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [سبأ: ٢٥/٣٤] وقوله:
﴿ وَلَا فَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤/٦] وقوله: ﴿فَإِنْ عَصَوْلَ فَقُلْ إِِّ بَرِىٌَّ
(أ) ﴾ [الشعراء: ٢١٦/٢٦].
مِّمَا تَعْمَلُونَ

١٩٦
الُرُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٤٠-٤٤
وأما موقف المشركين المكذبين منك يا محمد، فلا تعجب منه، فمنهم من
يستمعون إليك إذا قرأت القرآن وعلَّمت الشرائع، ولكنهم لا يعون ولا
يقبلون، وإنما يسمعون دون تدبر ولا فهم، ويهتمون بسماع نظم القرآن
وجَرْس صوته، فهم لاهون لاعبون غير جادّين: ﴿مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن
ـَ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢/٢١-٣]
زَّيِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا أُسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
﴿ أَفَنْتَ تُتْمِعُ الْعُمَّ وَلَوْ كَانُوْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي لا تستطيع الإسماع النافع لقوم
صموا آذانهم عن سماعك، وضموا إلى ذلك أنهم لا يعقلون ما يسمعون ولا
يفهمون معناه، فينتفعوا به، فإن السماع النافع للمستمع: هو ما عقل به ما
يسمعه، وعمل بمقتضاه وإلا كان في الواقع كالأصم حقيقة. وهذا حال بعض
المسلمين مع الأسف اليوم. وفيه دلالة على أنه لا يقدر على إسماعهم وهدايتهم
بالقسر والإلجاء إلا الله عز وجل.
ومنهم من ينظر إليك عند قراءتك القرآن نظرة إعجاب، ولكنه لا يبصر
نور الإيمان والقرآن وهداية الدين والخلق القويم. ﴿أَفَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ
كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي لا تقدر على هداية هؤلاء، لأنهم وإن كانوا مبصرين
بأعينهم في الظاهر، فهم غير مبصرين بقلوبهم في الحقيقة، فلا تستطيع
هدايتهم لفقدهم نعمة البصيرة المدركة والعقل المدرك: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى
اُلْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦/٢٢].
والخلاصة: إنك يا محمد لا تستطيع هداية هؤلاء، لفقدهم الاستعداد
للفهم والهداية، وكأنهم مثل من فقد حاسة السمع في الحقيقة، وفقد حاسة
البصر أيضاً؛ لأن فائدة السمع والبصر هي الانتفاع، فإذا لم ينتفعوا فكأنهم
عطلوا حواسهم: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ
(١٣٧ ﴾ [ق: ٣٧/٥٠] والمراد بذلك تسلية النبى
شَهِيدٌ
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ أي إن الله تعالى لا يجور أبداً، بسلب

١٩٧
الُ (١١) - يُوذَر): ١٠ / ٤٠-٤٤
حواسهم وعقولهم التي بها يدركون الأشياء ويهتدون إلى الحق والصواب،
ولكن الناس هم الظالمون أنفسهم وحدها دون غيرها؛ لأنهم يعرِّضونها
لعقاب الكفر والتكذيب والمعاصي، بتعطيلهم نعمة العقل، وتنكرهم لهداية
الدين. وهذا وعيد للمكذبين، فإن عذابهم يوم القيامة عدل وحق لا ظلم فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
اً - جميع الكفار ومنهم أهل مكة في الماضي: منهم من يؤمن بالقرآن
باطناً، لكنه يتعمد إظهار التكذيب، ومنهم من لا يؤمن به أصلاً. ومنهم من
يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الكفر ويؤمن، ومنهم من يصر على الجحود
ويستمر على الكفر، والله تعالى عليم بالجميع.
اً - كل إنسان مسؤول عن نفسه وسيلقى جزاءه إن خيراً فخير وإن شراً
فشر، فلا يؤاخذ أحد بذنب الآخر.
٣ - إن الحواس من سمع وبصر لها هدفان: هدف ظاهري وهو سماع
المسموعات ورؤية المبصرات، لتكون الحياة بوجه سليم وهدف حقيقي: وهو
استخدامها في تدبر المسموع وفهمه وتعقله، وإنعام النظر وإدراك البصيرة في
أمور الدين والأخلاق، للتوصل إلى نعمة الإيمان والهداية والحق، والتخلص
من ظلمة الكفر والضلال والباطل.
٤ - الرسول وَ ل﴿ مجرد مبلِّغ ومنذر ومبشر، فلا يقدر على غرس الإيمان في
القلوب، وزرع الهداية في النفوس، وما على العقلاء إلا الاستجابة لبلاغاته،
والاستماع لمواعظه؛ ولأنه كما لا يقدر على إسماع من سُلب السمع، وإبصار
من حرم البصر، فلا يقدر أن يوفق هؤلاء للإيمان إذا أصروا على الكفر.
٥ - إن السمع أفضل من البصر، بدليل أنه كلما ذكر الله السمع والبصر،
فإنه في الأغلب وكما في هذه الآية يقدم السمع على البصر.

١٩٨
الُ (١١) - يُونَِّ: ١٠ / ٤٥
٩ - احتج أهل السنة بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأن
قلوب أولئك الكفار بالنسبة إلى الإيمان كالأصم بالنسبة إلى استماع الكلام،
وكالأعمى بالنسبة إلى إبصار الأشياء، والله هو الذي يخلق القدرة على الهداية
فيها.
لا - إن الله لم يظلم أهل الشقاء، فهو في جميع أفعاله عادل، ولكن الناس
هم الذين يظلمون أنفسهم بالكفر والمعصية ومخالفة أمر خالقهم.
زوال الدنيا سريع
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمَّ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ
٤٥
كَذَّبُواْ بِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
القراءات:
{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾
قرأ حفص (ويوم يحشرهم).
وقرأ الباقون (ويوم نحشرهم).
الإعراب:
﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بتقدير: اذكر، أو على الظرف، وعامله: ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾.
﴿كَأَنْ﴾ الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أي
يحشرهم متشابهين أو صفة مصدر محذوف، تقديره: يحشرهم حشراً مشابهاً
لحشر يوم لم يلبثوا قبله، أو صفة (ليوم) على تقدير محذوف أيضاً، أي كأن لم
يلبثوا قبله، فحذف المضاف فاتصلت الهاء بيلبثوا، فحذفت للطول.

١٩٩
اِلُرُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٤٥
و﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، تقديره: كأنهم لم يلبثوا، وواو ﴿يَلْبَثُواْ﴾ عائدة
إلى ضمير ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾
﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ جملة فعلية حال من ضمير ﴿لَّمْ يَلْبَثُواْ﴾. ويجوز جعلها خبر
مبتدأ محذوف، تقديره: هم يتعارفون.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إما استئناف فيه معنى التعجب أي ما أخسرهم، وإما
حال من ضمير يتعارفون.
المفردات اللغوية:
﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: الجمع من كل جانب إلى موقف واحد. (كَأَن﴾ أي
كأنهم، فخففت . ﴿لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ﴾ يستقصرون مدة لبثهم في
الدنيا، أو في القبور، لهول ما يرون. ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ يعرف بعضهم بعضاً
إذا بعثوا، ثم ينقطع التعارف لشدة الأهوال. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾
بالبعث. ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ طريق الرشاد، وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ هو
استئناف، فيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أخسرهم، وهي شهادة من الله
تعالى على خسرائهم، أو حال من ضمير: ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾، على إرادة القول، أي
یتعارفون بینهم قائلین ذلك.
المناسبة:
لما وصف الله تعالى هؤلاء الكفار بقلة الإصغاء وترك التدبر، وتكذيبهم
القرآن الكريم والنبي وَّر، أتبعه بالوعيد بالجزاء في الآخرة على ما كان منهم في
الدنیا.
التفسير والبيان:
يذكِّر الله تعالى الناس بقيام الساعة والحشر من قبورهم إلى أرض المحشر يوم

٢٠٠
لُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٤٥
القيامة، فيقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي اذكر لهم أيها الرسول وأنذرهم يوم
يجمعهم الله بالبعث بعد الموت في موقف الحساب والجزاء، فيلاحظون كأنهم لم
يمكثوا في الدنيا إلا مدة يسيرة، والساعة مَثَلٌ في القلة، ثم انقضت، حالة
كونهم يتعارفون أي يعرف بعضهم بعضاً إذا بعثوا، ثم ينقطع التعارف؛ لشدة
الأهوال، أو فهم يتعارفون.
وتقديرهم قصر الدنيا في ذلك الموقف الرهيب معنى متكرر في القرآن
الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن
[الأحقاف: ٣٥/٤٦] وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوَّمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ صُحَهَا
تَّهَار
[النازعات: ٤٦/٧٩] وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُفْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ
غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥/٣٠] وقوله: ﴿قَلَ كُمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ لَّوْ
قَالُواْ لَبِتْنَا يَوْمًا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَآدِينَ (٣)
أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (
(١٤) ﴾ [المؤمنون: ٢٣ /١١٢-١١٤].
ثم أعلن الله تعالى خسارتهم فقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ﴾ أي إن هؤلاء
الكفار المكذّبين بالبعث قد خسروا ثواب الجنة خسارة كبرى، إذ بدلوا الإيمان
بالكفر، وما كانوا مهتدين لأوجه الربح والنفع بعمل الصالحات، فما
أخسرهم! وهذا تعجب شديد من الله تعالى.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على أن عمر الدنيا قصير، إذا قوبل بحياة الآخرة الطويلة الأمد
بل الخالدة، وعلى أن الكافرين المكذبين بالبعث خسروا ثواب الجنة خسارة
كبرى لا تعوض؛ لأن الخسران إنما هو في يوم لا يرجى فيه القيام بالبديل،
ولا تنفع فيه التوبة، وذلك بعد قيام الأدلة الكثيرة في القرآن المجيد على البعث
والنشور. ويفهم من الآية أيضاً أن لذات الدنيا بالنسبة إلى جميع العالم لا تعادل
شيئاً أمام العذاب الشديد والآفات الحاصلة للكافر يوم القيامة، فمن باع