Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ الُ (٩) - الأنفال: ٩/٨-١٤ فالنعمة الأولى التي يذكِّر الله بها المسلمين يوم بدر: إمدادهم بالملائكة، ثم ذكَّرهم بنعمتين أخريين هما إلقاء النعاس وإنزال المطر، فقال: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ﴾ أي اذكروا ما أنعم الله عليكم من إلقاء النعاس عليكم حتى غشيكم كالغطاء، أماناً أمَّنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من رؤية كثرة عدوهم وقلة عددهم، وأراحهم من عناء السير، فمن غلب عليه النعاس لا يشعر بالخوف، ويرتاح ويجدد نشاطه وقوته، روى البيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه قال: ((ماكان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتُنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله (مَآليه يصلي تحت شجرة، حتى أصبح)). وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدِها، فكان النوم للجمع العظيم في الخوف الشديد دفعة واحدة عجيباً وفي حكم المعجز الخارق للعادة، مع ماكان بين أيديهم من الأمر المهمّ، ولكن الله ربط جأشهم. قال الماوردي: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما - أن قوَّاهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني - أن أمَّنَهم بزوال الرعب من قلوبهم؛ كما يقال: الأمن مُنِيم، والخوف مُسْهِر. وكذلك فعل الله تعالى بهم فألقى النعاس عليهم يوم أحدٍ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآَبِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤/٣]. وأنزل الله عليكم أيضاً مطراً من السماء ليطهركم به من الحدث والجنابة، ويذهب عنكم وسوسة الشيطان إليكم وتخويفكم من العطش، وقيل: يذهب عنكم الجنابة التي أصابت بعضكم؛ لأنها من تخييله، وليربط على قلوبكم، أي بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن، ويثبت به ٢٨٢ الجُ (٩) - الأَفَّاك: ٩/٨-١٤ الأقدام، وهو شجاعة الظاهر، أي أن إنزال المطر حقق أربع فوائد: التطهير الحسي بالنظافة والشرعي بالغسل من الجنابة والوضوء، وإذهاب وسوسة الشيطان، والربط على القلوب أي توطين النفس على الصبر، وتثبيت الأقدام به على الرمال. وظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر، وهي ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان. وقال مجاهد وابن أبي نجيح: كان المطر قبل النعاس. والسبب في إنزال المطر: ماروى ابن المنذر من طريق ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه: أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون، وصلوا مجنِين مُحْدِثين، وكان بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال: أتزعمون أن فيكم نبياً، وأنكم أولياء، وتصلّون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء، فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون، وتطهروا، وثبتت أقدامهم (على الرمل المتلبد) وذهبت وسوسته. والضمير في ﴿بِهِ﴾ للماء أو المطر. وسبق رسول الله وأصحابه إلى الماء المتجمع من ماء المطر، فنزلوا عليه، وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، وبُني لرسول الله وَّل عريش على تَلّ مشرف على المعركة. هذا مادل عليه الخبر وهو أن المشركين سبقوا إلى التجمع على الماء يوم بدر، والمعروف كما ذكر ابن إسحاق في سيرته وتبعه ابن هشام في سيرته: أن رسول الله وَّ لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك، أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحَبَابُ بن المنذر، فقال: يارسول الله، أرأيتَ هذا المنزل؟ أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، قال: يارسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغوِّر ما وراءه ٢٨٣ المُ (٩) - الأنفال: ٩/٨-١٤ من القُلُب (الآبار غير المبنية) ثم نبني عليها حوضاً، فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله وَله: لقد أشرت بالرأي، وفعلوا ذلك. قال ابن كثير: وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي رحمه الله عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دهساً(١)، فأصاب رسول الله وَّله وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشاً مالم يقدروا على أن يرحلوا معه. وأرى أن النص القرآني يوافق هذه الرواية التي استحسنها ابن كثير وسار عليها جمهور المفسرين كالطبري والزمخشري والرازي وغيرهم. وذكر البيضاوي رواية تؤيد ذلك فقال: روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ في الأقدام على غير ماء، وناموا، فاحتلم أكثرهم، وقد غلب المشركون على الماء، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تنصرون، وقد غُلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله، وفيكم رسوله؟ فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمطروا ليلاً، حتى جرى الوادي، واتخذوا الحياض على عُدوته (جانبه) وسقوا الرّكاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام، وزالت الوسوسة. ثم ذكر البيضاوي معنى قوله: (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي بالوثوق بلطف الله بهم، ويثبت به الأقدام أي بالمطر حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة. والأصح الذي ذكره القرطبي عن ابن إسحاق في سيرته وغيره، وهو الذي يوفق به بين الروايات: أن الأحوال التي صاحبت نزول المطر كانت قبل وصولهم إلى بدر(٢). (١) الدهس: الرمل الذي تسوخ فيه الأرجل. (٢) تفسير القرطبي: ٣٧٣/٧ ٢٨٤ الجُ (٩) - الأنفال: ٩/٨-١٤ ومن النعم المذكورة أيضاً على المؤمنين في بدر نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها وهي إلهام الله الملائكة أنه معهم معية إعانة ونصر وتأييد، فقال: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ﴾ أي اذكروا إذ يوحي الله تعالى إلى الملائكة بأنه معهم حينما أرسلهم ردءاً للمسلمين، أو يوحي إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم، قال الرازي: وهذا الثاني أولى؛ لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف، والملائكة ماكانوا يخافون الكفار، وإنما الخائف هم المسلمون(١). والمراد بالمعية: معية الإعانة والنصر والتأييد في مواقف القتال الشديدة. فثبتوا قلوب المؤمنين، وقووا عزائمهم، وذكّروهم وعد الله أنه ناصر رسوله والمؤمنين، والله لا يخلف الميعاد. وقيل: إن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارف المؤمنين، وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر. أخرج البيهقي في الدلائل: أن الملَك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول: أبشروا، فإنهم ليسوا بشيء، والله معکم، گُرُّوا علیھم. وقيل بوجه ثالث في معنى التثبيت وهو منقول عن الزجاج: للملَك قوة إلقاء الخير، وهو الإلهام، كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر، وهو الوسوسة. ثم ذكر الله تعالى المراد بقوله: ﴿أَنِّ مَعَكُمْ﴾: وهو أني معكم في إعانتكم بإلقاء الرعب في قلوب الكفار، فمن أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين زرع الخوف والرعب في نفوس الكفار. فاضربوا رؤوسهم التي هي فوق الأعناق واقطعوها، واحتزوا الرقاب (١) تفسير الرازي: ١٣٥/١٥ ٢٨٥ الُ (٩) - الأَنَفَّالة: ٩/٨-١٤ وقطّعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم ذات البنان. والبنان: الأصابع، والمراد الأطراف. والمعنى أن الله أمرهم أن يضربوا المقاتل وغير المقاتل، ويجمعوا عليهم النوعين معاً. ثم بَيَّن الله تعالى سبب تأييده ونصره المؤمنين، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُوا﴾ أي أن ذلك المذكور من النصر والتأييد للنبي والمؤمنين بسبب أن المشركين شاقوا الله ورسوله، أي عادوهما وخالفوهما، فساروا في شق أو جانب وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق آخر. ومن يشاقق الله ورسوله، أي ومن يخالف أمر الله ورسوله ويعاديهما فإن له عدا الهزيمة والخزي في الدنيا العذاب الشديد في الآخرة. ذلكم العقاب الذي عجلته لكم أيها الكافرون المشاقون الله ورسوله في الدنيا من خزي وذل وهزيمة ونكال وما تبع ذلك من قتل وأسر، فذوقوه عاجلاً، ولكم في الآخرة عذاب جهنم إن أصررتم على الكفر. وعبر بالذوق الذي هو تعرف طعم اليسير لمعرفة حال الكثير عن تعجيل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا، فكان المعجل كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعدّ لهم في الآخرة. فقه الحياة أو الأحكام: دلت الآيات على أمور ثلاثة: تعداد النعم، تعليم كيفية القتل، عقاب مشاقة الله والرسول أي معاداتهما. أما النعم المذكورة التي أراد الله التذكير بها في معركة بدر فهي سبع: الأولى - النصر عند الاستغاثة، وذلك بإمدادهم بأعيان الملائكة للمساعدة في القتال. ولا تعارض في تعداد الملائكة بين هذه السورة التي ذكر فيها ألف ٢٨٦ الُ (٩) - الأنفال: ٩/٨-١٤ من الملائكة، وسورة آل عمران التي ذكر فيها ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف؛ لأنه تعالى جعل الإمداد متتابعاً بقوله ﴿مُرْدِفِينَ﴾ فأمدهم أولاً بألف ثم بثلاثة آلاف، ثم بخمسة حينما تذرعوا بالصبر والتقوى. الثانية - إلقاء النعاس أي النوم عليهم ليلة اليوم الذي حدث فيه القتال. الثالثة - إنزال المطر من السماء لتحقيق الطهارة الحسية بالنظافة والوضوء والغسل من الجنابة، والطهارة المعنوية بإذهاب وساوس الشيطان. الرابعة - الربط على القلوب أي تقويتها وإزالة الخوف والفزع عنهم، وإفراغ الصبر عليهم وشد أزرهم لمجالدة الأعداء وقتالهم. الخامسة - تثبيت الأقدام على الرمال التي تلبدت بالمطر. ودل هذا بدلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك. السادسة - الإيحاء إلى الملائكة أن الله مع المؤمنين، فانصروهم وثبتوهم. السابعة - إلقاء الرعب والخوف في قلوب الكافرين. وهذا من النعم الجليلة التي أنعم الله بها على المؤمنين. وأما تعليم كيفية القتل: فهو أنه تعالى أمر المؤمنين بقتل الكفار في المقاتل بضرب الهامات والرؤوس التي هي محمولة فوق الأعناق، وبضربهم في غير المقاتل بتقطيع الأيدي والأرجل ذات البنان؛ لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة. وأما عقاب مشاقة الله والرسول فهو الخزي والنكال والهزيمة في الدنيا، والعذاب الشديد في نار جهنم في القيامة. والمقصود من إيراد هذا العقاب الزجر عن الكفر والتهديد عليه وتوبيخ الكافرين، فالعقاب على ذلك نوعان: عاجل في الدنيا، ومؤجل في الآخرة. ٢٨٧ لُ (٩) - الأَفَّالك: ٩/٨-١٤ وأما فضل أهل بدر فليس لذواتهم وإنما لأفعالهم، قال مالك: بلغني أن جبريل عليه السلام قال للنبي وَالر: كيف أهل بدر فيكم؟ قال: خيارنا، فقال: إنهم كذلك فينا. وذلك لجهادهم، وأفضل الجهاد يوم بدر؛ لأن بناء الإسلام كان عليه. وأوجب الإسلام دفن جثث القتلى ولو كانوا من الأعداء، فقد أمر النبي وَله بدفن قتلى المشركين السبعين في بدر في القليب وهي البئر العادية القديمة الكائنة في البراري. روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله وال# ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم قام عليهم فناداهم فقال: ((يا أبا جهل بن هشام، يا أُمية بن خلَف، ياعتبة بن ربيعة، ياشيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً)) فسمع عمر قول النبي وَلّ فقال: يارسول الله، كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جَيَّقُوا(١)؟ قال: ((والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا)). ثم أمر بهم، فسُحبوا فألقوا في القليب، قلیب بدر. قال القرطبي: وفي هذا مايدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار. قال رسول الله وهليقول: ((إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه: إنه ليسمع قرع نعالهم)) الحديث، أخرجه (٢) الصحيح(٢). (١) جيفوا: أنتنوا، فصاروا جيفاً. وقول عمر: ((يسمعون)) استبعاد على ما جرت به العادة، فأجابه النبي رَلتر بأنهم يسمعون كسمع الأحياء. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٧٧ ٢٨٨ لُ (٩) - الأَنْفَالَ: ١٥/٨-١٩ الفرار من الزحف والنصر من عند الله (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفَا لِقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ ١٥٠ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَنَهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيُ ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اَللَّهَ قَثَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَبَنَّ وَلِيُسْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُومِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ ١٨ إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُذْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِشَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ١٩ القراءات: ﴿ وَمَأْوَنهُ﴾: وقرأ السوسي، وحمزة وقفاً: (وماواه). ﴿ وَبِئْسَ﴾ : وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (وبيس). ﴿وَلَكِنَّ﴾: قرئ: ١- (ولكنٍ) وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي. ٢- (ولكنَّ) وهي قراءة الباقين. ﴿مُؤمِنُ كَيْدِ﴾: قرئ: ١- (مُوَهِّنٌ گید) وهي قراءة نافع، وابن کثیر، وأبي عمرو. ٢٨٩ الْجُ (٩) - الأَقَالَ: ١٥/٨-١٩ ٢- (مُوهِن كيدٍ) وهي قراءة حفص. ٣- (مُوهِنٌ كيدَ) وهي قراءة الباقين. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: قرئ: ١- (وأن الله) وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص. ٢- (وإن الله) هي قراءة الباقين. الإعراب: ﴿زَحْفًا﴾ منصوب على الحال أي متزاحفين، ويجوز أن يكون حالاً للكفار. ﴿إِلَّا مُتَحَرِّقًا لِّقِثَالٍ﴾ حال من فاعل: ﴿يُوَلِّهِمْ﴾ والاستثناء مفرغ، أو منصوب على الاستثناء أي ومن يولهم إلا رجلاً متحرفاً. ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ اَلْكَفِرِينَ (®﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾: خبر مبتدأ مقدر، تقديره: والأمر ذلكم . ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ عطف على ﴿ذَلِكُمْ) وتقديره: والأمر أن الله موهن. ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف على ذلكم، وتقديره: والأمر أن الله مع المؤمنين. ومن قرأ ((وإن)) بالكسر فعلى الابتداء والاستئناف. البلاغة: ﴿إِن تَسْتَفْنِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ اُلْفَتْحُ﴾ الخطاب للمشركين على التهكم [الدخان: ٤٩/٤٤]. مثل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم المفردات اللغوية: ﴿زَحْفًا﴾ أي مجتمعين، كأنهم لكثرتهم يزحفون؛ لأن الكل کجسم واحد ٢٩٠ الجُ (٩) - الَفَّالة: ١٥/٨-١٩ متصل، فيظن أنه بطيء وهو في الواقع سريع، والمراد: جيشاً زاحفين نحوكم لقتالكم . ﴿اَلْأَدْبَارَ﴾ جمع دُبُر وهو الخلف، ويقابله القُبُل، ويكنى بهما عن السوءتين، والمراد من قوله: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الهرب منهزمين. ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ﴾ أي يوم لقائهم ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ منحرفاً أو منعطفاً إلى جانب آخر مظهراً الانهزام خدعة ثم يكر، بأن يريهم الفرار مكيدة، وهو يريد الكرة ﴿ مُتَحَيِزًّا﴾ منحازاً أو منضماً إلى جماعة أخرى ليقاتل العدو معها، والفئة: الجماعة من المسلمين التي يستنجد بها. وأصل الفئة: الطائفة من الناس (بَآءَ﴾ رجع متلبساً به ﴿وَمَأْوَنُهُ﴾ المأوى: الملجأ الذي يأوي إليه الإنسان أو الحيوان ﴿وَبِئْسَ اْصِيرُ﴾ المرجع هي. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بيدر بقوتكم ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمْ﴾ بنصره إياكم ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ يا محمد أعين القوم ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ بالحصى؛ لأن كفاً من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ بإيصال ذلك إليهم، لیقهر الكافرين. ﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً﴾ ليختبر المؤمنين منه اختباراً حسناً بالغنيمة، والاختبار يكون بالنقم لمعرفة الصبر، وبالنعم لمعرفة الشكر، والمراد هنا الاختبار بالنعم ﴿إِنَ اللَّهَ سَمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الإبلاء حق ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ مضعف ﴿كَيْدِ اَلْكَفِرِينَ﴾ تدبيرهم الذي يقصد به غير ظاهره ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ﴾ تطلبوا أيها الكفار الفتح والنصر في الحرب أي الفصل والقضاء في الأمر، حيث قال أبو جهل: ((اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بمالا نعرف، فأحنه الغداة)) أي أهلكه ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ القضاء بهلاك من هو كذلك، وهو أبو جهل ومن قتل معه. ﴿وَإِن تَنَهُواْ﴾ عن الكفر والحرب ﴿وَ إِن تَعُودُواْ﴾ لقتال النبي ◌َِّ ﴿ نَعُدْ﴾ لنصره عليكم ﴿وَلَنْ تُغْنِىَ﴾ تدفع ﴿فِئَتُكُمْ﴾ جماعتكم. ٢٩١ الُ (٩) - الأنفال: ١٥/٨-١٩ سبب النزول: نزول الآية (١٧): ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾: المشهور عند أكثر المفسرين أن هذه الآية نزلت في رمي النبي ◌َله يوم بدر القبضة من حصباء الوادي، حين قال للمشركين: شاهت الوجوه، ورماهم بتلك القبضة، فلم يبق عين مشرك إلا دخلها منه شيء. روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والطبراني عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر، سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله وَليل بتلك الحصباء، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِننَّ اللَّهَ رَىَّ﴾. نزول الآية (١٩): ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ﴾ : روى الحاكم عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير قال: كان المستفتح أبو جهل، فإنه قال حين التقى القوم: أيُّنا كان أقطع للرحم، وأتى بما لا يُعْرَف، فأَحْنه (أهلكه) الغداة، وكان ذلك استفتاحاً، فأنزل الله: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال: قال أبو جهل: اللهم انصر أعز الفئتين، وأكرم الفرقتين، فنزلت. وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي وَالقر من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى هذه الآية .. وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ﴾ الآية. ٢٩٢ الُُ (٩) - الأَفَّاك: ١٥/٨-١٩ المناسبة: الآيات مرتبطة بما قبلها في تعليم المؤمنين قواعد القتال، بمناسبة قصة بدر، ففي الآية السابقة أمرهم بضرب الهامات والرؤوس، وتقطيع الأيدي والأرجل، وهنا ذكر الله حكماً عاماً أيضاً في الحروب، وهو تحريم الفرار من الزحف في مواجهة الأعداء إلا لمصلحة حربية، مثل التحرف لقتال (إظهار الانهزام والفرار خدعة ثم الكرّ) والتحيز إلى فئة (الانضمام إليها لمقاتلة العدو معها). التفسير والبيان: يا أيها الذين صدقوا بالله ورسوله، إذا اقتربتم من عدوكم ودنوتم منهم حال كونهم جيشاً زاحفين نحوكم لقتالكم، فلا تفرُّوا منهم، مهما كثر عددهم، وأنتم قلة، ولكن اثتبوا لهم وقاتلوهم، فالله معكم عليهم. وهذا الانهزام أمامهم محرم إلا في حالتين: إحداهما - أن يكون المقاتل متحرفاً لقتال، أي مظهراً أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، ويكر عليه ليقتله. وهو أحد مكايد الحرب وخدعها. والثانية - أن يكون متحيزاً إلى فئة أي منضماً إلى جماعة أخرى من المسلمين لمقاتلة العدو معها، يعاونهم ويعاونونه. فيجوز له ذلك في هاتين الحالتين. أما فيما عداهما، فمن فرّ أو انهزم وجبن عن القتال، فقد رجع متلبساً بغضب من الله، ومأواه الذي يلجأ إليه في الآخرة جهنم، وبئس المصير هي، وبئس المصير مصيره. قال البيضاوي: هذا إذا لم يزد العدو على الضعف، لقوله تعالى: ﴿اُلْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنَكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦/٨] وقال ابن عباس: من فرَّ من ثلاثة لم يفر، ومن فرّ من اثنين فقد فرّ. والآية تدل على تحريم الفرار من الزحف، وأنه من كبائر المعاصي، بدليل ٢٩٣ الجُزُ (٩) - الأَفَال: ١٥/٨-١٩ ماروى الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً: ((اجتنبوا السبع الموبقات - المهلكات - قالوا: يارسول الله، وماهن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)). ثم علل الله تعالى ضرورة الثبات والصبر أمام العدو بنصره على الأعداء، فقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ أي إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم بقوتكم وعُدتكم، ولكن الله قتلهم بأيديكم؛ لأنه هو الذي أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وشاء النصر والظفر، وقوى قلوبكم وأذهب عنها الفزع والجزع، كما قال تعالى: ﴿فَتِلُوهُمْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ [التوبة: ١٤/٩]. (١٤) عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وذلك أن المسلمين لما كسروا أهل مكة، وقتلوا، وأسروا، أقبلوا على التفاخر، فكان القائل يقول: قتلت، وأسرت. ولما طلعت قريش، قال رسول الله وَلقال: ((هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها، يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني)) فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: خذ قبضة من تراب، فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان لعلي رضي الله عنه: أعطني قبضة من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا، وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. فقيل لهم: إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، بتثبيته قلوبكم، وإلقائه الرعب في قلوبهم. وما رميت أيها الرسول إذ رميت المشركين في الظاهر بالقبضة من الحصباء التي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة؛ لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه سائر البشر في العادة، ولكن الله رماها، حيث أوصل ذلك التراب إلى عيونهم، فصورة الرمي صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأثره إنما صدر من الله، والعبرة بإحداث الأثر فعلاً، فالله هو الذي بلّغ أثر ذلك الرمي إليهم، وكبتهم بها، لا أنت. ٢٩٤ الُ (٩) - الَفَاك: ١٥/٨-١٩ وقد تكرر فعل الرمي من النبي ◌َلر يوم حنين. ويكون الفرق بين فعله تعالى في القتل وبين فعل النبي والمؤمنين: أن الله هو المؤثر الحقيقي الفعال في تحقيق النتائج، وأما فعل البشر فهو القيام بالأسباب الظاهرة المقدورة لهم التي كلفهم بها ربهم، كما هو الحال في جميع كسب البشر وأعمالهم الاختيارية، من كونها لا تستقل في تحقيق غاياتها إلا بفعل الله وتأثيره. فعل الله ذلك كله ليكبت المشركين، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً أي ليعرّف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا حقه، ويشكروا بذلك نعمته، فهو منه تعالى اختبار للمؤمنين بالنصر والغنيمة وذيوع الصيت وحسن السمعة بين العرب. إن الله سميع لكل قول ومنه دعاؤهم واستغاثة الرسول والمؤمنين ربهم قبل القتال، عليم بأحوالهم ونياتهم وبمن يستحق النصر والغنيمة. ثم أتى ببشارة أخرى مع ما حصل لهم من النصر، وهي أنه تعالى أعلمهم بأنه مُضْعِف كيد الكافرين في المستقبل، محبط مكرهم، مصغّر أمرهم، جاعل كل مالهم في تبار ودمار. ثم خاطب الله أهل مكة على سبيل التهكم قائلاً لهم: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح، أي إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما، وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ماسألتم، وتم النصر للأعلى والأهدى، وحدث الهلاك والذلة للأدنى والأضل. ثم أنذرهم الله، وحذرهم بقوله: إن تنتهوا عن الكفر والتكذيب بالله ولرسوله، وعداوة النبي ◌ُّر فهو خير لكم في الدنيا والآخرة وأجدى من الحرب التي جربتموها وما أحدثت من قتل وأسر؛ وإن تعودوا لمحاربته ٢٩٥ اِلُعُ (٩) - الأَنْفَالَ: ١٥/٨-١٩ وقتاله، وإلى ماكنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد إلى نصره وهزيمتكم، كما قال تعالى لبني إسرائيل: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: ٨/١٧] والخطاب هنا للكفار، وهو الظاهر من السياق، وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ لأن قوله: ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ لا يليق إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيان والحكم والقضاء، لم يمتنع أن يراد به الكفار. ولن تفيدكم جماعتكم شيئاً ولو كثرت، إذ ليست الكثرة دائماً من وسائل النصر أمام القلة، فقد يحدث العكس إذا اقترن فعل القلة بالصبر والثبات والإيمان والثقة بالله تعالى. والله مع المؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق إلى النجاح، فلو جمعتم ما قدرتم من الجموع، فإن من كان الله معه، فلا غالب له، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا ﴾ [الصافات: ١٧٣/٣٧] وقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ﴾ ٣٦/ لَمُ الْغَلِبُونَ ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَنِ أَلَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُ الْخَسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩/٥٨]. [المائدة: ٥٦/٥] وقال: فقه الحياة أو الأحكام: يستنبط من الآيات الأحكام التالية: ١ - تحريم الفرار من القتال أمام العدو إلا في حالتين: التحرف لقتال، أو التحيز إلى فئة. ولكن هذا الحكم مقيد عند الجمهور بألا يزيد عدد الأعداء عن ضِعْف المسلمين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضِعْف المؤمنين من المشركين، فالفرض ألا يفروا أمامهم، فمن فر من اثنين فهو فارّ من الزحف، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا وعيد عليه، لقوله تعالى: ﴿اُلْكَنَ خَفَفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنتَ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِأَنَيْنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهُّ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ [الأنفال: ٦٦/٨] فالمسلم مطالب بالثبات أمام اثنين من الأعداء، وهذا ما استقر عليه التشريع. ٢٩٦ لُ (٩) - الأنفال: ١٥/٨-١٩ والفرار معصية كبيرة موبقة، بظاهر القرآن وإجماع أكثر الأئمة للحديث المتقدم عن السبع الموبقات، التي منها ((التولي يوم الزحف)). أما الهرب من الزحف إذا زاد عدد الأعداء عن ضعف المسلمين فهو مباح؛ لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله وَلّر، فحاص الناس خَيْصة، فكنت فيمن حاص - أي هرب -، فقلنا: كيف نصنع، وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، ثم بتنا، ثم قلنا : لو عرضنا أنفسنا على رسول الله بَّه، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: ((من القوم؟)) فقلنا: نحن الفرارون، فقال: ((لا، بل أنتم العكَّارون - الكرارون العطافون - أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمین)). وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه - فيما رواه محمد بن سيرين - في أبي عبيد بن مسعود الثقفي، لما قتل على الجسر، بأرض فارس، لكثرة الجيش، من ناحية المجوس، فقال عمر: لو تحيَّز إلي لكنتُ له فئة)) وقال مجاهد: قال عمر: ((أنا فئة كل مسلم)). لكن وإن جاز الانهزام، فالصبر أحسن، بدليل أن جيش مُؤْتة، وهم ثلاثة آلاف، وقف في مقابلة مئتي ألف، منهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف من المستعربة من لخم وجُذَام. ووقع في تاريخ الأندلس: أن طارقاً مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبع مئة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى وملِك الأندلس: لذريق، وكان في سبعين ألف عِنان - فرس - فزحف إليه طارق، وصبر له، فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يسأل عن القوم يلقون العدو، أو يكونون في محرس يحرسون، فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون، فيؤذنون ٢٩٧ إِلُعُ (٩) - الَفَالَ: ١٥/٨-١٩ أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. وحكم الفرار من الزحف ليس مختصاً بمن كان انهزم يوم بدر، كما يرى بعض الصحابة والتابعين (أبي سعيد الخدري، والحسن البصري وقتادة والضحاك) وإنما هذا الحِكم عامٍ في جميع الحروب، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اُلَِّينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهو عام، فيتناول جميع الحالات، كل ما في الأمر أنه نزل في واقعة بدر، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. والآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب، وهذا رأي مالك والشافعي وأكثر العلماء. قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فرّ من الزحف، ولا يجوز لهم الفِرار، وإن فرّ إمامهم؛ لقوله عز وجل: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ﴾ الآية: وفيها أنه استحق غضب الله ونار جهنم. وقال أيضاً: ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا مالم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفاً، فإن بلغ اثني عشر ألفاً، لم يحل لهم الفرار، وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقول رسول الله ﴿* فيما رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي: ((ولن يُغلَب اثنا عشر ألفاً من قِلّة)) إلا أن فيه راوياً متروكاً. فإن فرّ فليستغفر الله عز وجل، لما رواه الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال: حدثني أبي عن جدّي، سمع النبي ◌َّ يقول: ((من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه، غفر الله له، وإن كان قد فرّ من الزحف)). ٢ - استدل أهل السنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَلَهُمْ﴾ ومن المعلوم أنهم جرحوا الأعداء، فدل هذا على أن حدوث تلك ٢٩٨ الجُرُءُ (٩) - الأَفَّالِ: ١٥/٨-١٩ الأفعال إنما حصل من الله. وقوله تعالى عن النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي وما رميت خلقاً ولكن رميت كسباً. وعلى كل حال فمذهب أهل السنة ثابت بصريح قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ [الزمر: ٣٩ /٦٢]. عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ٣ - المؤمن مطالب بتعاطي الأسباب الظاهرية، والقيام بالتكليف الذي كلفه الله، ثم يتوكل على الله ويفوض الأمر إليه، أما تحقيق النتائج والأهداف فهو متروك قطعاً لله عز وجل، لا بقوة الإنسان وقدرته، لهذا صح النفي والإثبات في قوله: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَنَّ﴾ أي أن صورة الرمي صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأثرها إنما صدر من الله. وحادثة رمي الأعداء بحفنة من الحصباء حدثت يوم بدر في الأصح كما قال ابن إسحاق؛ لأن الآية نزلت عقيب بدر والسورة بدرية، وتكررت يوم أحد ويوم حنين. ٤ - كان الإخلاص في الجهاد، وصدق اللقاء، والثقة بالله سبب رضوان الله على أهل بدر، وإعطائهم البلاء الحسن، أي الإنعام عليهم، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب. ٥ - إن كل قوى الكفار تتبدد أمام قدرة الله وإرادته ونصره عباده المؤمنين، فأوهن الله كيدهم وألقى الرعب في قلوبهم، وفرّق كلمتهم، وأطلع المؤمنين على عوراتهم، وخزاهم وأذلهم، وهددهم بالعودة إلى خذلانهم إن عادوا لمحاربة النبي ◌َّ والمؤمنين، وأنبأهم بدحر قواتهم مهما كثرت، وأن الله مؤيد بنصره المؤمنين، ولكن مع كل هذا فتح الله باب الأمل أمامهم بالعودة عن الكفر والشرك والمعاداة إلى الإيمان والطاعة والإسلام واتباع النبي ◌َّ ومؤازرته وتأییده، رحمة منه بعباده، والله رؤوف بالعباد. ٦ - لقد تحقق مطلب أبي جهل حينما قال: اللهم انصر أفضل الدينين ٢٩٩ الجُزُ (٩) - الَفَقال: ٢٠/٨-٢٣ وأحقه بالنصر، وقول المشركين حينما أرادوا الخروج إلى بدر، وأخذوا بأستار الكعبة: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل . الدينين. وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أي إن تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، فقد جاءكم النصر، على سبيل التهكم عليهم، ففي بدر فرق الله بين الحق والباطل لذا سميت الغزوة أو المعركة بيوم الفرقان، وأعز الإسلام وأهله، وهزم الكفر وأعوانه. الأمر بطاعة الله والرسول والتحذير من المخالفة ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ٢٠ ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ اٌلَّوَابِ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ◌ِنْدَ اللَّهِ اُلُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ( ٢٢ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمّ ٢٣ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْ قَّهُم مُّعْرِضُونَ الإعراب: ﴿وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ أصلها: تتولوا، أدغمت إحدى التاءين بالأخرى. والضمير في ﴿عَنْهُ﴾ لرسول الله وَ له؛ لأن المعنى: وأطيعوا رسول الله، كقوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢/٩] ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد. البلاغة: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ﴾ شبه الكفار بالبهائم، وجعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم شراً منها، لتعطيلهم حواسهم عن سماع الحق والنطق به، فهو وجه الشبه، وأما أنهم شر من البهائم فلأنهم يضرون غيرهم والبهائم لا تضر. ٣٠٠ الجزرُ (٩) - الأَفَالآ: ٢٠/٨-٢٣ المفردات اللغوية: ﴿وَلَا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ﴾ تعرضوا عن الرسول وَّهِ، بمخالفة أمره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ القرآن والمواعظ ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واتعاظ، وهم المنافقون أو المشركون ﴿الدَّوَابِ﴾ جمع دابة: وهي ما تدب على الأرض ﴿ الضُّ﴾ عن سماع الحق، جمع أصم: وهو الأطرش ﴿اَلْبُّكُمُ﴾ عن النطق بالحق، جمع أبكم: وهو الأخرس. (خَيْرًا﴾ أي صلاحاً بسماع الحق ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماعٍ تفهم ﴿ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ على سبيل الافتراض، وقد علم ألا خير فيهم ﴿لَتَوَلَّواْ﴾ أعرضوا عنه ﴿وَّهُم مُعْرِضُونَ﴾ عن قبوله عناداً وجحوداً. المناسبة: لما خاطب الله المشركين والكفار بقوله: ﴿وَإِن تَنَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أتبعه بتأديب المؤمنين بالأمر بطاعة الله والرسول إذا دعاهم للجهاد وغيره؛ لأن الكلام من أول السورة إلى هنا في الجهاد. ومن عادة القرآن مقابلة الأشياء ببعضها، فلما حذر الكافرين، اقتضى تنبيه المؤمنين لئلا يتقاعسوا عن الدفاع عن الدين وإجابة دعوة النبي الكريم وَلّه. التفسير والبيان: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين المعاندين له، فقال: يا أيها المتصفون بالإيمان والتصديق أطيعوا الله ورسوله في الدعوة إلى الجهاد وترك المال، ولا تتركوا طاعته أي الرسول وامتثال أوامره وترك زواجره، فإذا أمر بالجهاد وبذل المال وغيرهما، امتثلتم، والحال أنكم تسمعون كلامه ومواعظه، وتعلمون ما دعاكم إليه. والمراد بالسماع: سماع تدبر وفهم وتأمل