Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الُ (١١) - يُونَ: ١٠ /٧-١٠
المناسبة:
بعد أن أقام الله تعالى الدلائل على إثبات الإله ووجوده، وعلى إثبات
البعث والجزاء على الأعمال يوم الحساب، ذكر حال من كفر به وأعرض عن
أدلة وجوده ووحدانيته، وحال المؤمنين الذين عملوا الصالحات، ثم أوضح
جزاء كل من الفريقين.
التفسير والبيان:
إن الذين لا يتوقعون لقاء الله في الآخرة للحساب والجزاء على الأعمال؛
لإنكارهم البعث، ورضوا بالحياة الدنيا بدل الآخرة؛ لغفلتهم عنها،
واطمأنوا بها وسكنوا إليها وإلى شهواتها ولذائذها وزخارفها، وكانوا غافلين
عن آيات الله الكونية والشرعية، فلا يتفكرون في الأولى، ولا يأتمرون
بالثانية، أولئك المذكورون من الفريقين مثواهم ومقامهم النار وملجؤهم الذي
يلجؤون إليه، جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا مع
كفرهم بالله ورسوله واليوم الآخر. وهذا الجزاء توضيح للجزاء السابق
المذكور في الآية [٤].
وعطف ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ﴾ الذي يقتضي المغايرة إما لتغاير
الوصفين، وإما لتغاير الفريقين، والمراد بالفريق الأول: من أنكر البعث ولم
يرد إلا الحياة الدنيا وهم الماديون الملحدون، والمراد بالفريق الثاني: من ألهته
الدنيا عن التأمل في الآخرة والإعداد لها.
هذا جزاء الفريق الكافر وهم الأشقياء، أما جزاء الفريق المؤمن وهم
السعداء فأخبرت الآية التالية عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾.
أي إن الذين آمنوا بالله وصدقوا برسله، وامتثلوا ما أمروا به، فعملوا
الصالحات، ولم يغفلوا عن آيات الله في الكون والشريعة، يرشدهم ربهم

١٢٢
الُ (١١) - يُونَ): ١٠ / ٧-١٠
بسبب إيمانهم إلى الصراط المستقيم الذي يؤدي بهم إلى الجنة التي تجري من
تحتها الأنهار، ومن تحت غرفهم في جنات النعيم والخلد، وهذا مثل للتنعم
والراحة والسعادة والانسجام في تلك المناظر الخلابة، التي تأخذ بمجامع
القلوب، وتُسرُّ النفوس.
ومفهوم الترتيب بين الإيمان والعمل الصالح، وإن دلَّ على أن سبب الهداية
هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دلَّ منطوق قوله: ﴿بِيِمَنِهِمْ﴾ على استقلال
الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتابع له والتتمة.
﴿ دَعْوَنُهُمْ﴾ أي يبدؤون دعاءهم وثناءهم على الله تعالى بهذه الكلمة:
﴿ سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي تنزيهاً وتقديساً لك يا الله، أو اللهم إنا نسبحك،
ج
وتحيتهم فيما بينهم ﴿سَلَمٌ﴾ الدالة على السلامة من كل مكروه مثل قوله: ﴿لَا
﴾ [الواقعة: ٢٥/٥٦-٢٦]،
٣٦
يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَا وَلَا تَأْتِيمًا (٣٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمَا سَلَمَا
وهي أيضاً تحية المؤمنين في الدنيا، وهي كذلك تحية الله تعالى حين لقائه لأهل
ج
الجنة ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤/٣٣] وتحية الملائكة لهم عند
دخول الجنة: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾
[الزمر: ٣٩ /٧٣] .
وآخر دعائهم الذي هو التسبيح: الحمد لله رب العالمين، وهو أيضاً أول
ثناء على الله حين دخول الجنة: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
٧٤
[الزمر: ٧٤/٣٩] وهو كذلك آخر كلام الملائكة: ﴿وَتَرَى الْمَلَتِكَةَ حَافِينَ مِنْ
حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمَّ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
[الزمر: ٣٩ /٧٥] .
Vo
قال ابن كثير: وفي هذا دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبداً، المعبود على
طول المدى، ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وعند ابتداء تنزيل
--

١٢٣
الُ (١١) - يُوذَِّ): ١٠ / ٧-١٠
كتابه، حيث يقول تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
[الأنعام: ١/٦] ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١/١٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الأحكام التالية:
اً - للكافرين الجاحدين عذاب النار بسبب ما اكتسبوا أو اقترفوا من
الكفر والتكذيب والمعاصي. وقد وصفهم الله تعالى بصفات أربع هي:
الأولى - إن الذين لا يرجون لقاءنا، أي لا يخافون عقاباً ولا يرجون
ثواباً.
الثانية - ورضوا بالحياة الدنيا، أي رضوا بها عوضاً من الآخرة، فعملوا
لها.
الثالثة - واطمأنوا بها، أي فرحوا بها وسكنوا إليها.
الرابعة - والذين هم عن آياتنا غافلون، أي لا يعتبرون ولا يتفكرون
بأدلتنا.
اً - للمؤمنين المحقين العاملين الأعمال الصالحة جنات النعيم، تجري من
تحتهم أي من تحت بساتينهم أو أسرّتهم الأنهار، يمجدون فيها الله تعالى
بقولهم: ﴿سُبْحَكَ اللَّهُمَّ﴾ ويحمدون ربهم بقولهم: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبٍّ
الْعَلَمِينَ﴾ والفرحة تغمرهم، والبهجة تملأ قلوبهم، والسعادة ترفرف
بأجنحتها عليهم، تحية الله لهم، أو تحية الملَك أو تحيتهم لبعضهم: سلام.
◌َ - التسبيح والحمد والتهليل قد يُسمّى دعاء، روى مسلم والبخاري عن
ابن عباس أن رسول الله و ليو كان يقول عند الكرب: ((لا إله إلا الله العظيم
الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماوات

١٢٤
الجُزْءُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ٧-١٠
وربُّ الأرض ورب العرش الكريم)) قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا
· الدعاء، ويسمّونه دعاء الكرب. وهذا الدعاء الصادر من أهل الجنة ليس
بعبادة إذ لا تكليف في الجنة، إنما يلهمون به، فينطقون به تلذذاً بلا كلفة.
٤ - من السنة لمن بدأ بالأكل أو الشرب أن يسمّي الله عند أكله وشربه،
ويحمده عند فراغه، اقتداء بأهل الجنة. ورد في صحيح مسلم عن أنس بن
مالك قال: قال رسول الله وَ هو: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة،
فيحمده عليها، أو يشرب الشَّرْبة، فيحمده عليها)).
٥ - يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه، كما قال أهل الجنة:
﴿وَءَاخِرُ دَعْوَنَهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
أ - الإيمان والعمل الصالح طريق الإنسان إلى الجنة. والله يهدي أي يسدد
ويرشد بسبب الإيمان إلى طريق الاستقامة المؤدي إلى الثواب على الأعمال.
ويجوز أن يريد الله تعالى بقوله: ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ أي في الآخرة بنور إيمانهم إلى
طريق الجنة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَبِأَيْمَنِهِ﴾ [الحديد: ١٢/٥٧] ومنه الحديث: ((إن المؤمن إذا خرج من قبره، صُوِّر
له عمله في صورة حسنة، فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى
الجنة، والكافر إذا خرج من قبره، صُوِّر له عمله في صورة سيئة، فيقول: أنا
عملك، فينطلق به حتى يدخله النار)).
وما على المؤمن إلا أن يستزيد من الأعمال الصالحة ليتبوأ مكانه في الجنة،
إذ ليست الجنة بمجرد الاتصاف بالإسلام، أو بالتمنيات المعسولة، كما قال
تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَآ أَمَانِّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ،
وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الضَّالِحَتِ مِن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا
١٢٤٦)
[النساء: ١٢٣/٤-١٢٤] والنقير: قدر النُّقرة في ظهر النواة.

١٢٥
لِلُ (١١) - يُونَ): ١٠/ ١١-١٢
والإيمان: هو المعرفة والهداية المترتبة عليها. والمقصود: معرفة صفات الله
تعالى، لا معرفة ذاته فذلك مستحیل.
والأعمال الصالحة: عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا
وطلب الآخرة. والأعمال المذمومة ضدّ ذلك.
استعجال الإنسان الخير دائماً والشرّ حال الغضب
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَلَهُمْ بِلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَّءَنَا فِي ◌ُغْيَئِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ وَإِذَا مَسََّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ
دَعَنَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى
١٣
ضُرِّ مَّسَّةُ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
الإعراب:
﴿ أُسْتِعْجَالَهُم﴾ منصوب على المصدر، تقديره: استعجالاً مثل استعجالهم.
فحذف المصدر وصفته، وأقام ما أضيفت إليه الصفة مقامه.
{ لِجَنْسِهِةٍ﴾ في موضع نصب على الحال، وعامله ﴿دَعَانَا﴾ وقيل:
العامل: مسَّ، أي مسّ الإنسان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً، والأول أرجح.
﴿كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآَ﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي كأنه، وحذف
ضمير الشأن.
البلاغة:
﴿ الشَّرَ أُسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ أي كاستعجالهم أو مثل استعجالهم، ففيه
تشبيه مؤكد مجمل. وبين الشرّ والخير طباق. ووضع الاستعجال موضع
التعجيل لهم بالخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم في الخير.

١٢٦
الُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ١١-١٢
المفردات اللغوية:
﴿يُعَجِّلُ﴾ يقدمه على وقته، والتعجيل: تقديم الشيء على وقته المقدر له.
﴿اُسْتِعْجَالَهُم﴾ طلب التعجيل، قال العلماء: التعجيل من الله، والاستعجال
من العبد. ﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ بأن يهلكهم ولكن يمهلهم، وقضاء
الأجل: انتهاؤه. ﴿فَنَذَرُ﴾ نترك. ﴿فِي طُغْيَِهِمْ﴾ الطغيان: مجاوزة الحد في
الشر من كفر وظلم وعدوان. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين. ﴿الضُّرُّ﴾
الشدة كالمرض والفقر والخطر. ﴿لِجَنْبِهِ﴾﴾ أي مضطجعاً. ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ
قَيِمًا﴾ في كل حال. ﴿مَرَّ﴾ مضى في طريقته على كفره . ﴿كَذَلِكَ﴾ أي كما
زين له الدعاء عند الضر والإعراض عند الرخاء . ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين،
والإسراف: تجاوز الحد.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تعجب القوم من تخصيص محمد بالنبوة، ثم ذكر أدلة
التوحيد والبعث، أبان هنا الجواب عن قول كانوا يقولونه: اللهم إن كان ما
يقول محمد حقاً في ادعاء الرسالة، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا
بعذاب أليم، ومضمون الجواب: أنه لا مصلحة لهم في استعجالهم الشر وإلا
ماتوا وهلكوا.
وأما مضمون الجواب عن تعجبهم: فهو أني ما جئتكم إلا بالتوحيد
والإقرار بالمعاد، وقد أقمت الأدلة على صحتها، فلا معنى للتعجب من نبوتي.
التفسير والبيان:
العجلة من طبائع الإنسان، فهو دائماً يتعجل الخير؛ لأنه يحبه، ويتعجل
الشرّ حين الغضب والحماقة والضجر، فلو يعجل أو يسرع الله للناس إجابة
دعائهم في حال الشر، كاستعجالهم تحقيق الخير، لأميتوا وأهلكوا، وذلك

١٢٧
الُزُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ١١-١٢
مثل استعجال مشركي مكة إنزال العذاب عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ [الرعد: ٦/١٣] وقال
سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا
حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمٍ ﴾[
[الأنفال: ٨/ ٣٢].
وسمى الله تعالى العذاب شرّاً في هذه الآية؛ لأنه أذى في حق المعاقب،
ومكروه عنده، كما أنه سماه سيئة في قوله: ﴿ وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّبِّئَةِ﴾ وفي قوله:
﴿وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠/٤٢].
ولكنه تعالى بحلمه ولطفه بعباده لا يستجيب لهم ويذرهم إمهالاً لهم
واستدراجاً، فإنه لو أجابهم لانتهى أمرهم وهلكوا، كما هلك الذين كذبوا
الرسل، وربما آمن به بعضهم، أما من عاند فيعاقبه الله بالقتل، كما قال
تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:
١٤/٩] .
وأما عذاب سائر الكفار فنتركه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَنَذَرُ
الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقََّنَا فِي ◌ُغْيَِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي فنترك غير المتوقعين لقاءنا
فيما هم فيه من طغيان الكفر والتكذيب، يترددون فيه متحيرين، ولا نعجل
لهم في الدنيا عذاب الاستئصال تكريماً للنبي وَلّ، ونمهلهم ونفيض عليهم
النعمة مع طغيانهم، إلزاماً للحجة عليهم.
وكذلك اقتضت رحمته تعالى بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على
أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم بالشر، في حال الضجر والغضب؛ لأنه يعلم
منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك. روى أبو داود والحافظ أبو بكر البزار في
مسنده عن جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا
على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة،
فيستجيب لكم)) وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: ((إني سألت الله عز وجل
ألا يستجيب دعاء حبیب علی حبيبه)).

١٢٨
لُهُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ١١-١٢
ومن عجلة الإنسان أيضاً وضجره وقلقه أنه إذا أصابه الضّ أي الشدة
والألم من مرض أو فقر أو خطر: يدعو ربه بإلحاح في كشف ضره وإزالته،
حالة كونه مضطجعاً لجنبه، أو قاعداً أو قائماً وفي جميع أحواله؛ لأن فائدة
الترديد في القعود وغيره تعميم الدعاء لجميع الأحوال، فإذا فرَّج الله شدته
وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء،
ومضى في طريقه من الغفلة عن ربه والكفر به، كأنه لم يدع إلى شيء ولم يكشف
الله عنه ضره. فقوله: ﴿إِلَ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ أي إلى كشف ضر.
وذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَُّّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١/٤١]
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي مثل ذلك
العمل القبيح المنكر أو التزيين وهو الذي حدث من اللجوء إلى الله تعالى وقت
الشدة وتركه في الرخاء، زُيِّن للمشركين طغاة مكة وغيرهم ما كانوا يعملون
من أعمال الشرك والإعراض عن القرآن والعبادات، واتباع الشهوات.
والمراد بالإنسان في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَ الْإِنسَنَ اُلُّرُّ﴾ هو الكافر؛ لأن
العمل المذكور لا يليق بالمسلم ألبتة.
وقوله: ﴿دَعَنَا لِجَنْسِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَيِمًا﴾ يراد به أحوال الدعاء.
والمراد بالمزيِّن في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ هو الشيطان أو النفس، أو الله
تعالى. وسمي الكافر مسرفاً في نفسه وماله ومضيعاً لهما؛ لأنه في النفس جعلها
عبداً للوثن، وفي المال فلأنه أضاعه فيما لا يفيد. والأصح كما قال القرطبي
أن الآية تعم الكافر وغيره، وهذه صفة كثير من المخلطين الموحدين، إذا
أصابته العافية، استمر على ما كان عليه من المعاصي.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على الآتي:

١٢٩
الزُعُ (١١) - يُوزَّ: ١٠/ ١١-١٢
اً - الله لطيف بعباده حليم رحيم بهم لا يستجيب دعاءهم على أنفسهم أو
أموالهم أو أولادهم بالشر في حال الضجر والغضب، فلو عجل الله للناس
العقوبة، كما يستعجلون الثواب والخير، لماتوا؛ لأنهم خلقوا في الدنيا خلقاً
ضعيفاً، وذلك على عكس خلقهم يوم القيامة؛ لأنهم حينئذ يخلقون للبقاء.
فالآية ذامّة خُلُقاً ذميماً في بعض الناس، يَدْعون في الخیر، فیریدون تعجيل
الإجابة، ثم يحملهم أحياناً سوء الخلق على الدعاء في الشّ، فلو عُجِّل لهم
لهلكوا. ومن حكمة الله تعالى أن آمن بالنبي وسر قومه العرب وآخرون من
الأمم، ومن يكفر يعاقبه الله بالقتل أو يؤخره إلى يوم القيامة، وهذا معنى
قوله: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَّجُونَ﴾.
أَ - لا يعجل الله للناس الشر، فربما يتوب منهم تائب، أو يخرج من
أصلابهم مؤمن. وقد رحم الله تعالى العالم كله بالنبي ◌َّر، فرفع عن الأمم
عذاب الاستئصال؛ لأنه رحمة للعالمين.
ءَّ - الإنسان في جميع حالاته الاضطرارية لا يجد ملجأ أمامه سوى الله
تعالی فیدعوه لکشف ما تعرض له من ضرّ، ولكنه سرعان ما ينسى ربه، ولا
يكون وفياً لفضل الله عليه، فإذا نجا وكشف الله عنه الضر، استمر على كفره
ولم يشكر ولم يتّعظ.
٤ - وكما زيِّن للإنسان الدعاء عند البلاء، والإعراض عند الرخاء، زُيِّن
للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي، وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله
بخذلانه وتخليته، ويجوز أن يكون من الشيطان بوسوسته. وإضلال الشيطان:
دعاؤه إلى الكفر.

١٣٠
لُ (١١) - يُونَ): ١٠ /١٣-١٤
سنة الله في إهلاك الأمم الظالمة
الكافرة واستخلاف خلائف بعدهم
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أُلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوْ وَجَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْتَتِ وَمَا
ثَ ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَلَيْفَ فِى الْأَرْضِ
كَانُوْ لِيُؤْسِنُواْ كَذَالِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
القراءات:
﴿رُسُلُهُم﴾ :
وقرأ أبو عمرو (رُسْلهم).
الإعراب:
﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ ﴿لَمَّا﴾: ظرف لأهلكنا. ﴿ لِيُؤْمِنُواْ﴾ اللام لتأكيد النفي.
﴿وَجَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ﴾ عطف على ﴿ظَلَمُواْ﴾، أو حال من واو
لا
﴿ظَلَمُواْ﴾ بإضمار: قد.
﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ كيف: معمول ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ومنصوب به.
البلاغة:
كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على
كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه.
﴿ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ في النظر استعارة تمثيلية، حيث شبه حال العباد
مع الله، بحال رعية مع حاكمها، في إمهالهم للنظر في أعمالهم، واستعير المشبّه

١٣١
الجُزءُ (١١) - يُوزَِّ: ١٠ / ١٣-١٤
به للمشبه للتقريب والتمثيل، لكن ليس كمثل الله شيء. واستعير لفظ النظر
للعلم الحقيقي الذي لا يتطرق الشك إليه، وشبه هذا العلم بنظر الناظر وعيان
المعاين.
المفردات اللغوية:
﴿ اُلْقُرُونَ﴾ الأمم، جمع قرن: وهم القوم المقترنون في زمان واحد .﴿مِن
قَبْلِكُمْ﴾ يا أهل مكة وأمثالكم. ﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ بالشرك والتكذيب. ﴿بِلَِّّنَتِ
الدلالات الواضحات الدالة على صدقهم. ﴿ كَذَلِكَ﴾ مثل ذلك الجزاء: وهو
إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في
إمهالهم . ﴿نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرين.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿خَلَيِفَ﴾ جمع خليفة وهو من يخلف غيره
في الشيء أي استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر.
﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فيها، أتعملون خيراً أو شراً، فنعاملكم على مقتضى
أعمالكم، وهل تعتبرون بالأمم السابقة، فتصدقوا رسلنا. وننظر: نشاهد
ونری.
المناسبة:
١
بعد أن أبان الله تعالى أنهم كانوا يتعجلون العذاب، وأوضح أنه لا فائدة
في إجابة دعائهم، ثم ذكر أنهم كاذبون في هذا الطلب؛ إذ لو نزل بهم ضر،
تضرعوا إلى الله تعالى في إزالته وكشفه، بيَّن هنا ما يجري مجرى التهديد: وهو
أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال، كما أنزله في الأمم السابقة، ليكون
ذلك رادعاً لهم عن مطلبهم تعجيل العذاب.
التفسير والبيان:
يخاطب الله تعالى أهل مكة ويخبرهم بأنه أهلك كثيراً من الأمم قبلهم بسبب

١٣٢
الُ (١١) - يُوذَرَ): ١٠/ ١٣-١٤
ظلمهم وتكذيبهم الرسل فيما جاؤوهم به من البينات والحجج الواضحات،
كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا
[الكهف: ٥٩/١٨] وهلاك تلك القرى والأمم بالظلم: إما بعذاب
٥٩
الاستئصال لأقوام الرسل الذين كذبوا بهم مثل قوم نوح وعاد وثمود، وإما
بإضعافهم واستيلاء الأمم القوية عليهم بسبب ظلم الأفراد بالفسق والفجور
أو ظلم الحكام.
لقد أهلكناهم لما كذبوا بالبينات الدالة على صدق رسلهم، وما كانوا
ليؤمنوا، أي وما كانوا يؤمنون حقاً، وهو تأكيد لنفي إيمانهم، وأن الله قد علم
منهم أنهم يصرون على الكفر، وأن الإيمان مستبعد منهم. والمعنى: أن السبب
في إهلاكهم تكذيبهم الرسل، وعلم الله أنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن ألزموا
الحجة ببعثة الرسل.
كذلك .. أي مثل ذلك الجزاء أي الإهلاك، نجزي كل مجرم. وهذا وعيد
شديد لأهل مكة على إجرامهم بتكذيب رسول الله وَ له.
ثم خاطب الله الذين بعث إليهم محمد وَله بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ﴾ أي
جعلناكم خلفاء في الأرض بعد تلك القرون التي أهلكنا، لننظر أتعملون خيراً
أم شراً، وننظر طاعتكم لرسولنا واتباعكم له.
وفي هذا بيان بأن أمة الإسلام ستكون لها الخلافة في الأرض إذا لازمت
الطاعة واتبعت هدي القرآن: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥/٢٤] وقد
تمت هذه فملكوا ملك كسرى وقيصر وفرعون وكثير من الأمم. وجاء في
صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري: ((إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله
مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول
فتنة بني إسرائيل كانت من النساء)).

١٣٣
لُعُ (١١) - يونس: ١٣/١٠-١٤
والخلافة منوطة بالأعمال الصالحة، لا بمجرد الوراثة للصفة الإسلامية.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى المبادئ التالية:
اً - إن إهلاك الأمم الظالمة قديماً وحديثاً إنما يكون بسبب الظلم،
والظلم: إما الكفر والشرك، وإما طغيان الأفراد أو الحكام.
اً - هذه الآية تخويف ووعيد لأهل مكة الكفار ولأمثالهم على تكذيبهم
رسول الله وَيه، فالله قادر على إهلاك الأمة التي تكذب محمداً وَط قه، ولكن
حكمته اقتضت إمهالهم لعلمه بأن فيهم من يؤمن، أو يخرج من أصلابهم من
يؤمن. وهكذا حال الأمم الحالية، نرى في كل أمة اتجاهاً إلى إيمان الآلاف
منهم بعقيدة الإسلام ونظامه.
٣ - هذه الآية ترد على أهل الضلال القائلين بخلق الهدى والإيمان.
٤ - الاستخلاف في الأرض منوط بالعمل الصالح، فالله يستخلف قوماً
بعد آخرين لينظر كيف يعملون، خيراً أو شراً، فيعاملهم على حسب عملهم.
وبما أن الله يعلم ما سيكون في المستقبل في كل أنحاء الكون ومن المخلوقات،
فيكون المقصود إقامة الدليل الحسي والمادي المشاهد على الناس من خلال
أعمالهم الواقعية، لذا قال المفسرون كالرازي:
ليس معنى الآية بأن الله تعالى ما كان عالماً بأحوال الخلق قبل وجودهم،
وإنما المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم،
ليجازيهم بحسبه، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢/٦٧].

١٣٤
الجُزُ (١١) - يُونَ: ١٥/١٠-١٧
مطالبة المشركين بقرآن آخر أو بتبديل بعض آياته
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَآَيَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا أَنْتِ
بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآَِّ نَفْسِىٌّ إِنْ
أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىٌَّ إِنِّيَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قُل
لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ, عَلَيَكُمْ وَلَا أَدْرَنَكُمْ بِّهِ، فَقَدْ لَبِنْتُ فِيكُمْ عُمُرًا
مِّن قَبْلَِةٍ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ
كَذَّبَ بِقَايَنَّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
القراءات:
﴿ بِقُرْءَانٍ﴾:
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (بقران).
﴿إِّ أَنْ﴾ .. ﴿إِنِّ أَخَافُ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (ليَ أن ... إني أخاف).
﴿ نَفْسِىِّ إِنْ﴾:
وقرأ نافع، وأبو عمرو (نفسيَ إن).
الإعراب:
﴿بَيِّنَتٍ﴾ حال. ﴿مِن تِلْقَآٍ﴾ مصدر استعمل ظرفاً.
البلاغة:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ استفهام إنكار وتوبيخ.

١٣٥
الُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ١٥-١٧
المفردات اللغوية:
﴿َيَانُنَا﴾ القرآن. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ ظاهرات. ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾
وهم المشركون الذين لا يخافون البعث. ﴿أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيِّرِ هَذَا﴾ ليس فيه
عيبٍ آلهتنا، ولا ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت . ﴿أَوْ
بَدِّلْهُ﴾ بنفسك بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى. ﴿مَا يَكُنُ
◌ِيّ﴾ ما ينبغي وما يصح لي. ﴿إِنْ﴾ ما. ﴿عَصَيْتُ رَبِ﴾ بتبديله. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة. وهذا يعني أنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.
﴿وَلَّ أَدْرَنَكُمْ بِّ﴾ ولا أعلمكم به على لساني، ﴿وَلَا﴾: نافية عطف
على ما قبله والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى، لا بمشيئتي حتى أجعله على نحو
ما تشتهونه. ﴿لَبِثْتُ﴾ مكثت. ﴿فِكُمْ عُمُرًا﴾ أربعين سنة. ﴿مِّن قَبْلِمَةِ﴾
لا أحدثكم بشيء. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليس من قبلي، أي أفلا تستعملون
عقولكم بالتدبر والتفكر فيه، لتعلموا أنه ليس إلا من الله.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي لا أحد. ﴿اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشريك إليه.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِثَايَتِ﴾ القرآن فكفر بها. ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن. ﴿لَا يُفْلِحُ﴾
لا يسعد. ﴿اَلْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى شبهتين للمشركين، وهما التعجب من إنزال الوحي
على بشر وتخصيص محمد بالنبوة، والمطالبة بتعجيل العذاب إن كان ما يقول
محمد حقاً، ثم أثبت لهم الألوهية والتوحيد والقدرة على الوحي والبعث بخلق
العالم وبطبيعة الإنسان وتاريخه وغرائزه، ذكر هنا النوع الثالث من شبهاتهم
في الطعن في نبوة النبي ◌ََّ، وهو التشكك في القرآن، لذا طالبوه بأحد
أمرين: أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن، أو أن يبدل هذا القرآن. روي عن
ابن عباس رضي الله عنهما: أن خمسة من الكفار كانوا يستهزئون بالرسول

١٣٦
الُ (١١) - يُونَ: ١٠/ ١٥-١٧
عليه الصلاة والسلام وبالقرآن: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل
السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن
حنظلة، فقتل الله كل رجل منهم بطريق آخر، كما قال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ
الْمُسْتَهْزِءِنَ ﴿﴾ [الحجر: ٩٥/١٥] فذكر تعالى أنهم كلما تليت عليهم آيات:
﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أَنْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾.
التفسير والبيان:
إذا قرأ الرسول وَي على المشركين كتاب الله وحججه الواضحة، قالوا له:
﴿أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا﴾ أي رُدَّ هذا وجئنا بغيره من نمط آخر، ليس فيه ما
يعيب آلهتنا ولا ما لا نؤمن به من البعث والجزاء على الأعمال، أو بدّله إلى
وضع آخر، بأن تجعل مكان آية الوعيد آية أخرى.
ومقصدهم من هذه المساومة إذا نفَّذ اقتراحهم إبطال دعواه أن القرآن كلام
الله. وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ يعني لا يخافون يوم البعث
والحساب ولا يرجون الثواب، أي أنهم مكذبون بالحشر والنشر.
فأمره الله أن يقول رداً عليهم: ما يصح لي وليس من شأني أن أبدل هذا
القرآن من قبل نفسي، فإني ما أتبع فيه إلا ما يوحى إلي، وهو ما أبلّغكم به،
وما علي إلا البلاغ، فهو كلام الله تعالى، والمتبع لغيره في أمر ليس له التصرف
فیه.
وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل، لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن
آخر.
فقوله: ﴿إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَىّ﴾ تعليل لما يكون، ثم أكد ما سبق
بقوله: ﴿إِنَّ أَخَافُ﴾ أي إني أخشى إن ارتكبت أي مخالفة أو عصيان لما أمر
ربي عذاب يوم عظيم هو عذاب النار يوم القيامة.

١٣٧
الُ (١١) - يُوذَر): ١٠ / ١٥-١٧
وفيه إبماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح.
ثم احتج لهم في مجال صحة ما جاءهم به، وهو جواب عن طلبهم الأول
تغيير القرآن، بقوله: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: لو شاء الله
ألَّ أتلو عليكم هذا القرآن ما تلوته عليكم، فإنما أتلوه بأمره، وجئتكم به
بإذنه، وأفعل ذلك بمشيئته وإرادته. ولو شاء الله ألَّا يُعلمكم به بإرسالي
إليكم، لما أرسلني، ولما أعلمكم الله به ولا أخبركم به، ولكنه شاء أن يرفدكم
بهذا الكتاب المشتمل على الهدى والسعادة: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُم بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى
[الأعراف: ٧/ ٥٢] .
٥٢
عِلْمٍ هُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
والدليل على ما أقول أني لبثت فيكم مقدار عمر أربعين سنة من قبل نزول
القرآن، لا أتلو شيئاً منه ولا أعلمه ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تستعملون
عقولكم بالتدبر والتفكر في أن من عاش أمياً أربعين سنة، لم يقرأ كتاباً، ولا
تعلم من أحد، ولا خطّ بيمينه شيئاً من الكلام، لا يستطيع أن يأتي بمثل هذا
القرآن المعجز لكم ولكل العلماء، فأنتم وغيركم من الإنس والجن لم تستطيعوا
معارضته.
وهذه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة؛ لأنه كلام الله، ولیس کلام
بشر، بدليل أنكم فرسان البلاغة والفصاحة وأساطين البيان، ولم تأتوا بسورة
من مثله؛ لأن فصاحته بذّت فصاحة كل منطيق، وعلا عن كل منثور
ومنظوم، واحتوى على قواعد الأصول والفروع، وأعرب عن قصص
الأولين، وأخبر عن مغيبات المستقبل، وجاء مطابقاً للعلوم الصحيحة
والنظريات العلمية الثابتة: ﴿قُل لَِّنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُواْ بِمِثْلِ
هَذَا أُلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
﴾ [الإسراء: ١٧/
٨٨)
٨٨] .
فلا أحد أظلم من رجلين: أحدهما - من افترى على الله الكذب بنسبة

١٣٨
اِلُ (١١) - يُونِسَ: ١٠ / ١٥-١٧
الشريك أو الولد إليه، أو بتبديل كلامه على النحو الذي اقترحتموه، أو
بالتقول على الله والزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك. والثاني - من كذّب
بآيات الله البينة، فكفر بها، ثم علل تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ﴾ أي
إنه لا يفوز ﴿اُلْمُجْرِمُونَ﴾، أي الكافرون في الآخرة، فالمقصود من قوله:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ نفي الكذب عن نفسه. والمقصود بقوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ
◌ِئَايَتِهِ﴾ إلحاق الوعيد الشديد بهم حيث كذبوا بآيات الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
اً - التسجيل الواضح الفاضح لكلام المشركين المطالبين إما الإتيان بغير
القرآن وإما تبديله، والفرق بينهما أن الإتيان بغيره قد يجوز أن يكون معه
غيره، وأما التبديل فلا يجوز أن يكون معه غيره. وسبب هذا الطلب إما
السخرية والاستهزاء، وإما التجربة والامتحان.
ومضمون الأمرين: إما إسقاط ما في القرآن من عيب آلهتهم وتسفيه
أحلامهم، وإما تحويل الوعد وعيداً، والوعيد وعداً، والحلال حراماً والحرام
حلالاً، وإما إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور. ويصح إرادة كل هذه
الأشياء.
اً - رفض مطالب المشركين، وإعلان كون القرآن كلام الله، وأن مهمة
الرسول 8﴿ مقصورة على تبليغ ما يوحى إليه، واتباع ما يتلوه عليهم من وعد
ووعيد، وتحريم وتحليل، وأمر ونهي.
ءَّ - الموقف الثابت من عدم التبديل والتغيير الشريعة القرآن، والإصرار
على العمل بالقرآن إنما هو بسبب التعرض لعذاب عظيم يوم القيامة.
٤ - المقصود من إنزال القرآن تبليغه إلى جميع الناس، ولا سيما المشركون،
٧

١٣٩
الُ (١١) - يُونَ: ١٠ / ١٨
ولولا أن تكون مشيئة الله ذلك لما أنزله، ولما أمر بتلاوته عليهم، ولما أخبرهم
بمضمونه.
٥ - القرآن كلام الله بدليل إعجازه من حيث النظم والأسلوب والمبنى،
ومن حيث المعاني التي اشتمل عليها، وبدليل كون المبلِّغ له أمّاً لم يقرأ ولم
يكتب ولم يتعلم من أحد، وبدليل التحدي لمعارضته والإتيان بمثله أو بأقصر
سورة من مثله.
٩ - لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراماً ممن افترى على الله الكذب،
وبدَّل كلامه وأضاف شيئاً إليه مما لم ينزله، وكذلك لا أحد أظلم منكم أيها
المشركون والكفار إذا أنكرتم القرآن وافتريتم على الله الكذب، وقلتم: ليس
هذا كلامه.
لاً - لا فوز ولا فلاح للمجرمين الكافرين، والإجرام مصيره الخيبة حتماً.
عبادة الأصنام وادعاء شفاعتها
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنَفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءٍ
شُفَعَؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبِئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضَِّ
سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
١٨
القراءات:
﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف (عما تشركون).
الإعراب:
﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارة إلى ﴿مَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا

١٤٠
لُ (١١) - يُونشر): ١٨/١٠
يَضُرُّهُمْ﴾ حملاً على معنى ﴿مَا﴾ لأنها ههنا في معنى الجمع، وإن كان لفظها
مفرداً، كما أن ﴿مِن﴾ تقع على الجمع، وإن كان لفظها مفرداً.
﴿فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ حال من العائد المحذوف في ﴿يَعْلَمُ﴾ مؤكدة
للنفي، منبهة على أن ما تعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي . ﴿عَمَّا
يُشْرِكُونَ﴾ ما: موصولة أو مصدرية أي عن الشركاء أو عن إشراكهم.
البلاغة:
﴿ أَتُنَُِّّونَ﴾ استفهام تقريع وتهكم بهم.
المفردات اللغوية:
﴿مِن دُونِ الَّهِ﴾ أي غيره ﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن لم يعبدوه ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمُ)
إن عبدوه وهو الأصنام؛ لأنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر، والمعبود ينبغي
أن يكون مثيباً ومعاقباً حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر. ﴿ وَيَقُولُونَ﴾
عنها ﴿هَؤُلَآءٍ﴾ الأوثان ﴿شُفَعَكُنَا﴾ تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا وفي
الآخرة إن يكن بعث، وكأنهم كانوا شاكين فيه . ﴿أَتُنَبِئُونَ﴾ أتخبرون ﴿بِمَا
لَا يَعْلَمُ﴾ وهو أن له شريكاً، إذ لو كان له شريك لعلمه، إذ لا يخفى عليه
شيء ﴿سُبْحَنَهُ﴾ تنزيهاً له ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ عن إشراكهم.
المناسبة:
بعد أن بيّن الله تعالى أن المشركين طلبوا من الرسول وَ ﴿ قرآنا غير هذا
القرآن أو تبديله؛ لأن هذا القرآن مشتمل على شتم الأصنام التي اتخذوها آلهة
لأنفسهم، ندد بعبادتهم تلك الأصنام وجَعْلِها شفعاء، مع أنها جماد لا تضر
ولا تنفع، ولا برهان لهم على ما يدّعون، فكيف يليق بالعقلاء عبادتها من
دون الله؟!