Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
الُعُ (٩) - الْأَغراف: ١٩٤/٧-١٩٨
البلاغة:
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ هذا إطناب يراد به زيادة التقريع والتوبيخ.
والاستفهام في المواضع المختلفة استفهام إنكار، أي ليس لهم شيء من ذلك مما
هو لكم، فكيف تعبدونهم وأنتم أتم حالاً منهم؟!
المفردات اللغوية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة من دون الله، وأصل
الدعاء: النداء، ويقصد به غالباً دفع ضرر أو جلب خير ﴿عِبَادُ﴾ مملوكة لله
﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ دعاءكم ﴿إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ في أنها آلهة ﴿يَبْطِشُونَ﴾
يضربون ويصولون بها.
﴿ أَدْعُواْ شُرَّكَآءَكُمْ﴾ إلى هلاكي ﴿فَلَا نُظِرُونِ﴾ تمهلون، فإني لا أبالي بكم.
﴿إِنَّ وَلِقِىَ اَللَّهُ﴾ أي متولي أموري ﴿نَزَّلَ اُلْكِنَبِّ﴾ القرآن ﴿وَهُوَ يَنَوَلَى
الصَّلِحِينَ﴾ من عباده بحفظه فضلاً عن أنبيائه ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ أي الأصنام
﴿ وَتَرَهُمْ﴾ أي الأصنام يا محمد ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي يقابلونك كالناظر،
فهم يشبهون الناظرين إليك؛ لأنهم صوروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه.
المناسبة:
هذه الآيات تأكيد لما سبق بيانه أن الأصنام لا تصلح للألوهية، بقصد
غرس التوحيد في القلوب، واستئصال جذور الشرك من النفوس.
التفسير والبيان:
إن تلك الأصنام التي تعبدونها وتسمونها آلهة من دون الله، وتدعونها لدفع
الضر أو جلب النفع هم عباد أو عبيد مثل عابديها، في كونهم مخلوقات الله
مثلهم، خاضعون لإرادته وقدرته، بل الأناس أكمل منها؛ لأنها تسمع

٢٢٢
الُ (٩) - الأَغَافِ: ١٩٤/٧-١٩٨
وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئاً من ذلك. وإذا كانت على هذا النحو
فكيف يصح عقلاً تقديسها وعبادتها من مخلوق مثلها، بل أسمى وأكمل منها؟
وإنما الذي يستحق العبادة هو الرَّب الخالق الذي خضعت له جميع الكائنات،
ودانت له الأسباب. وكيف تترك رسالة بشر خصه بالعلم والمعرفة، وازدانت
عقيدته بالحق والنور والفائدة العظمى، وتعبد حجارة من دون الله، لا تضر
ولا تنفع؟
وإن كنتم صادقين في تأليههم، واستحقاقهم العبادة، والتماس النفع أو
الضر منهم، فادعوهم واطلبوا منهم طلباً ما، فليستجيبوا لكم دعاءكم، إما
بأنفسهم، وإما بتوسطهم عند الله. ومعنى هذا الدعاء: طلب المنافع، وكشف
المضار من جهتهم. واللام في قوله ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ﴾ لام الأمر، على معنى
التعجيز، والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة، ظهر أنها لا
تصلح للعبادة.
وقوله: ﴿عِبَادُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ استهزاء بهم، أي قصارى أمرهم أن يكونوا
أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك، فهم عباد أمثالكم، لا تفاضل بينكم.
وصفت الأصنام بأنها عباد، وأشير إليها بضمير العقلاء في قوله:
﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ ولم يقل: التي، مع أنها
جمادات غير عاقلة، إنزالاً لها منزلة العقلاء، بحسب اعتقاد المشركين أنها تضر
وتنفع، فتكون عاقلة فاهمة، فوردت الألفاظ على وفق معتقداتهم.
ثم ترقى القرآن في الجواب عليهم، وأبطل أن يكونوا عباداً أمثالهم، وأثبت
أنهم ليسوا أمثالهم، بل أدنى منهم رتبة، فذكر أعضاء أربعة هي الأرجل
والأيدي والأعين والآذان، وكلها معطلة القوة والحركة والإدراك، مع أن
هذه الأعضاء إن كان فيها هذه القوى فهي وسائل الكسب في الحياة.
فليس للأصنام أرجل يمشون بها إلى جلب نفع أو دفع ضر، وليس لهم أيد

٢٢٣
الجُزُ (٩) - الأعراف: ١٩٤/٧-١٩٨
يبطشون بها ويصولون بها لتحقيق ما ترجون منهم من خير، أو تخافون من
شر، وليس لهم أعين يبصرون بها أحوالكم، ولا آذان يسمعون بها نداءكم
وكلامكم وفهم مطالبكم، فهم ليسوا مثلكم، بل دونكم في التكوين
والصفات والقوى، ومن يخلو من منافع هذه الأعضاء، لا يستحق العبادة،
فإن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام، بل لا تصح المقارنة بين مزايا
الإنسان وهذه الأصنام، إذ هم حجارة صماء، أو طين وماء، أو عجوة أو
حلاوة كصنم بني حنيفة.
أكلت حنيفة ربها عام التقحم والمجاعة
ومع كل هذا أُمر النبي ◌َلير بأن يتحداهم، ويدعوهم للاختبار العملي،
فقيل له: قل يا محمد الرسول لهؤلاء الوثنيين: نادوا شركاءكم وآلهتكم من دون
الله، واستنصروا بها علي، وتعاونوا على كيدي، فلا تؤخروني طرفة عين،
وابذلوا جهدكم، وأوقعوا الضرر بي كيف شئتم، ولا تمهلونِ ساعة من نهار،
أنتم وشركاؤكم، فلا أبالي بكم. ولا يقول هذا إلا واثق بعصمة الله، وكانوا
قد خوفوه آلهتهم.
وهذا رد على تهديدهم وقولهم: إنا نخاف عليك من آلهتنا !!
ثم أعلن الرسول ثقته الكبرى بالله وتحقيره هذه المعبودات، مع قلة الأعوان
والنصراء في مكة فقال بتعليم الله: ﴿إِنَّ وَلِقِىَ اَللَّهُ﴾ أي الله حسبي وكافيني،
وهو نصيري وناصري عليكم، ومتولي أمري في الدنيا والآخرة، وعليه
اتكالي، وإليه ألجأ، وهو الذي نزَّل علي القرآن الذي يدعو إلى التوحيد، وينبذ
الشرك، وأعزني برسالته، وهو الذي يتولى كل صالح بعدي، وهو كل من
صلحت عقيدته، وسلمت من الخرافات والأوهام، وصلحت أعماله، ومن
عادته تعالى أن ينصر الصالحين من عباده وأنبيائه، ولا يخذلهم. أما المشرك
فوليه الشيطان: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِّ

٢٢٤
الجزءُ (٩) - الْأَّغرافِن: ١٩٤/٧-١٩٨
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطّغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الْقُلُمَتِ﴾
[البقرة: ٢٥٧/٢]. ومناسبة هذه الآية: ﴿إِنَّ وَلِىَ اللَّهُ﴾ لما قبلها أنه تعالى لما بَيَّن
في الآيات المتقدمة أن هذه الأصنام لا قدرة لها على النفع والضر، بيّن بهذه
الآية أن الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي يتولى تحصيل
منافع الدين ومنافع الدنيا، أما الأولى فبسبب إنزال الكتاب وأما الثانية
فبسبب تولي الصالحين.
ثم أكد تعالى ما تقدم من خيبة الأصنام في تحقيق النصر فقال: ﴿ وَالَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِهِ،﴾ بصيغة الخطاب، وذاك بصيغة الغيبة، أي إن الذين
تعبدونهم وتدعونهم من دون الله لنصركم ودفع الضر عنكم عاجزون، لا
يستطيعون نصركم، ولا نصر أنفسهم ضد من يحقرهم أو يسلبهم شيئاً مما
يوضع عليهم من طيب أو حلي، أو يريدهم بسوء.
فقد كتر إبراهيم عليه السلام الأصنام وأهانها غاية الإهانة فما دفعت عن
نفسها الأذى ولا انتقمت منه، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا
﴾ [الصافات: ٩٣/٣٧] وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَدًا إِلَّا كَبِيرًا
٢٣
بِلْيَمِينِ
١٥٨﴾ [الأنبياء: ٥٨/٢١].
◌َهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
وروي عن معاذ بن جبل ومعاذ بن عمرو بن الجُمُوح رضي الله عنهما -
وكانا شابين من الأنصار قد أسلما، لما قَدِم رسول الله وَلهل المدينة - أنهما كانا
يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطباً
للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتؤوا لأنفسهم رأياً آخر.
وکان لعمرو بن الجموح - وكان سيد قومه - صنم یعبده ویطیبه، فكانا
يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعَذِرة، فيجيء عمروبن
الجموح، فيرى ما صُنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفاً، ويقول له:
انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضاً، حتى أخذاه مرة، فقرَنَاه

٢٢٥
الُزُ (٩) - الأَغراف: ١٩٤/٧-١٩٨
مع کلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو، ورأى ذلك نظر
فعلم أن ماكان عليه من الدِّين باطل، وقال:
تالله لو كنت إلهاً مستَدن لم تكُ والكلبَ جميعاً في قَرَن
ثم أسلم وحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيداً رضي الله عنه(١).
وكما هم عاجزون عن النصرة عاجزون عن الإرشاد والهداية، فقال
تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُواْ﴾ أي وإن تدعوا هذه الأصنام إلى
أن يهدوكم إلى سواء السبيل وتحقيق النصر، لا يسمعوا دعاءكم، فضلاً عن
المساعدة والمعونة والإمداد، وتراهم أيها المخاطب المتأمل يقابلونك بعيون
مصوَّرة صناعية، وهي جماد لا تبصر شيئاً، ولا تدرك المرئي؛ لأن لهم صورة
الأعين، وهم لا يرون بها شيئاً، فهم فاقدو السمع والبصر، كما قال تعالى في
آية أخرى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا أُسْتَجَابُوْ لَكُمْ﴾
[فاطر: ١٤/٣٥].
وإذ فقدوا السّمع والبصر، فكيف يرجى منهم نصر أو عون، وكيف يخاف
منهم إحداث ضرر أو أذى لمن يحتقرهم، وكيف يليق بكم أن تتخذوهم آلهة؟!
فقه الحياة أو الأحكام:
الآيات محاجّة في عبادة الأصنام، وتأكيد لما سبق من بيان عدم أي جدوى
من تلك العبادة، وقد دلّت على ما يأتي:
اً - يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام المعطلة القوى
المحركة والمدركة، لفقدها الأرجل والأيدي والأعين والآذان؛ لأن المعبود
يتّصف بهذه القوى وغيرها، والإنسان الذي يعبدها أفضل منها بكثير، بل لا
(١) تفسير ابن كثير: ٢٧٦/٢

٢٢٦
الُرُ (٩) - الْأَغَرَافِي: ١٩٤/٧-١٩٨
مجال للمقارنة بينه وبينها أصلاً، فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن
يشتغل بعبادة الأخس الأدون، الذي لا يحس منه فائدة ألبتة، لا في جلب
المنفعة، ولا في دفع المضرة؟! فهي ليست عباداً أمثال الإنسان، وإنما هي
حجارة وخشب، فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه.
أَ - الإنسان أفضل وأكمل حالاً من الصنم؛ لأن له رجلاً ماشية، ويداً
باطشة، وعيناً باصرة، وأذناً سامعة، وليس للصنم شيء من ذلك.
◌َّ - كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر؟! فليس للأصنام
قدرة على النفع والضرر، لا لنفسها ولا لغيرها، ولا تستطيع نصرة أحد.
٤ - إن تخويف المشركين الرّسول وَ لّل بآلهتهم عبث وهدر، فقد دعاهم إلى
مكايدته وإضراره دون إمهال، فخابوا وخسروا هم وشركاؤهم.
٥ - إن متولي أمور النَّبِي وَله في الدُّنيا والآخرة بنصره وحفظه هو الله تعالى
الذي يتولّ الصَّالحين من عباده ويحفظهم. جاء في صحيح مسلم عن عمرو بن
العاص قال: سمعت رسول الله وَّر جهاراً غير سرّ يقول: ((ألا إنّ آل أبي -
يعني فلاناً - ليسوا لي بأولياء، إنما وَلِّي الله وصالح المؤمنين)).
أَ - الواجب على العاقل عبادة الله تعالى؛ لأنه هو الذي يحقق له منافع
الدين بإنزال الكتاب المشتمل على العلوم العظيمة في الدِّين، ومنافع الدُّنيا
بتولي الصالحين من عباده وحفظه لهم ونصرته إياهم، فلا تضرّهم عداوة من
عاداهم.
وما أروع ذلك الموقف العملي للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز
بالاستدلال بهذه الآية، فإنه ما كان يدَّخر لأولاده شيئاً، فقيل له فيه، فقال:
ولدي إما أن يكون من الصالحين، أو من المجرمين، فإن كان من الصالحين
فوليَّه الله، ومن كان الله له وليّاً، فلا حاجة له إلى مالي، وإن كان من

٢٢٧
المُزُ (٩) - الأَغراف: ١٩٩/٧-٢٠٢ .
المجرمين، فقد قال تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُوُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧/٢٨]
ومن ردّه الله لم أشتغل بإصلاح مهماته.
لاً - كررالله تعالى وصف الأصنام بأنها عاجزة عن نصر عابديها، ونصر
أنفسها، وفائدة التكرارأن المعنى الأول مذكور على جهة التقريع، وهذا
مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة، وبين من لا تجوز، فالإله
المعبود هو الذي يتولّ الصالحين، أي يحفظهم، وهذه الأصنام لا تتولى أحداً،
فلا تصلح للألوهية.
٨ - الأصنام جمادات مصنوعة، ركبت لها حدق عيون من معادن أو
جواهر برّاقة، كأنها ناظرة، وهي جماد لا تبصر، فلذلك قال: ﴿وَتَرَنَهُمْ
يَنْظُرُونَ﴾ وقد عاملها معاملة من يعقل وعبّر عنها بضمير العاقل؛ لأنها على
صورة مصورة كالإنسان.
وقال السُّدي ومجاهد: المراد بهذا المشركون. قال ابن كثير: والأول أولى،
وهو قول قتادة، واختاره ابن جرير.
أصول الأخلاق الاجتماعية ومقاومة الشيطان
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
٩٩
الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
﴿خُذِ الْعَفَوَ وَأَمُّهُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ (
إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا
مَسَّهُمْ طَبِّفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ
وَإِخْوَانُهُمْ
٢٠١
يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
القراءات:
وَأَمُهُ﴾ :

٢٢٨
الجُرُ (٩) - الأَغراف: ١٩٩/٧-٢٠٢
وقرأ ورش، والسوسي، وحمزة وقفاً: (وَامُرْ).
﴿طَيِّفٌ﴾: قرئ:
١- (طيف) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، والكسائي.
٢- (طائفٌ) وهي قراءة الباقين.
﴿ يَمُدُّونَهُمْ﴾ :
وقرأ نافع: (مُدُّونهم).
الإعراب:
﴿وَإِمَّا﴾ فيه إدغام نون: إن الشرطية في ((ما)) المزيدة.
﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فعل أمر، وهو جواب الشرط، وجواب الأمر محذوف،
أي يدفعه عنك. ﴿إِذَا مَتَهُمْ طَيِّفٌ﴾ فعل وفاعل، و﴿طَِّّفٌ﴾: اسم فاعل
من طاف. وقرئ: طيف مخففاً من طيِّف، وهو فَعْل من طاف، كما خفف
سيِّد وميِّت.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ فعل مضارع من («مدَّ)) وهو ثلاثي، وقرئ بالضم على جعله
مضارعاً من (أمدّ) وهو رباعي. وقيل: مدَّ في الخير والشّر، وأمدَّ في الشَّرّ
خاصة.
﴿ وَإِخْوَانُهُمْ﴾ جمع الضمير في هذه الكلمة والشيطان مفرد؛ لأن المراد به
الجنس، كقوله: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ الَّاغُوتُ﴾
البلاغة:
﴿يَنْزَغَتَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ﴾ النزغ: إدخال الإبرة ونحوها في الجلد،
وفيه استعارة؛ لأنه شبَّه وسوسة الشيطان وإغراءه الناس على المعاصي بالنزغ.

٢٢٩
لُعُ (٩) - الأَغَافِ: ١٩٩/٧-٢٠٢
المفردات اللغوية:
﴿اَلْعَفْوَ﴾ اليسر من أخلاق الناس، ولا تبحث عنها، والمعنى: خذ ما عفا
وتيسر من أخلاق الناس . ﴿بِاَلْعُرْفِ﴾ المعروف. ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ يصيبنَّك، أو
يصرفنَّك، والنزغ كالنّخس: إصابة الجسم بشيء محدد كالإبرة ونحوها، والمراد
منه هنا: وسوسة الشيطان . ﴿فَأَسْتَعِذْ﴾ أي الجأ إليه وتذكره.
﴿مَسَهُمْ طَيِفٌ﴾ أصابهم شيء ألم بهم، أي وسوسة ما. ﴿تَذَكَّرُواْ﴾
عقاب الله وثوابه. ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ الحق من غيره، فيرجعون.
﴿ وَإِخْوَنُهُمْ﴾ أي الشياطين من الكفار. ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِىِ الْفَيِّ﴾ يعاونهم
الشياطين في الضلال. ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا يكفّون عن إغوائهم، بالتّبصر
كما تبصّر المتقون. والإقصار: التقصير.
المناسبة:
لما بَيَّن الله تعالى فيما سبق أن الله هو الذي يتولّ نبيَّه والمؤمنين الصالحين
بالحفظ والتأييد، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار،
بَيَّن في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس،
وهي آية تشمل أصول الفضائل، فهي من أسس التشريع التي تلي أصول عقيدة
التّوحيد المبيّنة بأتم بيان. ثم أعقب ذلك بوصية وقائية، وهي اتِّقاء وساوس
الشياطين من الجنّ، بعد الأمر بالإعراض عن الجاهلين السفهاء، اتِّقاء لشرّ
الفريقين.
التفسير والبيان:
جمعت الآية الأولى أُصول الفضائل الثلاث وهي:
١- الأخذ بالعفو: وهو السّهل من أخلاق الناس وأعمالهم، دون
تكليفهم بما يشق عليهم ومن غير تجسُّس، وإنما يؤخذ بالسّمح السّهل،

٢٣٠
الُ (٩) - الَّغرافية: ١٩٩/٧-٢٠٢
واليسر دون العسر، كما ورد في الحديث الذي أخرجه أحمد والشَّيخان
والنّسائي عن أنس بن مالك عن النَّبي ◌َّرِ: (يسّروا ولا تعسّروا، وبشِّروا ولا
تنفّروا)). ويدخل في العفو: صلة القاطعين أرحامهم، والعفو عن المذنبين،
والرّفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين.
وهذا هو الصّنف الأول من الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم
بطريق المساهلة والمسامحة، ويشمل ترك التشدد في كل ما يتعلَّق بالحقوق
المالية، والتّخلُّق مع الناس بالخلق الطَّيِّب، وترك الغلظة والفظاظة، كما قال
تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: ١٥٩/٣]
ومن هذا القسم: الدّعوة إلى الدِّين الحق بالرّفق واللطف، كما قال تعالى:
﴿وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥/١٦].
والخلاصة: إن المراد بالعفو: الأخذ باليسر والسّماحة ودفع الحرج والمشقة
عن الناس في الأقوال والأفعال، وما خيّرِ وَلّ بين أمرين إلا اختار أيسرهما،
ما لم يكن إثماً، كما أخرج الترمذي ومالك.
٢- الأمر بالعرف وهو المعروف والجميل من الأفعال: وهو كل ما أمر به
الشرع، وتعارفه الناس من الخير، واستحسنه العقلاء، فالمعروف: اسم
جامع لكل خير من طاعة وبرّ وإحسان إلى الناس. وهذا هو النوع الثاني من
الحقوق التي لا يجوز التّساهل والتّسامح فيه، ويراد به ما هو معهود بين الناس
في المعاملات والعادات. ولا يذكر المعروف في القرآن إلا في الأحكام المهمة،
مثل قوله تعالى في وصف الأمّة الإسلامية: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
اٌلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤/٣].
وفي تبيان الحقوق الزّوجية: ﴿وَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ وَلِلْرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ
درجة
بِمَعْرُوفٍ أَوْ
فَإِمْسَاك
﴾ [البقرة: ٢٢٨/٢]، وفي الحفاظ على رباط الزّوجية:
تَسْرِيخُ بِإِحْسَنٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩/٢]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١/٢].

٢٣١
الجزءُ (٩) - الأعراف: ١٩٩/٧-٢٠٢
٣ - الإعراض عن الجاهلين: ويتمثل بعدم مقابلة السُّفهاء والجھَّال بمثل
فعلهم، وترك معاشرتهم وصيانة النّفس عنهم، وعدم مماراتهم والحلم عنهم،
والصَّبر على سوء أخلاقهم والغضّ على ما يسوءك منهم. فإذا تكلم الجاهل
الأحمق بما يسوء الإنسان، فليعرض عنه، ويقابله بالعفو والصَّفح، لقوله
تعالى في وصف المؤمنين: ﴿وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِنُ وَاللَّهُ يُحِبُّ
اُلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤/٣]، وقوله تعالى في فضيلة العفو: ﴿وَأَن تَعْفُوَاْ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىّ وَلَا تَنسَوأْ اَلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧/٢].
هذه المبادئ الثلاثة هي أصول الفضائل ومكارم الأخلاق فيما يتعلَّق
بمعاملة الإنسان مع الغير. قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية، قال عليه الصّلاة
والسّلام: ((يا جبريل، ما هذا؟ قال: إنّ ربَّك يقول: هو أن تصل من
قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك)).
وروى الطَّبري وغيره عن جابر مثل ذلك.
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: ((أمر الله نبيَّه عليه الصّلاة والسّلام
بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها». وقال
عبد الله بن الزُّبير: والله ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق النّاس. وقد روي عن
النَّبِي وَّ أنه قال فيما رواه الترمذي: ((أثقل شيء في الميزان: خلُق حسن تام)).
وناسب الأمر بالإعراض عن الجاهلين وهم السُّفهاء اتِّقاءً لشرِّهم، الأمر
بالاستعاذة من الشَّياطين، تجنُّباً للوقوع في مفاسدهم وشرورهم، فقال تعالى:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي وإما يعرض لك الشَّيطان بوسوسته، وينخس في قلبك
بحملك على خلاف ما أمرت به، ويحاول إيقاعك في المعاصي، أو يغضبنك من
الشيطان غضب يصدّك عن الإعراض عن الجاهل، ويحملك علی مجازاته،
بجعلك ثائراً هائجاً، فالجأ إلى الله واطلب النّجاة من ذلك بالله، واستجر بالله
من نزغه، واذكر الله في القلب واللسان، يصرف عنك وسوسة الشيطان،

٢٣٢
اِلُ (٩) - الأَغزافين: ١٩٩/٧-٢٠٢
والله سميع للقول من جهل الجاهلين والاستعاذة بالله من نزغ الشيطان
(وسوسته) ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بالفعل،
وبما يذهب عنك نزغ الشيطان وغير ذلك من أمور خلقه.
والاستعاذة مطلوبة عند تلاوة القرآن في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ
٩٨
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
١٩٩ ﴾ [النحل: ١٦ /٩٨-٩٩].
والخطاب في آية ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ ونحوها موجّه إلى كل المكلفين، وأوّلهم
الرّسول وَل﴾. ويدأب الشَّيطان على إلقاء وساوسه في قلب كل إنسان، روى
مسلم عن عائشة وابن مسعود أنّ النَّبِي وَّ قال: ((ما منكم من أحد إلا وقد
وُكِّل به قرينه من الجنّ، قالوا: وإِيَّاك يا رسول الله؟ قال: وإيّاي إلا أن الله
أعانني علیه، فَأَسْلَمُ منه)).
ثم أوضح الله تعالى طريق التّخلُّص من وساوس الشّيطان، فقال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ﴾ أي إن عباد الله المتقين، الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا عنه
ما زجر، إذا أصابهم طائف من الشّيطان، أي ألمت بهم لَّة منه، تذكّروا ما أمر
الله به ونهى عنه، وذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فأبصروا
السَّداد، وعرفوا طريق الحقّ والخير، ودفعوا ما وسوس به الشَّيطان إليهم،
ولم يُتبعوه أنفسهم، فإذا هم أولو بصيرة ووعي وعقل، وقد استقاموا وصحوا
مما كانوا فيه. وهذا الاعتصام بالله من الشّيطان عمل وقائي، ولا شكّ أن
الوقاية خير من العلاج. فإذا وقع الإنسان في معصية بادر إلى التّوبة والإنابة
والرُّجوع إلى الله من قريب، حتى يمحو الله عنه أثر الذَّنب.
ومن المعروف أن للإنسان نزعة إلى الخير ونزعة إلى الشّرّ، وبمقدار ما
يجاهد به نفسه، ويتغلّب على هوى نفسه، ووسوسة شيطانه، كان مثاباً مقرَّباً
إلى الله تعالى، قال النَّبِي وَ لّ فيما رواه الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن

٢٣٣
الجزء (٩) - الإشراف: ١٩٩/٧-٢٠٢
مسعود: ((إنّ للشّيطان لَمَّةٌ بابن آدم، وللملَك لَّةً، فأما لَمَّة الشيطان فإيعاد
بالشّ وتكذيب بالحقّ، وأمّا لَّة الملَك فإيعاد بالخير وتصديق بالحقّ، فمن وجد
ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الأخرى،
فليتعوّذ من الشَّيطان، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ﴾.
ثم ذكر الله مدى تأثير الشيطان على الجاهلين الفاسدين فقال:
﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتّقين، فإن الشياطين
يتمكّنون من إغوائهم، ويمدّونهم في الغيّ أي الضّلال، ويكونون مدداً لهم فيه
ويعضدونهم، ولا يقصرون أبداً في حملهم على المعصية أي لا يمسكون عن
إغوائهم، ولا يكفّون عن إفسادهم، حتى يصرّوا على الشَّرّ والفساد؛ لأنهم لا
يذكرون الله إذا نزغ بهم الشيطان، ولا يستعيذون ثمن وسواسه، إما لعدم
إيمانهم، أو لخلو قلوبهم من التّقوى.
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمّنت آية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أصول الفضائل والأخلاق الاجتماعية، وهي
تلي في المرتبة أصول العقيدة، ففي المعاملات والعادات ولدى التعامل مع
الآخرين تظهر أخلاق الناس، وما أحوج الإنسان إلى هذه الأصول الخلقية في
تعامله مع الغير.
وقد تبيَّن لدينا في تفسير الآية أن هذه الأصول ثلاثة:
أخذ بالعفو: أي المعاملة باللين، والبيان باللطف، ونفي الحرج في الأخذ
والإعطاء والتكليف، ويشمل ترك التّشدُّد في كل ما يتعلَّق بالحقوق المالية،
والتّخلُّق مع الناس بالخلق الطَّيِّب، وترك الغلظة والفظاظة، والدَّعوة إلى
الدِّين الحقّ بالرّفق واللّطف. وهذا النّوع من الحقوق مما يقبل التّساهل
والتّسامح فيه.

٢٣٤
الجزءُ (٩) - الأَغرافئ: ١٩٩/٧-٢٠٢
وأمر بالمعروف: وهو كل ما عرف شرعاً وعقلاً وعادةً من جميل الأفعال
وألوان الخير. وهذا النّوع من الحقوق لا يقبل التّسامح والتّساهل. ويشمل كل
ما أمر به الشرع، وكل ما نهى عنه من الأقوال والأفعال. والمأمورات
والمنهيّات معروف حكمها، مستقرّ في الشَّريعة موضعها، والقلوب متّفقة على
العلم بها. والفرد والجماعة مطالبان بمقتضى هذا الأمر، والإعلان الدّائم عن
المعروف والأمر به، والنّهي عن المنكر وإخفائه.
وإعراض عن الجاهلين: وهم السُّفهاء، ففي أثناء الأمر بالمعروف
والتّرغيب فيه، والنّهي عن المنكر والتّنفير منه، ربَّما أقدم بعض الجاهلين على
السّفاهة والإيذاء، فيكون الإعراض عنهم هو المتعيّن، اتِّقاء لشّهم، وصيانة
للدّاعية عن أذاهم، ورفعاً لقدره عن مجاوبتهم. وذلك يتناول جانب الصَّفح
بالصّبر.
وهذه الأوامر الخلقية الثلاثة، وإن كان الخطاب فيها من الله لنبيِّه عليه
الصّلاة والسّلام، فهو تأديب لجميع خلقه.
والصحيح - كما ذكر المفسرون مثل القرطبي والرازي وابن كثير وغيرهم
- أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، كما قال مجاهد وقتادة، بدليل مارواه
البخاري عن عبد الله بن عباس قال: قدم عُيينة بن حِصْن بن حذيفة بن بَدْر،
فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يُدْنيهم
عمر، وكان القراءُ أصحابَ مجالس عمر ومشاورته، كُهولاً كانوا أو شُبّاناً،
فقال عُيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن
لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه؛ فاستأذن لعيينة. فلما دخل قال: يابن
الخطاب، والله ما تعطينا الجزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل! قال: فغضب عمر،
حتى هَمَّ بأن يقع به. فقال الحرّ: يا أمير المؤمنين، إن الله قال لنبيه عليه الصلاة
وإن هذا من
(١٩٩)
والسلام: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأُمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ

٢٣٥
الجُزْءُ (٩) - الأغرافي: ١٩٩/٧-٢٠٢
الجاهلين. فوالله، ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافاً (١) عند كتاب
الله عز وجل. وكذلك شتم عصام بن الْمُصْطَلِقِ الحسن بن علي وشتم أباه،
فنظر إليه نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم
(٢)
(١٩٩)
الله الرحمن الرحيم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ
فالتزام عمر بالآية، وكذا التزام الحسن بن علي بها دليل على أنها محكمة.
ففي حالة التعمد بالجفَاء على السلطان والاستخفاف بحقه يستحق التعزير،
وفي غير ذلك يكون الإعراض والصفح والعفو، كما فعل عمر.
وأما بقية الآيات فجعلت الناس قسمين: المؤمنين المتقين، وإخوان
الشياطين. أما المؤمنون المتقون فإنه إذا مسهم طائف من الشيطان وألمت بهم لَّةً
تحملهم على المعاصي، تذكروا أمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه، فأبصروا الحق
وحَذِروا وسلموا، وإن تورطوا في المعصية ندموا وتابوا ورجعوا إلى الله تعالى.
والاستعاذة بالله عند وسوسة الشيطان وإغرائه بالمعصية: أن يتذكر المرء
عظيم نعم الله عليه، وشديد عقابه، فيدعوه كل واحد من الأمرين إلى
الإعراض عن هوى النفس، والإقدام على طاعة أمر الشرع.
والخطاب وإن كان للرسول، إلا أنه تعليم وتأديب عام لجميع الخلق.
والرسول ◌َل قد ينزغه الشيطان - والنزغ: كالابتداء في الوسوسة -
والعلاج: الاستعاذة بالله كما دلت الآية الأولى، وأما المتقون: فيتعرضون لما
هو أزيد من النزغ، وهو أن يمسهم طائف من الشيطان، كما دلت آية: ﴿إِنّ
الَّذِينَ أُثَّقَوْاْ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا
(١) أي لا يتجاوز حكمه، تفسير القرطبي: ٣٤٧/٧، تفسير ابن كثير: ٢٧٧/٢ وما بعدها.
(٢) انظر القصة في تفسير القرطبي: ٣٥٠/٧ - ٣٥١

٢٣٦
الُرُ (٩) - الأَغراف :: ١٩٩/٧-٢٠٢
حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ
الاستعاذة بلسانك، فإني سميع، واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك،
فإني عليم بما في ضميرك.
ونظير هذه الآية: مافي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
وَله : («يأتي الشيطانُ أحدکم، فيقول له: من خلق كذا وكذا؟ حتی یقول له :
من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله، ولْيَنْتَهِ)).
وأما إخوان الشَّياطين: وهم شياطين الإنس أو الفجَّار من ضُلال الإنس
أو الكفّار والمشركون، فتمدّهم الشَّياطين في الغيّ والضّلال، ويغوون النّاس،
فيكون ذلك إمداداً منهم لشياطين الجنّ على الإغواء والإضلال. فبين الفريقين
تعاون على الضّلال والإثم. وسموا بإخوان الشَّياطين؛ لأنهم يقبلون منهم.
وهذا التّفسير جمع بين القولين في بيان المراد من إخوان الشياطين، القول
الأوّل وهو الأظهر عند الرّازي: أن شياطين الإنس يغوون الناس، والقول
الثاني وهو الأوجه عند الزّمخشري؛ لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتَّقوا: وهو
أن الشَّياطين من الجنّ يكونون مدداً لشياطين الإنس. والقولان مبنيان على أن
لكل كافر أخاً من الشَّياطين(١).
وعلى كل حال فإن العصاة تتمكّن الشَّياطين من إغوائهم، فيمدّونهم في
غيِّهم ويعضدونهم، ولا يكفون عن ذلك، فتراهم يستمرون في شرورهم
وكفرهم وآثامهم.
وقد فشَرت الآية سابقاً بالقول الثاني. والمراد من الإمداد: تقوية الوسوسة
والإقامة عليها.
(١) تفسير الرازي: ١٠٠/١٥

٢٣٧
الُ (٩) - الأَغراف: ٢٠٣/٧
اتباع النّھي
الوحي الإلهي وخصائص القرآن
صَلى الله
عاليه
وَسَلم
﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِهَايَةٍ قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَبَيْنَهَاَ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَّ مِن زَبِّ
هَذَا بَصَآِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
البلاغة:
﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن بصائر، تشبيه بليغ أي هذا كالبصائر،
حذفت أداة التّشبيه ووجه الشَّبه، وأصله: هذا بمنزلة بصائر القلوب.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِتَايَةٍ﴾ أي وإذا لم تأت أهل مكة بآية مما اقترحوا أو بآية
من القرآن.﴿قَالُواْ لَوْلَا أُجْتَبَيْنَهَاَ﴾ أي قالوا: هلا اخترعتها أو اختلقتها
وأنشأتها من عندك، أو هلا طلبتها من الله. ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَّ مِن رَّبِّ}
أي إنما أنا متبع الوحي، ولست بمختلق للآيات من عند نفسي، أو لست
بمقترح لها .﴿هَذَا بَصَابِرُ﴾ هذا القرآن بصائر للقلوب، أي مبصِّر لها، بها
يبصر الحق، ويدرَك الصواب، وهو حجج مبيّنات.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى فيما سبق إغواء الشَّياطين وإضلالهم، بيَّن في هده
الآية نوعاً خاصّاً من أنواع الإغواء والإضلال، وهو أنّهم كانوا يطلبون آيات
كونية معينة، ومعجزات مخصوصة، على سبيل التّعنُّت، كقوله تعالى حكاية
عنهم: ﴿ وَقَالُواْ لَن ◌ُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ
جَنَّةٌ مِّن تَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَنُفَجِّرَ الْأَنْهَرَ خِلَلَهَا نَفْجِيرًا
﴾ [الإسراء: ١٧ /٩٠-
٩١].

٢٣٨
الجُزءُ (٩) - الأَغراف :: ٢٠٣/٧
فإذا لم تأتهم بما طلبوا، قالوا: هلا اختلقتها من عند نفسك، جرياً على
اعتقادهم بأن القرآن من عند محمد: ﴿وَقَالُواْ مَا هَذَا إِلَّ إِفْكُ مُفْتَرَى﴾ [سبأ:
٣٤/ ٤٣] . .
التفسير والبيان:
وإذا لم تأت أيها الرّسول أهل مكة بآية مما اقترحوا حدوثه، أو بآية من
القرآن، قالوا: هلا اختلقتها وتقولتها من تلقاء نفسك، لزعمهم أن القرآن
من عند محمد، وأنه متمكن من الإتيان بالآيات الكونية والمعجزات
المخصوصة، أو هلا طلبتها من الله الذي يلبي لك حاجتك. فقل لهم يا محمد:
إنما أنا متَّبع وحي ربِّ فقط، ولست بمفتعل أو مختلق للآيات، أو لست
بمقترح لها، ولست قادراً على إيجاد الآيات. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أَثْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ
هَذَا أَوْ بَدِّلَهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيِّ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآٍ نَفْسِىٌّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىّ
إِلَّ﴾ [يونس: ١٥/١٠].
ثم نبههم الحق تعالى إلى ما يحقق الهدف، وأرشدهم إلى أن هذا القرآن أعظم
المعجزات، وكأنه قال لهم: ما لكم تطلبون شيئاً لا يفيدكم؟ وإنما لديكم هذا
القرآن الذي يشتمل على مبصرات للقلوب، وحجج بيِّنات، وبراهين نيِّرات،
ودلائل واضحات من الله على صدقي، وأنه من عند الله، بها يبصر الحق،
ويدرك الصّواب، ويعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلةٍ بصائر
القلوب، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ
ج
أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيَّهَا﴾ [الأنعام: ١٠٤/٦].
وهذا القرآن هدى للحيارى إلى طريق الاستقامة، وهو أيضاً رحمة في الدُّنيا
والآخرة لمن يؤمن به، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارٌَ فَأَتَّبِعُوهُ
وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
[الأنعام: ١٥٥/٦]، فمن آمن به وعمل بأحكامه،
٥٥
فهو من المفلحين دون سواهم.

٢٣٩
الزرع (٩) - الأعراف :: ٢٠٤/٧-٢٠٦
وهذه الخصائص الثلاث متفاوتة البيان بحسب أحوال طالبي المعارف،
فأعلاها الحق اليقين، وثانيها منهج الاستقامة للمعتدلين، وثالثها طريق
الرّحمة العامة بالمؤمنين.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآية إلى ما يأتي:
اَ - كان لأهل مكة مع النَّبي ◌َّ مواقف تعنُّت وتشدُّد، ومطالب شبه
مستحيلة، تهرُّباً من الإيمان، وإصراراً على الكفر، وإمعاناً في إيذاء النَّبِي ◌َّ،
واتِّهامه بأخطر أنواع الاتّهام، وهو افتراء القرآن وتمكّنه من الإتيان بما شاؤوا
من المعجزات وخوارق العادات.
أَ - تقتصر مهمّة النَّبي ◌ََّ على اتّباع الوحي وامتثال ما أمر الله به، فإن
أظهر الله معجزة أو آية على يديه قبلها، وإن منعها عنه لم يسأله إيَّاها، إلا أن
يأذن له في ذلك، فإنه حكيم عليم.
٢ - هذا القرآن أعظم المعجزات وأبين الدّلالات وأصدق الحجج
والبيِّنات، فهو متَّصف بخصائص ثلاث: مبصّر بالحقّ في دلالته على التّوحيد
والنّبوة والمعاد وتنظيم الحياة بأحسن التّشريعات، وهاد مرشد إلى طريق
الاستقامة، ورحمة في الدُّنيا والآخرة للمؤمنين به.
الاستماع للقرآن وطريقة الذكر
﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
زَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا
إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَبِّحُونَهُ
٢٠٥
تَكُنْ مِّنَ اُلْغَفِلِينَ
وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
وَآذكُر
٢٠٤

٢٤٠
الجزء (٩) - الآغرافي: ٢٠٤/٧-٢٠٦
القراءات:
{الْقُرْءَانُ﴾ :
وقرأ ابن كثير، وحمزة وقفاً (القران).
الإعراب:
﴿تَضَرُّعًا﴾ منصوب على المصدر، وقيل: هو في موضع الحال.
وَاْأَصَالِ﴾ جمع أُصُل، وأصل: جمع أصيل، وهو العَشي.
المفردات اللغوية:
﴿فَاسْتَمِعُواْ﴾ الفرق بين السَّمع والاستماع: أنّ الأول يحصل ولو بغير
قصد، والثاني لا يكون إلا بقصد ونيّة. ﴿وَأَنْصِتُواْ﴾ الإنصات: هو السُّكوت
للاستماع، من غير شاغل يشغل عن الإحاطة بكل ما يُقْرِأ. ﴿تَضَرُّعًا﴾ تذلُّلاً
وإظهاراً للضَّراعة، أي الخضوع والضَّعف . ﴿وَخِيفَةً﴾ خوفاً وخشية من الله
وعقابه . ﴿ وَدُونَ اُلْجَهْرِ مِنَ اُلْقَوْلِ﴾ أي التّوسُّط في الذّكر دون الجهر برفع
الصّوت، وفوق السّر والتّخافت . ﴿بِلْغُدُوِّ﴾ جمع غدوة: وهي ما بين صلاة
الغداة (الفجر) إلى طلوع الشَّمس. ﴿وَالْأَصَالِ﴾ جمع أصيل: وهو العشي ما
بعد العصر إلى غروب الشمس، والمقصود: الذّكر أوائل النهار وأواخره، أي
في كل وقت. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ أي الملائكة. ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا
يتكبَّرون عن عبادة الله.﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ ينزهونه عما لا يليق به. ﴿وَلَهُ
يَسْجُدُونَ﴾ أي يصلّون لله ويخصّونه بالخضوع والعبادة.
سبب النّزول:
﴿ وَإِذَا قُرِىءَ اُلْقُرْءَانُ﴾ : أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة قال:
نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ في رفع الأصوات في
الصّلاة خلف النَّبِي وَلِيد.