Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
الُ (١٠) - التَّوَّة: ٩/ ٤٢-٤٥
الأزدي قال: اثنتان فعلهما رسول الله وَله لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه
للمنافقين، وأخذ الفداء من الأسارى، فأنزل الله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ
لَهُمْ﴾. وهذا مروي أيضاً عن قتادة.
قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى، فقدَّم الله العفو على الخطاب
الذي هو في صورة العتاب.
وهو عتاب تلطف؛ إذ قال: ﴿عَفَا اُللَّهُ عَنكَ﴾. وكان ◌َّ أذن من غير
وحي نزل فيه.
المناسبة:
بعد أن بالغ الله تعالى في ترغيب المؤمنين في الجهاد في سبيل الله، ووبخ
المتثاقلين عنه بقوله: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ أَنِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّا قَلْتُمْ إِلَى
اُلْأَرْضِ﴾ عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين، وبيَّن أن أقواماً، مع كل ماتقدم من
الوعيد والحث على الجهاد، تخلفوا عن غزوة تبوك، وأما الأكثر فكان يلبي
نداء الجهاد بسرعة ونشاط؛ لأنهم ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة،
وإما النصر.
فهذه الآيات نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهي أول
مانزل في التفرقة بين المنافقين والمؤمنين في القتال، لذا سميت سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾
كما بينت آنفاً ((الفاضحة)) لأنها فضحت أحوال المنافقين، قال ابن عباس: لم
يكن رسول الله وَ﴿ يعرف المنافقين حتى نزلت سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾ أي لم يعرف
شؤونهم مفصلة، فلما رجع من غزوة تبوك أظهر الله نفاق قوم.
التفسير والبيان:
وبخ الله تعالى في هذه الآيات المتخلفين عن غزوة تبوك، الذين استأذنوا
النبي ◌َّ في التخلف، مظهرين أنهم ذوو أعذار، ولم يكونوا كذلك، فقال:
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾.

٥٨٢
لُعُ (١٠) - التَّوَّر: ٩/ ٤٢-٤٥
أي لو كان الأمر الذي دعوتهم إليه غنيمة أو منفعة قريبة المنال، أو سفراً
سهلاً قريباً لا عناء فيه، لاتبعوك أي لجاؤوا معك، وسارعوا إلى الذهاب،
ولكنهم تخلفوا حينما رأوا أن السفر شاق إلى مسافة بعيدة إلى الشام، وأن
القتال لأكبر قوة في العالم وهم الروم حينذاك، فآثروا الجبن والراحة
والسلامة، والتفيؤ في الظلال وقت الحر والقيظ، فدل ذلك على أنهم جماعة
نفعيون ماديون دنيويون، كما قال ◌َ له في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة:
((لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً - أي عظماً عليه لحم - سميناً أو مِرْماتين(١)
حسنتين، لشَهِد العِشاء)) أي لو علم أحدهم أنه يجد شيئاً مادياً حاضراً معجَّلاً
يأخذه، لأتى المسجد من أجله.
ثم أخبر الله تعالى عن شيء سيقع منهم فقال: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أي
سيقسمون بالله اليمين الكاذبة عند رجوعك من غزوة تبوك، كما قال:
(يَعْتَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٤/٩] ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ
[التوبة: ٩٦/٩] قائلين: لواستطعنا لخرجنا معكم، أي لو لم يكن لنا
أعذار لخرجنا معكم.
يهلكون أنفسهم في العذاب باليمين الكاذبة أو بالكذب والنفاق، كما قال
النبي ◌َ ﴿﴿ فيما رواه خيثمة بن سليمان: ((اليمين الغموس تدع الديار بلاقع)).
والله يعلم، إنهم لكاذبون في الاعتذار والاعتلال وحلفهم بالله، وقولهم:
لو استطعنا الخروج لخرجنا معكم، فإنهم لم يكونوا ذوي أعذار، وإنما كانوا
أقوياء الأجسام، وأصحاب يسار. قال قتادة: لقد كانوا يستطيعون الخروج،
ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد.
ثم عاتب الله نبيه وَّجله في إذنه لطائفة ممن تخلف من هؤلاء المنافقين، فقال:
(١) المرماتان: تثنية مرماة: وهي ظلف الشاة، أو مابين ظلفها من اللحم.

٥٨٣
لُ (١٠) - التَوَّةِ): ٩/ ٤٢-٤٥
﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ﴾ أي سامحك الله بإذنك لهم، لم أذنت لهم بالتخلف، وهلا
استأنيت بالإذن وتوقفت عنه حتى تظهر لك الحقيقة، ويتبين لك الفريقان:
الذين صدقوا، والذين كذبوا في إبداء الأعذار، وهلا تركتهم لما استأذنوك
لتعلم الصادق منهم من الكاذب، فإنهم كانوا مصرين على التخلف وإن لم
تأذن لهم فيه. على أن الله كره انبعاثهم، وكان في خروجهم ضرر وخطر على
المسلمين.
قال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذِنُوا رسول الله وَلِّ، فإن
أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
لهذا أخبر الله تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله
ورسوله، فقال: ﴿لَا يَسْتَخْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي لا يستأذنك في
القعود عن الغزو المؤمنون بالله واليوم الآخر في أن يجاهدوا في سبيل الله
بأموالهم وأنفسهم، بل يقدمون على الجهاد من غير استئذان؛ لأنهم يرون أن
الجهاد قربة وسبيل إلى الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ
الصَّدِقون
١١٥﴾ [الحجرات: ٤٩ /١٥] .
فليس من شأن المؤمنين ولا من عادتهم أن يستأذنوك في الجهاد، وكان
أكابر المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي التر في الجهاد، فإن ربنا
ندبنا إليه مرة بعد أخرى، فأي فائدة في الاستئذان؟
والله عليم بالمتقين خبير بمن خافه فاتقاه، باجتناب ما يسخطه، وفعل
ما يرضيه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلّ قال فيما رواه مسلم وابن
ماجه عن أبي هريرة: ((من خير معاش الناس لهم: رجل مُمْسك بعنان فرسه
في سبيل الله، يطير على مَتْنه، كلما سمع ھَيْعة أو فزعاً، طار على متنه، يبتغي

٥٨٤
الُ (١٠) - التَوَّةِ: ٩ / ٤٢-٤٥
القتل والموت في مظانّه .. )) أي خيرأعمال الرجل إعداد فرسه في سبيل الله،
كلما سمع صيحة لقتال أو دعوة لجهاد، أقدم قاصداً الاستشهاد في المواضع
التي يظن فيها ذلك.
وإذا كان أهل الإيمان لا يستأذنون للجهاد عادة، فإن الذي يستأذنك في
التخلف عن الجهاد من غير عذر، إنما هم المنافقون الذين لا يصدّقون بالله
واليوم الآخر، ولا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم، وشكّت
قلوبهم في صحة ما جئتم به، فهم في شکهم أو ریبھم یتحیرون، لیس لهم ثبات
على شيء، فهم قوم حیاری هلکی.
روي أن عدد هؤلاء کان تسعة وثلاثين رجلاً.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايلي:
ا - إن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك، كما قال ◌َّ في الحديث المتقدم عن
خيثمة بن سليمان: ((اليمين الغموس تدع الديار بلاقع)).
أَ - الجهاد يتطلب التضحية والإيمان، للتغلب على أهواء النفس، وميلها
إلى حب المنافع المادية العاجلة، وإيثارها على الباقي الدائم الخالد.
٣ - القرآن معجز لأسباب كثيرة منها إخباره عن المغيبات في المستقبل،
مثل إخباره تعالى هنا أنهم سيحلفون، والأمر لما وقع كما أخبر، كان هذا
إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً.
٤ - كان تقديم العفو على العتاب واللوم بالإذن للمنافقين بالتخلف عن
غزوة تبوك لطفاً عظيماً من الله برسوله، ومبالغة في تعظيمه وتوقيره، وهو
أخف من العتاب على قبوله مفاداة أسرى بدر، الذي صدر بتقرير حازم صارم
في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَن يَكُونَ لَهُ، أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧/٨].

٥٨٥
لُ (١٠) - التَوَتَّةِ: ٩ /٤٢-٤٥
أما ما احتج به بعضهم بهذه الآية على صدور الذنب عن الرسول من
وجهين: الأول - إصدار العفو، والعفو يستدعي سابقة الذنب، والثاني -
الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ فيجاب عن الأول بأنا
لا نسلم أن قوله: ﴿عَفَا ◌َللَّهُ عَنكَ﴾ يوجب الذنب، وإنما ذلك دليل على
مبالغة الله في تعظيم نبيه وتوقيره. ويجاب عن الثاني بأنه بعد حصول العفو عنه
يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، ويحمل قوله: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ على ترك
الأولى والأكمل، ولاسيما هذه الوقعة من قضايا الحرب ومصالح الدنيا التي
يجوز للنبي وَلّ الاجتهاد فيها اتفاقاً، فكان ما حكم به صادراً بمقتضى
الاجتهاد.
٥ - دل قوله: ﴿لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَّنَ﴾ على وجوب الاحتراز عن
العجلة، ووجوب التثبت، والتأني، وترك الاغترار بظواهر الأمور، والمبالغة
في التفحص والتريث.
٦ - قال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون في هذه الآية، ثم رخص له في
سورة النور، فقال: ﴿فَإِذَا اُسْتَخْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِّمَنْ شِئْتَ
مِنْهُمْ﴾ [٦٢].
لاً - لا ينبغي الاستئذان في أداء شيء من الواجبات، وفضائل العادات
مثل إكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، وفعل المعروف، قال تعالى: ﴿لَّ خَيْرَ فِى
كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئِهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ
النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤/٤].
٨ - المنافقون غير مؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر، وعدم إيمانهم إنما
كان بسبب الشك والريب، لا بسبب الجزم والقطع بعدمه، وهذا يدل على أن
الشاك المرتاب غير مؤمن بالله تعالى.
١ - قوله: ﴿أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمٌ﴾ دليل على أن الجهاد نوعان:

٥٨٦
لُ (١٠) - التَّوَتَّة: ٤٢/٩-٤٥
جهاد بالمال وجهاد بالنفس. والجهاد بالمال له وجهان: إنفاق المال في التسليح
والإعداد المادي الذي تتطلبه المعارك عادة، وإنفاق المال على المجاهدين
وأسرهم وإعانتهم بالزاد والعتاد. والجهاد بالنفس أنواع منها: مباشرة القتال
بالفعل وهو الأفضل، ومنها التحريض على القتال والأمر به، ومنها الإخبار
بعورات العدو ومواطن الضعف لديه، والإرشاد إلى مكايد الحرب، وتنبيه
المسلمين إلى الأولى والأصلح في أمر الحروب، كما قال الحباب بن المنذر حين
نزل النبي ◌ُّ ببدر، فقال: يارسول الله، أهذا رأي رأيتَه أم وحي؟ فقال: بل
رأي رأيته، قال: فإني أرى أن تنزل على الماء وتجعله خلف ظهرك، وتغوِّر
الآبار التي في ناحية العدو، ففعل النبي ◌َّر ذلك. ومنها بيان ما افترض الله
من الجهاد وذكر الثواب الجزيل لمن قام به والعقاب لمن قعد عنه.
وأي الجهادين أفضل، أجهاد النفس والمال، أم جهاد العلم؟ الحقيقة أن
جهاد العلم أصل، وجهاد النفس فرع، والأصل أولى بالتفضيل من الفرع.
فإذا كان النفير عاماً: تعين فرض الجهاد على كل أحد، فيكون الاشتغال
في هذه الحال بالجهاد أفضل من تعلم العلم؛ لأن ضرر العدو إذا وقع
بالمسلمين لم يمكن تلافيه، وتعلم العلم ممكن في سائر الأحوال، ولأن تعلم
العلم فرض على الكفاية، لا على كل أحد في خاصة نفسه.
وأما إذا لم يكن النفير عاماً: ففرض الجهاد على الكفاية، مثل تعلم العلم،
إلا أن الاشتغال بالعلم في هذه الحال أولى وأفضل من الجهاد، لعلو مرتبة
العلم على مرتبة الجهاد؛ لأن ثبات الجهاد بثبات العلم، ولأن الجهاد فرع عن
العلم ومبني عليه(١).
ويجوز الجهاد وإن كان أمير الجيش فاسقاً، وجنوده فساقاً، وقد كان
(١) أحكام القرآن للجصاص: ١١٩/٣

٥٨٧
الْجُزْءُ (١٠) - التَوَّةِ: ٤٦/٩-٤٨
أصحاب النبي والله يغزون بعد الخلفاء الأربعة مع الأمراء الفساق، وقد غزا
أبو أيوب الأنصاري مع يزيد بن أبي سفيان. وإذا جاهد الفساق فهم مطيعون
في ذلك. ثم إن الجهاد نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو رأينا.
فاسقاً يأمر بمعروف وينهى عن منكر، كان علينا معاونته على ذلك، فكذلك
الجهاد(١).
الدليل على تخلف المنافقين
بغير عذر وخطر خروجهم للقتال
﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ أَنْعَانَهُمْ
فَتَبَّطَهُمْ وَقِيْلَ أَقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَعِدِينَ ﴿﴿ لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلََّ
خَبَالًا وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالَِّمِينَ ﴿ لَقَدِ أَبْتَغَوْ اُلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَآءَ
٤٨
اُلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ
القراءات:
﴿ وَقِيلَ﴾ :
بإشمام كسرة القاف الضم قرأ الكسائي.
وقرأ الباقون بالكسرة الخالصة.
الإعراب:
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من الواو في
﴿ وَلَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾. و﴿ اَلْفِتْنَةَ﴾ : مفعول به ثانٍ.
(١) المرجع السابق.

٥٨٨
لُ (١٠) - التَوَتَيْ): ٤٦/٩-٤٨
البلاغة:
◌ْلَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةً﴾ و﴿ اقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَعِدِينَ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿ وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾ الأصل: ولأوضعوا ركائبهم بينكم بالنميمة،
والتضرية أو الهزيمة، أو لسعوا بينكم بالنمائم وإفساد ذات البين، يقال: وضع
البعير وضعاً: إذا أسرع، وأوضعته أنا. فيه استعارة تبعية حيث شبه سرعة
إفسادهم ذات البين بالنميمة بسرعة سير الراكب، ثم استعير لها الإيضاع وهو
للإبل.
المفردات اللغوية:
﴿وَلَوْ أَرَادُواْ اُلْخُرُوجَ﴾ معك ﴿لَأَعَدُواْ لَهُمْ عُدَّةً﴾ أهبة من السلاح
والزاد، فالعدة: هي ما يعده الإنسان ويهيئه لما يفعله في المستقبل، وهو نظير
الأهبة ﴿وَلَكِن كَرِهَ اَللَّهُ أُنْبِعَائَهُمْ﴾ استدراك عن مفهوم قوله: ﴿وَلَوْ
أَرَادُواْ الْخُرُوجَ﴾ كأنه قال: ما خرجوا، ولكن تثبطوا، لأنه تعالى كره
انبعاثهم، أي نهوضهم للخروج ﴿فَتَبَّطَهُمْ﴾ فحبسهم وعوقهم بالجبن
والكسل ﴿ وَقِيلَ أُقْعُدُواْ مَعَ اُلْقَعِدِينَ﴾ تمثيل لإلقاء الله كراهة الخروج في
قلوبهم، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود، أو حكاية قول بعضهم لبعض،
أو إذن الرسول لهم، والقاعدين يحتمل المعذورين وغيرهم، وعلى الوجهين لا
يخلو عن ذم ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ﴾ بخروجهم شيئاً ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾
فساداً وشراً ونميمة وزرع الاختلاف، وأصل الخبال: مرض في العقل
كالجنون، ينشأ عنه اضطراب في الرأي وفساد في العمل. وهذا ليس من
الاستثناء المنقطع في شيء، كما يقولون؛ لأن الاستثناء المنقطع: هو أن يكون
المستثنى من غير جنس المستثنى منه، كقولك: ما زادوكم خيراً إلا خبالاً،
والمستثنى منه في هذا الكلام غير مذكور، وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم
العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً؛ لأن الخبال بعض أعم العام،
كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً.

٥٨٩
الُ (١٠) - التَّوَتَّةً): ٤٦/٩-٤٨
﴿ وَلَأَوْضَعُوْ خِلَلَكُمْ﴾ أسرعوا بالمشي بينكم بالنميمة ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾
يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم،
و﴿اَلْفِتْنَةَ﴾: التشكيك في الدين والتخويف من الأعداء. وخلال الأشياء: ما
يفصل بينها من الفرجة ونحوها.
﴿وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ﴾ أي فيكم قوم ضعاف يسمعون قول المنافقين
ويطيعونهم، أو فيكم نمامون يسمعون حديثكم وينقلونه إليهم ﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ
اٌلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ أي لقد طلبوا وأرادوا لك تشتيت أمرك وتفريق أصحابك
من قبل، أول ما قدمت المدينة، يعني يوم أحد، فإن عبد الله بن أبي وأصحابه
المنافقين، كما تخلفوا عن تبوك، بعدما خرجوا مع الرسول وَل* إلى ذي جدّة
أسفل من ثنية الوداع(١)، انصرفوا يوم أحد ﴿وَقَلَُّواْ لَكَ الْأُمُورَ﴾ أجالوا
الفكر في تدبير المكايد والحيل لك، ونظروا في إبطال دينك وأمرك ﴿حَتَّى
جَآءَ الْحَقُّ﴾ النصر والتأييد الإلهي ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ علا دينه وغلب
شرعه ﴿وَهُمْ كَرِهُونَ﴾ أي على رغم منهم.
المناسبة:
بعدما ذكر الله تعالى أن استئذان المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك كان
بغير عذر، وأنهم أرادوا التخلف ثم استأذنوا ستراً لنفاقهم، أقام الدليل هنا
على ذلك وهو تركهم الاستعداد للمشاركة في هذه الغزوة، وأوضح أن
خروجهم مع الرسول وسلو ماكان مصلحة، وإنما يؤدي إلى مفاسد ثلاثة: هي
الإفساد والشر، وتفريق كلمة المؤمنين بالنميمة، والتسبب في سماع بعض
ضعفاء الإيمان كلامهم وقبول قولهم.
فكانت الآية الأولى فضحاً لاعتذارهم ونفاقهم، والآيتان الأخريان لتسلية
(١) الثنية: الطريق في الجبل كالنقب، والوداع: واد بمكة، وثنية الوداع منسوبة إليه.

٥٩٠
لُزُ (١٠) - التَوَثِيرًا: ٤٦/٩-٤٨
الرسول وثيقة والمؤمنين على تخلفهم، وبيان ما ثبطهم الله لأجله، وكره انبعاثهم
له، وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم، وإزاحة اعتذارهم، تداركاً لأسباب
عتاب الرسول عليه الصلاة والسلام على الإذن.
والخلاصة: تستمر الآيات في توضيح قبائح المنافقين، وبيان أخطارهم،
وتحذير المؤمنين من مكائدهم.
التفسير والبيان:
ولو قصدوا الخروج معك إلى القتال لاستعدوا وتأهبوا له بإعداد السلاح
والزاد والراحلة ونحوها، وقد كانوا مستطیعین ذلك، ولکن کره الله انبعاثهم،
أي أبغض الله خروجهم مع المؤمنين، لما فيه من أضرار، فتبطهم أي أخرهم
بما أحدث في قلوبهم من المخاوف، وفي نفوسهم من الكسل والفتور، وقيل
لهم من الرسول وَ﴾: اقعدوا مع القاعدين من النساء والأطفال والمرضى
والعَجَزة الذين شأنهم القعود في البيوت، كما قال تعالى: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ
مَعَ اُلْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧/٩] وهم القاعدون والخالفون.
ثم ألقى الله الطمأنينة في نفوس المؤمنين، وبيّن أن عدم خروجهم مصلحة
للجيش، إذ لو خرج هؤلاء المنافقون ما زادوكم شيئاً من القوة والمنعة، بل
زادوكم اضطراباً في الرأي وفساداً في العمل والنظام، ولأسرعوا بالسعي
بينكم بالنميمة والبغضاء، وتفريق الكلمة، وبذر بذور التفرقة والاختلاف،
وإشاعة الخوف والأراجيف من الأعداء، وتثبيط الهمة.
علماً بأن فيكم قوماً ضعاف العقل والإيمان والعزيمة يسمعون كلامهم،
ويصدقونهم في قولهم، ويطيعونهم، فتفتر عزائمهم عن القيام بأمر الجهاد، وإن
كانوا لا يعلمون حالهم، فيؤدي إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.
والله عليم علم إحاطة بأحوال الظالمين الظاهرة والباطنة، فهو يعلم ماكان
ومايكون ومالم يكن، ومجازيهم على أعمالهم كلها.

٥٩١
لُزُ (١٠) - التَّوَتَّ: ٤٦/٩-٤٨
وفي هذا دلالة واضحة على أن خروجهم شر لا خير فيه، وضعف لا قوة.
ثم ذكّر الله تعالى بموقفهم المتخاذل في الماضي، وحرَّض نبيه وَ ◌ّه على مهادنة
المنافقين، فقال تعالى ذاكراً نوعاً آخر من مكر المنافقين وخبث باطنهم: ﴿لَقَدٍ
أَبْتَغَوْ اُلْفِتْنَةَ﴾ أي لقد أرادوا إيقاع الفتنة بين المسلمين من قبل ذلك، في
غزوة أحد، حين اعتزلهم عبد الله بن أُبَيْ زعيم المنافقين بثلث الجيش، في
موضع يسمى الشوط بين المدينة وأحد، ثم قال للناس: أطاع النبي الولدان
ومن لا رأي له، فعلامَ نقتل أنفسنا؟ وكاد يتبعه بنو سلمة وبنو حارثة، ولكن
﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ
عصمهم الله من الهوان:
وَلِيُّهُمَا﴾ [آل عمران: ١٢٢/٣] فكان خروجهم مع المؤمنين خطراً عليهم، وشراً
محققاً بهم.
وأرادوا أيضاً تدبير الحيل والمكايد للنبي، وفكروا في إبطال أمره، حتى
جاء النصر والتأييد، وظهر أمر الله، أي وغلب دينه وعلا شرعه، بالتنكيل
باليهود، وإبطال الشرك بفتح مكة، وانتشار الإسلام، وهم كارهون لذلك.
قال ابن كثير: لما قدم النبي ◌ّ المدينة، رمته العرب عن قوس واحدة،
وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر، وأعلى كلمته، قال
عبد الله بن أبي وأصحابه: هذا أمر قد توجه (أي أقبل). فدخلوا في الإسلام
ظاهراً، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله، غاظهم ذلك وساءهم، ولهذا قال
تعالى: ﴿حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَرِهُونَ﴾(١).
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على مايلي:
(١) تفسير ابن كثير: ٣٦١/٢

٥٩٢
الُرُ (١٠) - التَّوَتَّةِ: ٤٦/٩-٤٨
اً - ترك المنافقين الاستعداد للمعركة دليل واضح على أنهم أرادوا
التخلف، سواء أذن لهم النبي ◌َّلير أم لم يأذن، مع أنهم كانوا موسرين قادرين
على تحصيل الأهبة والعدة.
اً - إن لوم هؤلاء على ترك الإعداد للقتال يدل على وجوب الاستعداد
للجهاد قبل وقت وقوعه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم ◌ِّن
قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠/٨].
◌َّ - لم تكن مشاركة المنافقين وخروجهم للقتال مع المؤمنين في غزوة تبوك
وغيرها خيراً ومصلحة، وإنما كانت شراً ومفسدة، وقد شرح تعالى المفاسد
وحصرها في ثلاث:
إفساد النظام والعمل، وتفريق كلمة المسلمين بالنميمة، واستدراج فئة من
ضعاف الإيمان والعقل والحزم إلى صفوفهم وسماع كلامهم.
ثم تأكد ذلك بآيات أخرى، منها: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ
فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣/٩] ومنها: ﴿سَيَقُولُ
اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا أَنَطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾ - إلى قوله - ﴿قُل لَّنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح:
١٥/٤٨] .
٤ - كراهية انبعاثهم: معناها إرادة الله عدم ذلك الشيء(١)، أي عدم
خروجهم؛ لأن خروجهم يؤدي إلى الفساد وتخذيل المسلمين وتخويفهم من
العدو وإثارة الخلافات والمنازعات، والخروج على هذا النحو معصية وكفر،
فكرهه الله تعالى وثبطهم عنه، إذ كان معصية، والله لا يحب الفساد(٢).
٥ - المقصود من قوله: ﴿أَقْعُدُواْ مَعَ اٌلْقَعِدِينَ﴾ التنبيه على ذمهم
(١) تفسير الرازي: ٧٩/١٦
(٢) أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ١٢٠

٥٩٣
الُرُ (١٠) - التَوَّةِ: ٤٩/٩-٥٢
وإلحاقهم بالنساء والصبيان والعاجزين الذين شأنهم القعود في البيت، وهم
القاعدون والقواعد، والخالفون والخوالف.
أَ - لن تفلح مكائد البشر من منافقين ويهود ومشركين وغيرهم، ولن تقف
أي قوة في الدنيا أمام إرادة الله القاهرة إعلاء دينه، وغلبة شرعه، ونصرة نبيه
انتحال المنافقين أعذاراً أخرى للتخلف
عن غزوة تبوك وفرحهم عند السيئة
التي تصيب المؤمنين وترحهم عند الحسنة
﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ اثْذَن ◌ِّىِ وَلَا نَفْتِنِّيَّ أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَـ
جَ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ
مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْ قَهُمْ فَرِحُونَ [®َ قُل
لَّنْ يُصِيبَنَّا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَا هُوَ مَوْلَئِنَّأْ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
قُلْ هَلْ تَرَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنَ
يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيَدِينَا فَتَرَبَّصُوْ إِنَّا مَعَكُمْ
٥٣
مُتَرَبِّصُونَ
القراءات:
يَقُولُ أَثْذَنِ﴾ :
قرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً، بإبدال الهمزة التي بعد همزة الوصل
واواً مدِّيَّة وصلاً (يقولُوذن).
وقرأ الباقون بالهمزة الساكنة بعد همزة الوصل الساقطة وصلاً.

٥٩٤
لُزُحُ (١٠) - التَّوَثيًا: ٩/ ٤٩-٥٢
الإعراب:
للتنبيه وافتتاح الكلام.
﴿أَلَا﴾
البلاغة:
﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ فيها المقابلة
بین أمرین.
﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ اللام هنا مفيدة معنى الاختصاص، كأنه
قيل: لن يصيبنا إلا ما اختصنا الله بإثباته وإيجابه من النصرة عليكم أو
الشهادة.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ تقديم الجار والمجرور على الفعل الإفادة القصر،
وإظهار لفظ الجلالة
مكان الإضمار لتربية المهابة والخوف منه تعالى.
﴿هَلْ تَرَنَّصُونَ بِنَآ﴾ اللفظ استفهام، والمعنى توبيخ.
﴿فَتَرَبَّصُوْ﴾ أمر يراد به التهديد والوعيد.
المفردات اللغوية:
﴿أَثْذَنْ لِ﴾ في التخلف والقعود ﴿ وَلَا نَفْتِنِّيَّ﴾ ولا توقعني في الفتنة وهي
ج
الإثم بألّا تأذن لي، فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. وقيل: ولا تلقني في
الهلكة، فإني إذا خرجت معك، هلك مالي وعيالي . ﴿أَلَا فِ اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾
أي إن الفتنة هي التي وقعوا فيها وهي فتنة التخلف ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾
يعني أنها تحيط بهم يوم القيامة، أو هي محيطة بهم؛ لأن أسباب الإحاطة
معهم، فكأنهم في وسطها، والمعنى: لا محيص ولا مهرب لهم عنها.

٥٩٥
لُ (١٠) - التَّوَتَّةِ: ٩ /٤٩-٥٢
﴿إِن تُصِبُكَ حَسَنَةٌ﴾ أي إن تصبك في بعض الغزوات حسنة كنصر
وغنيمة ﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ نكبة وشدة ﴿يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن
قَبْلُ﴾ أي لقد احتطنا بالحزم حين تخلفنا من قبل هذه المصيبة ﴿فَرِحُونَ﴾
بما أصابك ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ إصابته ﴿هُوَ مَوْلَننَا﴾ ناصرنا ومتولي
أمورنا ﴿هَلْ تَرَّصُونَ بِنَآ﴾ أي تنتظرون أن يقع، والأصل: تتربصون،
فحذفت إحدى التاءين. ﴿إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ إلا إحدى العاقبتين:
النصر أو الشهادة، وهي تثنية حسنة تأنيث أحسن ﴿نَتَرَبَّصُ﴾ ننتظر
﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ بقارعة من السماء ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بأن يؤذن لنا في
القتال ﴿مُّتَرَبِّصُونَ﴾ عاقبتكم.
سبب النزول:
نزول الآية (٤٩):
﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ﴾: أخرج الطبراني وأبو نعيم وابن مردويه
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أراد النبي وَلّ أن يخرج إلى غزوة تبوك
قال للجدّ بن قيس: يا جَدّ بن قيس، ((ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال:
يارسول الله، إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن،
فأذن لي، ولا تفتني، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَثْذَنْ لِى وَلَا نَفْتِنِّ﴾
أي لا تفتني بصباحة وجوههن.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله مثله، وعبارته
قال: سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول لجد بن قيس: ((ياجدُّ، هل لك في جِلاد بني
الأصفر؟ قال جَدُّ، وكان من شيوخ المنافقين: أتأذن لي يارسول الله، فإني
رجل أحبّ النساء، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن، فقال
رسول الله وَلقر، وهو معرِض عنه: قد أذنت لك))، فنزلت الآية.

٥٩٦
الجزءُ (١٠) - التَوتي: ٤٩/٩-٥٢
ولما نزلت قال النبي ◌َّهَ لبني سلمة - وكان الجد بن قيس منهم - ((من
سيدكم يابني سلمة؟)) قالوا: جدّ بن قيس، غير أنه بخيل جبان. فقال النبي
وَ ل: ((وأي داء أدوى(١) من البخل؟ بل سيدكم الفتى الأبيض بشر بن البراء
ابن مَعْرور)».
نزول الآية (٥٠):
﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله رضي
الله عنه قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة، يخبرون عن النبي وَلّ أخبار
السوء، يقولون: إن محمداً وأصحابه قد جَهِدُوا في سفرهم وهلكوا، فبلغهم
تكذيب حديثهم، وعافية النبي ◌َّله وأصحابه، فساءهم ذلك، فأنزل: ﴿إِن
تُصِبْكَ حَسَنَةُ تَسُؤْهُمْ﴾ الآية.
المناسبة:
الآيات السابقة واللاحقة في تعداد قبائح المنافقين، وبيان نوع آخر من
كيدهم ومن خبث بواطنهم، وشماتتهم بالمؤمنين إذا أصيبوا بمصيبة، وترحهم
إذا تعرضوا لحسنة.
التفسير والبيان:
ومن المنافقين من يقول لك: يا محمد ائذن لي في القعود والتخلف عن
القتال، ولا توقعني في الإثم والهلاك بالخروج معك، حتى لا أفتتن بنساء
الروم، منتحلين الأعذار الواهية، مظهرين التمسك بالفضيلة، فيرد الله عليهم
مكذباً دعواهم، كاشفاً حقيقتهم فقال: ﴿أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ أي إنهم
(١) أي: أيُّ عيب أقبح منه؟ قال ابن الأثير: والصواب: أدوأ بالهمز، ولكن هكذا يروى، إلا
أن يجعل من باب دوی: إذا هلك بمرض باطن.

٥٩٧
الجُزءُ (١٠) - التوقيت: ٤٩/٩-٥٢
بهذه المقالة وقعوا فعلاً في الفتنة، حين انتحلوا الأعذار الكاذبة، وقعدوا عن
الجهاد، فقوله: ﴿أَا فِى اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ أي في الإثم والمعصية وقعوا.
وإن نار جهنم المحيطة بهم، لا يجدون عنها محيداً ولا محيصاً ولا مهرباً. وهذا
وعيد شديد لهم بأنهم أهل جهنم؛ لكثرة خطاياهم، كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَن
كَسَبَ سَيِئَةً وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيْنَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ (6َ﴾ [البقرة: ٨١/٢].
ثم ذكر الله تعالى نوعاً آخر من كيد المنافقين وخبث باطنهم، معلماً نبيه وليه
بعداوتهم، فقال: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ أي إن عرضت لك في بعض
الغزوات حسنة، أي فتح ونصر وغنيمة، كيوم بدر، ساءهم ذلك؛ وإن
أصابتك مصيبة، أي نكبة وشر وشدة كانهزام وتراجع في معركة، كما حدث
يوم أحد، قالوا: قد اتخذنا ما يلزم من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم،
واحترزنا من متابعته من قبل هذا الذي وقع، إذ تخلفنا عن القتال، ولم نتعرض
للهلاك؛ لأنا متوقعون هذه الهزيمة، وانصرفوا إلى أهاليهم عن موضع التحدث
والمفاخرة بآرائهم هذه، وهم مسرورون للنتيجة.
والحسنة: ما يسرّ النفس حصوله، والسيئة: مايسوء النفس وقوعه.
فأرشد الله تعالى رسوله إلى إجابتهم عن هذا الموقف الشامت فقال: قل
لهم: لن يصيبنا أبداً إلا ماكُتب وخُطّ لنا في اللوح المحفوظ، فنحن تحت مشيئته
وقدره، هو مولانا، أي ناصرنا ومتولي أمورنا ونتولاه، كما قال تعالى:
﴾ [محمد: ١١/٤٧]
﴿َلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ
فكل ماكتب لنا هو الخير والصلاح.
وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون، أي ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا
ونعم الوكيل، وحق المؤمنين ألا يتوكلوا على غير الله، فليفعلوا ماهو حقهم،
ومن حقهم اتخاذ ما يجب من أسباب النصر المادية والمعنوية، كإعداد العدة

٥٩٨
لُرُ (١٠) - التَوَتَّة: ٤٩/٩-٥٢
اللازمة، وتوفي كل المنازعات التي تؤدي الى الفشل وتفرق الكلمة. والتوكل :
تفويض الأمر إلى الله، بعد اتخاذ الأسباب المطلوبة عادة.
ثم أرشد الله تعالى إلى جواب ثانٍ عن فرح المنافقين بمصائب المؤمنين،
فقال: ﴿قُلْ هَلْ تَرَنَّصُونَ﴾ أي قل لهم يا محمد: هل تنتظرون بنا إلا إحدى
العاقبتين الحسنتين: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والثواب العظيم، فإن
عشنا عشنا أعزة كراماً مؤمنين، وإن متنا متنا شهداء مأجورين.
أما نحن فننتظر بكم إحدى السوأتين من العواقب: إما أن يصيبكم الله
بعذاب من عنده، وهو قارعة من السماء، كما نزلت على عاد وثمود، أو
بعذاب بأيدينا وهي السبي أو القتل على الكفر أو الإذن لنا في قتالكم،
فانتظروا بنا ما ذكرنا من عواقبنا، إنا معكم منتظرون ما هو عاقبتكم، فلا بد
أن يلقى كلنا ما يتربصه، لا يتجاوزه، فنحن على بيِّنة من ربِّنا، ولا بينة لكم،
لا تشاهدون إلا ما يسرُّنا، ولا نشاهد إلا ما يسوؤكم، وانتظروا أنتم مواعد
الشيطان، إنا منتظرون مواعد الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١ - إن الأعذار الكاذبة لا تخفى على الله المطّلع على الغيوب وأسرار
النفوس وخفايا ما في الصدور، فلا يغترن أحد بذكائه وفطنته في تعمية
الحقائق، فإن الله كاشف كل شيء، ولكن المنافقين قوم أغرار جاهلون لا
يعلمون هذه الحقيقة.
٢ - المنافقون الذين تخلفوا عن رسول الله وَله في الخروج معه إلى غزوة
تبوك هم الواقعون في الإثم والمعصية، قال أهل المعاني في قوله: ﴿أَلَا فِى
اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾: فيه تنبيه على أن من عصى الله لغرض ما، فإنه تعالى يبطل

٥٩٩
الجُزءُ (١٠) - التوقيت: ٤٩/٩-٥٢
عليه ذلك الغرض، ألا ترى أن القوم إنما اختاروا القعود لئلا يقعوا في الفتنة،
فالله تعالى بيَّن أنهم في عين الفتنة واقعون ساقطون.
٣ - المنافقون حصب جهنم وهم لها واردون، وهي تحيط بهم إحاطة
شاملة، لا يفلت من حرها أحد منهم يوم القيامة. وقد عبَّر قوله تعالى عن
ذلك ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ وأفاد التعبير أنهم كانوا في أشد
الخوف على أنفسهم وأموالهم وأولادهم بسبب تزايد دولة الإسلام واستعلائها
وامتدادها والخوف الشديد مع الجهل الشديد أعظم العقوبات الروحانية، كما
قال الرازي(١).
٤ - هناك نوع آخر من كيد المنافقين وخبث بواطنهم، وهو إساءتهم إن
أصاب المؤمنين في بعض المعارك حسنة كظفر أو غنيمة، وفرحهم إن أصاب
المؤمنين سيئة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه، ثم قولهم: قد أخذنا أمرنا الذي
نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل وقوع ما
وقع، ثم توليهم عن مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون.
٥ - كان الرد الحاسم الأول على كل تلك المكائد: أنه لن يصيب الإنسان
خير ولا شر، ولا خوف ولا رجاء، ولا شدة ولا رخاء، إلا وهو مقدر عليه
مكتوب عند الله، معلوم الله، مقضي به عند الله تعالى.
وهذا دليل في رأي أهل السنة على أن قضاء الله شامل لكل المحدثات، وإن
تغير الشيء، عما قضى الله به محال.
ويؤكد مضمون الآية قوله وهلهى: ((من علم سر الله في القدر، هانت عليه
المصائب)).
(١) تفسير الرازي: ١٦/ ٨٤.

٦٠٠
الجزء (١٠) - التوقيت: ٩/ ٥٣-٥٥
٦ - التوكل على الله بمعنى تفويض الأمر إليه بعد اتخاذ الأسباب من
أصول الإيمان.
٧ - الجواب الثاني الحاسم عن فرح المؤمنين بمصائب المؤمنين: أن
المؤمنين ينتظرون إحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة، وأما المنافقون
فينتظرون إحدى السوأتين: العذاب الإلهي بالإهلاك الشامل في الدنيا كما
عذبت الأمم الخالية، كعاد وثمود، أو العذاب على أيدي المؤمنين بالقتل أو
غيره.
إحباط ثواب المنافقين على نفقاتهم وصلواتهم
وتعذيبهم في الدنيا والآخرة
﴿قُلْ أَنِفِقُوْ طَوْعًا أَوْ كَرْهَا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ ككُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ
وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَدْتُهُمْ إِلَّ أَنَهُمْ كَفَرُواْ بِأَلَّهِ وَبِرَسُولِهِ.
وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ
فَلاَ
٥٤
تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
٥٥
وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
القراءات:
﴿ كَرْهًا﴾:
وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (كُرْهاً).
﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾:
وقرأ حمزة والكسائي (أن يُقْبل).
الإعراب:
﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ نصب على الحال، أي طائعين أو مكرهين.