Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
اِلُعُ (١٠) - الأَفقال: ٥٠/٨-٥٤
ثم أخبر الله تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة
أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه، فقال: ذلك العذاب الناجم عن سوء
العمل وإهلاك قريش بكفرها بأنعم الله عليها، بسبب سنته تعالى وحكمته التي
اقتضت ألا يغير نعمته على قوم، حتى يغيروا ما بهم من الحال، فيكفروا.
النعمة، ويبطروا بها، فاستحقوا تبديل الأوضاع، كتبديل أهل مكة إطعامهم
من جوع، وأمنهم من خوف، كقوله تعالى: ﴿إِنَ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمُّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ
وَالٍ﴾ [الرعد: ١٣/ ١١].
وفي هذا دلالة واضحة على أن استحقاق النعم منوط بصلاح العقائد،
وحسن الأعمال، ورفعة الأخلاق، وأن زوال النعم يكون بسبب الكفر
والفساد وسوء الأخلاق، إلا أن يكون ذلك استدراجاً كما قال تعالى في آية
أخرى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤/٦٨].
وكل الناس تحت رقابة الله المتصرف فيهم، لذا قال: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
عَلِيمٌ﴾ أي سميع لما يقول مكذبو الرسل، عليم بما يفعلون.
ثم أكد تعالى الكلام السابق وفصله تفصيلاً، فقال مرة أخرى: ﴿ كَدَابٍ
ءَالٍ فِرْعَوْنُ﴾ لترسيخ وجه الشبه، وبيان المقصود بالكلام الأول من الأخذ
وهو الإغراق، وبيان ما نزل بهم من العقوبة حال الموت، ثم ما ينزل بهم في
القبر في الآخرة، وتوضيح أن سبب العذاب أولاً - الكفر بآيات الله، أي
إنكار الدلائل الإلهية، وثانياً - التكذيب بآيات ربهم أي إنكار وجوه التربية
والإحسان والنعمة، مع كثرتها وتواليها عليهم، فقوله: ﴿بَِايَتِ اُللَّهِ﴾ زيادة
دلالة على كفران النعم وجحود الحق.
والخلاصة: لقد اجتمع في هؤلاء المعذّبين: الكفر بوجود الله ووحدانيته،
وإنكار النعم التي أنعم الله بها عليهم.
٣٨٢
الُ (١٠) - الأنفال: ٥٠/٨-٥٤
وختم تعالى الكلام بقوله: ﴿وَكَلَّ كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ أي أن كلاً من مشركي
قريش وآل فرعون كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعصية، وظالمي سائر الناس
بسبب الإيذاء، وأن الله إنما أهلكهم بسبب ظلمهم وذنوبهم، وسلبهم تلك .
النعم التي أسداها إليهم، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، أي
كانوا هم الظالمين الذي عرّضوا أنفسهم لعذاب الله تعالى، ولا يظلم ربك
أحداً.
وكان عذاب مشركي قريش مقصوراً على القتل وسلب النعمة منهم بسبب
كفرهم ومعاصيهم. وأما عذاب من قبلهم فكان عذاب استئصال كإغراق آل
فرعون وإرسال الريح على عاد، والصيحة المجاوزة للحد في الشدة (وهي
الطاغية) على ثمود.
فقه الحياة أو الأحكام:
ما أتعس حال الكفار، وإن انغمسوا في الثروة والأموال إلى ماشاء الله !!
فإنهم في النتيجة آيلون إلى سوء المصير، فليست السعادة بالأموال والأولاد
كما يتوهم السطحيون، وإنما السعادة بالإيمان وطمأنينة القلب وتعمير الدنيا
بالعمل الصالح للآخرة !!
ما أشقى هؤلاء الكفار قاطبة في كل مكان وزمان، وليتهم اعتبروا بالعبر
والعظات بمن سبقهم في التاريخ !!
لقد اشتد إيذاء المشركين للنبي وَ ل والمؤمنين، وقاتلوهم قتالاً عنيفاً،
وصادروا أموالهم في مكة، فماذا كانت النتيجة؟ هل حصدوا خيراً أم جنوا
شراً وسوءاً؟
إنهم قتلوا في بدر أشد قِتْلة، وضربوا قبل نزع أرواحهم بشدة وعنف أشد
ضَرْبةَ. ولو انكشف لنا حالهم أثناء تعذيب الملائكة لهم لرأينا العجب
العجاب.
٣٨٣٫
الُرَحُ (١٠) - الأنفال: ٥٠/٨-٥٤
قال الحسن البصري: إن رجلاً قال لرسول الله وَيليه: يارسول الله، إني
رأيت بظهر أبي جهل مثل الشِّرَاك(١)؟ قال: ((ذلك ضرب الملائكة)).
ثم إنهم يذوقون في عذاب النار أشد العذاب، والذوق حسي ومعنوي.
وليس تعذيبهم في الدنيا والآخرة ظلماً أو جوراً، فليس الله بظلام للعبيد،
بعد أن أوضح السبيل وبعث الرسل، وأنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة
الموانع، فما عليهم إلا أن يشتغلوا بالعبادة والشكر، ويعدلوا عن الكفر، فإذا
بقوا في الفسق والكفر، فقد غيروا نعمة الله على أنفسهم، فاستحقوا تبديل
النعمة بالنقمة، والمنحة بالمحنة. وهذا أدل شيء على أنه تعالى لا يبتدئ أحداً
بالعذاب والمضرة، والذي يفعله لا يكون إلا جزاء على معاص من أنفسهم،
ولو كان تعالى خلقهم وخلق أجسامهم وعقولهم ابتداء للنار، كما يزعم
بعضهم، لما وافق ذلك عدل الله وحكمته ورحمته.
إنهم أشبهوا قوم فرعون بالكفر والمعصية وإنكار وجود الله ووحدانيته،
وتكذيب الرسل، وتبديل الجحود والعناد بالنعمة المستحقة للشكر.
إن مظهر تغيير آل فرعون ومشركي مكة نعمة الله عليهم، كان مقابلة الإله
المنعم بجحوده وإنكاره وعبادة الأصنام، فسلبوا الخيرات التي أنعم الله
عليهم، من ثمار كثيرة في مصر، وجلب الأرزاق لأهل مكة، وقد تتغير الحال
المسخوطة إلى أسخط منها، فلما بعث إليهم الرسل، كذبوهم وعادوهم وهموا
بقتلهم، فغير الله حالهم إلى أسوأ مما كانت، وغير ما أنعم به عليهم من
الإمهال إلى التعجيل بالعذاب.
(١) الشراك: سير النعل، جمع أشرك.
٣٨٤
الُعُ (١٠) - الأنفال: ٥٥/٨-٥٩
معاملة من نقض العهد ومن ظهرت منه بوادر النقض
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
اُلَّذِينَ عَهَدتَّ
٥٥
فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ
مِنْهُمْ ثُمّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ
اُلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ
خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
٥٩
كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ
القراءات:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ :
قرئ :
١- (ولا يَحْسَبَنَّ) وهي قراءة ابن عامر، وحفص، وحمزة.
٢- (ولا تحسبنَّ) وهي قراءة الباقين.
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ :
وقرأ ابن عامر (أنهم لا يعجزون).
· الإعراب:
﴿الَّذِينَ عَهَدَثَ مِنْهُمْ﴾ بدل من قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي الذين عاهدت
للتبعيض.
﴿مِنْهُ
من الذين كفروا. وقوله :
﴿فَاَنَِّذْ﴾ فعل أمر هو جواب الشرط، وفيه حذف تقديره: فانبذ إليهم
العهد وقابلهم على إعلام منك لهم، وفي هذه الآية من لطيف الحذف
والاختصار ما يدل على فصاحة القرآن وبلاغته. ﴿عَلَى سَوَاءِ﴾ حال متساوية في
العلم بنقض العهد.
٣٨٥
الجزءُ (١٠) - الأنفال: ٥٥/٨-٥٩
﴿الَّذِينَ
٠
٥٩
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوَاْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ
ج
كَفَرُواْ﴾: فاعل، و﴿سَبَقُواْ﴾: تقديره: أنهم سبقوا، فسد مسد المفعولين.
وقرئ: ولا تحسبن، فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المفعول الأول، و﴿سَبَقُواْ﴾:
المفعول الثاني، كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا سابقين. وإنهم لا
يعجزون: ابتداء كلام، وقرئ بفتح: أن، على تقدير: لأنهم.
المفردات اللغوية:
﴿اٌلَّوَابِ﴾ جمع دابة: وهي في الأصل: كل مادبَّ على الأرض وغلب
استعماله في الحيوانات ذوات الأربع، والمراد به هنا: الناس، وهو المعنى
الأصلي للكلمة وهم بنو قريظة ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي في حكمه وعلمه ﴿الَّذِينَ
عَهَدَثَّ مِنْهُمْ﴾ ألا يعينوا المشركين، وهم طوائف من يهود المدينة ﴿وَهُمْ لَا
يَثَّقُونَ﴾ الله في غدرهم. ﴿فَإِمَّا﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ((ما)) المزيدة
﴿نَتْقَفَّهُمْ﴾ تجدنهم وتصادفَّهم، من ثقِف الرجل: أدركه وظفِر به ﴿فَشَرِّدْ
بِهِم﴾ فرِّق وبدِّد وخوِّف بهم، والتشريد: التفريق مع إزعاج، والمراد هنا:
نكّل بهم تنكيلاً وعاقبهم عقاباً يخوِّف غيرهم ﴿مَنّ خَلْفَهُمْ﴾ أي غيرهم من
المحاربين ناقضي العهد، وهم كفار مكة وأعوانهم من المشركين . ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي
الذين خلفهم ﴿ يَذَّكَّرُونَ﴾ يتعظون بهم.
﴿ فَائِبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم عهدهم وحاربهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي استواء
أنت وهم في العلم بنقض العهد، بأن تعلمهم به، لئلا يتهموك بالغدر، أو
على طريق واضح سوي لا خداع فيه ولا خيانة. ﴿سَبَقُواْ﴾ أنهم فاتوا وأفلتوا
من الظفر بهم ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ أي لا يعجزون الله في إدراكهم ولا
يفوتونه، بل سيجازيهم على كفرهم. وهو تعليل على سبيل الاستئناف. وعلى
قراءة الفتح أي (أنهم) فيه تصريح بالتعليل، قال البيضاوي: والأظهر أنه
تعليل للنهي، أي لا تحسبنهم سبقوا فأفلتوا؛ لأنهم لا يفوتون الله، أو لا
يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم.
٣٨٦
الجُ (١٠) - الأنفال: ٥٥/٨-٥٩
سبب النزول:
نزول الآية (٥٥):
﴿إِنَّ شَرَّ الذَّوَآتِ﴾: قال ابن عباس: إنهم بنو قريظة نقضوا عهد رسول
الله وَ لجر، وأعانوا عليه بالسلاح في بدر، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، فعاهدهم
الثانية فنقضوا العهد ومالؤوا الكفار على رسول الله وَله يوم الخندق، وركب
زعيمهم كعب بن الأشرف إلى مكة، فحالفهم على محاربة النبي ◌َله
نزول الآية (٥٩):
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ﴾: روى أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن ابن شهاب
الزهري قال: دخل جبريل على رسول الله وَله، فقال: قد وضعت السلاح،
ومازلت في طلب القوم، فاخرج فإن الله قد أذن لك في قريظة، وأنزل فيهم:
﴿وَإِمَّا تَخَافَرَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ﴾ الآية.
وقال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآيات في ستة رهط من اليهود، منهم
ابن تابوت. وقال مجاهد: نزلت في يهود المدينة، وكان زعيمهم الطاغوت
كعب بن الأشرف، وهو فيهم كأبي جهل في مشركي مكة.
المناسبة:
بعد أن وصف الله تعالى كل الكفار بقوله: ﴿وَكُلُّ كَانُوْ ظَلِمِينَ﴾ أفرد
بعضهم بمزية في الشر والعناد. وبعد أن أبان تعالى حال مشركي قريش في
قتالهم النبي والمؤمنين ببدر، ذكر حال فريق آخر قاتلوا النبي ◌َّ- وهو يهود
الحجاز.
التفسير والبيان:
نزلت هذه الآيات في يهود بني قريظة، ومفادها: إن شر مادبَّ على وجه
٣٨٧
الجُزْءُ (١٠) - الأَنْفَالك: ٥٥/٨-٥٩
الأرض في حكم الله وعدله هم الذين كفروا ونقضوا العهد، فهم شر خلق الله
لاتصافهم بصفتين: الإصرار على الكفر الدائم والعناد، ونقض العهد الذي
عاهدوه وأكدوه بالأيمان، ولهم صفة ثالثة هي أنهم لا يتقون الله ولا يخافون
منه في شيء ارتكبوه من الآثام، ولا يتقونه في غدرهم ونقض العهد.
وقد وصفهم الله بأنهم شر الدواب للإشارة إلى أنهم بلغوا درجة الدواب،
بل هم شر منها؛ لعدم وجود نفع منهم، كما قال تعالى في أمثالهم: ﴿إِنْ هُمْ
إِلَّ كَلِأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤/٢٥] ﴿أُوْلَئِكَ كَلْأَنْعَمِ بَلّ هُمْ
أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩/٧].
وبعد أن أبان الله تعالى صفاتهم الثلاث وأخصها هنا تكرار نقض العهد،
أبان حكم من نقض العهد وهو القتل، فقال: ﴿فَإِمَّا نَتْقَفَّهُمْ فِ اُلْحَرْبِ﴾ أي
إن ظفرت بهم في الحرب، فافعل بهم فعلاً يفرّق بهم من خلفهم، أي فنكّل
بهم تنكيلاً شديداً يخافك من وراءهم أو سواهم من الأعداء من العرب
وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة، افعل هذا لعلهم يتعظون بهم، ويحذرون أن
ينقضوا العهد، فيصنع بهم مثل ذلك.
وفي هذا دلالة على أن الحرب ليست مرغوبة، وإنما هي ضرورة لمنع البغي
والعدوان وإعلاء كلمة الله، وإن القسوة مع ناقضي العهد أمر مطلوب للعظة
والعبرة، حتى لا يعودوا هم وغيرهم إلى مثل صنيعهم.
وبما أن الوقاية خير من العلاج، أوضح الله تعالى أيضاً حكم من ظهرت
منه بوادر نقض العهد والخيانة بأمارة من الأمارات، فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا
تَخَافَنَ﴾.
أي إن توقعت من قوم معاهدين وغلب على ظنك خيانة بنقض العهد الذي
بينك وبينهم، بأمارة ظاهرة وقرينة واضحة، فاطرح لهم عهدهم على سواء،
أي أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء،
٣٨٨
الجزءُ (١٠) - الأنفال: ٥٥/٨-٥٩
فتكون أنت وهم متساويين في العلم بنقض العهد، وبأنك حرب لهم وهم
حرب لك، أي قيام حالة الحرب. والنبذ لغة: الرمي والرفض. والسواء:
المساواة والاعتدال.
إن الله يكره الخيانة ويعاقب عليها، حتى ولو في حق الكفار، فلا يك منك
إخفاء نكث العهد والخداع.
قال الإمام أحمد عن شعبة عن سليم بن عامر: كان معاوية يسير في أرض
الروم، وكان بينه وبينهم أمد، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى الأمد
غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدراً، إن
رسول الله وَلّ قال: ((ومن كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلنَ عُقْدة، ولا
يشدها، حتى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء)» فبلغ ذلك معاوية،
فرجع، فإذا بالشيخ عمرو بن عَنْبَسة رضي الله عنه(١).
وروى الإمام أحمد أيضاً عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: أنه انتهى إلى
حِصْن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني أدعوهم كما رأيت رسول الله وَله
يدعوهم فقال: إنما كنت رجلاً منكم، فهداني الله عز وجل للإسلام، فإن
أسلمتم فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم
صاغرون، وإن أبيتم نابذناكم على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ﴾ يفعل
ذلك بهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع، غدا الناس إليها، ففتحوها بعون
الله تعالى.
وروى البيهقي أن النبي وَ لّ قال: ((ثلاثة، المسلم والكافر فيهن سواء: من
عاهدته فوفِّ بعهده مسلماً كان أو كافراً، فإنما العهد لله، ومن كانت بينك
(١) ورواه أيضاً أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان
في صحيحه من طرق عن شعبة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
٣٨٩
الجُعُ (١٠) - الأَفقال: ٥٥/٨-٥٩
وبينه رَحِم فصِلْها، مسلماً كان أو كافراً، ومن ائتمنك على أمانة فأدِّها إليه،
مسلماً كان أو كافراً)).
ثم أنذر الله تعالى الخائنين بما يحل بهم من عقاب، وبيَّن حال من فات النبي
وَلّ يوم بدر وغيره، لئلا يبقى حسرة في قلبه نحو من بلغ في إيذائه مبلغاً
عظيماً، فقال: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ﴾ أي لا يظنن الذين كفروا
أنهم فاتوا وأفلتوا من الظفر بهم، ونجوا من عاقبة خيانتهم، وأنهم فاتونا فلا
نقدر عليهم، بل هم تحت قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا، فلا يعجزوننا، كقوله
تعالی:
﴿ أَمْ حَسِبَ اُلَِّينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَأْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
[العنكبوت: ٤/٢٩] أي يظنون.
إنهم لا يعجزون الله تعالى ولا يفوتونه، وإنما سيجزون على كفرهم، كما
قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِىِ الْأَرْضِّ وَمَأْوَنَّهُمُ النَّارِ وَلَيْسَ
الْمَصِيرُ
[النور: ٥٧/٢٤] وقال تعالى أيضاً: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِى
اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٢/٩].
فالآية تطمين للنبي والفر أنه منتقم ممن كفروا وآذوه، وقطع لأطماعهم
بالتغلب على المؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآية الأولى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ﴾ بيان أوصاف اليهود من بني
قريظة، فهم كفرة، ناقضو العهود على الدوام، لا يتقون الله في غدرهم
وخيانتهم.
قال أهل المعاني: إنما عطف المستقبل
كَفَرُواْ﴾ لبيان أن من شأنهم نقض العهد مرة بعد مرة.
الَّذينَ
ينقضونَ﴾ على الماضي
تمّ
٣٩٠
الُعُ (١٠) - الأَفَالة: ٥٥/٨-٥٩
قال ابن عباس: هم قريظة، فإنهم نقضوا عهد رسول الله وَلَه، وأعانوا
عليه المشركين بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا: أخطأنا، فعاهدهم مرة أخرى،
فنقضوه أيضاً يوم الخندق.
ثم أوضح الله تعالى ما يفعل الرسول صل* في حق من يجده في الحرب من
ناقضي العهد وهو التنكيل الشديد، ليكون عبرة لغيره.
ثم ذكر ما يجب أن يفعله فيمن ظهر منه نقض العهد والغش في قوله:
﴿فَائِبِذْ إِلَيْهِمْ عَى سَوَاءٍ﴾ وهو نبذ العهد وإعلامه بانتهاء المعاهدة، حتى
يتساوى الطرفان في العلم بقيام حالة الحرب. حكى الطبري عن مجاهد: أن
هذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير. فآيَة ﴿فَشَرِّدُ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ في
شأن بني قريظة، الذين كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة حين تحزبوا مع قريش في
وقعة الخندق. وآية ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ﴾ تشمل بني النضير وغيرهم ممن تخاف
خيانتهم.
وقد تساءل ابن العربي حول آية ﴿وَإِمَّا تَخَافَ﴾ ثم أجاب عن التساؤل،
فقال: كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظنّ لا يقين معه،
فكيف يسقط يقين العهد بظنّ الخيانة؟
والجواب من وجهين:
أحدهما - أن الخوف ههنا بمعنى اليقين، كما يأتي الرجاء بمعنى العلم،
كقوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَا (٣)﴾ [نوح: ١٣/٧١].
الثاني - إنه إذا ظهرت آثار الخيانة، وثبتت دلائلها، وجب نبذ العهد، لئلا
يُوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين ههنا بالظن للضرورة (١).
(١) أحكام القرآن: ٨٦٠/٨
٣٩١
الجُزءُ (١٠) - الأَفَالَ: ٥٥/٨-٥٩
أي إن قوله: ﴿تَخَافَنَ﴾ إما بمعنى تعلمنَّ، وإما بمعنى تظنن، ويكفي
الظن للضرورة.
وأما إذا عُلِم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم، وقد سار النبي ◌َّ إلى
أهل مكة عام الفتح؛ لما اشتهر منهم نقض العهد، من غير أن ينبذ إليهم
عهدهم.
وفي الآية دلالة واضحة على إيجاب الإسلام المحافظة على العهود مع
الأعداء، وتحريم الخيانة معهم. روى مسلم عن أبي سعيد الْخُدْري قال: قال
رسول الله ◌َّل: ((لكل غادر لواء يوم القيامة، يُرفع له بقدر غَدْره، ألا ولا
غادِر أعظم غدراً من أمير عامة)) والسبب أن غدره يفقد الثقة بعهوده
ومصالحاته، فيعظم ضرره، ويكون ذلك منقِّراً عن الدخول في الدين،
وموجباً لذم أئمة المسلمين.
فأما إذا لم يكن للعدو عهد، فيمكن اتخاذ كل الحيل والخديعة معه، وعليه
يحمل قوله ﴿ ﴿ فيما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر:
(الحرب خَدْعة)) وإذا كان العدو اليوم مثل اليهود في الأرض المحتلة لا يعتد
بعهد ولا ذمّة، فتكون مفاجأته من ألوان الفن الحربي.
وهل يجاهَد مع الإمام الغادر؟ للعلماء رأيان: ذهب أكثرهم إلى أنه لا
يقاتل معه، بخلاف الخائن والفاسق، وذهب بعضهم إلى الجهاد معه.
ثم ذكر الله تعالى حال من فاته العقاب يوم بدر، وظل على قيد الحياة،
وهو أن شأنهم يسير هيِّن على الله، فهم إن تخلصوا من الأسر والقتل لا
يعجزون الله من الانتقام منهم في الآخرة، بل لا يعجزونه من العقاب في
الدنيا حتى يُظفر الله الرسولَ بهم. والمقصود تسلية الرسول فيمن فاته، ولم
يتمكن من التشفي والانتقام منه.
٣٩٢
الجزءُ (١٠) - الأنفال: ٦٠/٨
الإعداد الحربي لقتال الأعداء
بحسب الطاقة والاستطاعة
﴿ وَأَعِذُواْ لَهُمْ مَا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ
اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
الإعراب:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ الهاء في ﴿ربِهِ،﴾ إما أن تعود على ﴿مَّا﴾ أو على الرباط،
أو على الإعداد المفهوم من قوله: ﴿ وَأَعِدُواْ﴾.
﴿ وَءَاخَرِينَ﴾ منصوب بالعطف على ﴿عَدُوَّ اللَّهِ﴾ أي ترهبون آخرين من
دونهم.
البلاغة:
﴿مِّن قُوَّةٍ﴾ نكرة تفيد العموم، فتشمل الإعداد المادي بمختلف الأسلحة
المناسبة للعصر، المتطورة حسبما يوجد لدى العدو، المصنّعة في داخل البلاد
الإسلامية، وتشمل أيضاً الإعداد المعنوي والروحي من حفز المواهب والقوى
وإعداد الجيل إعداداً حربياً، وتسليحه بالعقيدة الإسلامية الحقة، وبالأخلاق
الدينية الصالحة، وبغير ذلك لا نصر على العدو.
المفردات اللغوية:
لقتالهم. ﴿مِّنْ قُوَقٍ﴾ قال
﴿وَأَعِدُواْ﴾ الإعداد: التهيئة للمستقبل .﴿لَـ
وَّه ثلاثاً فيما رواه مسلم: ((ألا إن القوة: الرمي)) وهي الآن: كل ما يتقوى
به في الحرب. ﴿ وَمِنْ رِّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾ رباط الخيل: اسم للخيل التي تربط في
٣٩٣
الُعُ (١٠) - الأنفال: ٦٠/٨
سبيل الله، فالمراد من رباط الخيل: حبسها واقتناؤها في سبيل الله وإعدادها
للجهاد باعتبار أنها كانت في الماضي أداة الحرب المهمة . ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ،﴾
تخوفون من الإرهاب والترهيب: وهو الإيقاع في الرهبة: وهي الخوف المقترن
بالاضطراب . ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ هم في الماضي كفار مكة، والآن: كل
من يعادي الإسلام ويتآمر عليه وعلى المسلمين. ﴿ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ﴾ أي ..
غيرهم وهم المنافقون أو اليهود .﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه إليكم. ﴿ وَأَنْتُمْ لَا
نُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون منه شيئاً.
المناسبة:
بعد أن أمر الله رسوله بتشريد ناقضي العهد، ونبذ العهد إلى من خاف منه
النقض، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار، وهذا أمر طبيعي يستتبع
نقض العهد وقيام حالة الحرب.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى المؤمنين بإعداد آلات الحرب المناسبة لكل عصر، وإعداد
الجيش المقاتل على أرفع المستويات؛ لأن الجيش درع الأمة وحصنها المنيع،
وذلك بحسب الطاقة والإمكان والاستطاعة.
فقال: ﴿ وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم﴾ أي هيئوا لقتال الأعداء ما أمكنكم
من أنواع القوى المادية والمعنوية المناسبة لكل زمان ومكان، ومن مرابطة
الخيول في الثغور والحدود؛ لأنها منفذ الأعداء ومواطن الهجوم على البلاد،
وقد كانت الخيول أداة الحرب البرية الرهيبة في الماضي، وما تزال لها أهميتها
أحياناً في بعض ظروف الحرب الحاضرة، مثل حال استعمال السلاح الأبيض
والتجسس ونقل بعض المؤن والذخيرة في الطرق الجبلية، وإن كان الدور
الحاسم اليوم هو لسلاح الطيران، والمدافع، والدبابات، والغواصات
٣٩٤
الجزءُ (١٠) - الأنفال: ٦٠/٨
البحرية، فصار ذلك هو المتعين إعداده بدلاً من الخيول؛ لأن المهم تحقيق
الأهداف، وأما الوسائل والآلات فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات
العصر، ويكون المقصود هو إعداد جيش دائم مستعد للدفاع عن البلاد، ويتم
ذلك بالمال المخصص لهذه المهمة، ودعمه بالسلاح الذي ينفق عليه من المسلمين
بحسب الطاقة. وقد خص الله الخيل بالذكر، وإن كانت داخلة في القوة،
تشريفاً لها، وتكريماً، واعتداداً بأهميتها.
ثم ذكرت الآية سبب الإعداد وهدفه وهو إرهاب عدو الله وعدو المسلمين
من الكفار الذين ظهرت عداوتهم كمشركي مكة في الماضي، وإرهاب العدو
الخفي الموالي لهؤلاء الأعداء، سواء أكان معلوماً لنا أم غير معلوم، بل الله
يعلمهم؛ لأنه علام الغيوب. وهذا يشمل اليهود، والمنافقين في الماضي، ومن
تظهر عداوته بعدئذ مثل فارس والروم، وسلالاتهم في دول العالم المعاصر.
وبغير الإعداد الملائم للحرب في كل عصر لا يصان السلام، وصون
السلام عرفاً وعادة وعقلاً لا يكون إلا بآلات الحرب الحديثة.
وبما أن الإعداد للجهاد لا يتوافر بغير المال، حثَّ القرآن على الإنفاق في
سبيله، فقال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَىْءٍ﴾ أي إن كل شيء قليل أو كثير
تنفقونه في الجهاد في سبيل الله، فإنه يوفى لصاحبه، ويجازى عليه على أتم وجه
وأكمله، ولا ينقص منه شيء. جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: أن
الدرهم يضاعفٍ ثوابه في سبيل الله إلى سبع مئة ضعف، كما نص تعالى في
قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَاِلَ فِى كُلِّ سُنْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ
[البقرة: ٢٦١/٢] .
وقوله: ﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عام في الجهاد وفي سائر وجوه الخيرات.
وهذا يدل على أن الإعداد الحربي متوقف على إنفاق المال الكثير في سبيله.
٣٩٥
الجزءُ (١٠) - الأنفال: ٦٠/٨
ومردود النفقة في الواقع يعود إلى المنفق في الدنيا بتحصين ماله وأرضه وتجارته
وصناعته مثلاً، وفي الآخرة بالظفر في جنان الخلد جزاء ما قدم، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ
وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢/٢].
فقه الحياة أو الأحكام:
ما تزال الأمم قديماً وحديثاً تعنى بإعداد وتجهيز الجيوش الضاربة المقاتلة
للدفاع عن وجودها وعزتها وكرامتها، وحماية حدودها، وصون أمنها ومجدها
ورخائها.
لذا أمر الله المؤمنين بالإعداد الدائم للقوة الحربية لمواجهة الأعداء، وفي
هذا كما أشارت الآية إرهاب للعدو، ومنعه من التفكير في العدوان على الأمة
والمقدسات.
وبما أن الإعداد المادي والأدبي والفني للجهاد متوقف على الدعم المالي،
أوجب الله على المؤمنين المساهمة في الإنفاق على متطلبات القتال بحسب الحاجة
وعلى قدر الطاقة والسعة.
وقد استدل بعض علماء المالكية بهذه الآية على جواز وقف الخيل
والسلاح، واتخاذ الخزائن والخُزَّان لها، عُدَّة للأعداء. وقد اختلف العلماء في
جواز وقف الحيوان كالخيل والإبل على قولين: قول بالمنع وهو لأبي حنيفة،
وقول بالصحة وهو قول الشافعي والجمهور، وهو أصح؛ لهذه الآية، وقوله
عليه الصلاة والسلام في حق خالد: ((وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، فإنه
قد احتبس أدراعه وأعتاده(١) في سبيل الله)) ولأنه مال ينتفع به في وجه يعد
قُربة، فجاز أن يوقف كالديار والأراضي.
(١) الأعتاد: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها.
٣٩٦
الُعُ (١٠) - الأَفَالَ: ٦١/٨-٦٦
إيثار السلام وتوحيد الأمة وتحريضها على القتال
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوْ أَن يَخْدَعُوَكَ فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ
٦٣
وَأَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾ ◌َأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَنِ
أَتَبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالَّ إِن يَكُنْ
مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِنكُم مِّأْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ
١
اُلْتَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ
اُلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ل
فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنِ يَكُن مِّنكُم مِّْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِْتَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنَكُمْ أَلْفٌ
٦٦٦
يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ
القراءات:
﴿النَّبِىُّ﴾ .. ﴿لِنَبِيٍّ﴾
وقرأ نافع (النبيء .. لنبيء).
{إِن يَكُن مِّنْكُمْ﴾:
وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر (وإن تكن منكم).
الْكَنَ﴾:
وقرأ ورش (ألان).
﴿ضَعْفًا﴾:
قرئ:
٣٩٧
لُعُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
١- (ضَعْفاً) وهي قراءة عاصم، وحمزة، وخلف.
٢- (ضُعْفاً) وهي قراءة الباقين.
﴿فَإِن يَكُنْ مِّنْكُمْ ﴾ :
قرئ:
١- (فإن يكن منكم) وهي قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف.
٢- (فإن تكن منكم) وهي قراءة الباقين.
الإعراب:
﴿حَسْبُكَ اَللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، والمعنى: يكفيك الله، فكأنه قال: يكفيك الله
وتابعك . ﴿وَمَنِ أَتَبَّعَكَ﴾ الواو بمعنى (مع) وما بعده منصوب، تقول: حسبك
وزيداً درهم، ولا تجرّ؛ لأن عطف الظاهر المجرور على المكني ممتنع، والمعنى:
كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصراً. و﴿وَمَنِ﴾: إما مرفوع عطفاً على
لفظ ﴿اَللَّهُ﴾ أي حسبك الله وتابعوك، أو مبتدأ وخبره محذوف، تقديره: ومن
اتبعك من المؤمنين كذلك. وإما منصوب بالحمل في العطف على المعنى.
﴿ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم مِّأْتَةٌ﴾ ﴿فَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِّئَةٌ﴾ من قرأ يكن بالياء
على التذكير فللفصل بين الفعل والفاعل، ومن قرأ بالتاء فلتأنيث المئة.
البلاغة:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية فيها ما يسمى بالإطناب، للتذكير بنعمة الله
العظمى على الرسول والمؤمنين، وهي نعمة التأليف ووحدة الأمة.
﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنٍ﴾ فيه ما يسمى بالاحتباك
وهو إثبات قيد الصبر في الشرط الأول، وحذف نظيره من الشرط الثاني،
٣٩٨
لُرُ (١٠) - الأَفَّالِ: ٦١/٨-٦٦
وإثبات صفة الكفر من الآية الثانية وحذفها من الأولى، ثم ختمت الآية
بالصابرين للمبالغة في الطلب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِنْ جَنَحُواْ﴾ مالوا. ﴿لِلسَّلْمِ﴾ بكسر السين وفتحها: الصلح، والإسلام
دين السلام، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى الْسِّلْمِ
كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨/٢]. ﴿فَاجْنَحْ لَا﴾ مل إليها وعاهدهم. ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى
اللَّهِ﴾ ثق به. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقول. ﴿اَلْعَلِيمُ﴾ بالفعل. ﴿أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾
بالصلح ليستعدوا للحرب . ﴿فَإِنَ حَسْبَكَ﴾ كافيك وناصرك عليهم.
﴿حَرِضِ﴾ حث على القتال. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي بسبب أنهم. ﴿قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾
أي لا يدركون حكمة الحرب وما تؤدي إليه من سعادة الدنيا والآخرة.
﴿إِن يَكُنْ﴾ هذا خبر بمعنى الأمر، أي ليقاتل العشرون منكم المئتين،
والمئة ألفاً، ويثبتوا لهم، ثم نسخ ذلك لما كثروا، بالآية التالية.
﴿أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ عن قتال الواحد عشرة أمثاله. (بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بإرادته.
﴿وَإِن يَكُنْ﴾ خبر بمعنى الأمر أي لتقاتلوا مثليكم وتثبتوا لهم .﴿مَعَ
الصَّبِينَ﴾ أي يعينهم.
سبب النزول:
نزول الآية (٦٤):
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾: قال الزمخشري في الكشاف نقلاً عن الكلبي:
هذه الآية نزلت بالبَيْداء في غزوة بدر قبل القتال. وهذا هو الراجح.
وقيل: نزلت في إسلام عمر، والآية مكية، كتبت بأمر رسول الله وَله في
سورة مدنية، كما ذكر القشيري. قال ابن عباس: نزلت في إسلام عمر؛ فإن
٣٩٩
الُرُ (١٠) - الأنفال: ٦١/٨-٦٦
النبي ◌َّ﴾ كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلاً، وست نسوة؛ فأسلم عمر،
وصاروا أربعين.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال: لما أسلم مع
النبي ◌َّ ثلاثة وثلاثون رجلاً، وست نسوة، ثم أسلم عمر، نزلت ﴿يَأَيُّهَا
النَِّىُ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية.
وأخرج أبو الشيخ ابن حيان الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال: لما
أسلم عمر، أنزل الله في إسلامه: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية.
لكن ورد في السيرة خلاف ما ذكر عن إسلام عمر، قال ابن مسعود: ما
كنا نقدر على أن نصلِي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشاً،
حتى صلَّ عند الكعبة، وصلينا معه. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج
من أصحاب رسول الله وَله إلى الحبشة. قال ابن إسحاق: وكان جميع من لحق
بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم
صغاراً، أو ولدوا بها، ثلاثةً وثمانين رجلاً.
نزول الآية (٦٥):
﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ﴾: أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده
عن ابن عباس قال: لما افترض الله عليهم أن يقاتل الواحد عشرة، ثقل ذلك
علیهم وشق، فوضع الله ذلك عنهم إلی أن یقاتل الواحد رجلین، فأنزل الله:
﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ﴾ الآية وما بعدها.
المناسبة:
بعد أن أمر الله تعالى بإعداد العدة لإرهاب الأعداء، أمر هنا بالصلح
القائم على العزة والكرامة، وأنه عند توافر الرهبة إذا مالوا إلى الصلح،
فالحكم قبول الصلح؛ لأن الحرب ضرورة لرد العدوان، وتحقيق حرية نشر
٤٠٠
الجُ (١٠) - الأَنْفَالَ: ٦١/٨-٦٦
الإسلام، ومنع الظلم والطغيان، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يلجأ إليها إلا
إذا استعصت الحلول السلمية.
التفسير والبيان:
بعد توافر الإعداد الحربي والاستعداد التام للجهاد إن مال العدو إلى طلب
الصلح، وآثر السلم على الحرب والقتال، فالحكم قبول الصلح حسبما يرى
الإمام من المصلحة، قال الزمخشري: والصحيح أن الأمر موقوف على ما يرى
فيه الإمام صلاح الإسلام وأهله، من حرب أو سلم، وليس بحتم أن يُقاتَلُوا
أبداً، أو يجابوا إلى الهدنة أبداً (١).
ومعنى الآية: وإن جنح، أي مال الأعداء إلى السلم أو الهدنة والصلح،
فمل إليها؛ لأنك أولى بالسلم منهم، وصالحهم وتوكل على الله أي ثق به،
وفوِّض الأمر إليه، ولا تخف من مكرهم وغدرهم في جنوحهم إلى السلم، فإن
الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم، والله سميع لما يقولون، عليم بما
يفعلون.
وإن يريدوا بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، فالله يكفيك أمرهم
وينصرك عليهم، فهو كافيك وحده.
وهذا دليل واضح على إيثار السلم وتفضيله على الحرب؛ لأن الإسلام دين
السلام والهداية والمحبة، ولا يلجأ في شرعه إلى القتال إلا عند وجود الظروف
القاهرة، والضرورات الملجئة.
ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين.
رسول الله صل عشر سنين، أجابهم إلى ذلك، مع ما اشترطوا من شروط مجحفة
(١) الكشاف: ٢٢/٢