Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠١
الُرُ (١٠) - التوثي: ٩/ ٢٣-٢٤
من الضلالة إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ولأنه القدوة الحسنة والمثل
الأعلى للمؤمنين في تطبيق الشريعة والأخلاق.
وقد ثبت في الصحيح عنه وَالر أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم
حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)).
وروى أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام، قال: كنا مع رسول الله
وَلّر، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي
من كل شيء إلا من نفسي، فقال رسول الله وَلقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون
أحب إليه من نفسه)) فقال عمر: فأنت الآن والله أحبّ إلي من نفسي، فقال
رسول الله: ((الآن يا عمر)).
وأما الجهاد، وإن كان مكروهاً لدى بعض الناس: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦/٢] فإنه السبيل للحفاظ على كرامة الأمة
ومنعة البلاد واستقلالها ومصالح الأفراد، وسبب للذود عن الحرمات
والأموال والأعراض، وطريق لدفع العدوان وقمع الأطماع، وأساس لتوفير
عزة الأمة ومجدها، وبدونه تكون المصالح العامة والخاصة مهددة بالزوال. لذا
فرضه تعالى للضرورة من أجل الحفاظ على هذه المقاصد، ولمنع الفتنة في
الدين، وحماية المستضعفين، والتمكين لحرية انتشار الإسلام بالطرق السلمية،
وكانت محبته أمراً مطلوباً لحياة المسلمين، لذا قال النبي ◌َّ - فيما أخرجه
الترمذي عن معاذ بن جبل -: ((رأسُ الأمر الإسلامُ، وعمودُه الصلاة،
وذِرْوة سنامه الجهاد)) وقال فيما يرويه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه
عن أنس: ((لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)).
ثم ختم الله تعالى الآية بوعيد المخالفين وتهديد المعرضين بعقوبة عاجلة أو
آجلة، فقال: ﴿فَتَرَبَّصُواْ﴾ أي فانتظروا العقاب الآتي عاجلاً أو آجلاً. قال
الزمخشري: وهذه آية شديدة، لا ترى أشد منها، كأنها تنعى على الناس ماهم
٥٠٢
الجزء (١٠) - التوقيت: ٢٣/٩-٢٤
عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين(١). وقال البيضاوي: وفي
الآية تشدید عظیم وقل من يتخلص منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ أي لا يرشد العصاة
الخارجين عن حدود الدين ومقتضى العقل والحكمة أو من طاعة الله إلى
معصيته.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ
يُؤَآَذُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ
أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهٌ
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [المجادلة: ٢٢/٥٨].
فقه الحياة أو الأحكام:
ظاهر آية: ﴿لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَكُمْ﴾ أنها خطاب لجميع المؤمنين، وهي باقية
الحكم إلى يوم القيامة في قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين.
وخص الله سبحانه الآباء والإخوة؛ إذ لا قرابة أقرب منها، فنفى الموالاة
بينهم كما نفاها بين الناس بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ
وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةَ﴾ [المائدة: ٥١/٥] ليبين أن القرب قرب الأديان، لا قرب
الأبدان.
ولم يذكر الأبناء في هذه الآية؛ إذ الأغلب من البشر أن الأبناء هم التَّبَع
للآباء.
والإحسان وهبة الأشياء مستثناة من الولاية، بدليل ما أخرجه البخاري:
قالت أسماء: يا رسول الله، إن أمي قدِمت علي راغبةً، وهي مشركة،
أفأصلها؟ قال: ((صِلي أُمَّكِ)).
(١) الكشاف: ٣٣/٢
٥٠٣
لُعُ (١٠) - التَوقي): ٢٣/٩-٢٤
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَِّمُونَ﴾ تفسير لقوله: ﴿وَمَنْ
يَتَلَُّ مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ إما بالمآل وسوء العاقبة، وإما بالأحكام في الدنيا
العاجلة، وذلك ظلم، أي وضع الشيء في غير موضعه.
وفي آية: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ دليل على وجوب حبّ الله ورسوله، ولا
خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدَّم على كل محبوب.
ومعنى محبة الله تعالى ومحبة رسوله كما قال الأزهري: طاعته لهما واتباعه
أمرهما، قال الله تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل
عمران: ٣١/٣](١).
ورد عن النبي ◌َّ: ((لا يطعم أحدكم طعم الإيمان حتى يحب في الله،
ويبغض في الله، حتى يحب في الله أبعد الناس، ويبغض في الله أقرب الناس
إليه)».
وهذه الآية دليل على فضل الجهاد، وإيثاره على راحة النفس وعلائقها
بالأهل والمال. وقال المفسرون: هذه الآية في بيان حال من ترك الهجرة، وآثر
البقاء مع الأهل والمال.
(١) تفسير القرطبي: ٦٠/٤
٥٠٤
الْجُرُ (١٠) - التوثي: ٢٥/٩-٢٧
نصر المؤمنين في مواطن كثيرة
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
فَمَّ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُم
مُدْبِينَ ﴿ ثُمَّ أَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَزَلَ جُنُودًا لََّّ
تَرَوْهَا وَعَذَّبَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ
ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الإعراب:
﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ امتناعه من الصرف؛ لأنه جمع وعلى صيغة لم يأت عليها
واحد. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ظرف منصوب بالعطف على موضع ﴿فِى مَوَاطِنَ
كَثِيرَةٍ﴾ وتقديره: ونصركم يوم حنين. وعطف الزمان وهو ﴿وَيَوْمَ﴾ على
المكان وهو ﴿مَوَاطِنَ﴾؛ لأن معناه وموطن يوم حنين، أو في أيام مواطن كثيرة
ويوم حنين. ويجوز أن يراد بالموطن: الوقت كمقتل الحسين، على أن الواجب
أن يكون ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ﴾ منصوباً بفعل مضمر، لا بهذا الظاهر، وموجب
ذلك أن قوله: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ حُنَيِّنٍ﴾. أما لو جعل ناصبه
هذا الظاهر فلم يصح؛ لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن، ولم
يكونوا كثيراً في جميعها، فصار ناصبه فعلاً خاصاً به، إلا إذا نصبت
﴿إِذَّ﴾ بإضمار: اذكر. و﴿حُنَيْنٍ﴾: اسم منصرف؛ لأنه اسم مذكر، وهي
لغة القرآن، ومن العرب من لا يصرفه، يجعله اسماً للبقعة.
البلاغة:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف خاص على عام للتنويه بشأنه، لمجيء النصر بعد
اليأس. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ استعارة، شبه ماحل
بهم من الكرب والهزيمة بضيق الأرض على سعتها.
٥٠٥
الُزُرُ (١٠) - التَّوَتية: ٩/ ٢٥-٢٧
المفردات اللغوية:
﴿مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ أي مواقع الحرب ومشاهدها، مثل بدر وقريظة
والنضير، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ أي واذكر، وهو واد
بين مكة والطائف على ثلاثة أميال من الطائف، كانت فيه الواقعة بين
المسلمين، وهم اثنا عشر ألفاً، الذين حضروا فتح مكة، منضماً إليهم ألفان
من الطلقاء، وبين هوازن وثقيف، وهم أربعة آلاف مع من انضم إليهم من
أمداد سائر العرب. وتسمى غزوته غزوة أوطاس، وغزوة هوازن، في شوال
سنة ثمانٍ، فكانوا الجم الغفير، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: ((لن نُغلَب
اليوم من قلة)) فساء ذلك رسول الله
﴿إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ﴾.
﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾ ما: مصدرية، و﴿رَحُبَتْ﴾: اتسعت، والرُّحب: السعة،
والرحب: الواسع، أي ضاقت عليكم الأرض مع رحبها أي سعتها، فلم
تجدوا مكاناً تطمئنون إليه، لشدة مالحقكم من الخوف ﴿ثُمَّ وَلَيْتُم ◌ُدْبِرِينَ}
أي هاربين منهزمين، وثبت النبي وَّر على بغلته البيضاء، وليس معه غير
العباس، وأبو سفيان آخذ بركابه ﴿سَكِينَتَهُ﴾ طمأنينته ﴿عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي فردوا إلى النبي ◌َّ لما ناداهم العباس بإذنه وقاتلوا.
﴿وَأَنَزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ أي ملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالقتل
والأسر. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ منهم بالإسلام.
سبب النزول:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: أخرج البيهقي في الدلائل أن رجلاً قال يوم حنين: ((لن
نُغْلَب اليوم من قلة)) وكانوا اثني عشر ألفاً، فشق ذلك على رسول الله وَ له،
فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ الآية.
٥٠٦
لُرُ (١٠) - التوثي: ٢٥/٩-٢٧
المناسبة:
لما ذكر الله تعالى في الآية المتقدمة أنه يجب الإعراض عن مخالطة الآباء
وغيرهم، رعاية المصالح الدين، وعلم الله أن هذا يشق جداً على النفوس، ذكر
ما يدل على أن من ترك الدنيا لأجل الدين، فإنه يوصله إلى مطلوبه من الدنيا
أيضاً، وضرب مثلاً لذلك كثرة عسكرالمؤمنين وقوتهم يوم حنين، فلما
أعجبوا بكثرتهم انهزموا، ثم في حال الانهزام لما تضرعوا إلى الله قوّاهم حتى
هزموا عسكر الكفار، وهو يدل على أن الإنسان متى اعتمد على الدنيا فاته
الدين والدنيا، ومتى أطاع الله ورجح الدين على الدنيا، آتاه الله الأمرين معاً
على أحسن الوجوه، فكان ذكر ذلك تسلية عن مقاطعة الآباء ومن عداهم،
لمصلحة الدين، وإعلاماً للمؤمنين ليتذكروا أن عنايته تعالى لهم بالقوة المعنوية،
لا بالكثرة العددیة.
قال مجاهد: هذه أول آية نزلت من ﴿بَرَآءَةٌ﴾ يذكر تعالى للمؤمنين فضله
عليهم، وإحسانه لديهم في نصره إياهم، في مواطن كثيرة من غزواتهم مع
رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى وبتأييده وتقديره، لا بعَدَدهم ولا بعُدَدهم،
ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين
أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً، فولّوا مدبرين إلا
القليل منهم، مع رسول الله وَلي، ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى
المؤمنين الذين معه، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن
قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.
أضواء من التاريخ على وقعة حنين:
كانت هوازن قوة كبيرة بعد قريش، وكانت تنافسها، فلما بلغها فتح مكة،
نادى سيدهم مالك بن عوف النصري بالحرب، واجتمع إليه مع هوازن ثقيف
كلها، ونصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وأجمع السير إلى رسول الله وَالآ،
٥٠٧
الُرُ (١٠) - التوتية: ٢٥/٩-٢٧
وساق مع جيشه أموالهم ومواشيهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن ذلك
يحمي نفوسهم به، ويقوي شوكتهم، وكان على ثقيف كنانة بن عبيد، وشهد
الحرب دريد بن الصمة، وكان شيخاً كبيراً، له رأي وحكمة، ونزلوا
بأوطاس: وادٍ في ديار هوازن عند الطائف، كانت فيه وقعة حنين.
ولما علم رسول الله ◌ّ﴾ بأمرهم، خرج إليهم، وكان معه اثنا عشر ألفاً من
المسلمين: عشرة آلاف من أصحابه في المدينة، من المهاجرين والأنصار،
وألفان من أهل مكة مسلمة الفتح، وهم الطلقاء.
واستعار رسول الله وَله من صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً.
ولما رأى المسلمون كثرتهم، وبلوغ عددهم ما لم يبلغه عدد في غزوة سابقة،
اغتروا وقال بعضهم: لن نُغْلَب اليوم من قلّة. روى أحمد وأبو داود والترمذي
عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ ل: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا
أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة)) قيل:
إن القائل: رسول الله وَّ﴾، وقيل: أبو بكر رضي الله عنه.
واتكل المسلمون على قوتهم في مبدأ الأمر فانهزموا، ثم لما عدلوا عن
غرورهم، وتضرعوا إلى ربهم، كان النصر حليفهم.
التفسير والبيان:
لقد نصركم الله أيها المؤمنون في مواقع حربية كثيرة، كبدر والحديبية ومكة
وقريظة والنضير، وأنتم قلة وهم كثرة: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[آل عمران: ١٢٣/٣] حيث كنتم متوكلين على الله، معتمدين على أن النصر من
عند الله. والمواطن الكثيرة: غزوات رسول الله، ويقال: إنها ثمانون موطناً،
فأعلمهم الله تعالى بأنه هو الذي نصر المؤمنين، إما نصراً كاملاً وهو الأكثر،
وإما نصراً جزئياً للتربية والتعليم، كما حدث في أحد، حينما خالف جماعة
٥٠٨
الجُرْجُ (١٠) - التَوتقيم: ٢٥/٩-٢٧
من الصحابة أوامر النبي ◌َلّر، فتركوا جبل الرماة، وكما حدث في حنين
حينما اعتمدوا على الكثرة العددية، وغاب عنهم أن الله هو الناصر، لا كثرة
الجنود، فانهزموا.
وذكر بعضهم أن المواطن أقل من ثمانين، روى أبو يعلى عن جابر أن عدد
غزواته ب * إحدى وعشرون، قاتل بنفسه في ثمان: بدر وأحد والأحزاب
والمُصْطَلِقِ وخَيْبر ومكة وحُنَّيْن والطائف. وبعوثه وسراياه ست وثلاثون.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ أي ونصركم أيضاً في يوم حنين إذ أعجبتكم
كثرتكم فيه، إذ بلغتم اثني عشر ألفاً، وكان الكافرون أربعة آلاف فقط،
وقيل: ثمانية آلاف في قول الحسن ومجاهد، فكانت الهزيمة عليكم، لاعتمادكم
على أنفسكم، وغروركم بقوتكم، وتركتم اللجوء إلى ربكم واهب النصر،
فلم تغن كثرتكم عنكم شيئاً من قضاء الله، وضاقت عليكم الأرض بما
اتسعت من الخوف، ثم وليتم مدبرين منهزمين.
وذلك أنهم اقتتلوا اقتتالاً شديداً، فانهزموا أمام ثقيف وهوازن، إذ كمنت
هوازن في وادي حنين، ثم بادروا المسلمين بالقتال، وحملوا حملة رجل واحد،
كما أمرهم سيدهم، فولى المسلمون مدبرين، وثبت رسول الله وَّل، وهو
راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بلجامها
وبركابها الأيمن، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر،
يثقلانها لئلا تسرع في السير.
وهذا دليل على تناهي شجاعته ورباطة جأشه وَّر، وماهي إلا من آيات
النبوة، ثم قال: ((يارب ائتني بما وعدتني)).
٥٠٩
الجزء (١٠) - التوثي: ٢٥/٩-٢٧
ثم قال للعباس وكان صيّاً: صِحْ بالناس، فنادى الأنصار ثم نادى:
يا أصحاب الشجرة (١)، يا أصحاب السمرة، فأجابوه: لبيك لبيك.
ويدعو الرسول المسلمين إلى الرجعة قائلاً: ((إلي عباد الله، إلي أنا رسول
الله)) ويقول في تلك الحال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب
فتراجع الناس، وثبت معه من أصحابه قريب من مئة، وقيل: ثمانون،
ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بُلْق، فنظر رسول الله وَله إلى قتال
المسلمين، فقال: ((الآن حمي الوطيس)) (٢) ثم أخذ كفاً من تراب، فرماهم به،
ثم قال: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، انهزِمُوا ورَبِّ الكعبة)) فانهزموا، قال
العباس: ((فما زلت أرى حدهم كليلاً، وأمرهم مدبراً)) ((لكأني أنظر إلى رسول
الله ◌َّطو يركض خلفهم على بَغلته)). وتمت هزيمة هوازن، وكانت هذه آخر غزوة
ضد المسلمين، انتصر فيها المسلمون، وانهزم فيها العرب.
ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي أفرغ الله طمأنينته وثباته على
رسوله، وعلى المؤمنين الذين كانوا معه، وأنزل جنوداً لم تروها، وهم
الملائكة، كما روى مسلم في صحيحه، لتقوية روح المؤمنين وتثبيتهم،
وإضعاف الكافرين بما يقذفون في قلوبهم من الخوف والجبن من حيث لا
يرونهم.
إلا أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر، روي عن بعض من أسلم بعد حنين
أنه قال: أين الخيل البُلْق، والرجال الذين كانوا عليهم، بيض، ما كان قتلنا
إلا بأيديهم؟!
-
(١) يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على ألا يفروا
عنه.
(٢) يعني: استعرت الحرب، وهي من كلام النبي ◌َّر الذي لم يسبق إليه.
٥١٠
الُ (١٠) - التَوَي: ٩/ ٢٥-٢٧
وعذب الذين كفروا بسيوفكم بالقتل والسبي والأسر، وذلك هو جزاء
الكافرين في الدنيا، ونظير الآية: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ
وَيَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤/٩].
وكان السبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألفاً، والغنم أكثر من
أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، وكانت تلك أكبر غنيمة غنمها
المسلمون.
وجرياً على عادة القرآن في فتح باب الأمل والتوبة أمام الكفار والعصاة،
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَلَةُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(٤) أي ثم يتوب الله بعد هذا التعذيب الذي حدث في الحرب على من يشاء
من الكفار، يعني: ومع كل ماجرى عليهم من الخذلان، فإن الله تعالى قد
يتوب على بعضهم، بأن يزيل عن قلبه الكفر، ويخلق فيه الإسلام، كما قال
أهل السنة، أو بأن يسلموا ويتوبوا فيقبل الله توبتهم، كما قال المعتزلة.
والله غفور لمن تاب، رحيم بمن آمن وعمل صالحاً. وقد تاب الله على بقية
هوازن، فأسلموا، وقدموا على النبي ◌َّ مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة
عند الجغْرانة(١)، بعد الوقعة بقريب من عشرين يوماً، فعند ذلك خيرهم بين
سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير، مابين صبي
وامرأة، فرده عليهم، وقسم الأموال بين الغانمين، ونفَّل أناساً من الطلقاء
(أهل مكة) لكي يتألف قلوبهم على الإسلام، فأعطاهم مئة مئة من الإبل،
وكان من جملة من أعطى مئة: مالك بن عوف النصري، واستعمله على قومه :
هوازن، كما كان.
روى البخاري عن المِسْور بن ◌َخْرمة: ((أن ناساً منهم جاؤوا إلى رسول الله
(١) الجعرانة: موضع على سبعة أميال من مكة إلى الطائف.
٥١١
الجزء (١٠) - التوثي: ٩/ ٢٥-٢٧
وَلقه، وبايعوه على الإسلام، وقالوا: يارسول الله، أنت خير الناس، وأبرّ
الناس، وقد سُبي أهلونا، وأولادنا، وأخذت أموالنا، فقال ◌َله: ((إن عندي
من ترون، إنَّ خير القول أصدقه، اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما
أموالكم)) قالوا: ماكنا نعدِل بالأحساب شيئاً، فقام النبي و له فقال: ((هؤلاء
جاؤونا مسلمين، وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا
بالأحساب شيئاً، فمن كان بيده شيء، وطابت به نفسه أن يرده فشأنه، ومن
لا فلیعطنا، ولیکن قرضاً علینا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه)) قالوا: رضينا
وسلمنا.
فقال ◌َله: ((إنا لا ندري لعل فيكم من لا يرضى، فمروا عرفاءكم،
فليرفعوا ذلك إلينا)) فرفعت إليه العرفاء أنهم قد رضوا.
فقه الحياة أو الأحكام:
١ - الآيات تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم، إذ نصرهم في معارك حربية
كثيرة، وأن النصر من عند الله، فقد تخطئ الحسابات والاحتمالات، وكثيراً
ما تنهزم الكثرة الكاثرة، وتنتصر القلة القليلة، والمعول عليه إنما هو عناية الله
بعباده المؤمنين وتأييده لهم، فذلك أقوى تأثيراً من كل القوى العسكرية
أو المادية.
٢ - ذكر العلماء أن النبي ◌َّ قال في هذه الغزوة فيما رواه الشيخان وأبو
داود والترمذي عن أبي قتادة وغيره: ((من قتل قتيلاً له عليه بيِّنة، فله سَلَبُه))
وهذا في رأي الشافعية والحنابلة صادر عنه بطريق التبليغ والوحي، فهو حكم
دائم لا يحتاج إلى إذن الإمام، وفي رأي الحنفية والمالكية: هذا الحكم صادر عنه
وَالله بطريق الإمامة والسياسة، فلا يستحق في كل معركة إلا بإذن الإمام، ولا
يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد. ولم ينقل أن رسول الله وَلقوله قال
ذلك إلا يوم حنين، وليس في مغازيه كلها.
٥١٢
الجُزءُ (١٠) - التَّوَتي: ٢٥/٩-٢٧
٣ - في قصة هذه الغزوة استعار النبي وَل من صفوان بن أمية وهو مشرك
أدراعاً وأسلحة. وهذا يدل على جواز استعارة السلاح، وجواز الاستمتاع
بما استُعير إذا كان على المعهود مما يستعار مثله، وجواز استلاف الإمام المالَ
عند الحاجة إلى ذلك ورده إلى صاحبه.
وفي هذه الغزوة أمر رسول الله صل# فيما رواه أبو داود وصححه الحاكم عن
أبي سعيد الخدري ((ألا تُوطأ حامل حتى تضع، ولا غیر ذات حمل حتى تحیض
حيضة)) وهو يدل على أن السَّبْيَ يقطع العصمة.
وفيها أيضاً أنه وَّ استعان بصفوان في الحرب، وقد قال أبو حنيفة
والشافعي: لا بأس بالاستعانة بالمشركين على المشركين، إذا كان حكم
الإسلام هو الغالب، وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو
الظاهر.
وقال مالك: لم يكن خروج صفوان إلى حنين والطائف بأمر رسول الله
وَله، ولا أرى أن يستعان بالمشركين على المشركين، إلا أن يكونوا خَدَماً أو
نواتيّة (بحارة).
٤ - أبان الله عز وجل في هذه الآية أن الغلبة إنما تكون بنصر الله لا
بالكثرة، فلا يغلبون بكثرتهم، وقد قال: ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ
مِّنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠/٣]. والنصر عند اشتداد المحنة من أعظم النعم
الإلهية، والمحنة هي ماطرأ عليهم من الخوف، حتى لكأنهم لا يجدون في
الأرض موضعاً يصلح لفرارهم من عدوهم.
٥ - أنزل الله في هذه المعركة مايسكن قلوب المؤمنين ويذهب خوفهم،
حتى اجترؤوا على قتال المشركين بعد أن وَلَّوْا، وأنزل ملائكة يُقَوُّون المؤمنين
بما يلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويُضعضعون الكافرين بالتجبِين
لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال؛ لأن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر.
٥١٣
الجُزُ (١٠) - التوثي: ٩/ ٢٥-٢٧
وروي - كما تقدم - أن رجلاً من بني نصر قال للمؤمنين بعد القتال: أين
الخيل البُلْق، والرجال الذين كانوا عليها بيض، ماكنا فيهم إلا كهيئة الشامة،
وما كان قتلنا إلا بأيديهم؟! فأخبروا النبي ◌َّ بذلك، فقال: ((تلك الملائكة)).
٦ - عذب الله الكافرين في هذه المعركة بالقتل بأسياف المسلمين، وهو
جزاؤهم المستحق في دار الدنيا، ثم تاب الله على من انهزم، فهداه إلى
الإسلام، كمالك بن عوف النّصري رئیس حنين، ومن أسلم معه من قومه.
والخلاصة: حدثت أمور ثلاثة يوم حنين: إنزال الله السكينة على رسوله
وعلى المؤمنين، وإنزاله جنوداً هم الملائكة، وتعذيب الكافرين بالقتل والسبي.
٧ - لما قسم رسول الله وَ ل غنائم حُنين بالجعرانة، أتاه وفد هوازن
مسلمين، راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم، فخيرهم بين السبي
والأموال، فاختاروا السبي، فرد عليهم رسول الله وَلير نساءهم وأولادهم،
واستطاب أنفس الغانمين عما بيدهم من الأموال، وعوّض من لم تطب نفسه
بترك نصيبه من الغنائم أعواضاً رضوا بها.
وكان من جملة السبي الشَّيماء أخت النبي ◌َّ من الرضاعة، وهي بنت
الحارث بن عبد العُزّى من بني سعد بن بكر، وبنت حليمة السعدية، فأكرمها
رسول الله عليه، وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت مسرورة إلى بلادها بدينها
وبما أفاء الله عليها.
وحدثت قصة طريفة عند رد السبي، أخرج مسلم عن ابن عباس قال:
رأى رسول الله وَّ يوم أوطاس امرأة تَعْدو وتصيح ولا تستقر، فسأل عنها
فقيل: فَقَدَتِ بُنَّاً لها، ثم رآها وقد وجدت ابنها وهي تقبّله وتدنيه، فدعاها
وقال لأصحابه: ((أطارحة هذه ولدها في النار)) قالوا: لا، قال: لم؟ قالوا:
لشفقتها، قال: ((الله أرحم بكم منها)).
٥١٤
المُرُ (١٠) - التَوتية: ٢٨/٩
تحريم دخول المسجد الحرام على المشركين
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلَا يَقْرَبُوْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمُ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ
٢٨
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
القراءات:
{شَاءُ إِنَّ):
قرأ بتسهيل الهمزة الثانية وصلاً: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو.
البلاغة:
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾: تفيد الحصر، وقوله: ﴿اَلْمُشْرِكُونَ
تَجَسُ﴾: تشبيه بليغ أي كالنجس في خبث الاعتقاد، حذفت منه أداة الشبه
ووجه الشبه، مثل: ﴿أَّخَذُوَأْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا﴾ أي كالأرباب
في طاعتهم. وقال الزمخشري: ﴿نَجَسُ﴾: مصدر، ومعناه ذوو نجس؛ لأن
معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا
يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة
في وصفهم بها.
﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ﴾ عبر عن الدخول بالقرب للمبالغة، أي إنما نهى
عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم. وذهب أبو حنيفة إلى أن
المراد به النهي عن الحج والعمرة، لا عن الدخول مطلقاً. وقاس مالك سائر
المساجد على المسجد الحرام في المنع.
المفردات اللغوية:
نَجَسُ﴾ ونجاسة: قذارة وعدم نظافة، وإذا وصف به الإنسان كان المراد
٥١٥
الُ (١٠) - التَوَتَّةً): ٢٨/٩
أنه شرير خبيث النفس، وإن كان طاهر البدن. والناجس والنجيس: داء
خبيث لا دواء له. وفي اصطلاح الفقهاء: ما يجب تطهيره، سواء كان قذراً
کالبول أو غیر قذر کالخمر مثلاً.
﴿اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ﴾ المراد به في رأي عطاء: الحرم كله وهو مكة. وهو
مذهب الشافعية أيضاً. ورأى المالكية أن المراد خصوص المسجد الحرام، أخذاً
بظاهر اللفظ، ولكن بقية المساجد تقاس عليه؛ لأن العلة وهي النجاسة
موجودة في المشركين، والحرمة موجودة في كل مسجد، فلا يجوز تمكينهم من
دخول المسجد الحرام والمساجد كلها. ومذهب الحنفية: ليس المراد النهي عن
دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي عن أن يحج المشركون ويعتمروا، كما
كانوا يعملون في الجاهلية.
ج
﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ العام التاسع من الهجرة ﴿عَيْلَةُ﴾ فقراً بانقطاع
تجارتهم عنكم، وفعله: عال يعيل عيلاً وعيلة فهو عائل. وأعال: كثر عياله،
ويعول عيالاً كثيرين، أي يمونهم ويكفيهم معاشهم ﴿ مِن فَضْلِهِ﴾ عطائه
وتفضله وقد أغناهم بالفتوح والجزية.
سبب النزول:
نزول ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال:
كان المشركون يجيئون إلى البيت، ويجيئون معهم بالطعام يتجرون فيه، فلما
منعوا عن أن يأتوا البيت، قال المسلمون: من أين لنا الطعام، فأنزل الله:
﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
وأخرج ابن جرير الطبري وأبو الشيخ بن حيان الأنصاري عن سعيد بن
جبير قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ﴾ شق ذلك على المسلمين،
وقالوا: من يأتينا بالطعام والمتاع؟ فأنزل الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمُ عَيْلَةً) الآية.
٥١٦
الُرُ (١٠) - التَوَتَّةِ): ٢٨/٩
المناسبة:
لما أَمر النبي ◌َلّر علياً رضي الله عنه أن يقرأ على مشركي مكة أول سورة
براءة، ويَنْبِذ إليهم عهدهم، سنة تسع من الهجرة، وأن الله بريء من المشركين
ورسولَه، قال أناس: يا أهل مكة، ستعلمون ما تلقونه من الشدة؛ لا نقطاع
السبل، وفقد الحمولات، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة.
التفسير والبيان:
يا أيها المؤمنون بالله ورسوله، إن المشركين أنجاس، فاسدو الاعتقاد،
منغمسون في النجاسة، فهم أنجاس إما لخبث باطنهم وفساد عقيدتهم لعبادة
الأصنام والأوثان، أو لأن معهم الشرك الذي هو مثل النجس الذي يجب
اجتنابه، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات الحسية.
وإذا كانوا أنجاساً، فلا يدخلوا المسجد الحرام، ولا أن يطوفوا به عراة.
فهذا نهي للمؤمنين أن يمكِّنوا المشركين من دخول المسجد الحرام بعد العام
التاسع من الهجرة. وقوله: ﴿إِنَّمَا اُلْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ يدل على الحصر، أي لا
نجس إلا المشرك.
والمراد بالمشركين في رأي الأكثرين هم عبدة الأوثان، وقال قوم: بل
يتناول جميع الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن ◌َشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨/٤]. وهذا هو الأرجح الظاهر من الآية.
والمراد بالنجس: النجاسة المعنوية أي نجاسة الاعتقاد. ونقل الزمخشري عن
ابن عباس رضي الله عنهما أن أعيان المشركين نجسة كالكلاب والخنازير،
تمسكاً بظاهر هذه الآية (١). ولكن جمهور الفقهاء اتفقوا على خلاف ذلك وعلى
(١) وهو قول الهادي من أئمة الزيدية ورأي بعض الظاهرية، وروى ابن جرير عن الحسن: من
صافح مشركاً توضأ.
٥١٧
الُ (١٠) - التَّوَتَّة): ٢٨/٩
طهارة أبدانهم، فليس المشرك أو الكافر نجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى
أحل طعام أهل الكتاب.
والمقصود بالمسجد الحرام كما تبين في المفردات: الحرم كله في رأي عطاء
والشافعية، وخصوص المسجد الحرام في مذهب المالكية أخذاً بظاهر اللفظ،
ورأى الحنفية أن ليس المراد النهي عن دخول المسجد الحرام، وإنما المراد النهي
عن أن يحج المشركون ويعتمروا، كما كانوا يعملون في الجاهلية، بدليل قوله
تعالى: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ أي لا يحجوا ولا يعتمروا بعد حج عامهم هذا
وهو العام التاسع من الهجرة، ولقول علي رضي الله عنه حين نادى بسورة
براءة: ((ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك)) ولأن قوله تعالى: ﴿وَ إِنْ خِفْتُمُ
عَيْلَةً﴾ يدل على أن خشية العيلة بسبب انقطاع مواسم المشركين، لمنعهم من
الحج والعمرة، ولإجماع المسلمين على منع المشركين من سائر أعمال الحج وإن
لم تكن في المسجد.
ثم ألقى الله الطمأنينة في قلوب المسلمين بشأن توافر موارد الأطعمة وأنواع
التجارات، فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي وإن خفتم أيها المسلمون فقراً،
بسبب قلة جلب الأقوات وأنواع التجارات التي كان المشركون يجلبونها،
ومنعوا بعد هذا العام من دخول المسجد الحرام، فسوف يغنيكم الله من فضله
وعطائه بوجه آخر، وييسر لكم موارد المعيشة والأرزاق والمكاسب.
إن الله عليم بأحوالكم وبما يكون في المستقبل من غنى وفقر، حكيم فيما
يشرعه لكم من أمر ونهي، كالأمر بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم،
والنهي عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد هذا العام، وهو أيضاً حكيم
فيما يعطي ويمنع؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره
تعالی.
وهذا إخبار عن غيب في المستقبل، وقد تحقق الخبر، وأنجز الله وعده،
٥١٨
الجُزْءُ (١٠) - التَوتية: ٢٨/٩
فأسلم أهل اليمن وأهل جدة وجرش وغيرهم، وصاروا يحملون الأطعمة إلى
مكة، وأسلم المشركون أنفسهم، ولم يبق منهم أحد يمنع من الحرم، وأتتهم
الثروات والخيرات من كل مكان، وجاءتهم الغنائم وأموال الجزية التي كانوا
يأخذونها من أهل الذمة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على مايأتي:
١ - النص صريح في أن المشرك نجس، وفي أن المؤمن طاهر ليس بنجس.
لذا كان مذهب المالكية والحنابلة: إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم، وقال
الشافعي: أحبّ إلي أن يغتسل. روى أبو حاتم البُسْتي في صحيح مسنده أن
النبي ◌َّ مرّ بثمامة بن أثال يوماً، فأسلم، فبعث به إلى حائط (بستان) أبي
طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال رسول الله وَ له: ((لقد
حَسُنَ إسلام صاحبكم)) وأخرجه مسلم بمعناه. وكذلك أمر النبي ◌َّ قيس بن
عاصم أن يغتسل بماء وسدر.
٢ - المشرك ممنوع من دخول المسجد الحرام، والمقصود به لدى الشافعية:
حرم مکة کله، سواء مساجدها وغيرها، فلا يمگَّن الكافر من دخول حرم
مكة(١). قال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين، وبخاصة في المسجد
الحرام، ولا يمنعون من دخول غيره، كما دخل في المسجد ثمامة وأبو سفيان،
وهما مشركان.
وقال المالكية: الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد، إلا في حالة
العذر، كدخول الذمي المسجد للتقاضي أمام الحاكم المسلم. وبذلك كتب عمر
ابن عبد العزيز إلى عماله، واستدل بهذه الآية، ويؤيدهم قوله تعالى: ﴿فِى يُوتٍ
(١) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي: ص ١٧٣ وما بعدها.
٥١٩
الُعُ (١٠) - التَّوَتية: ٢٨/٩
أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦/٢٤] ودخول الكفار فيها
مناقض لترفيعها، ولأن قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا اُلْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ تنبيه على
العلة بالشرك والنجاسة (١).
وأباح الحنفية للكافر دخول المساجد كلها في الحرم وغيره لحاجة أو لغير
حاجة؛ لأن المقصود بالآية النهي عن حج المشركين واعتمارهم، كما تقدم
بيانه. فلا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره، ولا يمنع
دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان.
٣ - قال الرازي: لا شبهة في أن المراد بقوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ السنة
التي حصل فيها النداء من المشركين، وهي السنة التاسعة من الهجرة (٢) أي إن
المنع يبدأ من السنة العاشرة.
٤ - الفضل المذكور في الآية مطلق، يشمل كل ما أغناهم الله به، وهو
الأصح، وقيل: المراد به حمل الطعام إلى مكة من البلاد التي أسلم أهلها
كجدة وصنعاء وحنين، فإنه سدّ حاجتهم وأغناهم عما في أيدي المشركين.
وقيل: المراد به الجزية، وقيل: الفيء.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ إخبار عن غيب في
المستقبل على سبيل الجزم، وقد وقع الأمر مطابقاً لذلك الخبر، فكان معجزة.
وفي هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بأسباب الرزق جائز، ولا ينافي
ذلك التوكل، وإن كان الرزق مقدَّراً، وأمر الله وقسمه مفعولاً، ولكنه علّقه
بالأسباب، لحمل الناس على العمل، والسبب لا ينافي التوكل، بدليل ما
أخرج البخاري من قوله بَير: ((لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما
(١) أحكام القرآن لابن العربي: ٩٠١/٢، تفسير القرطبي: ١٠٤/٨ وما بعدها.
(٢) تفسير الرازي: ٢٦/١٦
٥٢٠
لِزُ (١٠) - التَوَتية: ٢٨/٩
يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً (١))) فأخبر أن التوكل الحقيقي لا
يعارضه الغدو والرواح في طلب الرزق.
وقوله تعالى: ﴿إِن شَآءَ﴾ يدل على أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو
فضل من الله تعالى تولّ قسمته، وذلك في قوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم ◌َعِيشَتَهُمْ فِ
اُلْحَيَوقِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢/٤٣].
٥ - إقامة الكفار في ديار الإسلام:
بلاد الإسلام بالنسبة إلى دخول الكفار إليها وإقامتهم فيها ثلاثة أقسام:
الأول - الحرم المكي: يمنع الكافر من دخول الحرم المكي وهو قول
الشافعية والحنابلة، عملاً بظاهر الآية، فلا يسمح لكافر بدخول الحرم، ولو
كان حاملاً رسالة، وإنما يخرج إليه الإمام أو نائبه خارج الحرم ليسمع رسالته.
وأجاز المالكية لغير المسلم دخول حرم مكة دون البيت الحرام بأمان لمدة ثلاثة
أيام، أو بحسب الحاجة في تقدير المصلحة من قبل الإمام.
وأباح أبو حنيفة أيضاً للكافر دخول الحرم بإذن الإمام أو نائبه، ثلاثة أيام
بلیالیھا.
الثاني - الحجاز: وهو مابين عدن إلى حدود العراق طولاً، ومابين جُدّة
وما والاها من ساحل البحر إلى حدود الشام عرضاً. يجوز للكافر دخولها
بالإذن لمدة ثلاثة أيام فقط. روى مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله وَله
يقول: ((لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أَتْركُ فيها إلا
مسلماً)) وفي رواية لمسلم: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)).
والمراد من جزيرة العرب في رأي الشافعية والحنابلة هو الحجاز خاصة،
(١) أي تغدو بكرة وهي جياع، وتروح عشية وهي ممتلئة الأجواف والبطون.