Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
لُ (١٠) السورة (٩) التَّوَّةِ)
وأما الأمر الثاني فكان بسبب استنفار المسلمين لغزو الروم في غزوة تبوك،
وقد أوضحت الآيات في القسم الأعظم من هذه السورة نفسيات المسلمين،
وظهور عوارض التثاقل والتخلف والتثبيط، ومراوغة المنافقين، ودسائسهم
الماكرة، واتخاذهم ما أطلق عليه (مسجد الضرار) الذي نزل بشأنه أربع آيات،
وكراً للتآمر والتخريب، وتعريتهم بشكل فاضح، حتى سميت السورة
(الفاضحة) لأنها فضحت المنافقين، ولم تدع لهم ستراً إلا هتكته.
والخلاصة: كانت هذه السورة سورة الحسم الكامل لأوضاع غير
المسلمين، وربما كانت أخطر سورة حشدت جيش الإيمان وأعدته للمعركة
الفاصلة النهائية بين المسلمين وغيرهم، سواء في داخل الدولة بتصفية جذور
النفاق، والقضاء على مكر اليهود، أو في خارج الدولة بالتصدي لغطرسة
الروم في غزوة تبوك التي أرهبتهم، وجمدت كل تحركاتهم المشبوهة للقضاء على
الإسلام والمسلمين.
وكان لهذه التصفية المقدَّر والمخطط لها من قبل الله تعالى على الصعيد الداخلي
والخارجي الأثر الأكبر في استقرار الدولة الإسلامية، والحفاظ على كيانها
الدولي وإظهار هيبتها ومنعة وجودها، بعد انتقال مؤسسها وقائدها النبي وَل
إلى الرفيق الأعلى.
أضواء من التاريخ على صلح الحديبية:
عقد النبي ◌َّر معاهدة صلح الحديبية سنة ست من الهجرة مع المشركين على
وضع الحرب أوزارها، وعلى السلم والأمان مدة عشر سنوات، بشروط
متسامح فيها عن قوة وعزة، لا عن ضعف وذلة. ثم نقضت قريش المعاهدة
بإعانة حليفتها قبيلة بني بكر على قبيلة خزاعة حليفة النبي (ص18 بالسلاح
والرجال، فاستغاث عمرو بن سالم الخُزَاعي على رأس وفد بالنبي ◌َّ،
فأغاثه قائلاً: ((نصرت ياعمرو بن سالم، لا نصرتُ إن لم أنصر بني كعب))
فكان ذلك سبب عودة حالة الحرب مع قريش.

٤٤٢
الُ (١٠) السورة (٩) التَّوَّة)
فأمر رسول الله و له الناس بالتأهب للقتال، وسار لفتح مكة سراً، ففتحها
في السنة الثامنة من الهجرة.
ولما بلغ هوازن فتح مكة، جمعهم أميرهم مالك بن عوف النصري لقتال
المسلمين، وكانت غزوة حنين التي شهدها دريد بن الصِّمَّة في شوال في السنة
الثامنة، ثم حاصر النبي بعدها الطائف بضعاً وعشرين ليلة، وقاتلهم قتالاً
شديداً، ورماهم بالنبل والمنجنيق.
ثم خرج النبي ◌َّ في رجب سنة تسع إلى غزوة تبوك، وهي آخر غزواته،
وفيها نزلت أكثر آيات سورة براءة.
ولما رجع رسول الله يَّر من غزوة تبوك أراد الحج، ولكنه تذكر أن
المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم، ويطوفون بالبيت عراة،
فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه أميراً على الحج تلك
السنة، ليقيم للناس مناسكهم ويُعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا،
وأن ينادي في الناس: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾.
فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب، ليكون مبلّغاً عن رسول الله وَلته، لكونه
عصبة له. وقال له: ((اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذن بذلك في الناس
إذا اجتمعوا)).
فخرج علي راكباً العضباء ناقة الرسول و *، فأدرك أبا بكر في ذي الحليفة،
وأمَّ أبو بكر الناس في الحج، وقرأ علي على الناس صدر سورة براءة(١). وذلك
يوم النحر بمنى سنة تسع.
روى الإمام أحمد والترمذي في التفسير عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
(١) تفسير ابن كثير: ٣٣١/٢ ومابعدها، الكشاف: ٢٦/٢، تفسير القرطبي: ٦٨.٦٤/٨

٤٤٣
الجُزُ (١٠) - التَّوَّة: ١/٩-٤
أن رسول الله وَّر بعثه ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: ((لا يبلّغها
إلا أنا أو رجل من أهل بيتي)) فبعث بها مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وروى البخاري أن النبي وَل﴿ل بعث علياً سنة تسع، فأذنٍ يوم النحر بمنى
بصدر سورة براءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وروى أحمد والترمذي والنسائي عن زيد بن يُثَيْغ رجل من همدان قال:
سألنا علياً بأي شيء بعثت؟ يعني يوم بعثه النبي ◌ِّ مع أبي بكر في الحجة،
قال: ((بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت
عُرْيان، ومن كان بينه وبين النبي ◌ُّر عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون
بعد عامهم هذا».
نقض عهود المشركين
وإعلان الحرب عليهم والبراءة منهم
فَسِيحُواْ فِى
(بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
اُلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمُ غَيْرُ مُعْجِرِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِرِينَ
٢
وَذَنٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىٌّ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ
وَرَسُولٌ فَإِنِ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ
وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمِ ﴿﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ
يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَِهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مَُّّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
الإعراب:
﴿بَرَآءَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هذه براءة، ويكون ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ في موضع
رفع؛ لأنه وصف براءة وتقديره: براءة كائنة من الله. ويجوز أن تكون

٤٤٤
اِلُحُ (١٠) - التَوَّةِ: ١/٩-٤
﴿بَرَآءَةٌ﴾ مبتدأ وخبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُمْ﴾. و﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ وصف لبراءة،
و﴿مِّنَ﴾ لابتداء الغاية متعلق بمحذوف.
﴿وَأَذَنٌ﴾ معطوف على ﴿بَرَآءَةٌ﴾، ورفعه مثل الوجهين المذكورين في .
﴿بَرَآءَةٌ﴾ من أنه خبر مبتدأ محذوف، أو أنه مبتدأ، ويكون خبره ﴿ إِلَى النَّاسِ
يَوْمَ الْحَجِ﴾. و﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ وصف الأذان. و﴿يَوْمَ الحَجّ﴾: العامل فيه الصفة.
ولا يجوز أن يكون ﴿وَأَذَنٌ﴾ لأنه وصف، والمصدر إذا وصف لم يعمل عمل
الفعل.
﴿ أَنَّ اللَّهَ﴾ في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر أي بأن ﴿ وَرَسُولِهِ=﴾
بالرفع والنصب، فالرفع من وجهين: أحدهما - أنه مبتدأ وخبره محذوف، أي
ورسوله بريء، وحذف لدلالة الأول عليه. والثاني - أنه معطوف على الضمير
المرفوع في ﴿بَرِىٌّ﴾ وجاز العطف على الضمير المرفوع وإن لم يؤكد، لوجود
الفصل بالجار والمجرور؛ لأنه يقوم مقامه. أو معطوف على محل: إن واسمها في
قراءة من كسرها إجراء للأذان مجرى القول. وأما بالنصب فهو عطف على
اسم ﴿أَنَّ﴾ أو لأن الواو بمعنى مع ..
ولا تكرار لمعنى ﴿بَرَآءَةٌ﴾ لأن قوله ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ إخبار بثبوت البراءة
و﴿بَرِىٌّ﴾ إخبار بوجوب الإعلام بذلك، ولذلك علقه بالناس، ولم يخص
بالمعاهدین.
البلاغة:
﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اْللَّهِ وَرَسُولِ﴾ تنوَين ﴿بَرَآءَةٌ﴾ للتفخيم، وتقييدها بأنها ﴿مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِ﴾ لزيادة التهويل. ﴿وَبَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أسلوب تهكمي؛ لأن البشارة
بالعذاب، وهي تكون عادة بما هو مفرح.
المفردات اللغوية:
﴿بَرَآءَةٌ﴾ أي تبرؤ من الله ورسوله، يقال: برئ من العهد أو المرض:

٤٤٥
الُزْعُ (١٠) - التَّوَّة: ١/٩-٤
خلص منه، وبرئ من الذنب: تركه وتباعد عنه، وبرئ من الدين: أسقط
عنه .﴿عَهَدْتُم﴾ المعاهدة: عقد العهد بين فريقين على شروط يلتزمونها.
وكانت توثق بالأيمان بوضع كل فريق يمينه في يمين الآخر، فسميت أيماناً في
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ﴾ أي لا عهود لهم. والمراد من المعاهدين
هنا: ذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل
له أربعة أشهر، وكذا من كان له عهد فوقها ونقض العهد. أما من له عهد
مؤقت فأجله إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: ﴿فَأَنِّمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى
مُدَّتِمَّ﴾ الآية، وللحديث: ((ومن كان بينه وبين رسول الله وَل عهد، فعهده
إلى مدته)) قال ابن كثير: وهذا أحسن الأقوال وأقواها.
﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ سيروا آمنين أيها المشركون في الأرض مدة أربعة
أشهر، والمراد حرية الانتقال مع الأمان هذه المدة دون قتال فيها، وأولها
شوال، بدليل قول الزهري: إن براءة نزلت في شوال. ولا أمان لكم بعدها.
والسياحة والسيح: الانتقال في الأرض بحرية ﴿غَيْرُ مُعْجِى اللَّهِ﴾ أي لا
تفوتونه من عذابه بالهرب والتحصن ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِينَ﴾ مذلهم في الدنيا
بالقتل وفي الآخرة بالنار، والخزي: الذل والفضيحة بما هو عار.
﴿ وَانٌ﴾ إعلام ﴿يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يوم العيد الأكبر وهو يوم النحر
الذي تنتهي فيه فرائض الحج، ويجتمع فيه الحجيج لإتمام مناسكهم، وإنما
قيل: الأكبر من أجل قول الناس عن العمرة: الحج الأصغر ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ أي
بأن الله بريء من عهود المشركين ﴿ وَرَسُولُ﴾ بريء أيضاً ﴿فَإِن تُبْتُمْ﴾ من الكفر
﴿ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الإيمان ﴿وَبَشْرِ﴾ أخبر ﴿بِعَذَاٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم وهو القتل
والأسر في الدنيا، والنار في الآخرة. ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من شروط العهد
والميثاق، فلم يقتلوا أحداً ولم يضروه. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾ يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ
أَحَدًا﴾ من الكفار ﴿فَتِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ أي إلى انقضاء مدتهم.
التي عاهدتم عليها ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ بإتمام العهود.

٤٤٦
الُ (١٠) - التَوَتَية: ١/٩-٤
المناسبة:
كان هناك عهد عام بين النبي وَلّهِ ومشركي مكة وغيرهم على ألا يصدّ عن
البيت الحرام أحد من الطرفين، ولا يزعج أحد في الأشهر الحرم، وكانت
هناك أيضاً عهود بينه عليه الصلاة والسلام وبين كثير من قبائل العرب إلى
آجال معينة، فنقض كثير من المشركين عهودهم مع النبي ◌َّر، مما اقتضى
نزول البراءة من عهودهم.
التفسير والبيان:
نزلت آيات ﴿بَرَآءَةٌ﴾ الأولى في أهل مكة في السنة التاسعة، بعد أن
عاهدهم النبي ◌ّير في صلح الحديبية سنة ست هجرية، فنقضوا العهد، إلا بني
ضَمْرة وبني كنانة، فأمر المسلمون بالتبرؤ من عهود المشركين وإمهالهم أربعة
أشهر، فإذا انتهت هذه المدة قاتلوهم.
والمراد بالعهود: العهود المطلقة غير المؤقتة بزمن، ومن كان له عهد دون
أربعة أشهر فتكمل له هذه المدة، وأما من عهده مؤقت بمدة فوق ذلك فأجله
إلى مدته، مهما كان؛ لقوله تعالى: ﴿فَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:
٤/٩] . هذا أصح الأقوال الذي اختاره الطبري وابن كثير وغيرهما. قال
الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ( 8* عهد دون
أربعة أشهر؛ ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر الله أن يُتَم
له عهده بقوله: ﴿فَنِّمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾.
وقد أمّر النَّبِي ◌َّ - كما أوضحت - أبا بكر في السّنة التّاسعة أميراً على
الحجّ، فلما سافر نزلت سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾ متضمّنة نقض عهد المشركين، فأرسل
عليّاً ليبلِّغ ذلك النّاس يوم الحجّ الأكبر قائلاً: ((لا يؤدِّي عني إلا رجل من
أهل بيتي)). فلما اجتمع الناس بمنى يوم النّحر، قرا عليهم علي آيات من أول
سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾، ثم قال - فيما رواه التّرمذي والنسائي وأحمد -: ((بعثت

٤٤٧
لُ (١٠) - التَوَّةِ: ١/٩-٤
بأربع: ألا يطوف بالبيت عُريان، ومن كان بينه وبين النَّبي ◌َّ عهد فهو إلى
مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس
مؤمنة، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا)).
ومعنى الآية: ﴿بَرَآءَةٌ﴾ أي تبرؤ وتخلص، وهي براءة صادرة من الله
ورسوله، واصلة إلى الذين عاهدتم من المشركين. وإنما نسبت البراءة لله
ولرسوله لأنها تشريع جديد من الله، وأمر لرسوله بتنفيذه، وتنويه بمقامه١
ومكانته. ونسبت المعاهدة بقوله: ﴿عَهَدْتُمْ﴾ للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين
ينفذون أحكام المعاهدات، مع أن الرّسول الله هو الذي عقد العهد بوصفه
قائد الأمّة. قال الجصّاص: البراءة: هي قطع الموالاة، وارتفاع العصمة،
وزوال الأمان.
براءة إلى أهل العهد المشركين، وهم أهل مكة وخزاعة ومدلج ومن كان له
عهد أو غيرهم من العرب، أي إن الله ورسوله قد برئا من العهد الذي عاهدتم
به المشركين، وأنه منبوذ إليهم؛ لأنهم ما عدا ناساً منهم وهم بنو ضَمْرة وبنو
كنانة نكثوا العهد، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض
أربعة أشهر آمنين أين شاؤوا، لا يتعرض لهم.
وقوله: ﴿فَسِيحُواْ﴾ عدول من الخبر إلى الخطاب، أي قل لهم: سيحوا،
أي سيروا في الأرض آمنين غير خائفين أحداً من المسلمين. وتبيّن بالآية أن
هذه البراءة وهذا النّبذ إليهم، إنما هي بعد أربعة أشهر، وأن عهد المعاهدين
باقٍ إلى آخر هذه المدّة(١).
وحددت لهم هذه المدّة ليفكروا في أمرهم، فيختاروا إما الإسلام وإما
القتال، ولتكون لديهم فرصة للاستعداد للقتال، إذا أصرّوا على شركهم
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٧٧/٣

٤٤٨
لُ (١٠) - التَوَّةِ: ١/٩-٤
وعداوتهم. وهذا منتهى التّسامح والإنذار، حتى لا يتهم المسلمون بأخذهم
فجأة على غرّة.
والأربعة الأشهر في رأي السيوطي هي: شوال وذو القَعْدة وذوالحجة
والمحرَّم؛ لأنه روي عن الزُّهري: أن ﴿بَرَآءَةٌ﴾ نزلت في شوال.
وقال آخرون كالزّمخشري والرّازي والقرطبي وابن كثير: هي الأشهر الحرم
في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل
والقتال فيها، وهي عشرون من ذي الحجة والمحرَّم وصفر وشهر ربيع الأول
وعشر من ربيع الآخر، وهذا هو القول الأصحّ في تقديري؛ لأن الإمام علي
رضي الله عنه قرأ أوائل سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾ على الناس يوم النّحر في منى.
وليس المراد بالأشهر الأربعة هي الأشهر الحرم المعروفة، وهي: ذو القعدة
وذوالحجة والمحرَّم ورجب كما ارتأى ابن جرير نقلاً عن ابن عباس؛ لأن ذلك
مخلّ بالنّظم القرآني، مخالف للإجماع؛ لأن حرمة هذه الأشهر قد نسخت،
ومثل هذا القول يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم. وإنما المراد أشهر التّسيير
الأربعة المذكورة آنفاً.
والحكمة في إعطاء ﴿بَرَآءَةٌ﴾ لعلي رضي الله عنه لتبليغها: أن براءة تضمّنت
نقض العهد الذي كان عقده النَّبي ◌ََّ، وكانت سيرة العرب ألا يُحُلّ العقد إلا
الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد النَّبي ◌َّ أن يقطع ألسنة العرب
بالحجة، ويرسل ابن عمه الهاشمي من بيته ينقض العهد، حتى لا يبقى لهم
متكلم.
وتضمّنت الآية جواز قطع العهد بيننا وبين المشركين، وذلك في حالتين:
حالة انقضاء مدّة المعاهدة، فنؤذنهم أي نخبرهم بالحرب، وحالة نقض العهد
منهم، أو خوف الغدر منهم، فننبذ إليهم عهدهم.

٤٤٩
الُ (١٠) - التَوَّةِ: ١/٩-٤
ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْلَمُوْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اَللَّهِ﴾ أي واعلموا علم اليقين
أنكم لن تفلتوا من عذاب الله بالهرب والتّحصن إن بقيتم على شرككم
وعداوتكم، وإن أمهلكم، وهو مخزيكم أي مذلّكم في الدُّنيا بالقتل، والآخرة
بالعذاب في النّار، كما قال تعالى في مشركي مكة وأمثالهم: ﴿ كَذَّبَ اُلَّذِينَ مِن
فَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِرْىَ فِى الْحَيَوَةِ
٤٠يرو
قَبْلِهِمْ فَأَنَنَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
[الزمر: ٢٥/٣٩-٢٦] .
٢٦
اُلُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
وبعد أن أعلن الله براءته من المشركين، أمر بإعلان هذه البراءة للناس
قاطبة، فقال: ﴿وَأَذَنُ مِّنَ اللَّهِ﴾ أي وإعلام من الله ورسوله بالبراءة من
عهود المشركين إلى الناس جميعاً، يوم الحجّ الأكبر وهو يوم النّحر الذي تنتهي
فيه فرائض الحجّ، وأفضل أيام المناسك، ويجتمع فيه الحجاج في منى لإتمام
مناسکھم.
فليس بين البراءتين تكرار؛ لأن البراءة الأولى مختصة بالمعاهدين والنّاكثين
العهد منهم، وأما الأذان بالبراءة فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم
يعاهد، ومن نكث من المعاهدين، ومن لم ینکث.
وسمي الأكبر لأنه حجّ فيه أبو بكر، ونُبذت فيه العهود. ويوم الحجّ الأكبر
في رأي ابن عباس في رواية عنه، وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن
شعبة، وهو مذهب مالك: هو يوم النّحر؛ لأن يوم النّحر فيه الحجّ كله؛ لأن
الوقوف بعرفة في ليلته، والرَّمي والنَّحر والحلق والطّواف في صبيحته.
وهو في رأي عمر وعثمان، وابن عباس في رواية أخرى، وطاوس
ومجاهد، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: يوم عرفة؛ لحديث مَخْرمة أنّ النَّبِي وَلِّ
قال: ((يوم الحج الأكبر: يوم عرفة)).
وروي عن عطاء ومجاهد: الحجّ الأكبر الذي فيه الوقوف بعرفة،
والأصغر: العمرة. أي أنّ العمرة تسمّى الحجّ الأصغر.

٤٥٠
لُ (١٠) - التَّوَّةِ): ١/٩-٤
وكان علي هو المخبر بنقض العهد، مع بقاء إمارة الحج لأبي بكر، كما
تقدّم، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: ((بعثني أبو بكر في تلك
الحجّة في مؤذنين بعثهم يوم النّحر يؤذِّنون بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك،
ولا يطوف بالبيت عُرْيان)) ثم أردف رسول الله وَّ بعلي بن أبي طالب، وأمره
أن يؤذّن ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيان.
ثم أكَّد الله تعالى الإعلام أو التَّبليغ الفوري فقال: ﴿فَإِن تُبْتُمُ﴾ أي قولوا
لهم: فإن تبتم عن الشرك فهو خير لكم، أي أنفع لكم في الدُّنيا والآخرة. وإن
توليتم عن الإيمان، وأعرضتم عن الإسلام، فاعلموا أنكم غير معجزي الله،
أي فائتي عذابه، فلن تفلتوا منه، فإنه محيط بكم، ومنزل عقابه عليكم، ولا
طاقة لكم بحربه في الدُّنيا، ووعده لرسله وللمؤمنين بالنّصر عليكم.
وبشّر أيها الرّسول من أنكر رسالتك، ولم يؤمن بالله وملائكته بعذاب مؤلم
شديد الألم في الآخرة. وهذا أسلوب تهكّمي واستهزاء إذ استخدم البشارة
بالسّوء محل الإنذار.
ثم استثنى الله تعالى من مدّة التّأجيل بأربعة أشهر لأصحاب العهود المطلقة
غير المؤقتة: من له عهد مؤقت، فأجله إلى انتهاء مدة عهده التي عوهد عليها ،
فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّم﴾ أي إن الإخبار بنقض العهد يسري على جميع
المشركين إلا المعاهدين الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئاً من شروط
العهد، ولم يظاهروا - يعاونوا - عليكم عدواً، كبني ضَمْرة وبني كِنانة
﴿فَتِّمُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُذَّتِهِمْ﴾ وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، بشرط ألا
ينقض المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحداً، أي يمالئ عليهم من
سواهم، فهذا الذي يوفى له بذمّته وعهده، وأكّد تعالى وجوب الوفاء بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ﴾ أي الموفين بعهدهم.
قال ابن عباس: بقي لحي من كنانة من عهدهم تسعة أشهر، فأتم إليهم
عهدهم.

٤٥١
الجُ (١٠) - التَّوَّيِ: ٩/ ١-٤
وهذا دليل قاطع على حرمة المعاهدات في الإسلام، وأن الوفاء بالعهد من
فرائض الإسلام ما دامت مدّة المعاهدة قائمة، وأن العهد المؤقّت لا ينقض إلا
بانتهاء وقته، وأن مراعاة شروط المعاهد من مظاهر التّقوى ومشتملاتها.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآيات على ما يلي:
اً - نقض معاهدات المشركين المطلقة غير المؤقّتة بزمن؛ لأنهم نكثوا العهد
وأخلوا بشروط التّعاهد.
أَ - من كان له عهد دون أربعة أشهر، تكمل له مدّة أربعة أشهر.
◌َّ - مدة الأمان وحريّة الانتقال والتأمل في المصير، إما بإعتناق الإسلام
أو بالدّخول في القتال: هي أربعة أشهر، تبدأ بعد عيد الأضحى أو يوم
النحر، وتنتهي في عاشر شهر ربيع الآخر سنة عشر. وهي دليل واضح على
حرص الإسلام على تسوية العلاقات الخارجية مع الأعداء على أساس من
السّلم والأمن والتّفاهم.
٤ - من كان له عهد مؤقّت، فیبقی علی عهده إلى انتهاء مدّته، مهما كان،
ما لم ينقض العهد، أو يخلّ بشرط من شروطه.
٥ - الإسلام يقدِّس العهود ويوجب الوفاء بها ويجعل احترامها نابعاً من
الإيمان، وملازماً لتقوى الله تعالى.
٩ - لن يعجز الله أحد من الكفار ولن يفوت من العقاب في الدُّنيا،
وللكافرين عذاب أليم في الآخرة، كيلا يظن أحد أنّ عذاب الدُّنيا لما فات
وزال، فقد تخلّص من العذاب، بل العذاب الشّديد معدّ له يوم القيامة.
٧ - إن افتتاح السورة بالبراءة وبدون بسملة يدخل في النّفس الرّهبة
الشَّديدة والخوف الأشدّ.

٤٥٢
الُ (١٠) - التَوَتَية: ٥/٩
٨ - لا يأس في شرعة القرآن، فقد فتح الله باب التوبة والأمل أمام
الكفار، وهددهم بالعذاب إن تولوا عن الإسلام.
فرضية قتال مشركي العرب في أي مكان وجدوا
﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ فَاقْتُلُوْ اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَأَحْصُرُوهُ وَأَفْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوا
الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
الإعراب:
﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ إما منصوب بتقدير حذف حرف الجرّ، أي على كل
مرصد وهو المنصوب بنزع الخافض، وإما منصوب على الظرف.
البلاغة:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ فيه استعارة، شبَّه انقضاء الشّهر بالانسلاخ
الواقع بين الحيوان وجلده.
المفردات اللغوية:
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ خرج وانقضى، شبَّ مضي الزّمان بانسلاخ الجلد المحيط
بالشّاة، لانتهاء تعلقه به . ﴿اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ جمع حرام، وهي آخر مدّة
التّأجيل، وهي الأشهر التي أُبيح للناكثين أن يسيحوا في الأرض، ويحرّم فيها
قتالهم، وهي يوم النّحر إلى العاشر من ربيع الآخر، كما تقدّم. ﴿حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ في حلّ أو حرم . ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي اِنْسروهم، والأخيذ: الأسير.
﴿ وَأَحْصُرُوهُمْ﴾ امنعوهم من الخروج والتّنقل في البلاد، واحبسوهم
وحاصروهم في القلاع والحصون حتى يضطروا إلى القتل أو الإسلام.

٤٥٣
الُ (١٠) - التَّوَثِيرًا: ٥/٩
﴿ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي اقعدوا لهم على كل مرصد، أي ممرّ
وطريق يجتازونه في أسفارهم.
﴿فَإِنِ تَابُواْ﴾ من الكفر. ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوهم ولا تتعرّضوا لهم. ﴿إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن استغفره وتاب، يستر ذنوبه، ويرحم شأنه.
المناسبة:
هذه الآية مفرعة على ما قبلها، فبعد أن أعلن تعالى البراءة من عهود
المشركين، وأعطاهم مهلة أمان، أربعة أشهر، ذكر ما يجب على المؤمنين فعله :
وهو قتالهم في أي مكان في الحلّ أو الحرم.
التفسير والبيان:
هذه هي آية السَّيف، إذ جاء الأمر فيها بالقتال، ومعناها: إذا انقضت
الأشهر الأربعة الْخُرُم التي حرم فيها القتل والقتال بين المسلمين والمشركين،
من يوم النّحر إلى العاشر من ربيع الآخر، على الرّاجح لدى المفسّرين،
وأجلناهم فيها، فافعلوا معهم ما يحقق المصلحة الحربية التي ترونها من اتّخاذ
أحد التدابير الآتية:
أن تقتلوهم في أي مكان وجدوا فيه، من حِلّ أو حرم.
أو تأخذوهم أسرى إن شئتم، والأسر إنما يكون للقتل أو الفداء أو المنّ
على ما يراه الإمام.
أو تحاصروهم في مواقعهم من القلاع والحصون، وتمنعوهم من الخروج
حتى يسلموا، ويرضخوا لما تملونه عليهم من الشروط، إلا أن تأذنوا لهم،
فیدخلوا إلیکم بأمان.
أو تقعدوا لهم في كل مرصد، أي تراقبوهم في كل موضع أو طريق أو ممرّ

٤٥٤
الُ (١٠) - التَّوَية: ٥/٩
يجتازونه في أسفارهم، حتى تضطروهم إلى الإسلام أو القتل، وحتى تملؤوا
قلوبهم خوفاً ورهبةً منكم. والمرصد: الموضع الذي يُرقَب فيه العدو، وهو
موضع الغِرَّة والمباغتة.
فإن تابوا عن الكفر أو الشرك الذي حملهم على قتالكم وعداوتكم،
ودخلوا في الإسلام بأن أعلنوا الشّهادتين، وأقاموا حدوده، والتزموا أركانه،
من إقامة الصلاة، وإيتاء الزّكاة، فخلُّوا سبيلهم، واتركوهم وشأنهم،
واعلموا أن الله غفور لمن استغفره، رحيم بمن تاب إليه.
وقد نبّه على إقامة الصّلاة التي هي حقّ الله عزّ وجلّ بعد أداء الشّهادتين؛
لأنها أشرف أركان الإسلام بعد الشّهادتين، وبعدها أداء الزّكاة التي هي
أشرف الأفعال المتعلّقة بالمخلوقين، وتؤدِّي إلى تحقيق التكافل الاجتماعي في
الإسلام، وتساهم في حلّ مشكلة الفقر، ونفع الفقراء، ولهذا كثيراً ما يقرن
الله بين الصلاة والزكاة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلّت الآية على ما يأتي:
اً - وجوب قتال المشركين العرب حتى يسلموا؛ إذ لا يقبل منهم
باعتبارهم حملة رسالة الدّعوة الإسلامية إلى العالم إلا الإسلام أو القتل.
أَ - إنّ إقامة الصّلاة أو إيتاء الزّكاة دليل على الإسلام، وأنهما يعصمان
الدّم والمال، ويوجبان لمن يؤدِّيهما حقوق المسلمين من حفظ دمه وماله إلا بحق
الإسلام، كارتكاب ما يوجب القتل من قتل النفس البريئة، وزنى الزّاني
المحصن، والرّة إلى الكفر بعد الإيمان، قال النَّبِي وَّ فيما رواه البخاري
ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود وغيره: ((لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى
ثلاث: كُفر بعد إيمان، أو زنىّ بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس)).

٤٥٥
الُعُ (١٠) - التَّوَّة: ٥/٩
وروى الشَّيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله وَ له
أنه قال - وهو حديث متواتر -: ((أُمرت أن أُقاتل الناس - أي مشركي
العرب بالإجماع - حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله،
ويقيموا الصّلاة، ويؤتوا الزّكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم
وأموالهم، إلا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله)).
واشتراط الأمور الثلاثة للتّحقق من إسلام المشركين؛ لأن النُّطق
بالشّهادتين يدلّ على ترك عبادة غير الله، وطاعة الرّسول فيما يبلِّغه عن ربِّه،
وإقامة الصّلاة خمس مرات في اليوم والليلة، أمارة على الانخراط في سلك
الرّابطة الدِّينية الاجتماعية بين المسلمين، وأداء الزّكاة دليل على احترام النّظام
المالي الاجتماعي في الإسلام.
◌َّ - احتجّ الشّافعي بهذه الآية على أنّ تارك الصّلاة يقتل؛ لأنه تعالى أباح
دماء الكفار بجميع الحالات، ثم حرّمها عند مجموع هذه الثلاثة: وهي التوبة
عن الكفر، وإقامة الصّلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا لم يوجد هذا المجموع، وجب
أن يبقى إباحة الدّم على الأصل.
ورأى الجصّاص الحنفي أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوُاْ
الزَّكَوَةَ﴾ قبول لزومهما والتزام فرضهما دون فعلهما(١).
٤ - نقل عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أنه كان يقول في مانعي
الزّكاة: ((لا أفرِّق بين ما جمع الله)) وقال أيضاً: ((لأُقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة
والزّكاة؛ فإن الزّكاة حقّ المال)). وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان
أفقهه.
. ولا خلاف بين المسلمين أن من ترك الصّلاة وسائر الفرائض مستحلّاً
(١) أحكام القرآن: ٨١/٣ -٨٢

٤٥٦
الُ (١٠) - التَوَتَية: ٥/٩
كفر، ومن ترك السُّنَ متهاوناً فسَق، ومن ترك النّوافل لم يَجْرَج؛ إلا أن يجحد
فضلها فيكفر؛ لأنه يصير رادّاً على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ما جاء به
وأخبر عنه(١).
واختلف العلماء فيمن ترك الصّلاة کسلاً من غير جَحْد لها ولا استحلال؛
فقال مالك والشّافعي: من آمن بالله، وصدَّق المرسلين، وأبى أن يصلِّي قُتل.
وقال أبو حنيفة: يسجن ويضرب، ولا يقتل؛ لأنه إذا زال حكم القتل
بزوال سمة الشّرك، فالحصر والحبس باقٍ لترك الصّلاة ومنع الزّكاة، فمن ترك
الصّلاة ومنع الزّكاة حبسه الإمام، فاستفيد الحبس من الآية.
ه - هذه الآية دالّة على أنّ من قال: قد تُبت، أنه لا يجتزأ بقوله حتى
ينضاف إلى ذلك أفعاله المحقّقة للتّوبة؛ لأن الله عزّ وجلّ شرط هنا مع التّوبة
إقامة الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، ليحقِّق بهما التّوبة. وقال في آية الرِّبا: ﴿وَإِن
ثُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩/٢]، وقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
وَأَصْلَحُواْ وَبَيِّنُواْ﴾ [البقرة: ١٦٠/٢].
أَ - قوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ اُلْمُشْرِكِينَ﴾ عام في كل مشرك وفي كل من كفر
بالله، كما ذكرابن العربي، لكن السّنّة خصّت منه المرأة والصَّبي والرّاهب،
وخصّ من القتل المثلة للنّهي عنها في السُّنّة، وعن قتل الصّبر بالنّبل ونحوه،
وقال النَّبِي ◌َّه فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود: ((أعفُّ الناس
قِتْلة: أهل الإيمان))، وقال فيما رواه الجماعة عن شدّاد بن أوس: ((إذا قتلتم
فأحسنوا القتلة)).
والمراد بالآية: اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم(٢). فيقتل مشركو العرب
(١) تفسير القرطبي: ٧٤/٨
(٢) أحكام القرآن لابن العربي: ٨٨٩/٢

٤٥٧
الجزءُ (١٠) - التَّوَّةِ): ٦/٩
أو يسلموا. وخصّت الآية أيضاً بأهل الكتاب بإقرارهم على الجزية فيخيرون
بين الإسلام أو الجزية أو القتل، كما سيأتي في آية: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩/٩] . وفي حديث بريدة الذي
رواه مسلم: ((إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فادعوهم إلى
أداء الجزية، فإن فعلوا فخذوا منهم وكفوا عنهم)) وهذا الحديث وإن كان عاماً
في سائر المشركين إلا أنه استثني منه مشركو العرب بالآية.
وصار قوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِثُمُوهُمْ﴾ خاصّاً في مشركي
العرب دون غيرهم(١).
لاً - دلّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ على أنه يغفر لهم ما سلف من
الكفر والغدر.
مشروعيّة الأمان
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرُهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اٌللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ
٦
مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ
الإعراب:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾: ارتفع ﴿أَحَدٌ﴾ بفعل الشرط المقدر الذي دلّ عليه الظاهر
وفشَره، تقديره: وإن استجارك أحد، ولا يرتفع بالابتداء؛ لأن ﴿وَإِنْ﴾ من
حروف الشرط، لا تدخل إلا على الفعل، فوجب تقديره، فارتفع الاسم
بعده؛ لأنه فاعله.
المفردات اللغوية:
﴿ أُسْتَجَارَكَ﴾ طلب جوارك، أي حمايتك وأمانك واستأمنك من القتل.
(١) أحكام القرآن للجصاص: ٨١/٣

٤٥٨
الُ (١٠) - الْتَوَّةِ: ٦/٩
﴿فَأَجِرُهُ ﴾ أمِّنه. ﴿كَلَمَ اللَّهِ﴾ أي القرآن. ﴿مَأْمَنَهُ﴾ مكان أمنه، وهو مسكنه
الذي يأمن فيه، أو دار قومه، إن لم يؤمن، لينظر في أمره . ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور.
﴿ِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ الإسلام أو دين الله وحقيقته، فلا بدّ لهم من إعطاء
الأمان، لسماع القرآن، وفهم الحقّ، ليعلموا، ولا يبقى لهم معذرة.
المناسبة:
بعد أن أوجب الله تعالى قتال المشركين بعد مهلة الأمان التي هي أربعة
أشهر حُرُم، لنقضهم العهود، أبان تعالى أن المطالبة بالإسلام أو القتل لا يعني
عدم تمكين المشركين من سماع أدلّة الإيمان، فلو طلب أحد من المشركين الدَّليل
والحجّة، أو جاء طالباً استماع القرآن، فإنه يجب إمهاله، ويحرم قتله، ويجب
إيصاله إلى مأمنه، ليكون على بيِّنة وعلم من أمره.
التّفسير والبيان:
بالرّغم من نزول آية السَّيف الشَّديدة الوطأة على مشركي العرب، ونظراً
لأن الإسلام يحرص على نشر دعوته بالوسائل السلمية، وبالإقناع والحجة
والبرهان، وأنه ليس الهدف من تشريع الجهاد سفك الدِّماء، وإنما المهم
الوصول إلى الإيمان وترك الجحود، وقبول الدِّين والإقرار بالتّوحيد، بالرّغم
من كل ذلك وتقديراً لأسباب مشروعية القتال، وتأكيد الحرص على السّلام،
أرشد الله المؤمنين إلى وجوب قبول الأمان ومنحه لمن استأمن المسلمَ من
المشركين.
والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين الذين نقضوا العهد بعد انقضاء مهلة
السياحة في الأرض بحرية مطلقة وهي الأشهر الأربعة، يطلب الأمان ليسمع
كلام الله ويتدبّره، ويفهم حقيقة الدِّين والأمر، فيجب تأمينه وحمايته حتى
يصل إلى غايته، ويحرم قتله والتّعدِّي عليه.

٤٥٩
الُ (١٠) - التَّوَتِير: ٦/٩
ومتى أراد العودة لبلاده يجب منحه الأمان حتى يصل إلى وطنه الذي يأمن
فيه أو داره وبلاده ومأمنه، ثم قاتله بعدئذٍ إن شئت من غير غدر ولا خيانة.
وهذا الحكم ثابت في كل وقت، قال الحسن رضي الله عنه: هي محكمة إلى
يوم القيامة. وعن سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى علي رضي الله
عنه فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع
كلام الله، أو يأتيه لحاجة قتل؟ قال: لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ﴾.
وروي عن السُّدِّي والضَّحّاك رضي الله عنهما: هي منسوخة بقوله تعالى:
﴿ فَقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾. وردّ القرطبي: والصَّحيح أن الآية محكمة، بدليل ما قاله
الإمام علي رضي الله عنه فيما رواه عنه ابن جبير من الكلام السابق.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ يعني أن ذلك التّسامح
المفهوم من الأمر بإجارة المستجير في قوله تعالى: ﴿فَأَجِرُهُ﴾ وإبلاغه مأمنه،
بسبب أن هؤلاء المشركين قوم جهلة، لا يعلمون حقيقة الإسلام وما يدعو
إليه، ومن جهل شيئاً عاداه، فلا بدّ من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا
الحق.
وبناءً عليه كان رسول الله وَلَه يعطي الأمان لمن جاءه مسترشداً أو حاملاً
رسالة، كما جاءه يوم الحديبية جماعة من الرّسل من قريش، منهم عروة بن
مسعود، ومِكْرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحداً بعد واحد،
يتردّدون في القضيّة بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام رسول الله وَلّ ما
بهرهم، وما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم
بذلك. وكان ذلك من أكبر أسباب هداية أكثرهم.
ولما قدم رسولا مُسَيْلمة الكذّاب على رسول الله وَلّ قال لهما: أتشهدان أن
مسيلمة رسولُ الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله وَ ل﴿ فيما رواه أحمد وأبو داود
عن نعيم بن مسعود: ((والله لولا أنّ الرّسل لا تُقتَل، لضربت أعناقكما)).

٤٦٠
لِلُ (١٠) - التَّوَّية: ٦/٩
والآية تفيد عموم حكم الأمان لأهداف دينيّة أو سياسيّة أو تجاريّة، قال
ابن كثير: والغرض أنّ من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة
أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب،
وطلب من الإمام أو نائبه أماناً، أُعطي أماناً، ما دام متردّداً في دار الإسلام،
وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه (١).
ونص الحنفيّة والشافعيّة وغيرهم على أن الحربي إذا دخل دار الإسلام
مستجيراً لغرض شرعي كسماع كلام الله، أو دخل بأمان للتِّجارة، وجب
تأمينه وحماية نفسه وماله، إلى أن يبلغ داره التي يأمن فيها، فإن دخل الحربي
دار الإسلام بلا أمان، كان مغنوماً مع ماله. وقال ابن العربي: الآية إنما هي
فيمن يريد سماع القرآن والنّظر في الإسلام، فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي
لمصلحة المسلمين ومنفعتهم (٢).
ولا يقتصر الأمر على مجرد كون المستجير طالباً لسماع القرآن، كما
صرّحت الآية، وإنما يلحق به كونه طالباً لسماع الأدلّة على كون الإسلام
حقّاً، وكونه طالباً الجواب عن الشُّبهات التي عنده؛ لأن كل هؤلاء يطلبون
العلم ويسترشدون عن الحقّ.
والمراد بالسَّماع: أن يسمع ما تقوم به الحجّة، ويتبيَّن به بطلان الشّرك
وحقيقة التّوحيد والبعث وصدق الرّسول في تبليغه عن الله، وكل ما يدلّ على
أنّ الإسلام حقّ، سواء أكان سورة ﴿بَرَآءَةٌ﴾ أو جميع القرآن، أو غير ذلك
من الأدلّة العقليّة والبراهين العلميّة.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآية ما يأتي:
(١) تفسير ابن كثير: ٣٣٧/٢
(٢) أحكام القرآن: ٧٩١/٢